على هامش العدوان على غزة

المصريون وتحنيط الروح الوطنية

العدد الثالث والعشرون
السنة السابعة/ ماي - جوان 2009


خلدون الخويلدي

في كل أصقاع الدنيا تحرص المناهج التعليمية على أن تربي النشء على أن حب الوطن من الإيمان، وأن تقرن الولاء للوطن بالإيمان بالله.. ويردد الطفل منذ نعومة الأظافر ودون فهم، الأناشيد في حب الأوطان، والاستعداد للتضحية بالنفس في سبيلها.. ففي تونس ينشد التلاميذ كل يوم في طابور الصباح "لقد صرخت في عروقنا الدماء نموت نموت ويحيا الوطن". وفي مصر ينشدون "بلادي بلادي بلادي.. لك حبي وفؤادي".

فهل حب الوطن فطرة جبل الإنسان عليها كالمحبة بين الآباء والأبناء، أم هو مكتسب قد يقوى ويضعف بعوامل التربية والتعليم والبيئة وغيرها؟ ولماذا يختلف مؤشر الوطنية بين فرد وآخر، وبين شعب وآخر، ارتفاعا وهبوطا.

قد يذهب المختصون من علماء الجينات مذهبا لا يقبله علماء الاجتماع. وقد يشير آخرون برأي ثالث ورابع. غير أن ما لا تخطئه عين أن شعب مصر عموما فريد في إظهار حبه لبلده.

اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَا سَأَلْتُمْ

كلما اقتربت الطائرة - التي تنقلك من أي بلد كان إلى أجواء مصر - من الوصول، كلما سمعت من الآيات والأدعية والتكبير والتهليل ما ينشرح له صدرك. وكلما وقع البصر عبر سماء قاهرة المعز على أهراماتها ومبانيها وعلى حقول الدلتا ومياه النيل، ترتفع الأصوات من حولك بكلمات الحنين ما يدغدغ العواطف، ومن الألحان والأشعار ما يشنف الآذان وتطرب له النفس، تتغزل بأم الدنيا مصر المحروسة، ويمتزج كل ذلك مع جمل المديح الخفيفة العذبة التي تكيل الشكر والإطراء للطيار ومهارته بألفاظ مصرية خالصة: "إيه ده" و"كيده باردو" و"تسلم يا ريس".

حوار مع صديقي المصري

كلما تحدثت مع بعض الإخوة المصريين  - ويدخل في ذلك العديد من الذين ترتاح عادة إلى تحليلاتهم في مواضيع شتى - عن الموقف الراهن لبلادهم من مجمل قضايا الملف الفلسطيني، تفاجئك ردة فعل لا تتوقعها، خاصة إذا تعرضت بالنقد للموقف الرسمي المصري خلال الحرب على غزة والحصار المتواصل، الذي تساهم فيه مصر الرسمية بالإغلاق التام لمعبر رفح، والضرب بعنف في حوادث متكررة لكل من يحاول التسلل عبر حدودها.

قد تحتار من هذا السلوك الرسمي الذي لا تستطيع فهمه في ضوء ماضي مصر، ولا في ضوء ما شاع بين الناس شرقا وغربا، عربا وعجما، من مواقف مصرية أصيلة تجاه قضية العرب والمسلمين المركزية. ولكنك تزداد حيرة على حيرتك الأولى عندما يأتيك الرد من محاورك وقد تغيرت ملامحه، واستعد كالملاكم ليرد بتبرير مسطح، وتفسير عصي على الفهم والهضم، على كل تساؤل تبديه أو نقد تطلقه.

أصبح من المعروف أن الاختلاف الهادئ في وجهات النظر وارد وجائز بل مستحب في الكثير من الأحيان، حتى يتبين الأبيض من الأسود. وقد قال الإمام علي رضي الله عنه وكرم وجهه  "اضرب الرأي بالرأي يبدو لك برق الصواب"، لكن قد يضيق صدرك عندما يتصف رد صاحبك بحمية لا مبرر لها، تؤدي إلى خلط واضح بين ما يقدم فيه الحجة والدليل، مع ما لا يمكن تبريره أو قبوله ولا يستصيغه عقل ولا منطق.

الملفت للنظر كذلك أنك ما إن تذكر مصر لمحاورك حتى يستيقظ لديه حس وطني جياش يجري في عروقه مجرى الدم، ويسري في دمه كما هرمون الأدرينالين، فيشل الحركة الذهنية لديه، والقدرة على الأخذ والعطاء والتفاعل الإيجابي عند النقاش والمحاورة. فتسمع من كلامه تعميما لم تعهده منه في غير هذا الموضع، وتلمس ثنائية كريهة بين "نحن المصريون" و"أنتم الآخرون".

