العلامة محمّد الطاهر ابن عاشور

دوحة فارعة في التفسير والمقاصد

العدد الرابع والعشرون
السنة السابعة/ أكتوبر - نوفمبر 2009


الصحبي عتيق

 قال فيه الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: "رجل القرآن الكريم وإمام الثقافة الإسلامية المعاصرة... أقرأ كلماته في التحرير والتنوير فأستغرب لأنه وطأ كلمات مستغربة وجعلها مألوفة، وحرّر الجملة العربيّة من بعض الخباث الذي أصابها أيّام انحدار الأدب في عصوره الأخيرة، ولكن الرّجل لم يلق حظه...ابن عاشور لا يمثل صورة من اللحم و الدّم ، وإنّما يمثّل تراثا أدبيّا علميا عقائديا أخلاقيا" (ملتقى بن عاشور، مجلة الوعي الإسلامي – العدد 18 أفريل 1986 – سنة 11 ص44).

ينحدر العلامة محمد الطاهر ابن عاشور من أسرة أندلسيّة انتقلت إلى "سلا" ببلاد المغرب ثم استقرّت بتونس. وُلد ابن عاشور بضاحية المرسى من أحواز تونس الشمالية في جمادي الأولى 1296هـ/ سبتمبر 1879م ومنذ ولادته كفله جدّه للأم الوزير محمّد العزيز بوعتور، ولما بلغ السادسة من العمر بدأ تعلم القراءة وحفظ القرآن في المنزل وهذه عادة أمثاله المنحدرين من العائلات العلمية والثرية بالبلاد التونسيّة آنذاك إذ إن جدَّه الشيخ محمّد الطاهر ابن عاشور  كان عالما وتقلد مناصب كبيرة كالإفتاء والقضاء والتدريس والإشراف على الأوقاف الخيرية، وجده للأم الوزير محمد العزيز بوعتور. ونشأ الشيخ ابن عاشور في وسط علمي إذ إنه تعلم اللغة الفرنسية  -وهذا لا يُتاح لكلّ الناس وقتئذ – وقد ظهرت عليه علامات الذكاء وزادت هذه المواهب في البروز لما دخل جامع الزيتونة الأعظم ونهل من هذا المعين الثري بالإضافة إلى وسطه العائلي ما جعله يحرز على شهادة التطويع بسهولة.

وقد اكتسب ابن عاشور ثقافة موسوعيّة شملت التفسير والحديث والقراءات والبيان واللغة والتاريخ والمنطق والعروض، فقد تعلم وتفقه على أيدي علماء مشهود لهم بالاطلاع والثقافة من أشهرهم: الشيخ سالم بوحاجب والشيخ عمر بن الشيخ والشيخ محمد النجار والشيخ محمد النخلي.

وقد تأثر الشيخ ابن عاشور بآراء الإمام محمد عبده مفتي الديار المصرية وخاصة في مجال التربية والتعليم والإصلاح الاجتماعي الهادئ.

كُلف الإمام ابن عاشور سنة 1932م بخطة شيخ الجامع الأعظم بتونس وفروعه، فأعطى التعليم الزيتوني دفعا قويا في اتجاه إصلاح التعليم وتعميمه بكامل البلاد التونسية. وقد ركز جهوده على النهوض بالتعليم الزيتوني فاعتنى بالكتب الدراسية وأساليب التدريس. ويمكن أن نستخلص أهم آرائه الإصلاحية في التعليم من خلال خطبته في شهر رمضان من سنة 1945م وقد ركّز على الجوانب التالية:

- الاعتناء بالقرآن والسنّة
- النّهي عن التعسير والتنفير والقول بدون عمل.
- تجنّب الاختصار فيقول "طريقة المختصرات والحواشي أدّت بنور الهداية إلى التلاشي". وينقل عن ابن خلدون رأيه في أن كثرة الاختصارات المؤلفة في العلوم مُخلّة بالتعليم.
- ضرورة تعلم العلوم العصرية.
- نبذ التقليد والجمود.
- اجتناب طريقة المتون والحواشي في سنوات التعليم الأولى.
- يدعو إلى اعتماد القواعد الحديثة في البيداغوجيا والكتابة العصرية، ويدعو إلى التأليف والكتابة لاستبدال كتب كثيرة كانت معتمدة في التدريس منذ أمد بعيد.
- الاعتناء بعلم الأخلاق وتدريسه دراسة علمية.
- تعلم اللغات الأجنبية ويعتبر ذلك فرضا في الدين.

