مفهوم الفطرة عند الشيخ محمد الطاهر بن عاشور

العدد الحادي والعشرون
السنة الخامسة / فيفري - مارس 2008

سمير ساسي

تمهيد

"يؤكد المنطلق القرآني أن الإنسان يولد على الفطرة ولكنه لا يحدد الفترة التي تسمى الفطرة هل هي مرحلة الجنين أم مرحلة الولادة الأولى وإن كان الحديث المتواتر في هذا السياق يشير إلى أن الفطرة هي استعداد الإنسان للإسلام بالطبيعة وأن رأى صاحب لسان العرب أن الفطرة هي الشهادتان فإن تفسير هذه الظاهرة يرجع إلى ما في الإسلام من استجابة لأحوال الإنسان دون تعسف رغم ما  فيه من ضوابط و هذا المعنى هو الذي عند المفسرين وعند الفقهاء وعلماء الكلام فهو بمثابة المنطق الداخلي في الثقافة الإسلامية الذي يدعو إلى التسليم بهذه الحقيقة من جهة إيمانية محض"[1]

تعريف الفطرة عند ابن عاشور

وقد يبدو من المغري الركون إلى القول بأن الفطرة هي "الدين بعقائده وشرائعه" كما يذهب إلى ذلك الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في كتابه مقاصد الشريعة الإسلامية وهو يرسم مدخلا لتفصيل القول لهذا الارتباط بين الفطرة والدين.

غير أن هذا التعريف المكثف والمختزل يحتاج إلى جهد لتحليل هذه الكثافة المعنوية والوصول إلى الدلالات التي تحملها الفطرة وهو جهد لا يسلم بيسره الشيخ بن عاشور نفسه "على أنه إن عسر على أحدهم تحقيق معنى فطري دقيق أو تسديد الالتباس غيره به وخاف هوى نفسه أن يخيل له الأمر غير الفطري فطريا فعليه حينئذ أن يعمق النظر طويلا وأن يعتبر شهادة العلماء الأفاضل المشهود لأفكارهم بكثرة العصمة من الخطأ. "[2] 

وهذه صرامة علمية يؤكدها الشيخ حتى يتجنب الباحث هوى نفسه ويتوخى التدقيق والتمحيص ولا يغتر برأيه.

ونستطيع أن ندرك معنى هذه الصرامة التي شرطها الشيخ للباحث في هذا الموضوع باعتباره موضوعا ليس من الهين فك رموزه وتحليل أبعاده فالفطرة هي الدين وهو قول تعوده عامة الناس وعلماؤهم حتى صار منطق الثقافة الإسلامية الداخلي يؤدي وظيفة غلق الدلالة ويحول المقولة إلى مسلمة بديهية تمنع التفكير ضمن الدين الإسلامي إلى أن جاء الشيخ محمد الطاهر بن عاشور وحولها إلى "خط السير الأساس الذي تجري عليه الأحكام الشرعية "[3].

وقد اقترن هذا التحول في الفهم مع إضافة جديدة هامة وخطيرة جاء بها الشيخ رحمه الله  تتمثل في اعتباره الشريعة إنما تستهدف مصالح الناس في الدنيا فقط – عاجلا أم آجلا – أي أنه أخرج المسألة من إطار فهم تقليدي يجعل للشريعة بعدا أخرويا آجلا أو متعال عن الحياة البشرية إلى فهم جديد يتنزل في حركة سير الحياة الإنسانية لأن الجزاء على الأحوال الذي هو شأن الآخرة ليس من المصالح المباشرة التي تهم البشر في الدنيا.

