ماذا بقي من السابع من نوفمبر؟  

مستقبل الدولة في تونس

العدد الحادي والعشرون
السنة الخامسة / فيفري - مارس 2008

بقلم أحمد قعلول

يمكن اعتبار مجيء السابع من نوفمبر نتيجة ضرورية للوضع الذي وصلت اليه السلطة في تونس في عهد الرئيس الراحل المنقلب عليه ومؤسس الدولة القطرية الحديثة الحبيب بورقيبة.

كما يمكن اعتباره تعبيرا عن عجز المعارضة التونسية عن استثمار نضالاتها.

ويكشف مجيئ السابع من نوفمبر عن الدور الحقيقي الذي تلعبه القوى الدولية في تحديد هوية الحكم و عن حجم نفوذها في الوضع الداخلي. كما يكشف عن الشرعية الحقيقة التي يقوم عليها حكم السابع من نوفمبر.

 يتناول هذا المقال السابع من نوفمبر من حيث الشروط المحلية والدولية التي ساعدت وعملت على انتاجه، ومن حيث المصالح التي وضع لخدمتها والاهداف المطلوب منه تحقيقها. وذلك من اجل معرفة مدى نجاح دولة السابع من نوفمبر في خدمة تلك المصالح وفي تحقيق تلك الاهداف ومن ثم محاولة التعرف على مدى صلاحية السابع من نوفمبر في الحكم تناسبا مع شروط انتاجه وبقائه.

ينقسم المقال الى محورين أساسين مع مقدمة وخاتمة خلاصية وسنبدء في الجزء الأول منه بتناول الشروط المحلية والدولية التي ساهمت أو كانت سببا في نجوم السابع من نوفمبر.

الظرف المحلي:

بلغت دولة بورقيبة مستوى من الهرم لم تعد به قادرة على ادارة التناقضات التي تنتجها سياساتها كما انها بفعل هرمها أصبحت عاجزة عن تجديد نفسها بفعل تلقائي وإرادي.

وقد قامت دولة بورقيبة بتفكيك بنى المجتمع من خلال ضرب الاتحاد العام التونسي للشغل وتطويق الجامعة ونتيجة لهذه السياسية لم يصمد أمامها أي طرف منظم ومهيكل سوى حركة الاتجاه الاسلامي التي كان اتباعها يملأون الشارع طيلة سنة 1987 وكذلك السجون. وقد فتح هذا الوضع الباب للعديد من المخاوف، منها سقوط الدولة بيد الشارع وخاصة بيد الاسلاميين، ما دفع الجهات الدولية الراعية والنافذة في الوضع المحلي الى التدخل من أجل منع عملية السقوط والتحلل (الطرف الفرنسي) ومن أجل التسريع بعملية تجديد الدولة من خلال الانقلاب الطبي (الطرف الامريكي).

الظرف الدولي:

هذا في ما يخص الوضع المحلي اما الوضع الدولي فقد عرف وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي بداية هجوم الولايات المتحدة على المنظومة الدولية من أجل جني ثمار نصرها وفرض وجودها كقوة منفردة ومهيمنة على العالم ومن ذلك سعيها لتوسيع نفوذها على مناطق كانت محسوبة لقوى راعية اخرى ومنها المناطق التقليدية للنفوذ الفرنسي ويمكن اعتبار تونس من اول الامثلة في منطقة المغرب العربي حيث مارس النفوذ الامريكي سلطانه بشكل مباشر.

وقد كان الطرف الفرنسي معولا على عملية تحول سياسي داخلي ضمن اللعبة التقليدية المراعية للاطراف المتصارعة داخل الدولة من أجل وراثة الحكم البورقيبي. وقد بلغ صراعها ذروته بعملية تصفية الوزير الأول الاسبق السيد محمد مزالي. مقابل ذلك سارع الطرف الامريكي الى تنفيذ لعبة الانقلابات التي اجادها في العديد من الدول خاصة مع اتساع النفوذ الامريكي في الاوساط الأمنية التونسية. وقد وقع انتهاز فرصة تولي احد العناصر الامنية موقعا متقدما في الدولة فكانت الفرصة او الخطة المعدة مسبقا مرشحة السيد "زين العابدين بن علي" كي يتقدم ويفتك السلطة في ما وصف بالانقلاب الطبي.

