|
د.
رفيق عبد
السلام
من المهم
لفت
الانتباه
إلى أن
علاقة
الدين
بالسياسة
عامة،
وبالدولة
خاصة لا
يمكن فهمها
بمعزل عن
سياقات
التاريخ
السياسي
الغربي،
كما أن
الحديث عن
المسألة
الدينية في
الغرب
الحديث لا
ينفصل عما
يمكن
تسميته
بالحل
العلماني
الذي فرض
نفسه على
الفضاء
السياسي
الغربي
خلال
القرنين
الأخيرين
على الأقل،
مع تفاوت في
درجة الأخذ
بهذا الحل
من بلد غربي
إلى آخر.
الحروب
الدينية
وخيار
التسويات
كانت
العلمانية
في صورتها
العامة
عبارة عن
تسويات
تاريخية
فرضتها
أجواء
الحروب
الدينية
التي شقت
القارة
الأوروبية
بدءا من
القرن
السادس
عشر، بما
جعل من غير
الممكن
استمرار
الوضع على
ما كان
عليه، أو
العودة به
إلى ما قبل
مرحلة
الحروب
الدينية.
فقد حاولت
الكنيسة
البابوية
في روما
مثلا إعادة
فرض
الانسجام
الداخلي
المفقود
بقوة
الحديد
والنار،
ولكن
الشروخ
التي
فتحتها
موجة
الحروب
الدينية
أخذت من
الاتساع
مأخذاً
يفوق إرادة
الرتق
البابوي.
وهذا لا
يعني أن
تاريخ
المسيحية
عامة،
والمسيحية
الأوروبية
خاصة، كان
تاريخ
الموادعة
والسلم، أو
أن حروب
القرن
السادس عشر
كانت مجرد
حدث
استثنائي
وعابر في
مسار
التاريخ
الكنسي،
فقد كان
التاريخ المسيحي
في صورته
الغالبة
عبارة عن
حالة دائمة
من
الصراعات
والمنازعات
الباردة
والساخنة
بين مختلف
الطوائف
المسيحية
وغيرها،
ولكن ما ميز
الحروب
الدينية
للقرن
السادس عشر
قياسا
بسابقاتها
هو اتساع
الشرخ الذي
فتحته داخل
المسيحية
الكاثوليكية
مع عجز
الكنيسة عن
استعادة
زمام
المبادرة،
بما جعل
البروتستانتية
تتحول من
مجرد "هرطقة"
ناشزة، إلى
"دين" جديد
منازع
للدين
الرسمي.
لئن
تمكنت الكنيسة
البابوية ومنذ
وقت مبكر (أي
منذ أن
احتضنتها الدولة
الرومانية) من
فرض نوع من
الانسجام
والاستقرار
الداخليين
في عموم
أوروبا
المسيحية،
إلاّ أن
ذلك لم يكن
بمنأى عن
استخدام
ضروب شتى من
القهر
الديني
والكبت
الفكري.
كانت
الكنيسة
البابوية
مهووسة
بإدارة حرب
دائمة لا
هوادة فيها
ضد من أسمتهم
هراطقة
الداخل، أي
مختلف
النحل
المسيحية
التي لا
تنسجم
تأويلاتها
الدينية مع
التأويل
الرسمي
للكنيسة
البابوية
في روما،
وضد وثنيي
وكفرة
الخارج
الذين
يهددون
أتباع
الصليب
والكنيسة،
أي ضد
اليهود
والوثنيين
ثم
المسلمين.
ولعل
هذا ما حدا
بالمؤرخ
الفرنسي
داليمو إلى
القول بأن
سر عبقرية
الغرب
المسيحي
الأوروبي،
إن كانت
هنالك
عبقرية
أصلا، إنما
تكمن أساسا
في قدرته
الخارقة
على
الاستمرار
والتعايش
مع موجات
القتل
والحروب
المرعبة
التي كان
لها أن تطمس
وجوده
وتخسف
كيانه من
الأساس.
فمأساة
الحروب
الدينية وما
صحبها من
أوبئة
مفنية
وأمراض
مهلكة
للحرث
والنسل،
والتي كان
من الممكن
أن تنهي أي
معنى
للحياة
المدنية،
هي نفسها
التي دفعت
بالأوروبيين
إلى البحث
عن الخروج
من هذا
النفق
المظلم عبر
انتهاج
الحل
العلماني،
وقد بدأ هذا
الحل
اجتراحاً
عملياً
لوفاقات
دينية بين
مختلف
الطوائف
المتنازعة،
قبل أن
يكتسب الحل
دلالة
فكرية أو
سياسية
محددة
المعالم
فيما بعد.
