عزلة انتفاضة الحوض المنجمي بقفصة

أو عندما يضرب جهاز مناعة المجتمع

العدد الثالث والعشرون
السنة السابعة/ ماي - جوان 2009


صابر الشاهد (*)

خاض أهالي الحوض المنجمي بقفصة نضالا مريرا وطويلا من أجل الحق في العمل والكرامة لمدة تجاوزت النصف عام وأصبحت لها الآن تبعات حقوقية وإنسانية بعد أن تمت محاكمة أبرز قيادات الحركة الاحتجاجية بالحوض المنجمي وإصدار أحكام قاسية ضد عدنان الحاجي ورفاقه وسقط أثناء هذه الاحتجاجات شهداء وجرحى إثر تدخل قوات الأمن لتفريق المظاهرات.

وكانت هذه الانتفاضة المنجمية مليئة بالعبر والدروس من حيث إبراز الأمراض التي تنخر ما يمكن تسميته بالحالة التونسية مثل البطالة والفساد الذي استشرى في الجهاز الإداري ومس حتى النقابات كما أبرزت فشل أحزاب المعارضة في مواكبة حركية المجتمع وعجزها عن تحمل مسؤولية الدفاع عن مصالح المواطنين. ولفتت أحداث الحوض المنجمي النظر إلى عديد المآسي التي تهدد مستقبل البلاد.

 ولئن تناولت عديد الأقلام بالتحليل والنقاش أسباب الانتفاضة المنجمية وأبعادها. واستخلصت عديد الدروس والعبر فإن قضية هامة تتعلق برد الفعل تجاه هذه الأحداث من قبل المجتمع في بقية الجهات لم تدرس. كيف بقي هذا الصوت المنجمي المرتفع ضد التهميش والفقر يصيح منفردا؟ صوت نادى بأن يشترك كل التونسيين في مواجهة المصاعب إن وجدت وأن ينعموا جميعا بالخير إن عم البلاد، سواء كانوا في الرديف وتالة وجندوبة والكاف أوكانوا على السواحل في سوسة وبنزرت وصفاقس وتونس.

إن دراسة ردود الأفعال حول تلك الأحداث خارج منطقة الحوض المنجمي تطرح عديد الأسئلة الملحة والمقلقة في آن واحد. أسئلة تتعلق بانحسار التضامن مع معاناة المنتفضين في الرديف وأم العرايس والمظيلة. لماذا لم تثر تلك الأحداث رد فعل أوسع وحركة إسناد تمكن من تلبية مطالب أهالي الحوض المنجمي وهي مطالب جميع التونسيين وخاصة الشباب والقوى التي همشت لأسباب مختلفة؟

جدير بالتذكير أن حركة التضامن والإسناد للتحركات الاجتماعية وحتى السياسية كانت سمة بارزة للحراك الاجتماعي والسياسي في تونس خلال فترة الثمانينات من القرن الماضي. وهي حركة ساهمت في تحقيق بعض المطالب بصفة مباشرة وغير مباشرة.

وقبل الإجابة عن سؤال لماذا بقيت انتفاضة الحوض المنجمي في حدود منطقة اندلاعها؟ ولماذا لم يكن لها صدى كبيرا خارجها، لابد أن نعود إلى الوراء لننظر كيف كانت حركة التضامن والإسناد تتم تجاه التحركات الاجتماعية، مما يجعلها تصبح جزء من تلك التحركات، ترفع مطالبها وتجبر الدولة على الاستجابة لها.

القوى الشبابية المؤطرة وشبه المؤطرة عصب قوى التضامن الاجتماعي:

إن الدارس لأهم التحركات السياسية والاجتماعية في دولة الاستقلال زمن الرئيس بورقيبة يلاحظ كيف هبّ الشباب التلمذي والطلابي لإسناد الحركة الاجتماعية وفك الحصار عنها. لقد كان ذلك واضحا وجليا خلال أحداث 26 جانفي 1978 عندما أعلن الاتحاد العام التونسي للشغل الإضراب العام، إذ اشترك في حركة التضامن اليسار الطلابي- رغم تهجمه على القيادة النقابية برمي الزعيم النقابي الحبيب عاشور بتهمة خيانة العمال – والاتجاه الإسلامي في الحركة الطلابية رغم أخذ قيادته في القطر مسافة عن الأحداث ونعتها بالهيجة.