انقاذ وتجديد ولكن للدولة:

بدا انقلاب السابع من نوفمبر  خطوة ضرورية من اجل انقاذ الدولة من السقوط في يد الشارع الذي يملاه الاسلاميون او على الاقل من السقوط الى حد يفتح الباب واسعا للاستجابة لمطالبهم بما يشبه ما وقع في الجزائر سنة 1984.

ولذلك فان وصف السابع من نوفمبر بعملية الانقاذ هو وصف صحيح لانه جاء لانقاذ الدولة ولاجل ضمان تجددها من داخل اجهزتها واساسا من اجل انقاذها من الخطر الاسلامي ومن الشارع التونسي.

على ان انقلاب السابع من نوفمبر لم يكن في الحقيقة انقاذا للدولة فقط وذلك انه وان جاء لسد الباب امام الاسلاميين فانه وكي يكتسب حدا من الشرعية ومن اجل ضمان تجديد النخبة الحاكمة الجديدة في السلطة قام بعملية تصفية للطبقة الحاكمة القديمة. وقد كان في برنامج النخبة الجديدة تهميش الحزب الدستوري من اجل تاسيس حزب للرئيس ثم تراجع عن ذلك.

على ان حاجة الدولة لتجديد نخبتها ولصناعة نخبة سياسية وادارية جديدة تحكم بها البلاد لم تتوقف مع توقف برنامج التخلص من الحزب الحاكم القديم الذي لم يكن من الممكن التخلي عنه خاصة لما يملكه من أرضية تحتية متسعة على جميع انحاء البلاد. لذلك فان المصلحة الامنية للدولة اقتضت المحافظة على هياكل الحزب الحاكم ولكن مع افراغه من مضمونه الايديولوجي القديم وتجريده من طبقته السياسية وقياداته الحزبية من اجل تبديلها بنخب ايديولوجية وسياسية جديدة. وقد مثل اليسار التونسي اهم المساحات البشرية التي انتخبت منها الدولة الجديدة نخبها فكان وعمودها الفقري الذي اعتمدت عليه واستعملته في برامجها وخططها ولا تزال.

وذلك ان اليسار كان الاجابة العقائدية الملحة امام صعود التحدي الاسلامي، ما يمكننا من القول مبكرا في هذا المقال ان اساسا من اسس قيام دولة السابع من نوفمبر كان التصدي للصعود الاسلامي باستعمال الايديولجية والنخب اليسارية.

خلاصة القول انه تظافرت عدة اسباب لانتاج دولة السابع من نوفمبر وان هذه الظروف سنحت للطرف الاكثر قوة والاكثر استعدادا للمغامرة من اجل التدخل وانجاز التغيير وقطف ثمرة الدولة في تونس، وقد بادر اليسار التونسي في شقه الاستئصالي الى ركوب الموجة التي واتته اخيرا.

وهذا يحيلنا الى الموضوع التالي والمتعلق بعلاقة اليسار بالدولة في تونس.

اليسار والدولة:

مثلت الدولة البورقيبية  اعلانا لانتصار التيار الحداثي العلماني في معركته مع لاتيار الاصلاحي الاسلامي وقد مثل اليسار والتيار العلماني عموما نتاجا طبيعيا للدولة البورقيبية. ومن هنا امكن القول ان دخول اليسار في صراع وتناقض مع النخب الحاكمة للدولة، تناقضا وصراعا تحت سقف واحد ومشترك وبمكن تصوير هذا الصراع بدخول الابن مع ابيه في صراع. ولذلك فان الدولة البورقيبية ما فتات تجدد نخبها الحاكمة بنخب اليسار وتطعم بها اجهزتها بشكل شبه دوري بحيث كانت بعض عناصر هذا اليسار تخرج من السجن كي تلتحق في مرحلة لاحقة باجهزة الدولة.