مرت أوروبا
وعلى
امتداد
مائة
وثلاثين
سنة
متتالية ( 1559- 1689)، أي
منذ ظهور
الحركة
البروتستانتية
في الشمال
الأوروبي
وتمدّدها
نحو الوسط
بحالة
واسعة من
الاضطرابات
السياسية
والحروب
الدينية
المفزعة. ففرنسا
مثلا امتدت
حروبها
الدينية
زهاء ستة
وثلاثين
سنة تقريبا (ما
بين 1562 إلى1598)
قبل أن
تتجدد مرة
أخرى في
القرن
السابع
عشر، مخلفة
وراءها
ركاما
هائلا من
القتل
والتدمير
والانتقام
المتبادل
بين
الكاثوليك
والطائفة
البروتستانتية
الكالفينية.
أما
ألمانيا
فقد امتدت
حربها
الدينية هي
الأخرى ما
بين 1618 و 1648 في
إطار ما عرف
وقتها بحرب
الثلاثين
سنة. ورغم أن
حروب
بريطانيا
وثوراتها
الداخلية
لم تكن
لأسباب
دينية محضة
إلا أن
العامل
الديني لم
يكن غائبا
منها
تماما،
سواء أكان
ذلك فيما
عرف وقتها
بالثورة
الطهورية
التي امتدت
من 1660 إلى
غاية 1688، ثم
ثورة المجد
ما بين سنتي 1688
- 1689. كما مرت
أسبانيا
والنمسا
وأغلب
ممالك
أوروبا
الغربية
بأجواء
مشابهة
تقريبا.
وفعلا
تمكنت
الكالفينية
وفي أقل من
ثلاثة عقود
من الزمن
من السيطرة
على
سكوتلندا
والأراضي
الشمالية
للبلاد
السكاندينافية،
وتمكنت
بصورة
مؤقتة من
الاستيلاء
على السلطة
في
بريطانيا
مع محاولات
مماثلة في
فرنسا
وألمانيا
وبولونيا
وهنغاريا.
وفي
مواجهة ذلك
حاولت
الكنيسة
الكاثوليكية،
ومنذ أواسط
القرن
السادس عشر
وإلى غاية
منتصف
القرن
السابع عشر
استعادة وحدة
المسيحية
البابوية
بكل ما هو
متاح من
أدوات
القتل
والانتقام
وألوان
التنكيل
التي يشيب
لهولها
الولدان... من
ذلك أنه
أضحى غير
كاف عدم
المجاهرة
بالعداء
للكنيسة بل
لا بد من
الكشف عن
السرائر و"شق"
الصدور، في
إطار ما
أطلق عليه
فيما بعد اسم
محاكم
التفتيش.
ولكن
مع كل هذه
المحاولات
المضنية
التي قامت
بها
الكنيسة
البابوية
بهدف إلغاء
حالة
الانقسام
التي شقت
الكنيسة
بقوة
الإكراه
والعنف، ظل
الشرخ
عميقا ولم
تقدر على
رأبه أو
إلغائه. فقد
غطى
الانقسام
الطائفي
جميع
المستويات
الاجتماعية
والسياسية:
الأمم
والمدن
والقرى
والعائلات،
وعليه زادت
الكنيسة في
استفحال
الأزمة بدل
مداواتها،
وتبعا لذلك
فقدت
قدرتها على
التوحيد
الاجتماعي
والنظم
السياسي.
ومن أعماق
هذه الأزمة
الواسعة
بدأت تتخلق
بذور
التعايش
بين مختلف
الطوائف
المسيحية،
ومن أتون
هذه الحروب
الدامية
بدأت
تتبلور
مقولة
التسامح
الديني، أي
فكرة
التعايش
السلمي مع
حالة
التعدد
الديني
والتنوع
الطائفي،
وقد اقتضى
ذلك جهدا
كبيرا في
إعادة
تأويل
مصادر
التفكير
المسيحي.
والخلاصة
من كل ذلك،
أن
العلمانية
السياسية،
بما هي فصل
الكنيسة عن
الدولة لم
تكن خيارا
أيديولوجيا
بقدر ما
كانت حلا
إجرائيا
فرضته
الصراعات
الدينية،
في حالة
تاريخية
كانت مطبوعة
بالتصدع
والأزمات
الخانقة بما
جعل من غير
الممكن
تأسيس
الاجتماع
السياسي
والثقافة
العامة على
أساس وحدة
الدين، وقد
اقتضى ذلك
إعادة بناء
التفكير
الديني على
ضوء
الموازنات
الجديدة
التي
أفرزتها
هذه الحروب
الدينية.