ثمة إذن تحول عميق في الفهم يكسر ما أطلقنا عليه في البداية "المنطق الداخلي للثقافة الإسلامية" أو يحاول على الأقل من أجل تأسيس رؤية جديدة يسعى هذا البحث للوقوف على معالمها ودلالاتها بناء على "طريقة في القراءة  تحيط بالكل للوصول إلى الجزء"[4]. والكل هنا مقاصد الشريعة الإسلامية وهي المفصل الإطار لموضوع بحثنا "أن الفطرة في هذه القراءة معطى داخل فرضية ذات إطار دقيق هو المقاصد العامة. وإن تنزيل الفطرة ضمن المقاصد العامة يجعلها طرفا جوهريا ذو تماسك في دائرة التفكير ضمن الدين الإسلامي"[5].

خصوصية الفطرة ومفهومها عند ابن عاشور

 فما هي خصوصية تعريف الفطرة ومفهومها عند الشيخ محمد الطاهر بن عاشور؟

إن أول تعريف للفطرة أشار إليه الشيخ ابن عاشور جاء  في قوله الفطرة الخلقية. وهو تعريف يشير إلى التناهي بين الفطرة والخلق ويجعل من الفطرة الإطار الذي تدور فيه كيفية الخلق ومضمونه كما أنه معناه يحيل إلى الاستنتاج بأن الإنسان خلق على الفطرة ولئن حمل هذا الاستنتاج إجابة أولية عن كيفية خلق الإنسان فإن مضمون هذه الفطرة التي خلق عليها الإنسان تحتاج إلى بحث وتفصيل وهو ما قصد إليه الشيخ ابن عاشور من تعدد التعريفات التي أوردها للفطرة. فلم يكن التنويع عنده لعبا بالألفاظ وإنما كان تنويعا في الزوايا التي نظر منها الشيخ لمضامين خلق الإنسان الذي هو الفطرة.

مجمل هذه التعريفات هي مضمون خلق الإنسان وأساس هذا المضمون قيام الخلق أو الخلقة على مبدأ "النظام الذي أوجده الله في كل المخلوقات ففطرة الإنسان هي ما فطر عليه الإنسان ظاهرا وباطنا جسدا وعقلا"[6]. مبدأ الخلق هو التنظيم أو هو خلق منظم منسجم لا اختلال فيه بين ظاهر الإنسان وباطنه مثلما هو انسجام بين الإنسان ظاهرا وباطنا وبين الكون انسجاما يؤدي بالضرورة إلى الاتساق في الفعل والحركة لدى الإنسان أو التوافق بين الجسد والعقل على المستوى الحركي ليكون كل خروج عن هذا الانسجام والاتساق خروج عن النظام وبالتالي خروج عن الفطرة والخلق "كمحاولة أن يتناول الأشياء لرجليه"[7]  

فالإنسان خلق على الفطرة منسجما ظاهره وباطنه متسق الفعل بين الجسد والعقل  سالما من الاختلاط بالرعونات والعادات الفاسدة  مهيأ لصدور الفضائل عنه. إضافة إلى مبدأ النظام يرسم الشيخ ابن عاشور مبدأين آخرين لكيفية الخلق وأساسه هما الحالة الفطرية للعقل أو سلامة العقل من الرعونات والأوهام و الحرية، أما المبدأ الأول فهو:

"الحالة التي خلق الله عليها عقل النوع الإنساني سالما من الاختلاط بالرعونات والعادات الفاسدة وهي المراد من قول الله تعالى "فطرة الله التي فطر عليها الناس" وهي صالحة لصدور الفضائل عنها"[8]

وفي هذا يخالف الشيخ محمد الطاهر قول بعض الفلاسفة كهوبز الذي يؤكد أن الإنسان ذئب لأخيه الإنسان ويرى أن الأصل في الإنسان هو صدور الفضائل عنه باعتبار ذلك انسجاما مع الحالة الفطرية التي خلق عليها ثم ينحرف عنها باعتقاده عقائد باطلة وأوهام فاسدة وهذا معنى قوله تعالى "لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين" فالفطرة في "استعمالها الإسلامي في معنى المروءة التي وضعها الله صفة للإنسان منذ أصبح إنسانيا أي منذ تحمل المسؤولية وأدرك الحرية"[9]، "ذلك أن النفوس البشرية مهما بلغت من الشر والشره لا تخلو في أصل الفطرة عن النزاعات الخيرية يصير إليها و تظهر آثارها منها عند عدم ما يعارضها من دواع نفسانية أو وساوس شيطانية"[10]