ولقد شغل التعليم حيزا هامّا من نشاط الشيخ ابن عاشور فبذل جهدا كبيرا في الكتابة، ويمكن أن نلاحظ ذلك من خلال كثرة تآليفه وتنوعها في العلوم الإسلامية:

- يعد تفسير القرآن الموسوم بـ" التحرير والتنوير"، وهو أهم تأليف له. وقد قضى خمسين سنة في تأليفه. وقد صدر منه في حياته عشرة أجزاء ثم طبع بأكمله في 15 مجلدا سنة 1984م.
- مقاصد الشريعة الإسلامية: وهذا الكتاب كان ولا يزال محورا لأطروحات علمية خاصّة في تونس والمغرب، فلم يقتصر ابن عاشور على إبراز أصالة المقاصد عند الشاطبي بل تعدّى ذلك إلى محاولة الدفع بالكتابة في مبحث المقاصد في الوجهة التي يقتضيها التطوّر، وحاول الارتقاء بالمقاصد ليكون علما في إطار نظري مترابط.

- أصول النظام الاجتماعي في الإسلام.
- أليس الصبح بقريب.
- الوقف وأثره في الإسلام.
- كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطأ.
- حواشي على التنقيح لشهاب الدين القرافي.
- ردّ على كتاب"الإسلام وأصول الحكم" تأليف علي عبد الرّازق.
- التوضيح والتصحيح في أصول الفقه .
- النظر الفسيح عند مضايق الأنظار في الجامع الصحيح.
- تعليق وتحقيق على شرح حديث أم زرع المروي في الصحيح.
- آمالي على مختصر خليل.
- أصول التقدم في الإسلام.
- أصول الإنشاء والخطابة.
- موجز البلاغة.
- شرح قصيدة الأعشى الأكبر في مدح المحلق.
- تحقيق ديوان بشار.
- الواضح في مشكلات المتنبي .
- سرقات المتنبي.
- شرح ديوان الحماسة لأبي تمام.
- ديوان النابغة الذبياني (جمع وشرح وتعليق).

إن المتأمل في هذه العناوين يشهد لهذا العلامة بسعة الاطلاع والضّلاعة في العلوم الشرعية واللغوية، بل يندر أن نجد في عصرنا من يمتلك هذه الثقافة الموسوعية. وإذا عرفنا إلى جانب هذه المهام والأنشطة التي كان يضطلع بها الشيخ ابن عاشور فلا يسعنا إلا أن نكبر في هذا الرجل همّته ومكانته الكبيرة في مصاف علماء الأمة الإسلامية. ولعلّ منشأ هذا التميّز هو خصائص مؤلّفاته التي تتمثل في: الاعتداد بالنفس والانتقاد المنهجي والمضموني للعلماء السابقين وسجالاته العلمية معهم.

منهج الإمام محمد الطاهر ابن عاشور في التفسير 

نقد ابن عاشور للتفسير:

لقد احتلّ التفسير مكان الصدارة في العلوم الإسلامية لشدّة اهتمام العلماء بالقرآن الكريم درسا وتفسيرا. كما إن المتتبّع لهذه التآليف التفسيريّة يمكنه أن يستخلص أهم الاتجاهات، التي عرفتها مسيرة التفاعل مع الوحي عبر تاريخ الفكر الإسلامي. ولئن مثلت هذه المصنفات – على كثرتها – ثروة هامّة في البناء الثقافي للأمّة، فإنها لا تعدو أن تكون جهدا بشريا يعبّر عن قراءة تحتاج إلى المراجعة والنقد. يقول ابن عاشور: "التفاسير وإن كانت كثيرة فإنك لا تجد الكثير منها إلاَّ عالة على كلام سابق، بحيث لا حظّ لمؤلّفه إلاّ الجمع على تفاوت بين اختصار وتطويل".