وقد مثل بروز الحركة الاسلامية في نهاية مرحلة الستينات خروجا عن معادلات انتاج النخبة التي صنعتها الدولة البورقيبية الحديثة. اذ تاسست هذه الآلية على اساس انهزام التيار الاصلاحي الاسلامي والعروبي بحيث مثل عودة التيار الاسلامي احياء لمعركة كان من المفروض ان تكون قد حسمت. ومن هنا فان بروز هذا المشروع من جديد قرء كتهديد مباشرا لمشروع الدولة الحديث وخروج عن قواعد الاجماع السياسي الذي وقع بناؤه وتاسيسه على نقيض الاجماع السياسي التقليدي والذي كان قائما على شرعية الحكم الملكي ضمن المنظومة الثقافية الاسلامية التقليدية.  وبما ان اليسار كان الامتداد الطبيعي للنخب الحاكمة في الدولة فان هذه الاخيرة لجات في اول فرصة لتجديد نخبتها الحاكمة الى نخب اليسار من اجل ان تنهل من معينهم الى الثمالة وفي المقابل اعتبر اليسار ان الدولة الجديدة تمثل فرصة مثالية لهم خاصة مع اهتمزاز مشروعم الايديولجي بسقوط الاتحاد السوفياتي.

راى اليسار في الدولة الأداة الاخيرة التي من خلالها يمكنه تحقيق حلمه الايديولوجي والتخلص في ذات الوقت من خصم عقائدي عنيد يزداد عنفوانا وقوة يوما بعد يوم. كما مثل انضمام نخب من اليسار الى الدولة فرصة مشتركة للطرفين من أجل الاجتماع على تحقيق مصلحة سياسية مشتركة تتمثل في التصدي لخصم سياسي وعقائدي وفي هذا الاطار لم يتخلف عن هذا الركب او المسار الا قليل من نخب اليسار ورموزه. وقد صمت اغلب الذين تخلوفوا غن الجرائم التي بادرت الدولة الى ارتكابها في حق المجتمع والحركة الاسلامية، الى ان حمى وطيس معركة الدولة ضد المجتمع ومسهم من شضاها ما آلمهم.

الا انه ومن أجل الانصاف  فإنه لا يمكن حصر النقد في ما يخص المسلكية السياسية في اليسار، اذ ان الجميع سارع الى الدولة وبحث عن منافذ لولوج ابوابها او طرقها وبذلك تمكنت الدولة من الاستفراد بالجميع كل منعزلا عن الآخر، ولم تشذ الحركة الاسلامية عن هذا السياق. على ان الفارق الاساسي بين هذه الاطراف هو ان بعضها لجأ الى الدولة من أجل تجنب اذاها ودخول مساحة الاعتراف القانوني بينما لجأ الآخر الى الدولة كحصن وأداة وحيدة للتغيير وتنفيذ برامجه العقائدية باستعمال ادوات الدولة القهرية والعنفية.

وفي ظل هذا التحالف الجديد بين المؤسسة الأمنية الماسكة بمقاليد الدولة ونخب من اليسار وقع وضع برنامج ما يسمى بتجفيف ينابيع التدين هذا البرنامج الذي اشتغل لفترة لا تقل عن الخمس سنوات قبل ان يصطدم بعوامل فشله ويسارع الى انتاج تناقضاته.

وذلك ان الاستبداد سرعان ما تحول الى وسيلة ومقصد في ذاته ولذاته. وقد كان من اول منتجات هذا الاستبداد نمو طبقة من المنتفعين من ثماره ثم التفاته الى حلفائه من اجل تحويلهم الى ادوات قمعية لا غير وبذلك فشل او بدا فشل الحلم العلماني الاستئصالي في بناء ديمقراطية دون اسلام ودون اسلاميين. وقد انتهى امر التحالف بين الدولة ونخب اليسار الى احساس هذه النخب بازمتها مع بداية النصف الثاني من التسعينات فانقسمت بين الداعين الى الدفاع عن حقوق الاسلاميين الانسانية وبين الداعين الى تبني القضية سياسيا.