مناقشة الوضع المصري في الداخل لا في الخارج

سوف تتساءل بلا شك هل المصريون كل المصريين متفقون فعلا حول البرنامج والمنهج في التعامل مع الملف الفلسطيني.. رأيهم واحد وموقفهم يتطابق مع الموقف الرسمي لبلادهم في هذا الموضوع بالذات؟

1-    إذا تابعت التأمل ودققت النظر بموضوعية وتجرد في ما يدور بين المصريين أنفسهم من حوارات حرة، وما يطرح في وسائل الإعلام عندهم من وجهات نظر مختلفة ومتعددة، لا بد أن تندهش لذلك، ويشدك هذا الثراء والعمق. غير أنك لا بد أن تعود لتتساءل مرة أخرى لماذا هذه المعايير المزدوجة إذا؟ وكيف يقع في مثل هذا المطب بعض المثقفين والمتابعين للشأن العام، خاصة إذا كان محاورهم من "الآخرين".

والحال هذه هل يجوز لأحدهم أن يتكلم بنون الجمع، والعديد من المصريين من كتاب وصحفيين وأهل رأي، من الذين يقرأ لهم المرء ويستمع لقولهم في أصقاع المعمورة، يرون الصواب بغير العين الرسمية من أمثال فهمي هويدي ود. محمد سليم العواء وبكري وغيرهم؟..

هل يجوز التعميم والنطق باسم الكل، ورموز المجتمع أو الكثيرون منهم يرون ويكتبون ويخطبون في المساجد ويصرحون للإعلام بغير ذلك.. هل هؤلاء ليسوا بمصريين؟. هذا عن الأفراد أما عن الأحزاب والجماعات فنفس الكلام يصح بنفس القدر أو أكثر.. يراجع هنا موقف الأحزاب الرسمية وغير الرسمية، وآخرها تصريح السيد مهدي عاكف الذي يناقض إدعاءات الحزب الوطني الحاكم

2-    وفي الجهة المقابلة "أنتم الآخرون": هل كل من ينتقد الموقف الرسمي المصري تجاه غزة وحصارها ويقول إنه موقف خاطئ وجائر هو إنسان متحامل على مصر، وينتقص من قدرها ومكانتها؟ وهل يقف هؤلاء دوما صفا واحدا ضد مصر حتى نخاطبهم بالجمع؟.

الكل يعلم جيدا ما قدمته مصر البلد والشعب، ولا نستثي حتى العديد من الرسميين الوطنيين من تضحيات في خدمة القضية المركزية وخدمة غيرها من قضايا الشعوب المستضعفة. ومن ينفي ذلك فهو جاحد وظالم لنفسه أولا...

قد يرى البعض من المتابعين والنقاد أن هذا الدعم ليس ثابتا ولا بنفس المستوى والوتيرة، ولكنه ما يكاد يضعف أو يختفي حتى يبرز من جديد وبنسق أقوى. هذا ليس مدحا ولا إطراء في غير محله، بل شهادة سجلها التاريخ. وهذا واجب يراه وينهض به المصري البسيط قبل غيره.. وهذا أيضا ما ألفه الناس في كل مكان من مصر والمصريين، وهذا ما يتوقعونه منهم دائما كذلك.. هذا قدر مصر أن تكون في القلب للمصريين وللآخرين لأنها في القلب جغرافيا وبشريا...

الموقف المصري الراهن:

أما في اللحظة الراهنة فكيف يمكن تقويم الأداء المصري في هذا الزمن الرديء.. رديء لأن حفنة من الصهاينة الجبناء تنادوا من أصقاع الدنيا بشريا وماديا، يشنون حملة إبادة، بالحرب وبالحصار، على إخواننا في غزة فلسطين، بعد أن تسللوا إليها على حين غفلة من أهلها... وينتهكون المقدسات ليلا نهارا على مرأى ومسمع من الجميع، وكلنا ينظر إلى التهديدات وهي تنفذ الواحدة تلو الأخرى، بل ونتوقع تخريب المسجد الأقصى في كل لحظة أمام أعيننا.