ومن
هنا يمكننا
أن نفهم
لماذا تجد
العلمانيات
الغربية
إلى يومنا
هذا صعوبات
كبيرة في
التعاطي مع
الوجود
الإسلامي
الناشئ ـ
كما وجدت
قبل ذلك
صعوبة في
التعامل مع
الأقليات
اليهودية ـ
على كثرة ما
يرفع من
شعارات
التسامح
والتعايش
الديني
والثقافي،
فمبعث ذلك
يعود إلى
كون مفهوم
التسامح
الذي نشأ في
مناخات
الحروب
الدينية لا
يعدو أن
يكون استجابة
لمعالجة
الانقسام
الحاصل
داخل
الكنيسة
بالأساس،
ولم يكن
معالجة
لمشكلة
التعددية
الدينية
بإطلاق،
ومن ثم لم
يكن من
اليسير
تمديد هذا
المفهوم
ليشمل
طوائف
دينية
ومذهبية
أخرى خارج
إطار
الكنيسة
الرسمية أو
الديانة
المهيمنة،
وإن كان ذلك
لا ينفي
وجود
محاولات
محتشمة
يبذلها
اليوم بعض
رجال الدين
من ذوي
التوجهات
الليبرالية
لتمديد
فكرة
الخلاص
الديني
لتشمل
الديانات
المغايرة بدل
اقتصارها
على أتباع المسيح
المخلص،
كما أن هناك
محاولات
يبذلها بعض
المفكرين
الليبراليين
لتوسيع
نطاق فكرة
التسامح
لتشمل
المسلمين.
قامت
الإصلاحية
البروتستانتية
دون وعي
منها بزرع
بذور العلمنة
السياسية
في عموم
القارة
الأوروبية
وخاصة في
الشق
الشمالي
منه، أين
تمكنت
اللوثرية
والكالفينية
من مد
جذورها
وتثبيت
أقدامها.
ولا يعني
ذلك أن
الإصلاحية
البروتستانتية
التي نادت
بالعودة
إلى أصول
الكتب
المقدسة
وما أسمته
بالآباء
الروحيين
بديلا عن
التأويلات
الكنسية
الرسمية،
لا يعني
أنها كانت
تهدف بمحض
إرادتها
إلى تحفيز
حركة
العلمنة،
أو
الانعطاف
عن الدين
بقدر ما
تمخضت هذه
الحركة عن
جملة من
التداعيات
السياسية
والاجتماعية
لم تكن هي
نفسها
واعية
بمآلاتها
ونهاياتها،
ومن أهمّ
تلك
التداعيات
الممهّدة
للعلمانية
ما يلي :
أولاً:
تفجير عرى
النظام
السياسي
والاجتماعي"الوسيط"
الذي كانت
تقوم
البابوية
الكاثوليكية
على شد
عراه، ولحم
سداه، وذلك
بحلّ
الترابط الوثيق
الذي كان
يربط
الكنيسة
البابوية
بالدولة
الإقطاعية،
فضلا عن
الادعاءات
الثيوقراطية
المقدسة
التي كان
يتأسس
عليها
النظام
السياسي
الاجتماعي
وقتها. كانت
البروتستانتية
بمثابة
الفتيل
الذي أشعل
لهيب حروب
دينية
وطائفية
واسعة
النطاق،
الأمر الذي
أدخل
النظام
الإقطاعي
الكنسي في
أتون أزمة
خانقة لم
يقدر على
تجاوز
مخلفاتها،
ولا تدارك
ذيولها،
ومن ثم فتحت
هذه الحروب
الأفق
التاريخي
أمام
العلاج
العلماني
دون وعي
منها، فمن
رحم الحروب
الدينية
تشكلت
مقولة
الفصل بين
الكنيسة
والدولة،
ثم مطلب
تموضع هذه
الأخيرة
فوق
الصراعات
الطائفية
باعتبارها
حامية
السلم
المدني، مع
إخضاع
الكنيسة
لسيادة
الدولة
القومية.
