|
د. رفيق عبد
السلام
الحلقة
(2 من 2)
3 - الخصوصية
الفرنسية
في علاقة
الدين
بالدولة
غالبا
ما تتم
قراءة
التجارب
السياسية
الغربية
بصيغة
الجمع دون
تمييز ما
بينها من
تباينات
واختلافات،
سواء من جهة
التشريعات
القانونية
أو من جهة
اشتغالها
على أرض
الواقع،
ولسوء حظنا
نحن العرب
والمسلمين
فإننا
كثيرا ما
نقرأ
التجربة
الغربية في
علاقة
الدولة
بالدين
بالغة
الثراء
والتنوع من
خلال
النافذة
الفرنسية
الضيقة، أو
كما تقدم
التجربة
الفرنسية
لنا نفسها
من خلال
أدبيات بعض
الفلاسفة
والكتاب
الفرنسيين،
أو بعض "الوكلاء"
الايديولوجيين،
والوسطاء
السطحيين
العرب
الفاقدين
لعمق الفهم
وحس النقد،
فلم نمتلك
ما يكفي من
ناصية
المعرفة
والإدراك للتجربة
الفرنسية،
فضلا عن
تجارب
الآخرين.
بيد
أنه لو
تفحصنا
المسألة
العلمانية
بعيدا عن
النماذج
النظرية
الجاهزة،
والتعميمات
السائدة
لتبين لنا
أنها أكثر
تعقيدا مما
يعنّ
للكثير من
لمثقفين
والسياسيين
العرب
والمسلمين.
فلو تأملنا
المسألة من
الزاوية
التشريعية
مثلاً - التي
تعد
التعبير
الأكثر
إفصاحاً في
موضوع
العلمانية
وصلة الدين
بالدولة ـ لتبين
أن علاقة
الديني
بالسياسي
في الغرب هي
علاقة
شديدة
التنوع
وبالغة
التركيب
بما لا يسمح
بالركون
إلى نموذج
نمطي جاهز.
تعد
فرنسا
البلد
الأوروبي
الوحيد من
بين الاثني
عشر دولة
مكونة
تقليدياً
للاتحاد
الأوروبي (أي
قبل انضمام
أوروبا
الشرقية
للاتحاد) الذي
نصّ صراحة على
لائكية
الدولة مع
الامتناع
عن الإشارة
إلى
الديانة
الرسمية،
وقد كان ذلك
لأول مرة في
دستور 1905، أي
بعد ما يربو
عن القرن
والربع من
اندلاع
الثورة
الفرنسية،
هذا إذا
استثنينا
الفصل
السابع من
القانون
الأساسي
الألماني
الذي اكتفى
بالتنصيص
على لائكية
المدرسة.
أما
الدنمارك
وبريطانيا
فقد اتسّم
كل منهما
بنوع من
الربط
الوثيق بين
الكنيسة
والدولة،
وهي
الكنيسة
الإنجيلية
اللوثرية
في الحالة
الأولى
والكنيسة
الأنغليكانية
البروتستانتية
في الحالة
الثانية،
ومثال ذلك
أن ملكة
بريطانيا ما
زالت إلى
يومنا هذا تتمتع بتمثيل
التاج
البريطاني
إلى جانب
رئاسة
الكنيسية
الانغليكانية
، في حين نصت
اليونان وإيطاليا
على الدين
الرسمي
للدولة،
وهو
الأرثوذوكسية
في الحالة
اليونانية
والكاثولوكية
في الحالة
الإيطالية.
أما
ايرلندا
فقد اكتفت
بالتنصيص
على قدسية
الرب
والتثليث
دون أن تذكر
الدين
الرسمي على سبيل
الحصر.