يرى الإمام ابن عاشور أنّ العوامل التي ساهمت في تضييق دائرة التفسير هي:

- الولع بالنقل في التفسير، في حين يقول السلف "إنه لا تنقضي عجائبه ولا تنفد معانيه"، كما ساد اتقاء الرأي لتوهّم الخروج عن المدلولات السليمة والصحيحة للقرآن، والإمام تعرّض لهذه المسألة في المقدّمة الثانية، ورأى جواز التفسير بمعان تقتضيها العلوم، التي يستمدّ منها علم التفسير.
- المبالغة في عدّ أسباب النزول وتوقيف التفسير عليها، ذلك أنّ التوسّع في تفسير الآيات في حدود مناسبات النزول يضيق المعاني المطلقة والمقاصد الخالدة للوحي.
- الاقتصار على ما يؤثر من استنباط القدامى.
- الضّعف في علوم يظنّونها بعيدة عن القرآن وهي ضرورية لفهم القرآن والواقع مثل التاريخ وعلم الاجتماع وتاريخ الأديان والعلوم السياسية.
- خروج بعض التفاسير عن ذكر العلوم التي لها صلة بفهم الآية إلى الإطناب والتوسع الذي تتقلص فيه دائرة التفسير.
- الانحراف الذي مس التفسير، وهي من ابتداع غلاة الشيعة والباطنيّة.

منهجه العام في التفسير:

بعد أن بيّن الإمام ابن عاشور أنّ علم التفسير أصابه العقم والجفاف، وانتهى إلى شروح وهوامش لم تضف إليه جديدا، ولكي يساهم التفسير في الإضافة منهجا ومحصولا، يرى تأسيس الجهد التفسيري على القواعد التالية:

- تفسير التراكيب القرآنية جرْيا على معاني الكلمات القرآنية بحسب استعمال اللغة العربية.
- أخذ المعاني من دلالة الألفاظ والتراكيب وخواصّ البلاغة.
- استخلاص المعاني المدوّلة منها بدلالات المطابقة والتضمن والالتزام، مما يسمح به النظم البليغ ولو تعددت المحامل.
- نقل ما يؤثر عن أيمّة المفسرين من السلف والخلف ممّا ليس مجافيا للأصول والعربية.
- تجنّب الاستطراد والاندفاع في أغراض ليست من مضادّات تراكيب القرآن فتُجعل الآية منافذ لأغراض دعائيّة أو مذهبيّة أو حزبيّة، حتى تصير الآية القرآنية بمنزلة عناوين لمقالات صحفيّة.
- عدم الاقتصار على تبيين المعنى، بحيث يصير التفسير بمنزلة ترجمة كلام من لغة إلى لغة أخرى.

أدواته في التفسير:

الأدوات المعتمدة في التفسير هي أهم المصادر، التي يُستمدّ منها التفسير ويتوقّف عليها وتمثّل المقوّمات أو اللّوازم الأساسية لعلم التفسير، وهي ما لا يمكن الاستغناء عنه في مهمّة التفسير، ولا يعدّ منها ما كان من التوسّع الحاصل من إفاضات المفسّرين مما اكتسبوه من علوم عصرهم وتفاوت ثقافاتهم الخاصة واهتماماتهم الشخصية.

فإذا نظرنا إلى اتجاهات التفسير نجد اختلافا وتنوّعا بحسب ثقافة المفسّر وأفقه العقلي، وبحسب مشاكل عصره، فتسلط الأضواء على نواحي أكثر من أخرى بحسب الواقع الثقافي والسياسي والاجتماعي، وما يفرضه من بحث وإجابة كالتفسير في ضوء العقيدة، والتفسير في ضوء التصوف والفرق الدينية والمنهج البياني/ والتفسير ذي المنحى الإصلاحي أو المنهج الحركي في التفسير. ويرى الإمام ابن عاشور أنّ التفسير يعتمد الأسس التالية:

- اللغة العربية: يفسّر الشيخ القرآن الكريم طبقا لقواعد اللغة العربيّة وأساليب استعمالاتها ومقاصد العرب من كلامهم وأدب لغتهم. والمقصود بقواعد العربيّة هي مجموع علوم اللسان العربي، وهي متن اللغة والتصريف والنّحو والمعاني والبيان والاستعمالات المتبعة في أساليب الشعر والخطابة والتراكيب، وكل ما تسمح به اللغة العربية، منطوقا أو مفهوما أو مجازا أو تمثيلا. ويشير الشيخ ابن عاشور إلى ما وراء قواعد العربية من أساليب العرب في الخطب والأمثال وخاصة الشعر كالمعلقات. وقد جلب آراء كبار اللغويين كالسكاكي والشيخ عبد القاهر الجرجاني والإمام الزمخشري الذي يقول: "وكم من آية من آيات التنزيل وحديث من أحاديث الرسول قد ضيم وسيم الخسف بالتأويلات الغثة والوجوه الرثة لأن من تأوّلها ليس من هذا العلم (العربية) في عير ولا نفير ولا يعرف قبيلا منه من دبير".