 كما عبر الطلاب عن تحميل الدولة المسؤولية عن أحداث قفصة (جانفي 1980) رغم طابعها الفوقي. وسيروا جملة من التحركات التضامنية مع العناصر التي شاركت في تلك العملية باعتبارها ضحية سياسة النظام الليبرالية في المجال الاقتصادي، والقمعية في المجال السياسي، مما جعل نظاما عربيا مجاورا يستغل ظروفها ويزج بها في عمل مغامراتي عشوائي.

وكان من نتائج تلك الأحداث إجبار النظام على إطلاق سراح الطلبة المعتقلين منذ أواسط السبعينيات، وإطلاق سراح القيادة النقابية التي سجنت إثر أحداث 26 /1/1978، وتوخي سياسة شبه انفتاح سياسي، إذ أعيدت تأشيرة عمل الحزب الشيوعي التونسي المعلقة منذ سنة 1963 وسمح لأحزاب أخرى بالعمل العلني وإن لم يمنح بعضها تأشيرة العمل القانوني.

وظهرت جليا قدرة القوى الشبابية المؤطرة وشبه المؤطرة في تحويل أحداث محلية ذات أبعاد قطرية إلى حركة احتجاج اجتماعي كبير أمام سياسة اقتصادية لاشعبية خلال انتفاضة الخبز، إذ تلقفت الحركة التلمذية والحركة الطلابية أحداث قرية دوز حيث تظاهر بعض الأهالي ضد الزيادة في أسعار المواد الغذائية الأساسية وحولتها إلى حركة احتجاج شاملة، أجبرت بورقيبة على التراجع عن قرارات حكومة مزالي الجائرة.

ومن خلال قراءة في انتفاضة الخبز وقائمة الشهداء الذين سقطوا خلال الأيام الستة لتلك الانتفاضة نلاحظ مدى إسهام الشباب في الدفاع عن قوت الشعب، وكأنه تحمل المسؤولية الكبرى في مواجهة الإجراءات اللاشعبية مكان الآباء.

كما سجلت الشبيبة التلمذية والطلابية حضورا كبيرا في كل التحركات التضامنية مع القضايا الوطنية الكبرى (الانتفاضة –التضامن مع الشعب العراقي خلال حرب الخليج الثانية) مجسدة انتماء البلاد إلى الأمة العربية والإسلامية كأروع ما يكون التجسيد.

لا يمكن أن يغيب عن الباحثين والدارسين للحراك الاجتماعي أن وراء شمولية التحركات الاحتجاجية قوى تؤطر هذا الشباب، ولها تأثير كبير عليه في المعاهد والكليات. ولها قدر من التنظم سمح بتعميم الاحتجاج في كل المحطات التي تحدثنا عنها فيما سبق وتحقيق مكاسب للحركة الاجتماعية. ولاشك أن الجميع بما في ذلك السلطة –وان لم تصرح بذلك – اعترف بمدى أهمية وجود شبيبة لها اهتمام بالشأن العام أمام الضياع الذي عليه الشباب الآن، وما يمثله ذلك من خطر على مستقبل البلاد.

كانت هذه القوى المؤطرة للشباب مختلفة المشارب الفكرية: إسلامية وماركسية وقومية وإن بدت الغلبة للتيار الإسلامي في الثمانينات من حيث الجماهيرية لأسباب ليس هنا المجال لذكرها. ولعل تلك الغلبة هي التي جعلت بعض القوى تقوم بقراءة نتجت عنها تكتيكات أضرت بالجميع، وتحولت لدى البعض إلى استراتيجيا عمادها وضع اليد حتى مع الشيطان للقضاء على تلك القوة.

خروج الأخ الأكبر من الجغرافيا مسح بقية الإخوة من الكون:

بعد ما حدث سنة 1991 للتيار الإسلامي النهضوي في الجامعة - عماد حركة الشبيبة في القطر خلال أواخر الثمانينات – خرج بعض رموز الفصائل الصغيرة ذات التوجه الماركسي في الجامعة متحدثين في لهجة تغلب عليها الشماتة قائلين إن الاتجاه الإسلامي أراد أن يدخل التاريخ فخرج من الجغرافيا. كان ذلك الكلام يخفي ارتياحا كبيرا لدى الماركسيين بأن ما كانوا يريدونه تحقق بأيدي غيرهم، وإن ساعدوا هم في ذلك بطريقة أو بأخرى.