وجماع
القول أن
القراءة
المتأنية
للحالة العلمانية
بما في ذلك
في أوروبا
الغربية
التي تعد
أكثر مواطن
العالم
علمنة
تُبين أنّ
دول أوروبا
الغربية -
إذا
استثنينا
الحالة
الفرنسية -
تراوح
أمرها بين
ملازمة
الصمت إزاء
المرجعية
الدينية
للدولة،
وبين تنصيص
واضح وصريح
على الدين
الرسمي،
وهذا يعني
أن فرنسا تظل
حالة فريدة
من نوعها
واستثنائية
حتى
بالمقاييس
الغربية
عامة
والأوروبية
خاصة. وإذا
استثنينا
التجارب
الشيوعية
ذات
التوجهات
العلمانية
الجذرية،
والتي نص
بعضها على
توجه
إلحادي
للدولة فإن
بقية
التجارب
الغربية
بوجهيها
الأوروبي
والأطلسي
كانت في
حقيقة
الأمر أقرب
إلى
الاحتواء
والمزاوجة
بين الديني
والسياسي
منها إلى
المصادمة
والمفاصلة.
لقد
تضافرت
جملة من
العوامل
التاريخية
والفكرية
في تشكيل
ملامح
الخصوصية
الفرنسية
على نحو ما
جسدتها ثورتها
العنيفة
والصاخبة،
ومن ذلك: أولا،
وجود دولة
مركزية
شديدة أخذت
تتعاظم مع
ظهور
الملكيات
الإطلاقية
بما جعل
التاريخ
السياسي
الفرنسي
ينطبع
بتسلطية
سياسية
بالغة
القسوة
والجبروت.
وثانيا،
وجود مؤسسة
كاثوليكية
شديدة
الوطأة
والنـزوع
التدخلي،
وذات
اندماج
بملكيات
إطلاقية إلى
الحد الذي
لا يمكن معه
تصور
الانفصال
بينهما دون
أن يتداعي
أحدهما أو
كلاهما
للسقوط.
وثالثا،
عدم
التسامح مع
بقية
الطوائف
الدينية
وخاصة مع
الأقلية
البروتستانتية
بما صبغ
التاريخ
الديني
الفرنسي
بطابع
انفجاري
وصراعي
مستديم.
كان
لمجموع هذه
المعطيات
التي ذكرنا
كبير الأثر في
توجيه
فلسفة
الأنوار الفرنسية
نحو وجهة
معادية
للدين
عامة،
والكنيسة
خاصة، كما
أضفت عليها
نزعة مادية
وإلحادية
جليّة،
وذلك خلافا
للجارين
الألماني
والانكليزي،
فضلاً عن
الولايات
المتحدة
الأميركية
التي نهجت منهج المواءمة
والتوفيق
بين الديني
والسياسي بدل
نهج الصدام
والقطيعة.
لقد
اتسّمت
الثورة
الفرنسية
بنـزعة
عدائية واضحة
للدين عامة
والكنيسة
الكاثوليكية
خاصة، وذلك
ضمن مسعى
رجالات
الثورة إلى
الإطاحة "بالنظام
القديم"
وتفكيك
مرتكزاته
الايديولوجية
والمؤسسية،
وعلى رأس
ذلك فكرة
الحق
الإلهي على
نحو ما صاغ
معالمها
متكلمو
الكنيسة،
ثم العمل
على إحلال
نظام جديد
محله يقوم
على مبادئ
العقل
وقوانين
الطبيعة
الكونية.
فقد بدأت
الثورة
الفرنسية
منذ
مراحلها
الأولى
بمصادرة
واسعة
لممتلكات
الكنيسة من
أرض وعقار،
مع تصميم
على إلغاء
دورها من
المجال
السياسي
والمدني
لصالح
الدولة
الزمنية،
وكان ذلك
مصحوبا
بتصميم لا
يلين على "تطهير"
المجتمع
الفرنسي من
الموجّهات
المسيحية
الكنسية.
ثم
تعمقت
القطيعة
بين الثورة
الفرنسية
والكنيسة
أكثر فأكثر
مع
الانتفاضة
المضادة
التي
قادتها
الكنيسة
سنة 1792 ضد
الثورة في
محاولة
لاستعادة
سلطانها
السياسي
والديني
المفقودين، وقد
لحق ذلك
جملة من
القرارات
والإجراءات
السياسية
لامست دور
الكنيسة في
الصميم، من
ذلك إلغاء
تجمعات
العبادة،
ومنع
الكنيسة من
تسجيل
المواليد
وحالات
الزواج
والوفايات
لصالح
الهيئات
البلدية
المدنية، والسماح
بالطلاق
خلافا
للتعاليم
الكاثولكية
الكنسية، ومنع
رجال الدين
من ارتداء
أزيائهم الدينية
الرسمية
خارج حدود
الكنيسة.