- الآثــار: وتشتمل على مبهمات القرآن والناسخ والمنسوخ وأسباب النزول وما أجمعت عليه الأمة في التفسير.

- أصول الفقه: ويشتمل علم أصول الفقه على قواعد تفسير النصوص فيكون بذلك مادة للتفسير، فهو يتضمن القواعد التي يستعان بها على فهم الأحكام واستخراجها من مصادرها، بطرق الاستنباط المتعددة، فيكون آلة للمفسر في استخراج المعاني الشرعية من الآيات القرآنية، باعتبارها المصادر الأولى والأساسيّة للتشريع والأدلة، لذلك عدّه الإمام ابن عاشور من أدوات التفسير. وهو لا يَعدّ علم الكلام ولا الفقه من أدوات التفسير بناء على أن فهم القرآن لا يتوقّف عليهما، وإنّما يحتاج إليهما عند التوسّع في التفسير، كما إنّه لا يعدّ القراءات من لوازم التفسير بل من الشواهد اللغويّة، فترجع إلى اللغة العربية، ولا يحتاج المفسّر لها إلاّ عند الترجيح لأحد المعاني فليست أداة قائمة بذاتها.

إن ابن عاشور في تفسيره "التحرير والتنوير" نحا منحى المدرسة البيانيّة البلاغية، التي تقوم على البيان والمعاني والبديع والوقوف على النكت البلاغية، إلى جانب اعتماده اللغة من نحو وصرف وشعر وبلاغة، فسّر القرآن بالقرآن وبالسنة، واعتمد أوجه القراءات وأسباب النزول، ونقل عن الصحابة والتابعين والأئمة، واهتم بالجوانب الفقهية عند تناول آيات الأحكام، وزاوج بين الرواية والدراية، مما يجعل من هذا التفسير الجليل موسوعة ومرجعا هامّا للباحثين، فمثل هذه المدوّنات لا تصدر إلاّ عن عالم موسوعي فذ، فكان كالدّوحة الفارعة مهّد الطريق واستجلى الغوامض بفسيح نظره وعميق علمه. وكما قال الإمام عن تفسيره: "ساوى هذا التفسير- على اختصاره - مطوّلات القماطير، ففيه أحسن ما في التفاسير، وفيه أحسن ممّا في التفاسير". وقد سماه "تحرير المعنى السديد، وتنوير العقل الجديد، من تفسير الكتاب المجيد"، واختصره باسم "التحرير والتنوير" في التفسير.

منهج ابن عاشور في الترجيح الفقهي

الفقه في "التحرير والتنوير":

إن تفسير الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور الموسوم "بالتحرير والتنوير" شامل من حيث الموضوعات، بل هو موسوعة تحتاج إلى جهد كبير للبحث من جوانب مختلفة من فكر الإمام ابن عاشور. ولئن كان لا يعد من تفاسير الأحكام، فإنه يحتوي على مسائل فقهية خلافية، فهو يتوقف عند آيات الأحكام، ويستعرض أهمّ الآراء الفقهيّة من أقوال الصحابة والتابعين والأئمّة الأربعة والمذهب الظاهري والشيعة، ويلخّص بعض الفروع الفقهيّة، ولا يتوسّع كثيرا في الاستدلال ومناقشة المذاهب الفقهية، ولا يهتم كثيرا بالتفريع، ولا يبحث عن بناء هذه الفروع على الأصول والقواعد، ويذكر مسائل الأصول، لأنه يعدها من مصادر التفسير، لاشتمال علم أصول الفقه على قواعد تفسير النصوص، ولأن هذا العلم يتضمن القواعد التي يُستعان بها على فهم الأحكام الفقهية واستخراجها من مصادرها بطرق الاستنباط المتعددة.

والإمام ابن عاشور لا يتقيّد بمذهب الإمام مالك، رغم انتسابه للمذهب وتقيده بأصوله، فنراه يرجّح ما بدا له صوابا ووجيها، وإن كان قولا ضعيفا في المذهب، أو كان قولا خارج المذهب، ويعارض الأئمة بأدب، وإن رأى غرابة في الرأي الآخر يقول: "من عجيب ما يتعرض له"، ويذكر صاحب الرأي من الفقهاء. وكثيرا ما يقول في مسألة من مسائل الفقه: "تفصيله في كتب الخلاف" أو "والمسألة مبسوطة في كتب الفقه".