وقد انتهى الامر في الفترة الأخيرة خاصة مع اتساع اشاعة مفادها عزم السلطة على الترخيص لحزب ذو مرجعية اسلامية الى عودة النقاش بين هذه النخب الى مرحلة نهاية الثمانينات اي الى مربع الصفر قبل اقدام السلطة على انجاز خطتها الأمنية التي ارادت منها ان تتخلص من طرف سياسي واجتماعي متمثل في الحركة الاسلامية. ولم يتوقف النقاش حول شرعية "الحزب الديني" على النخب العلمانية في حوارها الداخلي او حوارها الوطني بل ساهم رموز السلطة في هذا النقاش. وليس المهم في هذا السياق موقف هذه الأطراف بين الرفض او القبول المبدئي او المشروط. المهم ان هذا النقاش عاد في اجواء لا يزال فيها الطرف المعني بهذا الحوار اي حركة النهضة غير مبال بموضوع التقنين ولا باحث عن الشرعية الرسمية، كل ما في الأمر ان اغلب قياداته ورموزه قد غادرت السجن او وقع الافراج عنها. ولكن يبدو ان الساحة السياسية الرسمية والغير رسمية تعاملت او هي تتهيأ للتعامل مع النتائج السياسية لهذا الوضع الجديد. وهذا معبر عن فشل المنهج الاستئصالي الذي انتهجته السلطة وحلفاؤها ومن وافقهم في منهجهم  على انه لا يجب في المرحلة الراهن التسرع الى الاقرار بهذه النتيجة وهذا غير مهم بالنسبة لهذه الورقة بقدر ما يهمنا ان نلاحظ ما يلي:

ان الخطة الاستئصالية التي ساهم فيها طرفان الدولة واستئصاليوا العلمانيين في تونس انتجت مجموعة من النتائج المتناقضة مع المقاصد التي وضعت من اجلها، كما حققت مجموعة من الاغراض الخادمة لها:

- تمكنت هذه الخطة الاستئصالية من اضعاف وتفكيك تنظيم حركة النهضة.

- تمكنت بسبب العنف الذي مارسته من تشويه وتشويش وعيجزء من ابناء التيار الاسلامي ومن الثقافة الاسلامية التي كانت تبثها هذه الحركة بين صفوف ابناء الشعب التونسي.

- ولكنها وان حققت هذه النتائج فانها عجزت عن انجاز امر حيوي الا وهو تشويه المشروع الذي قامت عليه حركة النهضة بصفتها حركة اسلامية تنتمي الى التيار الاسلامي الوسطي او ما يمكن وصفه بالتيار الاخواني الذي يزداد اتساعا وقوة في العالم.

والحقيقة ان هذه مسالة مهمة بالنسبة لهذا المشورع الذي اثبت لا بالحجة الذهنية والفكرية بل بالممارسة التاريخية انه تيار غير عنفي في مرحلة زمنية كان فيها العنف مبشرا به في المنطقة العربية وفي دول الجوار (مرحلة منتصف التسعينات) وفي هذا الاطار فانه مهما ردد العديد من المتابعين او المعنيين بمناقشة الملف الاسلامي في تونس عن حركة النهضة، فانه لا احد قادر على انكار ان هذه الحركة  من خلال اصرارها على خيار المعارضة السلمية هذا الخيار الذي الذي وقع التصويت عليه في مؤتمرها الاول بالمهجر سنة 1995 قد جنبت تونس عنفا يتسع من جارتها الغربية  الى جارتها الشرقية حتى الى مصر. اذ معلوم ان الذي يريد ممارسة العنف لا يحتاج الى اكثر من تلك الارادة خاصة في مساحة انتشر فيها السلاح والغضب.

وفي حين نجحت النهضة عموما في الحفاظ  على، وفي تكريس، خطها السياسي المعارض، فان الدولة ونخب الاستصاليين قد ساهموا في انتاج عكس ما ارادوا.

و ذلك  ان المجتغ التونسي سارع بداية من النصف الثاني من التسعينات الى انتاج موجة جديدة من التدين ما فتات تتسع تناسبا مع اتساع المد الاسلامي الذي عم العالم العربي والاسلامي عموما. كما فشلت خطت السلطة في دفع اتباع هذه الحركة الى انتهاج العنف او الى التخلي عن معارضتهم السياسية وفشل في فل عزيمة المساجين او ارهابهم من اجل ان يتخلوا او يعبروا عن تخليهم عن قضيتهم او موقفهم المعارض لقمع السلطة واستبدادها بالسلطة وهم في سبيل ذلك قدموا ثمنا باهضا كان في بعض الحالات حياتهم وفي الكثير منها صحتهم.