وفي هذا
الإطار صدر سنة
1793 مرسوم باستبدال
التاريخ
المسيحي "الغريغوري" الرسمي،
بما سمي
وقتها "اليومية
الثورية"
التي أعادت
تحقيب
التاريخ
على ضوء
حادثة
الثورة،
باعتبارها
السنة
الصفر في
مسار الزمن.
ومن
بين هذه
الاجراءات
المناهضة
للكنيسة
التي أقدمت
عليها
الثورة
إصدار
المجلس
الباريسي
يوم 24 نوفمبر/تشرين
الثاني من
نفس السنة قراراً
بإغلاق
جميع كنائس
العاصمة
أمام كل
أشكال
التجمع
الديني
وممارسات
العبادة،
مشفوعاً
بحركة
استيلاء
واسعة على
أملاك
الكنيسة
وتحويلها
إلى
مستشفيات
ومدارس
ومحلات
تجارية،
فضلا عن
إزالة
التماثيل
الدينية
والصلبان
من الأماكن
العام
واستبدال
الصلبان
بأعلام
الثورة
ورموزها
السياسية
في
المقابر،
وقد دفعت
هذه
الإجراءات
المعادية
للمسيحية
والكنيسة،
عدداً
كبيراً من
رجال الدين
إما إلى
الاختفاء،
أوالهجرة
إلى البلاد
الأوروبية
المجاورة
لفرنسا.
لم
يقف الأمر
عند هذا
الحد، بل
تعدّاه إلى
محاولة
إحلال
كنائس
وضعية تقوم
على عبادة
تتسس عبادة
العقل
والحرية
محل
الكنائس
الكاثوليكية.
ورغم أن
روبسبيير
حاول كبح
جماح هذه
الحركة
اللائكية
التطهيرية
خشية
المبالغة
في استفزاز
المشاعر
الدينية
وما عساه
ينجر عن ذلك
من إضعاف
شرعية
الثورة في
صفوف
المتدينين،
وذلك عبر
إصداره
مرسوما سنة 1794 يقر
بأن "الشعب
الفرنسي
يعترف
بوجود
الكائن
الأسمى
وأزلية
الروح"، بيد
أن ذلك لم
يحل دون
تحويل
الكنائس
إلى مراكز
وضعية
لعبادة
الكائن
الأسمى (أي
العقل
والحرية)
وتحويل
الطقوس
الكاثوليكية
إلى مراسم
احتفالية
ثورية، إذ
تم التقاط
هذا
الاعتراف
الرسمي
بوحود
الكائن
الأسمى
لإضفاء
شرعية على
الكنائس
الوضعية
باعتبارها
مراكز
روحية
لعبادة
كائن مبهم
وغير منضبط
المعنى
يسمى
بالكائن
الأسمى.
ما
سبق ذكره
يبيّن كم هي
مركبة
ومعقدة
علاقة
الدين
بالسياسة
عامة،
وعلاقته بالكنيسة
خاصة سواء
كان ذلك في
السياق
الأوروبي
عامة، أو في
التجربة
الفرنسية
حصراً، إلى
الحد الذي
يجعل من
التبسيط
المخل
قراءة
الوضع
الديني
وحركة
العلمنة من
خلال
النافذة
الفرنسية
التي تمثل
حتى ضمن
المقاييس
الأوروبية
والغربية
حالة
استثنائية،
قبل أن
نتحدث هنا
عن الحالة
الدينية في
مختلف
مناحي
المعمورة
الكونية
التي هي بكل
تأكيد أكثر
تعقيداً
وأشد
تشعباً.