ويستدل الشيخ بالاستناد الوارد في سورة التين – إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات – ليؤكد أن الفطرة هي غير الطبيعة "إذ ليس للمؤمنين الصالحين اختصاص بصورة جميلة فالأصول الفطرية هي التي خلق الله عليها الإنسان المخلوق لعمران العالم"[11] بصفته إنسانا أي "مطلق الإنسان الذي يملك جملة من العقل و قدرة على اكتساب المعرفة و استعداد للمدنية ومرونة على الطاعة إلى جانب ماله من حواس يدرك بها المرئيات والمسموعات والمتصورات..."[12]

بين الفطرة والتكليف

فالفطرة محدد لماهية الإنسان مطلقا – عقل + قدرة + استعداد للمعرفة + مرونة على الطاعة + الحواس الطبيعية – قبل التكليف وما انسجام التكليف مع محدودات الهوية التي ترسمها الفطرة إلا انسجاما مع الفطرة وقد عبر عن هذا الإبقاء بين الفطرة والتكليف قول الشيخ ابن عاشور "وأعظم ما اشتمل عليه خلق الإنسان خلق قبول للتمدن الذي أعظمه وضع الشرائع له"[13]

المبدأ الثاني الذي أكده الشيخ في فلسفة الإنسان هو مبدأ الحرية "وهو وصف فطري نشأ عليه البشر وبه عرفوا في أول وجودهم على الأرض حتى حدثت بينهم المزاحمة فحدث التحجير"[14]

وقد كان أوضح من قبل أن لا فرق بين العبد والحر في التكاليف وأن "الرق ليس حالة فطرية ولكنه حالة أصطلح عليها البشر وقرروها في أصل نظام حضارتهم"[15]

والحرية في فهم الشيخ ركن رئيسي في بناء الحضارة الإنسانية ذلك أنه بالحرية "تنطلق المواهب العقلية متسابقة  في ميادين الابتكار والتدقيق"[16] والمواهب العقلية أو العقل الحر هو عند الشيخ مصدر "الحضارة الحقة وأنواع المعارف الصالحة والمخترعات وهذا كله عائدا إلى الفطرة وليس كل ما توجهه الفطرة بصادق أنما الصادق فطرة القوة التي ليس لها عقل"[17]. وفي هذا تنبيه للضوابط المنهجية التي يجب أن تحكم الإنسان في فهمه للفطرة حتى تمنع الغفلة واستنزال الهوى وباطل الشهوة.

وخلاصة القول في كيفية الخلق أن الإنسان مخلوق على أساس النظام بمعنى الانسجام والاتساق وأنه ذو طبيعة خيرة وما الشر إلا انحراف عن الفطرة التي هي مكتسبات غير الطبيعة وأنه أيضا إنسان حر نشأ على الحرية وبها يحيا وينطلق وأنه في حالة عقلية فطرية سالمة من الاختلاط بالرعونات والأوهام الفاسدة. وهنا نقف على نظرية في المعرفة تجعل العقل مصدرا لها إذ "الإنسان عقل معه الأعضاء ولولا العقل لما كان الإنسان إلا بهيمة ضعيفة... فأعماله جارية في الصلاح والفساد على حسب تفكيره... "[18]

والتفكير المبحوث عنه هنا "هو التفكير فيما يرجع إلى الشؤون في الحياة  العاجلة والآجلة لتحصيل العلم بما يجب سلوكه للنجاح في الحياتين كي يسلم صاحبه من الوقوع في مهاوي الأغلاط في الحياة العاجلة وفي مهاوي الخسران في الحياة الآجلة"[19]. لذلك خصص الشيخ الحضارة بوصف الحقة كأنه يلمح إلى حضارة / وهم قائم على الأوهام والتخيلات كما قرن المعارف بالصلاح مخرجا بذلك أنواعا من المعارف الأخرى ليست من العقل ولا من الفطرة لأن "الله الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم قد أودع في فطرته قوة الفكر المصيب"[20].