والإمام ابن عاشور لا يعتبر الفقه من أدوات التفسير، بناء على أن فهم القرآن لا يتوقف عليه، ولكنه يتطرّق إلى الأحكام المرتبطة بالآيات القرآنية المستخرجة منها، ويذكر ما استنبط منها، ثم يرجّح ما يراه صوابا فما هو منهجه في الترجيح الفقهي؟

إن هذا المصنَّف الكبير "التحرير والتنوير" في علم التفسير اشتمل على ترجيحات فقهية عديدة، تدل على سمو درجة الإمام العلمية، واستيعابه للفقه، وقدرته على الترجيح بين الآراء والمذاهب الفقهية.

وبعد استقراء منهج ابن عاشور في الترجيح الفقهي من خلال تتبع آيات الأحكام في تفسيره "التحرير والتنوير"، تبيّن أنّها تندرج ضمن أسس ثلاثة نذكرها بإجمال:

الترجيح بالاعتبار اللغوي وبالقراءة:

- نلاحظ ابتداء أنّ الإمام ابن عاشور لا يعدّ القراءات من لوازم التفسير بل من الشواهد اللغوية، فترجع إلى اللغة العربية. لذلك فالترجيح بها يندرج ضمن الأساس اللغوي عند الاختيار الفقهي، وهذا ما يبرّر جمعنا للاعتباريْن اللغوي والقراءة في عنصر واحد.

- يُعدّ تفسير "التحرير والتنوير" في منهجه ضمن المدرسة البلاغية، فقد توسّع في عرض دقائق اللغة فهو في تفسيره: يعرض اللفظ القرآني في الآية ويستشهد بكبار اللغويين وبالشعر العربي، ويتوسع في المعاني وفق ما يحتمله اللفظ العربي، فيستعمل اللفظ المشترك في معنييْه أو معانيه، كأن يستعمله في معناه الحقيقي ومعناه المجازي معا، ويجمع المعاني المكنّى عنها مع المعاني المصرح بها. يقول ابن عاشور: "وإنك لتمر بالآية الواحدة فتتأملها وتتدبرها فتنهال عليك معان كثيرة، يسمح بها التركيب على اختلاف العبارات في أساليب الاستعمال العربي، وقد تتكاثر عليك فلا تك من كثرتها في حصر، ولا تجعل الجمل على بعضها منافيا للحمل على البعض الآخر، وإن كان التركيب سمحا بذلك فمختلف المحامل، التي تسمح بها كلمات القرآن وتراكيبه وإعرابه ودلالته من اشتراك وحقيقة ومجاز وتصريح وكناية وبديع ووصل ووقف إذا لم تفض إلى خلاف المقصود من السياق، يجب حمل الكلام على جميعها". والإمام ابن عاشور يعتمد الأساس اللغوي في الاختيار الفقهي والترجيح بين الآراء والمذاهب.

- كما يبني ابن عاشور تفسير الآيات على قراءة نافع مختارا رواية عيسى بن مينا المدني الملقّب بقالون، لأنها القراءةَ المدنيّة إمامًا ورواية والمعتمدة في تونس. ثم يذكر القراءات الأخرى. ولا يرى بأسا من القول بتفاوت بعض القراءات لاشتمالها على خصوصيّات البلاغة أو الفصاحة أو كثرة المعاني وهو تمايز متقارب "قلّ أن يُكسِب إحدى القراءات في تلك الآية رُجحانا". ولذلك لا يرى حرجا في القول بالترجيح إلا أنه يراه قليلا وقد استدلّ بقول ابن رشد في المسألة فقد سُئل عن ترجيح قراءة على أخرى وتحسين بعض القراءات واختيارها على بعض فلم ينكرْ ذلك وكان الإمام مالك يكره النبرة (إظهار الهمزة) وهي قراءة صحيحة فقال :" أمّا القراءات فلا يحتاج إليها إلا في حين الاستدلال بالقراءة على تفسير غيرها، وإنما يكون في معنى الترجيح لأحد المعاني القائمة من الآية أو الاستظهار على معنى".

يقول ابن عاشور: "على أنه يجوز أن تكون إحدى القراءات نشأت على ترخيص النبي صلى الله عليه وسلم للقارئ أن يقرأ بالمرادف تيسيرا على الناس... فتُروَى تلك القراءة للخلف فيكون تمييز غيرها عليها بسبب أن المتميزة هي البالغة غاية البلاغة وأنّ الأخرى توسعة ورخصة". وابن عاشور كثيرا ما يذكر القراءات المختلفة بل يعتبر أنّ القراءات التي يتغاير فيها المعنى كلّها حق وصحيحة فيذكر ما يترتّب عليها من المعاني، وإذا ثبتت الرواية عنده فلا يجوز ردّها لأن الرواية هي الحجّة.