ثانياً:
وفرت
البروتستانتية
الشروط
التاريخية،
والمسوغات
الدينية
والكلامية
التي ساعدت
على تعاظم
سلطة
الدولة
الزمنية،
التي ستصبح
تدريجيا
أهم قوة
محركة
للعلمنة في
الفضاء
السياسي
والثقافي
الغربي. فقد
عملت
الدولة
الزمنية
على افتكاك
الكثير من
الوظائف
السياسية
والاجتماعية
التي كانت
تستأثر بها
الكنيسة،
كما قامت
على صهر
المختزنات
المسيحية
ضمن وعاء
المشاعر
القومية
المتمركزة
حول فكرة
الأمة،
وفكرةو
المجد
القومي
المطبوعتين
بروح
دنيوية
معلمنة. بل
إن الدولة
القومية
الحديثة قد
أخذت
الكثير من
الطقوس
والبنى
التي كانت
حاضرة في
الكنيسة
ضمن وعاء
معلمن بما
يعزز
شرعيتها
الرمزية
وسلطانها
الفعلي على
الأرض.
لقد
حرص
الإصلاحيون
البروتستانت
وفي معرض
تبّرمهم من
الكنيسة
البابوية،
وسعيهم إلى
توهين
نفوذها على
منح الحكام
الزمنيين
والسلط "العلمانية"
شرعية
كاملة
وصلاحية
مطلقة في
إدارة
الشأن
الدنيوي،
وفي مقدمة
ذلك تسويغ
استخدام
السيف بهدف
فرض
الاستقرار
المدني بين
الناس
المدفوعين
بطبائعهم
الشريرة
إلى ارتكاب
الآثام،
والإقدام
على الظلم
والعدوان
على ما يقول
لوثر مثلا.
ومن
المعلوم
هنا أن نظرة
الآباء
الإصلاحيين
للاجتماع
السياسي تتأسس
على تصور
قاتم ومخيف
للذات
البشرية،
إذ هي تكاد تتطابق
عندهم مع
غريزة
الاستحواذ
والعدوان،
وهي نفس
الوجهة
التي سيعمل
بعض
الفلاسفة
السياسيين
المنعوتين
بالواقعيين
وخصوصا
هوبس في
القرن
السابع عشر
على دفعها
إلى حدودها
القصوى.كما
نادت
الإصلاحية
عامة
بضرورة
طاعة
الحاكم،
وإلى
الخضوع
للسلطة
الزمنية
مهما كانت
أخطاؤها
وانحرافاتها،
وذلك
باعتبارها
ضامنة
السلم
المدني،
وصاحبة
السيادة
الشرعية
على أجساد
المؤمنين.
ولم
يكتف لوثر
بتفكيك أسس
الشرعية
الدينية
والكلامية
التي تتأسس
عليها سلطة
الكنيسة
البابوية،
بل أكثر من
ذلك عمل على
ملء الفراغ
الديني
والسياسي
الذي تركته
البابوية،
وذلك عبر
مقولة حق
الأمراء في
إدارة
الشؤون
الزمنية والدينية
على
السواء،
بما في ذلك
حقهم في ممارسة سلطتهم
الإكراهية
على
الكنيسة
نفسها، كما
دافع لوثر
عن مقولة
الطاعة
المطلقة
للحكام
الزمنيين،
حتى وإن
كانوا من
صنف الحكام الظلمة
والمتجبرين.
صحيح أن
النموذج
الأمثل
الذي ينشده
لوثر هو
نموذج من
أسماهم بالأمراء
الربانيين
الذين
يديرون
شؤون
الرعية
برأفة
وعدل، ولكن
في حالة
انعدام هذا
النموذج
الأمثل (وفعلا
أضحى هذا
النموذج
غائبا في
عصره) فإن
مبدأ
الضرورة
السياسية -
أي ضرورة
فرض السلم
المدني
ومنع
العدوان -
فرض عليه
إعطاء
الأولوية
للطاعة
والانضباط
المطلقين
على
المطالب
الأخلاقية
المثالية.
ثالثاً:
عملت
البروتستانتية
على نزع
الغطاء
الديني عن
الكنيسة
البابوية
من خلال
دمغها
بالمروق
الديني
والفساد
المالي،
ومن ثم
تجريدها من
مشروعية
التحكم في
أرواح
المؤمنين
وأجسادهم،
ومثال ذلك
أن مقولة
الخلاص
الديني عند
الإصلاحيين
البروتستانت
أضحت
مرتبطة
بدواخل
المؤمن
وإرادة
الرب، وما
عاد لها
علاقة
مباشرة
بالكنيسة
ورجالاتها.