ثم إن الحضارة/الوهم والمعارف غير الصالحة لا تجدها محل اتفاق بل "تجد سلطان هذين الآخرين أشد بمقدار شدة ضعف العقول وتجد أهل العقول الراجعة في سلامة منها"[21]. ولئن بدا أن الشيخ محمد الطاهر بن عاشور يقصد بالمعارف الصالحة العلوم الشرعية أكثر من غيرها فلأنه ينطلق من قاعدة أن ما هو مطلوب في العلم أن يكون حقيقيا ومعتبرا لا وهميا متخيلا وهو ذاته ما تتركز عليه العلوم الشرعية عموما.

مع أن ذلك لا يعني إهماله للعلوم الأخرى خاصة المنطق الذي يعلم الإنسان "استنتاج المسببات من أسبابها والنتائج من مقدماتها" وهذه فطرة عقلية وهنا يعتبر الشيخ العبث في هذا المنهج على طريقة السفسطائيين – خلاف الفطرة العقلية – وبالتالي لا يندرج ضمن المعارف الصالحة و يدعم هذا الرأي ما ذهب إليه الشيخ في تفسيره للمخترعات إذ لم يحددها بنوع معين ولم يرسم لها اتجاها خاصا وإنما جعلها تشمل كل ما يتولد عن التفكير أي كل ما يبدعه الإنسان مما يستجيب لمتطلبات الفطرة لأن "في الفطرة حب ظهور ما تولد عن الخلقة..."

الإنسان بين كيفية الخلق ومضمونه

وفي المحصلة فإن الإنسان قد ولد في إطار بكر مهيأ للحرث ليس له من هدف آخر غير إبداع الأفضل ذلك أن الأرض لا تقدس ابن آدم إنما تقدس الإنسان عمله كما ورد في الحديث المنقول"[22]. ويمكن تلخيص هذه الكيفيات في الجدول التالي وفيه أيضا جانب ثان هو مضمون الخلق سيأتي تحليله فيما يلي.

 

 

 

وإذا كنا قد تعرضنا إلى تحليل الجزء الأول من هذا الرسم أي كيفية الخلق فإن الجزء الثاني هو المقصد الذي وقف عنده ابن عاشور. وهو مضمون متعدد أيضا فيه يتجلى موقع الإنسان في هذا التعريف؟ وهو مضمون متعدد أيضا تعدد أفضلية عبر عنها الشيخ بصيغة المبالغة "وأعظم ما اشتمل عليه خلق الإنسان خلق قبول للتمدن"[23]

ورغم هذه الدرجة من الأفضلية والتعظيم التي أولاها الشيخ لخلق قبول للتمدن فإننا لا نقف على تعريف واضح للتمدن في كتاب مقاصد الشريعة الإسلامية للشيخ ابن عاشور إذ لم يعمد السيخ إلى تفصيل القول فيه وإنما ركز على أعظم مظهر من مظاهره وهو وضع الشرائع له فكأن الشيخ يسلك منهج التعريف نفسه الذي سلكه لكيفية الخلق وهو منهج التعريف بالخصائص.

فقبول التمدن هو أعظم خاصية من خصائص خلق الإنسان وأعظم مظهر من مظاهر هذا التمدن هو وضع الشرائع له، وسواء كان الضمير في "له" يعود إلى الإنسان أو للتمدن فالنتيجة واحدة لأن حفظ الشرائع للإنسان حفظ لتمدنه و حفظها للتمدن حفظ للإنسان.