الترجيح بالاعتبار الشرعي الأصولي:

يحتوي علم أصول الفقه على قواعد تفسير النصوص، فيكون مادة للتفسير ويشتمل على طرق الاستنباط المتعددة وبذلك يكون أداة المفسر وخاصّة في استخراج الأحكام الشرعية من الآيات القرآنية، أو الترجيح بين الآراء الفقهية بالعودة إلى أصولها ومناقشة أدلّتها. وكثيرا ما يتبع ابن عاشور في تفسيره مسلك الأصوليين وعلماء أصحاب القواعد في الترجيح والاختيار بين المذاهب. فهو يعتمد الكثير من القواعد والأصول إلى جانب علوم القرآن كالناسخ والمنسوخ وأسباب النزول.

الترجيح بالاعتبار المقاصدي:

إن مراعاة المقاصد الشرعية في التشريع الإسلامي أمر ثابت، ذلك أن كلّ حكمٍ شرعيّ يهدف إلى تحقيق مصلحةٍ ودرء مفسدةٍ، والشريعة كما قال ابن القيم "مبناها وأساسُها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد".

ولمقاصد الشريعة أهمية في أحكام الشريعة في كلٍّ من مجاليْ فهم الأحكام وتنزيلها على الواقع. والعلم بالمقاصد يساعد على الترجيح في الأحكام وأحيانا ردِّ بعض الآثار لمخالفتها لروح الشريعة ومقاصدها كما فعلت عائشة في ردِّ خبر ابن عمر بأن الميّت يُعذَّب ببكاء أهله قارئةً قوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾، وكما أجّل عمر بن الخطاب تطبيق حدّ السرقة عام المجاعة، وعلّق العمل بسهم المؤلّفة قلوبهم في مصارف الزكاة. والمقاصد تُرشِد الفقيه إلى التحري في فهم الأحكام واستنباط العلل والترجيح بين الآراء. لذلك يمكن أن نتحدث عن فقه ابن عاشور المقاصدي من خلال تعرّضه لآيات الأحكام في تفسيره، فهو كثيرا ما يعتمد مقاصد الشريعة في الترجيح بين الآراء والأقوال، وهذا أساس من أسس الترجيح الفقهي، من خلال تفسير آيات الأحكام. ونختم بما قاله الدكتور عبد الله دراز: "فالاختلاف منشؤه أحد أمرين: ضعف في اللغة العربية واستعمالاتها، أو جهل بمقاصد الشريعة أو هما معا". غير أن هناك عوامل أخرى لها دور في الترجيح بحسب كل مجتهد في فهمه لعصره وطبيعة التحدّيات المطروحة على الفكر الإسلامي في ذلك العصر، وطبيعة المشروع الإصلاحي، الذي يحمله، سواء في عالم الفكر والثقافة، أو في عالم السياسة والإصلاح الاجتماعي، إلى جانب المنزع الشخصي. فقد عُرف الإمام  مالك بعدم الخوض فيما لا يترتب عليه عمل، وأثر عنه قوله "دعها حتى تقع" في حين تميّز أبو حنيفة بما يُسمّى الفقه الافتراضي، وقال: "نستعدّ للبلاء قبل وقوعه".

واليوم يُفاجأ المسلمون بأحداث جديدة ومستجدّات يوميّة في حياتهم السياسية والاقتصادية وعلاقاتهم الاجتماعية، ولا يعرفون لها حكما، وهو ما يحتاج إلى عقلية استشرافيّة تنظر للمستقبل بالاستناد إلى الأدلة الشرعيّة، وتعالج الوقائع، وتبحث عن حلول، وهذا ما يسمى اليوم بمآلات الأفعال والاجتهاد المقاصدي وفقه الموازنات ومراعاة المصالح وسد الذرائع.. وهذه خطوات فقهية اجتهادية في مجال الاجتهاد المعاصر ولا يحدّدها إلا فهمُ المجتهد.

التحق  الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور إلى جوار ربه يوم الأحد 3 رجب 1393هـ الموافق ليوم 12 أوت 1973م، وخسر العالم الإسلامي عموما وتونس خصوصا طودا عظيما من المعرفة والعلم، وقطبا من أقطاب الفكر الإسلامي.


© aqlamonline 2009