فالخلاص
الديني عند
لوثر
وكالفن
وبقية
تلاميذهما
يتأسس على
الانتداب
أو
الاصطفاء
الربوبي في
تخليص من
يشاء من
عباده ولا
صلة له
بالكنيسة
من قريب أو
من بعيد،
كما عملت
البروتستانتية
بالتزامن
مع ذلك على
نفي فكرة حق
الكنائس
التدخل
المباشر في
مجال
السلطة
السياسية
الزمنية.
ورغم
أن لوثر
أعاد
الاعتبار
لثنائية
المتكلم
المسيحي
أوجستين
الراجعة للقرن
الرابع
ميلادية،
تلك
الثنائية
القائمة
على مملكة
الرب
الروحية
ومملكة
الإنسان
الزمنية
الفانية،
إلا أن
المملكة
الروحية
عنده
وخلافا
لأوجستين
تتعلق
بالمجال
الباطني
الروحي
للمؤمن
أساسا ولا
تتعداه إلى
المجال
الزمني.
رابعاً
: ساهمت
الحركة
الإصلاحية
في تعميق
نزعة
استقلالية
جهوية عن
الكنيسة
البابوية
في روما،
ومن ثم
إعطاء زخم
جديد للروح
القومية
الآخذة في
التبلور،
وعلى هذا
الأساس
أصبحت
البروتستانتية
حاملا
لمشاعر
قومية وإن
كان ذلك ضمن
وعاء لغة
دينية
ورموز
إنجيلية.
فاللوثرية
في
ألمانيا،
والكالفينية
في سويسرا
لم تكتفيا
بالحمل على
البابوية
واتهامها
بالفساد
الأخلاقي
والديني،
بل عملتا
فضلا عن ذلك
على إقامة
كنائسهما
الخاصة في
المواقع
الجغرافية
التي
سيطرتا
عليها،
وانتزعتاها
من بين أيدي
السلطة
البابوية
في روما.
وفعلا تحولت
هذه
الكنائس
بشكل أو
بآخر إلى
خزان حامل
لمشاعر
جهوية
انفصالية،
مهدت
الطريق لما
عرف لاحقا
بتشكل
بالروح
القومية.
ما
سبق ذكره
أعلاه يبين
أنه لا يمكن
تقديم
قراءة جادة
لحركة
العلمنة في
السياق
الغربي
بمعزل عن
القوى
الفاعلة
والمحركة
لهذه
الظاهرة،
ومن ذلك خطل
تلك
المقولة
الرائجة في
أوساط
الكثير من
المثقفين
العرب
والمسلمين
والتي
مفادها أن
الغرب
المسيحي قد
سار على درب
العلمانية
لمجرد كون
المسيحية قد
نادت
بإعطاء ما
لله لله وما
لقيصر
لقيصر، أو
لمجرد وجود
خطاب فلسفي
منافح عن
قيم
العلمنة أو
الإلحاد،
دونما
انتباه
يذكر إلى
الطابع
المركب
والمعقد
سواء
للمسيحية -
نصوصا
ومواريث
كلامية - أو
للتجربة
تاريخية.
صحيح أن
النصوص
الدينية
المسيحية
قد تم
استدعاؤها
وإعادة
تأويلها
بما يخدم
خيار
العلمنة
السياسية،
كما
استعملت
سندا قويا
سواء
لتبرير فصل
الكنائس عن
الدولة أو
لإخضاعها
بالكامل
لسلطة
الدولة
الزمنية،
ولكن مع ذلك
يبدو لي أنه
ما كان من
الممكن
الاتكاء
على هذه
المسوغات
الإنجيلية
والكلامية
لولا ظهور
الدولة
الزمنية
والقوى
الاجتماعية
العلمانية
كقوى
منافسة
للكنائس
ورجال
الدين.
وعلى
هذا الأساس
لا يمكن فهم
حركة
العلمنة من
خلال
التبريرات
الكلامية
أو
المسوغات
النظرية
التي قامت
عليها،
بمعزل عن
البواعث
التاريخية
والقوى
الاجتماعية
الدافعة
لها..
فالعلمانية
تظل في
جوهرها
حركة
اجتماعية
تاريخية
لها
بواعثها
الموضوعية،
وحملتها
الاجتماعيون
قبل أن تكون
منتجا آليا
للنصوص
الإنجيلية،
أو إفرازا
لمدونات
اللاهوتيين
أو تنظيرات
الفلاسفة.