وكانت تلك القراءة قراءة انعزالية جدا وفئوية، لم تكن تقدّر أن انهيار عماد البيت سيجر حتما تداعي بقية أركانه. تحقق ذلك ولم يخرج الاتجاه الإسلامي وحده من الجغرافيا بل خرج الجميع من التاريخ والجغرافيا معا. ولعل المشهد السريالي لما يعتمل الآن في الجامعة من تخلي الشبيبة الطلابية عن واجباتها تجاه مجتمعها، وغياب كلي لأي حراك جدي فيها، يدل على بؤس أصحاب ذلك التفكير، ويدل على عدم تقديرهم للخراب الذي حّل ّبحركة الشبيبة، عصب الحراك الاجتماعي والسياسي في القطر. ولم تكن هناك أي قوة شبابية أو سياسية قادرة على استثمار الفراغ الذي خلفه غياب الشبيبة الإسلامية النهضوية عن الساحة طيلة 18 عاما.

لم تكن الأطراف التي ظنت أن "ليلة القدر" قد فتحت أمامها أبواب الخير خلال ربيع 1991 بإقصاء "عدو الجميع" قادرة طيلة أعوام الفراغ الطويلة على عقد تجمع عام واحد لفائدة أي قضية من القضايا الكبرى الاجتماعية أو السياسية، التي تهم القطر أو الوطن العربي الإسلامي (قضية الحريات –الإجراءات اللاشعبية في التعليم العالي –القضايا الاجتماعية الملحة في البلاد ولعل أبرزها انتفاضة الحوض المنجمي بقفصة – العدوان على العراق – العدوان الإسرائيلي على جنوب لبنان صيف 2006 – العدوان على غزة شتاء 2008-2009) والتجمعات العامة هي فعالية كانت الحركة الطلابية تعبر من خلالها عن مساهمتها النشيطة في الحراك السياسي والاجتماعي في البلاد وتنبثق عنها فعاليات أخرى ميدانية.

صعوبة إعادة بناء ما تهدم:

لقد انطلق حفر الهوة بين قضايا المجتمع والبلاد وحركة الشبيبة خلال تلك الفترة أي بداية التسعينات، وانخرط فيها الجميع مع استثناءات قليلة وقليلة جدا. وشنت حملة واسعة ضد تسييس الجامعة وتسييس الشباب عامة. وساهمت عديد النخب في نشر" ثقافة جديدة" لدى الشباب عبر الإذاعة والتلفزة والصحافة والسينما، تحت شعارات زائفة مثل دعم التنشيط الثقافي ضد التسييس المفرط. ونشر فكر التسامح ضد الإرهاب. وكانت كلها شعارات تخفي الأهداف الحقيقية، التي تريد ترسيخ ثقافة الميوعة ضد الثقافة الهادفة، ونبذ المقاومة وثقافتها لصالح التطبيع والاستكانة.

وفي خضم تلك "التحولات" أصبحت عديد الوجوه الثقافية التي كانت تنشّط الحياة الجامعية عبر أشعارها وإبداعها وعبر استقطاب الشباب الطلابي في نوادي السينما الهادفة وجوها مألوفة في المشهد الثقافي الرسمي (خاصة في الإذاعة والتلفزيون)، بل تبوأ بعضها مناصب ثقافية رسمية هامة. وذهب في ظن البعض أنه بالإمكان استثمار ضرب العصب الرئيسي لحركة الشبيبة التونسية. أي اعتبار ذلك بوابة انتصار مشروعهم الذي أنهك وزلزل بعد بروز تيار شبابي يحمل ثقافة وطنية ممانعة سيطر على الجامعة بطرق ديمقراطية، وكان احتياطيا استراتيجيا للحركة الاجتماعية، وشكل بطريقة أو بأخرى سلطة مضادة، منعت تغول الدولة على المجتمع، وأجبرتها في عديد المناسبات على تقديم تنازلات.