فخلافاً
للتجربة
الفرنسية
التي
اتسّمت
بمنـزع
علماني
مصادم
للدين
والكنيسة
فإن
الولايات
المتحدة
الأميركية
مثلا
انطبعت
بروح دينية
بروتستانتية
واضحة
المعالم،
إلى الحد
الذي لا
يمكن معه
فهم
التاريخ
الأميركي،
أو سبر
أغوار
المجتمع
الأميركي
دون التوقف
عند دور
الكنيسة
البروتستنانتية
والرموز
المسيحية
التي ألهمت
"الآباء
المؤسسين"
وصبغت
الروح
الأميركية
العامة. ورغم
أن الدستور
الأميركي
أقرّ
بالفصل بين
الكنيسة
والدولة في
إطار ما
أسماه بعض
الباحثين
الأميركيين
بإقامة خط
جفرسون
الفاصل بين
الكنيسة
والدولة، وذلك
تجنباً
لآفة
الانقسام
الديني
والطائفي
الذي صاحب
الحرب
الأهلية
الأميركية،
إلاّ أن
الروح
البروتستانتية مع
ذلك ظلت
منبثة في
مختلف
مفاصل
المجتمع
الأميركي
ومنغرسة في
شتى
مؤسساته
الحيوية: من
التعليم،
إلى
التشريع
القانوني،
إلى
الأخلاق "المدنية"،
إلى
الثقافة
السياسية إلى
الاقتصاد،
بل إن
المسيحية
البروتستانتية
بما في ذلك
ضمن شكلها
اليميني
المهود ما
زالت تلعب
دوراً بالغ
الفاعلية
في الحقل
السياسي
وفي الفضاء
العام في
الولايات
المتحدة
الأميركية.
وهنا
يجب
التمييز
عند قراءة
الحالة
الأميركية
والغربية
عامة بين
العلاقة
الحصرية
والضيقة
التي تخص
صلة
الكنيسة
بالدولة
وبين علاقة
الدين
بالسياسة
وبالمجتمع
عامة التي
هي أكثر
تركيباً
وتشعباً
مما يظن
الكثر. فلئن اتجهت
أغلب الدول
الغربية
إلى
الإقرار بنوع
من
الانفصال
الوظيفي
بين
الكنيسة
والدولة
حيث استقل
كل منهما
بمجاله
الخاص، إلا
أن الدين
بقي فاعلا
مهما سواء
كثقافة
عامة تطبع
المجتمع
ومسالك
الأفراد
وفي بعض
الأحيان
مؤثراً
فاعلاً في
مجال
السياسة،
وعليه يبدو
من الخطأ
المجحف
قراءة
الوضع
الديني من
خلال
الزاوية
الحصرية
ممثلة في
ثنائية
كنيسة -
دولة، لأن
هذه
الزاوية
الضيقة لا
تقدم صورة
كاشفة
لواقع
الدين ولا
لمسار
العلمنة
على السواء.
بل
إن التجربة
الفرنسية
نفسها ورغم
ما رافقها
من سياسات
بالغة
الضراوة
والحدة على
نحو ما
بيناه
أعلاه إلا
أنها لم تخل
بدورها من
تعرجات ومن
حركة مساومة
مع الكنيسة
والمواريث
الكاثوليكية،
ودليل ذلك
أن لائكية
الدولة لم
تعلن
رسمياً إلا
بعد ما يزيد
عن القرن
والربع،
وفي إطار
أجواء
معقدة تراوحت
بين
المنازلات
والمعارك
الساخنة
وبين
الجنوح إلى
المساومات
والتنازلات
المتبادلة.
4 -
كيف نقرأ
حركة
العلمنة في
علاقتها
بالدين؟
من
الخطأ
المنهجي
والعلمي
قراءة حركة
العلمنة في
الفضاء
الغربي من
خلال
المنظومة
العلمانية ومسلماتها
الوثوقية،
التي هي
أقرب ما
يكون إلى
المدونة
الثيولوجية
(الكلامية)
المغلقة
منها إلى
نظرية
علمية على
ما يقول
عالم
الاجتماع
البريطاني دايفد
مارتن، كما
أنه من
الاختزال
والتعميم
قراءة
الواقع
الديني في
المجتمعات
الغربية من
خلال
أدبيات بعض
المفكرين
والأكاديميين
الليبراليين
والعدميين الذين
لا يكفون عن
ترديد
مقولة
انتفاء
الدين
لصالح
القيم
الوضعية
والإلحادية
الجذرية.