ومثال
ذلك أن
مقولة
إعطاء ما
لله لله وما
لقيصر
لقيصر التي
وردت في
الأناجيل
نقلا عن
السيد
المسيح
عليه
السلام،
كانت هي
نفسها تفهم
ضمن السياق
المسيحي
الوسيط
باعتبارها
دعوة للجمع
بين الديني
والسياسي،
وهي نفسها
أصبحت تفهم
في أجواء "الأزمنة
الحديثة"
وصعود قوى
العلمنة
بدءا من
القرن
السادس عشر
على أنها
دعوة للفصل
بين
الكنيسة
والدولة.
وهذا الأمر
يدل على أن
عملية
تأويل
النصوص
الدينية لا
تنفصل في
حقيقة
الأمر عن
طبيعة
الأوضاع
التاريخية
التي تتنزل
ضمنها، وعن
الأجواء
الثقافية
والمشاغل
السياسية
للمسؤولين.
وعلى
الجملة
يمكن القول
إن
العلمانية
كانت في
محصلتها
النهائية
تعبيرا عن
انكسار
المعادلة
التاريخية
التقليدية
القائمة
على
الكنيسة
المستحوذة
على الدولة
لصالح
معادلة
جديدة تحتل
فيها
الدولة
اليد
العليا فوق
الكنيسة،
أو لنقل
الدولة
المستحوذة
على
الكنيسة،
الأمر الذي
حفز القوى
الجديدة من
خارج
الكنيسة
أولا، ثم من
داخلها
فيما بعد
على إعادة
تأويل
النصوص
الدينية
بما لا
يصادم
المعادلة
الجديد
التي
استقرت
لصالح
الدولة
الزمنية،
وقوى
العلمنة
على حساب
القوى
الكنسية.
ورغم أنه لا
يمكن نكران
دور الخطاب
الفلسفي
والأكاديمي
في تحريك
قاطرة
العلمنة،
ومدها
بالمستندات
النظرية
التي
تحتاجها،
وخصوصا
خلال
القرنين
الأخيرين،
ولكن يبدو
لي أنه من
المبالغة
إرجاع كل
شيء للفكر
وبنى الوعي.
ولا
يمكن فهم
حالة الدفق
الهائل
التي
شهدتها
حركة
العلمنة
خلال
القرنين
الماضيين
بمعزل عن
التحولات
الواسعة
التي خضع
لها الواقع
الغربي في
مجال
الاجتماع
والاقتصاد
ووسائل
العيش، وما
جلبته معها
من تبدلات
في أنماط
الحياة
وأشكال
الرؤية
للعالم
ولنظام
القيم، من
ذلك مثلا
تزايد نسب
سكان
الحواضر
والمدن على
حساب
الأرياف
والبوادي،
والتحول من
الاقتصاد
الزراعي
البسيط إلى
الاقتصاد
الصناعي
القائم على
مكنة
الآلة،
فضلا عن
ارتفاع نسب
التعليم
وشيوع
الثقافة
العالمة
التي تقوم
على
التعليم
الإجباري
في المدرسة محل
ثقافة
الكنيسة.
كما أنه لا
يمكن فهم
التحولات
التي تجري
بين
ناظرينا
اليوم
وبمعزل عن
التحولات
التقنية
وأدوات
التواصل
المستجدة،
وما تحملها
معها من
تغيرات
اجتماعية
وثقافية
واسعة. صحيح
أن القراءة
الماركسية
وكذا الأمر
بالنسبة
للفيبرية (نسبة
إلى ماكس
فيبر) التي
تميل إلى
تفسير كل
شيء
بالاقتصاد
وبنى
الاجتماع كثيرا
ما تسقط في
النمطية
والادعاءات
الشمولية،
وتكون
أخطاؤها
أشد فداحة
حينما يتم
تعميم
النموذج
العلماني
الغربي
والارتقاء
به إلى
مستوى
الكونية ،
ولكنها مع
ذلك تظل لها
مقدرة
تفسيرية لا
يمكن
الاستهانة
بها، مهما
كان وعينا
بمحدوديتها
ونسبيتها.