ادت كل هذه العوامل الى افشال مشروع السلطة التي تحولت من دولة لانقاذ المشروع البورقيبي الى دولة تبحث عن الانقاذ فاقدة لكل شرعية ولكل مشروع سوى الحفاظ على كرسي الحكم. كما ادى ذلك الى اضعاف التيار العلماني الاستئصالي وتحويل نخبه الى ببيروقراطية استبدادية انتهى مشروعها الى محاولة تابيد الاستبداد خوفا من اي تحول يكون لا محالة على حسابها وذلك ان الدولة سيصعب عليها تجديد نفسها الا من خلال التخلي عن عوامل هرمها الاساسية التي ان تمثلت في مرحلة الحكم البورقيبي في الحزب الدستوري الحاكم ونخبه السياسية فانها تتمثل في هذه المرحلة في هذه النخب الاسئصالية وفي عصابات النهب من اعضاء العائلة الحاكمة.

والحقيقة انه لولا بعض الأصوات العلمانية الوطنية التي تداركت سقوط اليسار والعلمانيين عموما في مأزق الاستبداد وذلك بوقوف بعضها عند مبادئها النضالية وتدارك البعض الآخر موقفه فتحول الى المساحة النضالية المتناقضة مع الاستبداد؛ لولا هذه الخطوات لكانت دولة بن علي اعلانا لنهاية اليسار والعلمانيين في تونس. وذلك ان التنظيمات والتيارات الفكرية والسياسية لا تعيش وتنمو بنمو مواقعها في السلطة بل هي تتسع قواعدها في المجتمع بقدر خدمتها لمصالح الناس وتعبيرها عن طموحاتهم وعادة ما تكون السلطة او الحكم، خاصة في تشكله الحديث، سببا لهرم هذه التنظيمات والتيارات الفكرية وذلك عائد الى انفصال الدولة العربية الحديثة بنيويا عن مصالح شعوب المنطقة وطموحاتهم.

خلاصة القول فانه مع فشل المشروع الاستئصالي واتساع المد الاسلامي وموجة التدين في البلاد عاد الى الساحة الحديث عن الحركة الإسلامية بحثا عن حل للأزمة السياسية والاجتماعية التي تمر بها البلاد.

الحركة الاسلامية والدولة:

مثلت الحركة الاسلامية المشروع النقيض للمشورع العلماني بوجهيه الليبيرالي والاشتراكي، الا انها مثلت في نفس الوقت محاولة لاحياء السياق التاريخي الذي تواصل وحكم لفترة تجاوزت الاحدى عشر قرنا من الزمن.

وقد مثل بروز الدولة القطرية الحديثة، التي سمحت المنظومة الدولية الحديثة بتاسيسها محكومة بالنخب العلمانية المنتصرة، مثل هذا البروز، انتصارا للتيار العلماني على حساب التيار الاسلامي الاصلاحي. على ان هذا الانتصار لم يمثل قطيعة كاملة مع الارث الاسلامي للدولة التقليدية اكان ذلك من حيث النصوص التاسيسية للدولة وخاصة الدستور وكذلك المنظومة التشريعية التي قامت عليها الدولة. الا ان القطيعة التي حاولت الدولة تكريسها وفرضها على المجتمع تمثلت بالاساس في الجانب السياسي وذلك ان نخبة الحزب الحاكم في صيغته البورقيبية سعت الى تكريس انتصارها من خلال تهميش ومنع كل من له نفس اصلاحي اسلامي او عروبي من خلال علاقته بالمشروع الزيتوني الذي حضن التجربة الاصلاحية الاسلامية في تونس او التيار اليوسفي الذي عبر في مرحلته الاخيرة عن الشعور القومي العربي والذي تحالف مع الخط الزيتوني في الحركة الوطنية. وفي مقابل ذلك عملت دولة بورقيبة على مد الاواصر مع النخب العلمانية الناتجة من المؤسسات التعليمية الفرنسية من اجل تجديد الدولة البورقيبية الحديثة وتركيز قواعدها واسسها. وقد اشتغلت هذه المعادلة لفترة لم تتجاوز عقد الستينات اذ سرعان ما انتج المجتمع التونسي جيلا من الشباب رفع راية المشروع الاسلامي من جديد وبدأ العمل والنضال من اجل تحقيقه.