فثمة
مسافة
شاسعة بين
نظرية
العلمنة
التي يكتفي
أصحابها
غالباً بالتشديد
على الطابع
الانتصاري
للعلمانية
وتراجع
الأديان
والعقائد،
وبين واقع
الدين الذي
يتسم
بالتعرج
والتركيب،
كما أن
هنالك
مسافة
شاسعة بين
النـزعة
العدمية
والتفكيكية
التي تطبع
خطاب بعض
المفكرين
والكتاب
الغربيين،
وبين عامة
الناس
الذين
يميلون
عادة إلى
إطفاء جوعة
الضمير
بنوع من
التوليف
بين
متطلبات
الحياة
اليومية
المعلمنة
وبين ما
تبقى من
مختزنات
دينية
وروحية بما
يجنبهم
قسوة
الشعور
بالفراغ
وانتفاء
المعنى. يجب
أن نميز هنا
بين تلك
العلمانية
الإلحادية
والعدمية
على نحو ما
ينافح عنها
منظروها من
أرباب
الأكاديميا
والفكر،
وبين تلك
العلمانية
الإجرائية
والبراغماتية
التي
يتعايش
فيها
الديني مع
العلماني
على نحو ما
هو غالب على
الفئات
الشعبية.
لم
يكن غريبا
أن يفاجأ
المراقبون
والمحللون
السياسيون بالانفجار
الديني في
هذه
المناسبة
أو تلك، بما
يناقض
قراءاتهم
وتوقعاتهم
الوثوقية.
من ذلك ما
حظيت به
وفاة البابا
يوحنا بولس
الثاني
مثلا من
اهتمام غير
مسبوق،
فضلا عما
أثاره هذا
الحدث من
مشاعر
دينية وطقوس
كنسية كان
الكثير يظن
أنها قد
انقضت إلى
غير رجعة
بانقضاء "العصور
الكنسية"
الوسطى. هذا لا
يعني أن
أوروبا
المعلمنة
هي بصدد
القطع مع
تقاليدها
العلمانية
تماماً، أو
هي بصدد
الانعطاف
الكامل
باتجاه
المواريث
المسيحية
الكنسية
على نحو ما
كان عليه
الأمر قبل
ثلاثة أو
أربعة قرون
خلت، إذ لا
يتعلق
الأمر
بحركة
تواصل رتيب
وجامد، كما
أنه لا
يتعلق
بحركة قطع
وانتقال
كاملين،
فحركة
الفكر
وبنيات
المجتمع
أكثر
تركيباً
وتعقيداً
مما تعبر
عنه
النماذج
النظرية
الجاهزة
سواء تلك
التي تقول
بمطلق
القطع
الانفصالي
أو تلك التي
تقول
بالتواصل
الرتيب.
مما
لا ريب فيه
أن الفضاء
الغربي
بشقيه
الأوروبي
والأطلسي
قد خضع
لمسار
علمنة واسع
النطاق
لامس مجمل
البناء
الاجتماعي
والسياسي،
كما طبع
مجال
المنظورات
والقيم،
ولكن ذلك لا
يفضي ضرورة إلى
القول باختفاء
الحضور
الديني أو
حتى تراجعه
المتتالي
على ما تقول
أدبيات
العلمانيين
الوثوقيين.
فكما أن
حركة
العلمنة
بنية خفية
وليست
بالضرورة
مخططات
واضحة
وواعية على
نحو ما يذكر
المفكر
المصري عبد
الوهاب
المسيري، فكذا
هو الأمر
بالنسبة
للمجال
الديني
الذي قد
يأخذ
تعبيرات
مؤسسية
واضحة المعالم
كما يأخذ
تعبيرات
نفسية
ورمزية
خفية.