وحتى ندرك معاني هذه الخصائص التي وصف بها الشيخ خلق التمدن وجب أن نقف عند مفهوم التمدن لنصل إلى المحصلة إلى وجه من أوجه الفطرة الذي يحدده لها الإمام. والملاحظة الأولى التي تسترعي انتباهنا هي أن الإمام ابن عاشور يتحول ضمن بيئة جديدة قطعت مع الفهم الخلدوني الذي يربط بين الحضارة ونهاية العمران. هذه البيئة بدأت بالطهطاوي ثم خير الدين التونسي وهي بيئة "خضع فيها مفهوم التمدن لتخيلات مختلفة انصبت حينا على المضمون وحينا ثانيا على الأصل وحينا ثالثا على التطور والمصير وحينا رابعا على نقد هذا المفهوم نفسه"[24]

ومن خلال النظر في كتاب مقاصد الشريعة نجد أن الشيخ ابن عاشور في تحليله للتمدن ينتقل من المضمون الذي هو حديث عن مدنية الإنسان بالطبع إلى تطور هذا المفهوم ومصيره فمدنية الإنسان بالطبع تفرضها حاجة الأفراد بعضهم للبعض الآخر في أمورهم الحيوية "فإذا قلنا الإنسان مدني بالطبع فقد أقررنا بمظهر من مظاهر الفطرة الإنسانية التي جعلته يبحث عن تكوين العائلة وخلقها والقبيلة ونظامها ثم الأمة ونواميس اجتماعاتها"[25]. إلا أن هذا الاتحاد في الضروريات "يوجهه إلى الاجتماعات المدنية بسبب اختلافه بالغاية واختلافه بها يسبب تقدمه على بعضه للبعض بمقتضى المقصد والغاية التي ينصرف إليها"[26]

وهذا التطور الذي ينتهي إليه مفهوم التمدن يقتضي وجود واعز لحفظ أصله – الإتحاد في الضروريات – ويضمن استمرارية الاجتماع البشري وهذا ما اصطلح على تسميته الشيخ ابن عاشور وضع شرائع له وعده من أعظم انجازات التمدن لأن كمال المدنية لا يتوقف على اتحاد النوع بالاحتياج في الضروريات بقدر ما يكون بالتقدم في الهيئة الاجتماعية وهذه الغاية تتحقق "بانصرافها نحو التقدم بالغنى و المال أو العلوم و المعارف أو العمران أو بقوة السلطان إلى غير ذلك من الأمور التي يترتب عليها التقدم"[27].

وواضح أن الجانب الأول – الغنى والمال – ليس موضع اهتمام الشيخ – دون أن ينفي أنه يضعه في الحسبان - باعتبار أنه ركز على أعظم ما يشتمل عليه خلق التمدن وهو وضع الشرائع له بما يمكننا من الاستنتاج أن الجانب الآخر العلوم والمعارف والعمران وقوة السلطان هي محور الاهتمام لدى الشيخ. وهذا التركيز على جانب العلوم والمعرف والعمران وقوة السلطان يساعدنا على فهم القطع مع الحتمية الخلدونية في ربط الاجتماع البشري بنهاية الحضارة "ذلك أنه من الممكن أن ترتقي المدينة إلى أوج الكمال دون أن يتبع هذا الرقي بالضرورة انحطاط  مباشر"[28] لأنه صار للتمدن بهذا الفهم وجه آخر مغاير أو مضاف إلى وجه الثروة والغنى و"رفاهية العيش"[29].