2 -
نماذج
الدولة
العلمانية
في علاقتها
بالدين
يمكن
القول على
سبيل
الإجمال إن
خيار
العلمانية
كان في
صورته
الغالبة
مستجيبا
لمطلب
تحرير
الدولة
القومية من
سيطرة
الكنائس
التي كانت
تقاسمها
النفوذ
السياسي
تارة،
وتنازعها
أخرى على مر
قرون
متتالية،
وقد تراوحت
هذه
العلاقة
بين ثلاثة
وجوه
مختلفة:
أولاً:
خيار
مصادمة
الدين
والاستيلاء
عليه بقوة
الدولة كما
هو حال
التجربة
اليعقوبية
الفرنسية
والشيوعية
عامة، وهو
نموذج يتسم
بوجهة
تدخلية
ثقيلة،
ونزعة
تسلطية
هائلة، إذ
لا تكتفي
الدولة هنا
بإضعاف
الدين ورده
إلى حدود
الكنائس
ودور
العبادة،
بل تعمل
أكثر من ذلك
على تطهير
مناهج
التعليم
والثقافة
العامة من
أي حضور
ديني،
وإحلال
الروح
الدهرية
محلها،
فضلا عن
المراهنة
على تخليص
المؤسسات
الاجتماعية
والسياسية
من أي أثر من
آثار الدين.
وبالنظر
إلى ثقل
الدور
المؤسسي
للكنيسة
البابوية
في فرنسا
والأرثودوكسية
في روسيا،
ثم
التوجهات
المعادية
للدين التي
طبعت كلا
منهما، فقد
حاولت
الدولة
العلمانية
التخلص من
سيطرة
الكنيسة
عبر
الصدمات
العنيفة،
مع ما رافق
ذلك من صراع
وتدابر
متبادل بين
الطرفين.
فالعلمانية
هنا لا
تكتفي
بتحرير
الدولة أو
الفضاء
السياسي
عامة من
سيطرة
الكنيسة بقدر
ما تعمل على
إحلال دين
علماني
وضعي محل
الديانات
القائمة،
أي فرض رؤية
دهريه وغرس
قيم
ومسلكيات
علمانية
صلبة تحل
محل
التصورات
والقيم
الدينية
وذلك بقوة
الدولة
وأجهزتها
الإيديولوجية
والعنفية.
ثانياً:
خيار
الانفصال
الوظيفي
بين الدولة
والكنيسة
مع
الالتزام
بحيادية
الدولة
إزاء الشأن
الديني،
كما هو حال
بعض البلاد
السكاندينافية.
ولكن من
المهم
التنبيه
هنا إلى أن
مسألة
الحياد هذه
تظل مقولة
نسبية بل
مشكوكا في
صدقيتها في
الكثير من
الأحيان. إذ
يتبين عند التحقيق
التاريخي
أنه لا
توجد دولة "سلبية"
بإطلاق،
وليس لها
أجندتها
الثقافية
وسياساتها
الدينية
الخاصة بها
التي تعمل
على فرضها،
رغبا
ورهبا، على
المجتمع.
هذا إذا ما
أخذنا بعين
الاعتبار
أن إحدى
الملامح
الأساسية
التي تطبع العصر
الحديث
تتمثل في
ظهور
الدولة
الدهرية
كفاعل أعظم
في توجيه
حياة
الأفراد
والجماعات،
وفي صنع
أذواقهم
وأنماط
معاشهم،
فهي التي
تحتكر
أدوات
العنف
وتنفرد
بشرعية
استخدامه
على نحو ما
بين ذلك
عالم
الاجتماع
الألماني
ماكس فيبر،
وهي التي
تحدد أنظمة
التعليم
وأدوات
صياغة
الوعي
العام، وهي
التي ترسم
الحدود
الفاصلة
بين دائرة
المشروع
وغير
المشروع.
وقد
تعاظم نفوذ
هذه الدولة
أكثر
فأكثر،
وتقوت أذرع
سيطرتها
بما هو أشدّ
مع التطور
الهائل
وغير
المسبوق
الذي
أتاحته
التقنيات
الحديثة
ومعها
أدوات
الرقابة
بالغة
التطور،
مثل
الحاسوب
والكاميرا
والالكترونيات
بأنواعها
المختلفة،
ثم أخيرا
وليس آخرا
التقنيات
الرقمية
الموصولة
بالأقمار
الصناعية،
والعلوم
البيولوجية
الجينية
التي توظف
كلها من طرف
الدولة
المركزية
الحديثة،
إلى الحد
الذي تحول
فيه "المواطن"
الحر
والرشيد
الذي تتحدث
عنه
الأدبيات
الليبرالية
بصورة
حالمة إلى
مجرد خزان
معلوماتي
ورقمي
مبسوط أمام
أعين وآذان
الدولة -
الرقيب،
واستحال
أمره إلى ما
يشبه
العجينة
الطيعة
والقابلة "للتصميم"
الاصطناعي
على أيدي
الدولة
وخبرائها
المهرة.