لقد
تعود علماء
الاجتماع
الغربيين
الحديث
الاحتفائي
عن
الانتصار
الكاسح
لحركة
العلمنة من
خلال
التأكيد
على تدني
نسبة
المتدينين
ومرتادي
الكنائس
وتراجع الحضور
الديني في
مجال
الحياة
العامة،
وغالبا ما
يستند
هؤلاء إلى
معطيات
الرصد
الحسابي
والجداول
الإحصائية
التي تثبت
دعواهم،
ولكن مع ذلك لا
تقدم هذه
المعطيات
صورة كاشفة وشاملة
عن دور
الدين
ومجال فعله
سواء في
الحياة
الخاصة أو
في الهيئة
الاجتماعية
والسياسية
العامة؛
ذلك أن
المتابعة
الدقيقة
تبين أن الدين
سواء في أشكاله
الخفية أو
المعلنة -
وحتى في
أكثر
المجتمعات
خضوعاً
لسياسات
علمنة
جذرية -
مازال
يتمتع
بحضور
متزايد.
وخلافا
لقراءات
وتوقعات
العلمانيين
نلاحظ اليوم
أن الدين
يشهد نوعاً
من الانتعاش والصعود
قياساً لما كان
عليه الأمر
قبل عقد أو
عقدين من
الزمن، بما
في ذلك في
أوروبا
والولايات
المتحدة
الأميركية.
هذا ما
نلاحظه بصورة
جلية في
روسيا ودول
أوروبا
الشرقية والولايات
المتحدة
الأميركية وبلاد
أميركا
الجنوبية
قبل أن
نتحدث عن
العالم
الإسلامي
أصلاً. صحيح
أن هنالك
تراجعا
ملحوظاً
ومتزايدا ًللنشاط
الديني
المؤسسي في
البلاد
الغربية
وخاصة في
الشق
الأوروبي
الغربي
لصالح
الممارسة
الدينية
الفردية،
ولصالح
أنماط
جديدة من
الديانات
الأغنوصية
والوضعية،
إلا أن ذلك
يجب ألا يحجب
عنا
حقيقتين
اثنتين.
أولاهما
أن الإيمان
الديني ليس
متساوقاً
بالضرورة
مع التعبير
المؤسسي،
إذ يمكن
للمؤسسة
الدينية أن
تكون في
حالة تراجع
في حين
ترتفع
معدلات
التديّن،
بمعنى
ارتفاع
مستوى
الاعتقاد
والمسلكيات
الدينية
سواء في
دائرة
السلوك
الفردي أو
الحياة
العامة،
والعكس
صحيح
أيضاً، أي
يمكن
للمؤسسة
الدينية أن
تكون قوية
ومتماسكة
ولكن
بالتوازي
مع ذلك يشهد
الدين نوعا
من الضعف
والتراجع.
من ذلك مثلا
أن
الاعتقاد
في وجود خالق
وحياة
آخرة،
والاعتقاد
في أهمية
الأخلاق
والمعايير
الدينية
تزداد
معدلاتها
ارتفاعا في
المجتمعات
الغربية قياساً بالتصورات
الدهرية
الإلحادية،
رغم ضعف
الإقبال
على
الكنائس
والمعابد.
وربما يعود
ذلك إلى كون
الإنسان
الغربي صار
يجد في
المعاني
الروحية
والقيم
الدينية نوعاً
من الحماية
من زحمة
الرأسمالية
الصاخبة
وموجات
التفكيك
الدهرية
المخيفة،
وتداعياتها
المدمرة على
الأفراد
والجماعات،
خاصة في هذه
الحقبة
التي بلغ
فيها
النظام
الرأسمالي
المعولم
درجة عالية
من التوحش
والذرائعية.
وثانيهما
أن الكنيسة
لم تختف من
المشهد
الثقافي
والاجتماعي
على نحو ما
بشرت بذلك
أدبيات
العلمانيين
الدهريين
بقدر ما
فرضت عليها
تحولات
الحداثة وأزماتها
الراهنة
تحويل
الجزء
الأكبر من
نشاطها من
المجال
الحصري
للدولة أو
الحدود
الضيقة
للمباني
الكنسية
إلى الحقل
الاجتماعي
العام وإلى
الفضاء
السياسي
بمعناه
الواسع...
وعليه غدت
الكنيسة
جزءاً
مكيناً مما
يسمى اليوم
بالمجتمع
المدني حيث
تتولى
الدفاع عن
فئات
المحرومين
والمهمشين،
وتشد أزر
المتساقطين
من ضحايا
الآلة
الرأسمالية
القاسية
والعلمانية
الكالحة،
وهي إلى
جانب ذلك ما
زالت تلعب
دورا بارزا
في مجال
التعليم
والثقافة.