فلا يكفي الميل الطبيعي نحو التمدن لإنجاح الاجتماع البشري وإنما وجب إصلاح التفكير من نواحي مختلفة عدها الشيخ "من أصول نجاح المرء والجماعة في المجتمع"[30] وجعل لها مستندا عقليا آخر هو أنواع المعارف الصالحة التي تنشأ عن تلاقح العقول وتفاوتها فحركة العقل قد تنتج حضارة حقة وتمدنا يبقى منقوصا ما لم تتلاقح العقول لأن المقدار الذي يستطيع الإنسان التفكير فيه "يجب عليه تطلب الإعانة فيه لمن يبلغه إلى الحق الصحيح فيه من أهل الإرشاد في ذلك الباب"[31] ذلك أن الإنسان عليه أن يكون "ثابت المعرفة لما يحتاج إليه"[32] وهذا هو معنى الثقافة كما ورد في لسان العرب و بناءا عليه نستطيع أن نفهم لماذا فرق الشيخ بين الحضارة الحقة وأنواع المعارف الصالحة والمخترعات برغم أن مصدرها واحد هو العقل وأن كلها ناتج عن الفطرة فالثقافة تشتمل أنواع المعرف الصالحة ويطلق لفظها "على مظاهر التقدم العقلي والمادي معا وهي ذات طابع جماعي"[33] وهي في كلام الشيخ الحضارة الحقة والمخترعات، أي التمدن والاجتماع البشري عموما ووسائل العيش اللازمة لذلك.

فالفطرة في بعدها الفردي حركة عقلية مبنية على الحقائق "إذ الحقيقة وما عاضدها من الاعتبار هو الذي تقبله الفطرة البشرية على اختلاف أصناف البشر"[34] لتبني حضارة وتمدنا ينبذ الأوهام ناتج عن إصلاح التفكير في مجال العقيدة التي هي أصل الإسلام والجزء الأول من الفطرة المراد بها جملة الدين بعقائده وشرائعه والقاعدة التي تبنى عليها تفكير الإنسان في مناحي الحياة.

ثم في مجال الشريعة التي هي قانون الاجتماع البشري والتمدن.

كذلك التفكير في المعاملة وهو الشعور بما لأجله احتاج المرء إلى المعاملة مع الناس وعلى الإنصاف من النفس أما التفكير في الأحوال العامة فهو من أهم مواقف التفكير الصحيح "لأن تصور الحالة العامة على خلاف ما هي عليه يوقع في مصائب ذاتية بالنسبة إلى تصرف المرء في ذاته وفي مصائب متجاوزة للجماعة و للبلد والأمة"[35]

وكان الشيخ محمد الطاهر بن عاشور يرسم لنا ما تنتجه الفطرة كحركة عقلية لدى الفرد من منهج التعامل ومن مهيئات هذا التعامل مع المجتمع وهي كلها تدخل في إطار الحضارة الحقة وأما أنواع المعارف الصالحة التي تنشأ عن تلاقح العقول "فهي سبب لإصلاح الفكر وصلاح العمل ووسيلة لإصلاح الاعتقاد و تكملة الوازع النفساني"[36]  وهي "عند ذلك عمل عقلي صالح وبه يصير إدراك ما في العمل من الصلاح واضحا فيكون الداعي إلى تحصيله منبعثا عن النفس اختيارا..."[37].

ومعنى ذلك أن التقدم المادي ينبغي أن يرفد بتقدم مجال السلوك الإجتماعي "أي أن تخلط الحضارة الصناعية المادية بحضارة إنسانية رائدها الفكر والوجدان والإرادة أو بتعبير ثان أن يكون للوجه المادي للحضارة الإنسانية أساس خفي معنوي فكري وجداني وإرادي هذا الأساس القيم تعرب عنه أيما إعراب رسالة الإسلام التمدينية"[38]. "فكأننا نقول أن الإسلام دين الحضارة الحق التي تسندها الفطرة الإنسانية و التي اهتدت لبعض مظاهرها"[39].

والإسلام عند الشيخ ابن عاشور هو الدين الذي هو آصرة الاجتماع البشري الذي هو التمدن الضروري وهو الإسلام أيضا التشريع أو الشرائع الذي وضع له.

"والمراد بالدين دين الإسلام لا محالة... والفطرة في هذه الآية مراد بها جملة الدين وشرائعه"[40]

فالاجتماع البشري أو