لكن هذا الأمل لم يكن إلا كسراب بدا لظمآن ماء زلالا حتى إذا أتاه لم يجده شيئا. وبعد سنوات قليلة من تحقق "أمل" الواهمين، ومصيبة المجتمع الحقيقية، تأكد المهللون لذلك "الإنجاز" أنهم حقنوا الدم الملوث في أجسادهم بأيديهم. وأن مناعة المجتمع أهدرت زمن "النصر" الذي ظنوا واهمين أنه تحقق. وعندما نادى مناديهم طالبا تضامنا لم يستجب أحد. بل وجد البعض ممن كان معه في الصف المقابل غامسا يده في قصعة معاوية.

وتأكدت هذه الخيبة خلال انتفاضة الحوض المنجمي بقفصة فخلال أكثر من ستة أشهر من التحركات والاحتجاجات لم يقع أي تحرك جماهيري ذو بال خارج منطقة الأحداث. وعندما دعا حزب"التكتل الديمقراطي للعمل والحريات" بقيادة السيد مصطفى بن جعفر في أواخر شهر ماي الفارط إلى اجتماع تضامني مع أهالي الحوض المنجمي لم يتجاوز عدد الحاضرين في أكثر الأرقام تفاؤلا الثلاثين شخصا، أغلبهم من الوجوه التي استهلكها المشهد السياسي المعارض التونسي منذ أكثر من ثلاثة عقود، والأمين العام الأسبق للاتحاد العام التونسي للطلبة عبد الكريم الهاروني بصفته عضوا في قيادة منظمة "حرية وإنصاف" الحقوقية، إضافة إلى حوالي أربعة طلبة.

وكذلك كانت أغلب التحركات التضامنية لأحزاب المعارضة الجادة (الحزب الديمقراطي التقدمي وحركة التجديد والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات)، إذ كان الحضور قليلا ولم تتجاوز الفعاليات التضامنية مقرات هذه الأحزاب؟

أما الجامعة التي قال عنها البعض يوما "إنها منارة تضيء للمجتمع طريق الحرية"، وقال البعض الآخر إن سلطة المعرفة هي قوة الاحتجاج المستقبلية بعد تدجين الحركة العمالية، وقال آخر إن من يسيطر عليها يسيطر على المجتمع، فإنها لم تسجل ولو تحركا واحدا مرئيا مساندة لأهالي الحوض المنجمي، ولا يمكن أن نعتبر اللجان الإلكترونية أو المجموعات المناضلة على أوراق بعض الصحف قادرة على الضغط لصالح المنجميين. بل إن أغلب هذه العناصر تهدف إلى خلق زعامات وهمية ومناضلين كرتونيين ولا تزال تحمل قناعات إقصائية عفي عنها الزمن.

إن حركة شبيبة واعية بهموم مجتمعها ومثقفة هي أفضل تحصين لهذا المجتمع، حتى لا يتم سحقه من قبل آلة الدولة، التي أصبحت في عصر الليبرالية الجديدة والمحافظون الجدد مجرد موظف لدى الشركات المتعددة الجنسيات والكمبرادور المتحالف معها، لا يتجاوز دورها مهمة الشرطي الجاهز للتصدي لأي قوة ترفض الاستغلال وتطالب بالعدالة الاجتماعية.

إن الخذلان الذي تعرضت له انتفاضة الحوض المنجمي هو الذي جعلنا نحس بمرارة ما حصل وجعلنا نشعر بفظاعة ضرب جهاز مناعة المجتمع المتمثل في حركة شبيبة واعية ومسؤولة، يكون فعلها النضالي خير حام لظهر تحركات الجماهير من أجل حقها في العيش الكريم. وهكذا نفهم أسباب هذا الخذلان الذي تعود جذوره إلى ما حصل في البلاد من صراع وتصفية حساب مع تيار سياسي عماده الشباب منذ حوالي العقدين. هذا الصراع الذي تحول من حيث يعلم الفاعلون فيه أو لا يعلمون إلى تصفية حساب مع المجتمع ككل عبر شّل جهاز الدفاع الآلي لديه. وبذلك تكون حركة الرفض الاجتماعي لأي إجراءات لاشعبية أو فساد أو غيره من السلوكيات التي يدفع المجتمع ثمنها قد أجهز عليها عندما أجهز على ذلك التيار.


(*) باحث جامعي  

© aqlamonline 2009