أما
على صعيد التجربة العملية
فيكفي أن
يتأمل
المرء حالة
الحماية
والدعم
الذين
توفرهما
الدول
الغربية للتعليم
الديني
الكنسي بما
في ذلك تلك
الدول
الموصوفة
بالعلمانية
الجذرية
مثل فرنسا، وأن
يتأمل دور
الكنائس
والجماعات
الدينية في
الحياة
السياسية
في بلد مثل
الولايات
المتحدة
الأميركية
حيث تتحكم
الكنائس بل
الجماعات
الأصولية
المسيحية
المهودة في
مسار
الأحزاب
ومستقبل
الانتخابات
وفي تصعيد
السياسيين
وإسقاطهم،
فضلاً عن
توجيه
السياسات
الخارجية
والعلاقات
الدولية
حتى يدرك
هذه
الحقيقة.
صحيح
أن الكنيسة
في الغرب
الحديث كفت
عن أن تكون
صاحبة
السلطة
العليا في
مجال
السياسة ونمط
الاجتماع
بعدما
زاحمتها
قوى كثيرة
وجبارة
وعلى رأس
ذلك الدولة
القومية،
وسلطة
السوق
الرأسمالية
إلا أن ذلك
لا يعني
انتفاء
دورها سواء
في الحقل
السياسي أو
في المجتمع
المدني، وهذا
ما نلاحظه
على وجه
الخصوص في
الدول
البروتستانتية
- كما هو شأن
الولايات
المتحدة
الأميركية
وإلى حد ما
بريطانيا -
التي لعبت
فيها
الكنيسة
الإصلاحية
دوراً
أساسياً في
زعزعة
الكنيسة
الرومانية
وإعادة
بناء الحقل
السياسي
المدني،
إلى الحد
الذي لا
يكاد ينفصل
عندها
الديني عن
المدني،
كما أنه ليس
بخاف الدور
البارز
الذي قامت
به الكنيسة
خلال الحرب
الباردة في
زعزعة
المنظومة
الشيوعية
وهزها من
القواعد أو
ما تقوم به
اليوم من
أدوار
تبشيرية
وسياسية
متزايدة في
إفريقيا
وآسيا
ومختلف
مناطق
العالم.
إن
التأمل
الثاقب في
واقع
المجتمعات
الغربية
يظهر فعلاً نوعاً
من الدفق
القوي
لحركة
العلمنة
خاصة مع
شيوع قيم
السوق
الراسمالية،
وتفكك
الروابط
الاجتماعية
العضوية
لصالح
الفردية
المتذررة،
وتزايد
سطوة
الدولة
البيروقراطية،
والانفجار
الإعلامي
الهائل
الذي داهم
أخص خواص
الحياة
الفردية،
ولكن هذا
الأمر يجب
ألا يحجب
عنا الوجه
الآخر من
المسألة،
ألا وهو
استمرار
الحضور
الديني
سواء كمخزون
ثقافي أو
كنظام قيم
عامة، وإن
كان ذلك في
شكل مدني
معلمن، إلى
جانب بقاء
الكنيسة
والمؤسسات
الدينية،
عناصر
فاعلة
وموجهة في
مجال
المجتمع
المدني،
وحتى في
الحياة
السياسية
العامة.
لعله
مما يحفظ
بعضا من
توازن
المجتمعات
الغربية
ويحميها من
مخاطر
التمزق
الكامل،
وتجنب
الحالة
الذئبية
المخيفة
التي تحدث
عنها هوبس
ما بقي من
ترسبّات
مسيحية
دينية سواء
كان ذلك في
شكلها
المباشر أو
في شكلها
المدني
المعلمن،
وفي مقدمة
ذلك مؤسسة
الأسرة
والعلاقات
الزوجية،
ومعنى
الواجب
الأخلاقي
والالتزام
الاجتماعي
سواء كان
ذلك بتأسيس
ديني مباشر
أو
باستلهام
مضمر. وقد
رأينا كيف
ساهمت حركة
العلمنة
الجامحة في
الاتحاد
السوفياتي
ودول
أوروبا
الشرقية في
تفاقم
أزماتها
وتزايد
أعطابها
بما أودى
بها إلى
الانهيار
السريع،
بسبب ما
رافق هذه
العلمانية
الجذرية من
طابع
تفكيكي
وهدمي مريع.