في ظل هذا الزمن الرديء يتجدد السؤال: أداء من نعتمد؟ في مصر هناك الاتحادات والجماعات والنقابات .. أهلها لكل أبواب الخير يتسابقون. الكل يجمع التبرعات والإعانات ويسيّر القوافل إلى معبر رفح الحدودي. وحتى الأفراد فالكثير منهم يعبر عن استعداده للتضحية بالنفس والنفيس.

أما ما يقع عند المعبر فتلك حكاية أخرى... يقف أمامها المصري وغير المصري عاجزا.. حائرا.. موقف حكومي مخز ومعيب بكل ما في الكلمات من معنى.. بشهادة القريب والغريب، والشواهد مسجلة والروايات أكثر من أن تحصى، وهي متواترة ومتواصلة إلى اليوم والغد، ولا أحد يحرك ساكنا.

المسرحية المذهبية

ولصرف الأنظار يسرع أصحاب التوريث، والذين يفرطون في الغاز المصري وفي الثروات الأخرى إلى الأعداء، إلى حبك المسرحية المذهبية، مستنجدين بفزاعة التشيع، كما لو أنهم أحرص من الناس على صفاء عقائدهم..

ومن سخرية القدر أن تنطلق فصول المسرحية الرديئة من مدينة المعز لدين الله الفاطمي التي بناها ومنارتها العلمية الأزهرية، وأن تجد لها تجاوبا وصدى في أقصى الغرب، ممن أسس عرشه ويستمد مشروعيته من التشيع للنسب الشريف!

هذا المنزلق خطير يريد أن يستحضر الفتنة الكبرى مرة أخرى. ولما كان الزمن غير الزمن، والرجال غير الرجال، والفقه غير الفقه. فالأمل ألا تـنقلب الأولويات وألا تلتبس الأمور. كل أمر له مكانه كتابا موقوتا. أما اللحظة الراهنة فتستدعي أن نواجه العدو المغتصب للمقدسات، الذي خصص له القرآن ثلث محتواه، بالقصص عبرا، وبالتحذير منه ومن موالاته. وجب على الكل في هذه اللحظة التاريخية البحث عن كل داعم وكل مساند من قريب أو من بعيد من إيران إلى فينيزويلا... وسواء كانوا صادقين في ذلك أم منافقين.

ألم يكن أولى بنا أن نتناوب الأدوار بذكاء، لا أن ننبش عن عوامل التفرقة. ألسنا بحاجة كذلك أن نحيَد ما استطعنا من أصدقاء الصهاينة في أوروبا. وأن نشق صفوفهم كما قال صلى الله عليه وسلم لنعيم بن مسعود يوم الأحزاب "أنت رجل واحد فخذل عنا ما استطعت، فإن الحرب خدعة"، لا أن نفتح جبهات معادية أخرى كما يفعل النظام المصري مع إيران، وهو الذي لا يعتبر الكيان الصهيوني عدوا، ثم نراه يقزم دوره بالتمحض لمواجهة حزب ما في بلد ما..

وأخيرا

1-     وجب علينا التفريق وأن نتجنب الخلط بين أمرين:

-         أولهما: أصحاب المواقف السياسية التي تقف إلى جانبنا وتدعم قضايانا. وقد يكون ذلك لمصلحة ما تخصها، ولا ضير في ذلك، كالقوى التي تعارض أمريكا. بل علينا أن نبحث عن هؤلاء الذين قد نلتقي معهم ولو مرحليا كدول أمريكا اللاتينية.

-         وثانيهما المبدإ الإيديولوجي أو الفكري أو المذهبي لهؤلاء. إذ لا يعقل أن نشترط عليهم أن يتبنوا عقائدنا لنتحالف معهم. نعم ليتهم يفعلون، وهذه مهمة الدعاة إلى الله، ولكن ذلك لا يعيق تحالفنا معهم، طالما كان التحالف يحقق مصالحنا ومصالحهم المشروعة.

2-    أما الذين أعمى بصيرتهم تجلط الحب الوطني في دمائهم على طريقة الأجداد القدامى في تحنيط جنائز موتاهم، فعليهم بتشخيص المرض واستئصاله قبل أن يهلكوا (بفتح اللام) ويهلكوا (بكسره) الحرث والنسل.

3-     أما الحرص على صفاء عقيدتنا فهذا من صميم فهم الدين عند كل واحد منا، وهو فرض عين على كل مسلم ومسلمة قبل إقام الصلاة وإيتاء الزكاة. ولا شأن للحاكم الفاقد لكل شرعية به.


© aqlamonline 2009