العدد الحادي والعشرون
السنة الخامسة / فيفري - مارس 2008

بين يدي العدد الحادي والعشرين

غزة تقلب السحر على الساحر وتحطم رهانات الاحتلال

خنقت إسرائيل، بكل صلف وجلافة ووحشية، قطاع غزة وأمعنت في تضييق الخناق عليه.. طائرات حربية تستخدم في مواجهة الجيوش الرسمية تقصف سكان غزة المدنيين.. تقتل وتجرح وتدمر.. إيقاف تام للتزود بالغذاء والدواء.. قطع للكهرباء جعل غزة تغرق في الظلام وتتوقف بسببه الكثير من ضروريات الحياة العصرية، بما في ذلك المستشفيات.. جريمة حرب واضحة المعالم، كاملة الشروط ترتكب على أعين الناس في العالم.. والعالم "المتحضر" صامت كأن الأمر لا يعنيه.

كان الاحتلال يراهن بقوة، من وراء جرائمه الوحشية، على أن يثور أهل القطاع على الحكومة التي يقودها إسماعيل هنية. وربما كان قادة العدو العسكريين والسياسيين يمنون أنفسهم برؤية الجماهير الثائرة ضد سيطرة حماس على غزة تهاجم مقرات حكومة هنية وشرطتها، وربما يصل الأمر إلى حد سحل بعض الوزراء وبعض قادة حماس في الشوارع.. كان قادة العدو يمنون أنفسهم بذلك، وهم يظنون أن تجويع الفلسطينيين سيحولهم إلى وحوش تفترس ذاتها، وتفترس من جعل مقاومة الاحتلال الذي يعانون منه دينه وديدنه.. لكن السحر انقلب على الساحر.

لم يعمد الفلسطينون المخنوقون والمجوعون إلى تحقيق أبسط أحلام قادة العدو.. لم يثوروا على حماس بل ثاروا على الحدود.. مسلحون يحطمون أجزاء من الجدار الفاصل مع مصر في منطقة رفح، وجموع هائلة من سكان القطاع تندفع إلى سيناء.. روى الفلسطينيون المحاصرون الكثير من ظمئهم إلى الحرية.. والتقت الأسر التي قسمتها الحدود في أجواء نفسية وروحية مفعمة.. وتزود أهالي القطاع لحصار متوقع استمراره لأمد طويل.

أثبت الفلسطينيون في القطاع أن بوصلتهم سليمة، وأنهم مهما ضارهم الجوع والحصار والفقر وقطع الكهرباء وتوقف الخدمات، فإن ذلك لن يدفعهم إلى تحقيق ما كان العدو يدفعهم إليه دفعا: الاستسلام أو الانقضاض على حركة حماس. أثبت عامة الفلسطينيين أنهم على وعي راق، وأنهم يعرفون أن الحصار المطبق عليهم لن يكون فاعلا إلا من خلال الحدود العربية، وأن كسره لن يكون إلا بكسر الحدود، فاندفعوا نحو الحدود المصطنعة التي مزقت أمتنا شر ممزق فحطموها، وأثبتوا لمن له قلب وعقل أن كسر الحدود هو الحل الوحيد لتقوية ساعد الفلسطينيين في مواجهة احتلال ظالم غشوم.

مصر التي أظهرت سعة صدر، لم يتوقعها الكثيرون، في التعامل مع الفلسطينيين القادمين إليها، سارعت إلى دعوة قادة حماس والسلطة الفلسطينية إلى الحوار في القاهرة. وقد مثلت تلك الدعوة والظروف المستجدة فرصة لقادة حماس وفتح أن يرأبوا الصدع الحاصل بين الفلسطينيين. لكن رئيس السلطة محمود عباس الذي أدمن اللقاءات غير المنتجة مع الإسرائيليين أصر بقوة على رفض الحوار.

لا يجد عباس، الذي يبدو صغيرا كلما جالس الإسرائيليين، ضيرا من التفاوض والحوار مع أولمرت، رغم أن الاستيطان يتوسع باستمرار مع كل جلسة حوار، ورغم أن الجدار يمتد في بطن الضفة الغربية مثل الأفعى العظيمة تنهب الأرض وتدمر الديار، ورغم أن القدس تهود كل يوم.. لكن عباس يصبح عملاقا ضخما في مواجهة حماس، وتهبط عليه من السماء قوة وهمية تجعله يصهل مثل حصان، معددا الشروط وراء الشروط حتى يمكن له أن يجلس مع قادة حماس على طاولة مفاوضات.

هبة أهل غزة في مواجهة الحدود جديرة بالإكبار والتحية والتقدير.. ونسأل الله أن يبصر السياسيين الفلسطينيين بما فيه الخير لهم ولقضيتهم. وقد أثبت لهم شعبهم حقا أنه شعب الجبارين كما كان يردد الراحل أبو عمار رحمه الله، ورجاؤنا أن يكونوا هم في مستوى قامة هذا الشعب العظيم.

© aqlamonline 2008