ليس المجال في هذا المقال الى التوسع في تاريخ الحركة الاسلامية في تونس ولكن يسعنا القول بأن مشروع الاصلاح الاسلامي ومنذ المنتصف الاول من القرن التاسع عشر ثم القرن العشرين عادة ما كان ينشط ويتسع كلما اتسعت رقعة التحديث في البلاد. اذ صحيح القول بان العلمانية هي انتاج ضروري لعملية التحديث ويبرز هذا خاصة في الرقعة الاوربية من العالم او لنقل في الرقعة المسيحية المرتبطة بالارث الامبراطوري الروماني. الا ان هذه المعادلة لم تشتغل بنفس الطريقة في العالم الاسلامي بل ساهمت الحداثة وتساهم في تجديد الاسلام ذاته مع ما تنتجه من مساحات علمانية تشتغل وتنتعش في المنطقة الاسلامية بفعل التاثير الاوربي خاصة.

تحتاج هذه الدعوى الى مزيد من التأمل والتحليل من اجل البرهنة عليها، ولكن يكفي القول في هذا السياق ان تجارب التحديث التي مرت بها المنطقة ساهمت في تنشيط عملية الاسلمة وان انتجت علمنة ضيقة الانتشار  تناسبا مع حركية وانتشار التيار الاسلامي، ومن نتائج هذه الآلية ان باءت محاولات تهميش واستئصال التيار الاسلامي الى الفشل والى ضرب بنية الدولة الحديثة خاصة في علاقتها بالمجتمع اذ لم يعد التحديث ممكنا بالغاء وتهميش التيار الاسلامي الا ان يكون متمثلا في علمانية استبدادية منغلقة. مهم التنبيه ان هذا الحديث ليس موقفا قيميا من الحداثة كما لا يقصد منه القول بان الاسلام من جهته مرتبط بالحداثة. فان صح القول بان العلمانية نتاج مشروط بالحداثة فان الاسلام غير مشروط بها، بقدر ما يمكن القول ان الحداثة تساعد موضوعيا على انتاج الاسلام وعلى تجديده ضمن السياق العربي والاسلامي. وفي ما يخص المثال التونسي فقد بينت التجربة الاصلاحية منذ نهاية القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر ثم مرحلة تاسيس الدولة البورقيبية وحتى تجربة دولة السابع من نوفمبر ان الاسلام بصفته مشروعا حضاريا بابعاده المختلفة لا تعرقله او تعطله عمليات التحديث بقدر ما تعينه وتوفر له ادوات للفعل والتاسيس. كما تبين التجربة انه ليس من الممكن تهميش هذا المشروع الا من خلال تعطيل الدولة على الاقل في مستوى علاقتها بالمجتمع ومن خلال تعطيل عملية النمو.

المهم من الملاحظة السابقة القول بانه تبين بعد عشرين سنة من تاسيس دولة السابع من نوفمبر ان المشروع الذي تاسست من اجله، اي الوقوف في وجه نمو التيار الاسلامي، لم ينجح بل انه لم يعمل الا لبضع سنوات كي ينفلت هذا المشروع ويعبر عن نفسه بطرق واساليب جديدة  لعلها  تكون اكثر نجاعة بالنظر الى الوضع الاستبدادي الذي تعرفه البلاد. كما ان هذا المشروع الاستئصالي قد ساهم عمليا وبالنتيجة في بناء شرعية نضالية عميقة وواسعة لرموز وقواعد حركة النهضة الامر الذي سيشتغل لصالح هذه الحركة لعقود لاحقة. بحيث اصبح الحجم الرمزي والموضوعي، اليوم واكثر من ذي قبل، من الكبر بحيث يصعب مزاحمته. ولا شك ان هذا سيطرح ويطرح مجموعة من التحديات على الحرك