وهنا
أقول إن
حياة
علمانية
كاملة على
نحو ما نظّر
لذلك نيتشه
وأتباعه
مثلاً هي
حياة لا
تحتمل، كما
أن عالماً
معلمناً
بالكامل
على نحو ما
نظر لذلك
فيبر ومن
قبله ماركس
تبدو بالغة
الكلفة على
الأفراد
والمجموعات،
وذلك
بالنظر إلى
ما يرافق
هذه
العلمانيات
الجذرية
عادة من
نزعات
عدمية
مدمرة. صحيح
أن ثمة نخبة
من الأفراد
أو
المجموعات
لا تجد
غضاضة في "التعايش"
مع حالة
الفراغ
العدمي مع
ما يصحب ذلك
من قلق وزلزلة
في الضمير،
بل قد يجعل
بعضها من
هذه الحالة
العدمية
والإلحادية
موضعاً
للتفكير
والتأمل
الثاقبين، ولكن
مع ذلك ليس
بمقدور
عامة الناس
احتمال مثل
هذا الفراغ
العدمي،
كما أنه ليس
بمكنة
المجتمعات تحمل
الكلفة
الباهظة لهذه
العدمية
لما يصحب
ذلك من
زعزعة
استقرار
المؤسسات
وتصرم
العمران.
ولعل
هذا الشعور
المتزايد
بقسوة
العلمنة
وجدب الروح
هو الذي دفع
ويدفع
بالكثير من
الناس في
قلب
المجتمعات
الغربية
نفسها إلى
إعادة
اكتشاف "المقدس" والنهل
من معين
المنابع
الروحية
للأديان
والعقائد،
بما في ذلك
ديانات
آسيا
البعيدة من
مثل
البوذية
والهندوسية،
والديانات
الأرواحية
القديمة
فضلا عن
اتجاه قوي
نحو التصوف
الأغنوصي،
وهي ذات
الأسباب
التي تدفع
بالكثير من
الدول
الغربية
إلى إعادة
الاعتبار
للثقافة
الدينية في
المدارس
ومناهج
التعليم
لغايات
نفعية
عملية، وهذا
ما حدا ببعض
الباحثين
الغربيين
الحديث عن "انفجار"
المقدس وما
شابه ذلك، كما
اجترح بعضهم
الآخر
مصطلح ما
بعد
العلمانية
دلالة على
تهافت
المقولات
العلمانية
على نحو ما راج
منذ بدايات
القرن
التاسع عشر.
والخلاصة
من كل ذلك:
كما أنه من
التبسيط
المخل وصف
المجتمعات
الغربية
بأنها
مسيحية
كتابية على
النحو الذي
تصوره
الأدبيات
الإسلامية
التقليدية
في معرض
مقارنتها
بين "الشرق
الشيوعي
الكافر"
والغرب "المسيحي
الكتابي"،
فإنه من
التسطيح
المشط
اعتبارها
علمانية
كاملة على
نحو ما تصور
أدبيات
الكثير من
العلمانيين
عندنا،
وكأن هذه
المجتمعات
حالة غفل
ومقطوعة
الصلة
بالتاريخ والمواريث
المسيحية
الغائرة..
والحقيقة
أنه من غير
الدقيق
اعتبار
الغرب
الحديث
علمانياً
خالصاً،
ومن غير
الصحيح
أيضا
تصنيفه
بالمسيحي
الخالص بل
الواجب
قراءته من
هذين
الوجهين
معاً.
فالغرب
الحديث
يتداخل فيه
البعد
الديني
المسيحي مع
الوثني
الروماني
والإغريقي
مع الوجه
العلماني
الدهري إلى
الحد الذي
لا يمكن فصل
هذه
العناصر عن
بعضها
البعض
|