وبغض
النظر عن
علاقة
الدولة
الغربية
الحديثة
بالدين
والكنيسة،
وعما إذا
كانت
موصولة
بالدين
والكنيسة
أو منفصلة
عنهما، وما
إذا كانت "ديمقراطية"
أو شمولية
فالثابت في
كل ذلك أن
هذه الدولة
قد أضحت
اللاعب
الأكبر،
بعد أن فرضت
سيادتها
العلوية
والقاهرة
فوق جميع
القوى
والجماعات
المنظمة،
بما في ذلك
الكنائس
والهيئات
الدينية،
وأجبرتها
طوعا وكرها
على
التسليم
بسلطتها
الفوقية
والمطلقة،
وفي هذا
الإطار
نفهم مقولة
شهيرة ظل
يرددها
منظرو
الدولة
الحديثة
وهي أن "الكنيسة
في الدولة،
أما الدولة
فهي فوق
الكنيسة".
وأخلص
من ذلك إلى
القول بأن
الدولة
الحديثة بما
في ذلك
شكلها
الليبرالي
الناعم
والتي
غالبا ما
تدعي
الحيادية ليست
في حقيقة
الأمر حيادية
إلا
بمقادير
نسبية، هذا
إذا ما
علمنا أن
الدولة "الحيادية"
هي نفسها
التي تقوم
على ضبط
حدود
الديني
ورسم
مجالاته
وفق رؤاها
وأولوياتها،
وهي التي تفرض
ثقافتها وإيديولوجيتها
الخاصة - فوق
أي ثقافة
أخرى سواء
أكانت دينية
أم وضعية.
كما أن
مقولة
الحياد هذه
لا تعني
التزام
الدولة على
نحو ما تدعي
المساواة
بين كل
الديانات
والطوائف
الدينية.
ثالثاً:
خيار الربط
الوظيفي
بين
الكنيسة
والدولة
كما هو
الحال في
بريطانيا
وايطاليا
وايرلندا
واليونان
وإلى حد ما
أميركا
التي فصلت
دستورا
ولكنها
ربطت واقعا
ربطا وثيقا
بين
الجانبين.
يتسم
هذا
النموذج في
صورته
الغالبة
بإعطاء دور
متقدم
للدين
والكنيسة
في الفضاء
العام
والحياة
السياسية،
وتبدو هذه
العلاقة أقرب
ما يكون إلى الوفاق
والتناغم
منها إلى
التأميم
والتصادم..
هكذا تتيح
الدولة
للكنيسة
والدين
عامة دورا
متقدما في
مجالات
التعليم
والثقافة،
وتمكنهما
من ممارسة
حضور نشيط
في مجال
المجتمع
المدني،
مقابل ذلك
توفر
الكنيسة
للدولة
نوعا من
الإسناد
ومددا
بالشرعية
الرمزية،كما
هو واقع
الحال في
بريطانيا
حيث يتيح
النظام
الملكي
نوعا من
الامتياز
الخاص
للكنيسة
الانجليكانية،
ولا تتردد
هذه
الأخيرة في
إسناد
الملكية
بطقوسها
ورمزياتها
الدينية.
أما في
الولايات
المتحدة
الأميركية،
فينص
الدستور
على فصل
الكنيسة عن
الدولة،
إلا أن
الثقافة
السياسية
في هذا
البلد،
وطريقة
حياة
الأميركيين
وأعرافهم
الاجتماعية
لا تشهد
بذلك. كما أن
الكنائس في
هذا البلد
مازالت
تتمتع
بحضور قوي
وفاعل في
مختلف
مناحي
الحياة
الأميركية
بما في ذلك
في الحياة
السياسية
وفي قلب
الأحزاب
الكبرى، إذ
يطبع الدين
مختلف
مناحي
المجتمع
الأميركي
ومفرداته.
وفي بلد مثل
إيطاليا
مازال
الفاتيكان
يتمتع
بنفوذ
سياسي قوي
إذ كثيرا ما
يتدخل في
تعيين
وزرائه في
الحكومة
وفي
الإطاحة
بآخرين غير
مرغوب
فيهم، هذا
إذا ما
علمنا أن
الكنيسة
الكاثوليكية
تعد جزء
مكينا من
الهوية
القومية
والأمجاد
التاريخية
للايطاليين.
(يتبع في
العدد
القادم)
|