|
محمد
فوراتي
ليس
هناك منطق
واحد سليم
ومتماسك
يمكن أن
نفهم به
الكثير من
الأحداث
التي تمر
بها
بلادنا،
سواء كانت
هذه
الأحداث في
المشهد
الاجتماعي،
أو داخل
المنظمات
والأحزاب
والنقابات.
حتى وإن
سايرنا بعض
التحاليل
التي يمكن
أن تزيل عن
عينيك
الغشاوة
والغموض،
فستجد نفسك
في نهاية
الأمر في
دائرة
العبث وضمن
قضايا
وهمية،
عبثت بها
الأصابع
حتى تعفنت،
ولم تعد
تقود إلا
إلى الضياع.
وما
أقصده هنا
تحديدا: ما
الفائدة
التي يمكن
أن تنتج عن
الصراعات
والانشقاقات
والأزمات
التي تمر
بها
المنظمة
تلوى
الأخرى،
والحزب
تلوى
الآخر؟ وما
هي الفائدة
التي يمكن
أن تجنيها
تونس، آجلا
أم عاجلا،
من توتير
الوضع
الاجتماعي
والثقافي
والسياسي ،
والذي
تساهم بعض "النخب"
للأسف
الشديد في
إذكاء
ناره؟
وهل
يعي الكثير
من النشطاء
والمثقفين
والسياسيين
والنقابيين
أنهم
يبدعون في
تضييع
الوقت،
وخسارة
الجهد،
وتوليد
الصراعات
العبثية؟
في الوقت
الذي تحقق
فيه
مجتمعات
مماثلة
قفزات
نوعية على
عدة
مستويات
سياسية
واجتماعية
وعلمية
واقتصادية؟
ثم هل
أصبحنا
عاجزين
تماما عن حل
اختلافاتنا
الطبيعية
بالحوار؟
هذه
الاختلافات
التي تتحول
من عامل
إثراء
وتنمية لدى
الآخرين
إلى عامل
هدم وتخريب
لدينا.
(1)
أخيرا
وصل الشقاق
والخلاف
إلى
النقابة
الوطنية
للصحفيين
التونسيين،
بعد نشر
تقريرها عن
الحريات
الصحفية،
الذي يصدر
كل سنة
بمناسبة
اليوم
العالمي
للصحافة.
وتناقلت
وسائل
الإعلام
مشهد العنف
اللفظي،
والتهديد
بالاعتداء.
ثم توالت
الأحداث
متسارعة
ليبدأ فريق
"الموالاة"
بترويج
عريضة لسحب
الثقة من
المكتب
التنفيذي،
والدعوة
إلى مؤتمر
استثنائي.
كما أعلن
ثلاثة من
أعضاء
المكتب
استقالتهم
بالفعل
مسايرة
لنفس
المشروع،
الذي يبدو
أن بعض
الأطراف
تصر على
تنفيذه حتى
النهاية.
لقد
كانت
النقابة
الوطنية
للصحفيين
التونسيين
حلما
لأجيال
متعاقبة من
الإعلاميين،
وكانت
نتاجا
طبيعيا
لنضالات
وتضحيات
كبيرة
دفعها
الكثير من
زملائنا،
كما كانت
ولادتها
عسيرة، بعد
ممانعة
وصدّ من
الحكومة
طال لسنوات.
وساهم في
تحقيق هذا
الحلم نضال
عدد من
الزملاء في
نقابة
الصحفيين
المستقلة
التي التحق
أعضاؤها
بالنقابة
الوليدة
إيمانا
بنبل
المشروع،
وضرورة
التوحد
لتحقيق
المطالب
المادية
والمهنية.
وقد كانت
الفرحة
واسعة في
الداخل
والخارج
بتأسيس هذه
النقابة
الحلم،
وخاصة بعد
فوز مكتب
تنفيذي
مستقل، يضم
ألوانا
مختلفة
تمثل الطيف
الصحفي
التونسي.
من
الطبيعي
جدا أن تعمل
السلطات
على عرقلة
مشروع
نقابة
مستقلة
للصحفيين،
وأن تسعى
بكل
الوسائل
لإلحاقها
بعشرات
الجمعيات
والنقابات
التابعة،
التي لا
رسالة لها
إلا إصدار
برقيات
التأييد
والمناشدة.
ولكن من غير
الطبيعي
والمنطقي
أن يصطف
عشرات
الصحفيين
في مشروع
تخريب
النقابة،
أو
تقسيمها،
أو حلها، أو
شغل
أعضائها
بصراعات
داخلية،
تستنزف
طاقتهم
النضالية
مقابل بعض
المنافع
الشخصية (التافهة).
فالحكمة
تقتضي من
هؤلاء، حتى
وإن كانت
لهم وجهة
نظر أو
منافع
يريدون
تحقيقها،
أو ضغوط
يخشون
وطأتها، أن
يحافظوا
على هذا
الحلم الذي
هو حلم
الجميع،
وهو الهيكل
الذي
سيمثلهم
ويمثل
مصالحهم،
ومصالح
الأجيال
القادمة من
الصحفيين.
فليختلفوا
مع هذا
المكتب أو
مع من سيأتي
بعده، فهذا
في نظري أمر
طبيعي،
ولكنهم يجب
أن يدركوا
أن تآمرهم
على
النقابة
واستقلاليتها
هو تآمر على
أنفسهم،
وعلى
مصالحهم.
فمن يحركهم
سيحرك
غيرهم
ويتخلى
عنهم في يوم
من الأيام.
لقد
قرأت
الكثير من
المقالات
التي تلقي
بكل اللوم
على النقيب
ومن معه في
المكتب
التنفيذي،
والتي تنشر
تباعا في
الصحف
اليومية
والأسبوعية،
في تحامل
واضح على
التيار
المستقل،
وانتصار
لتيار "الموالاة"
داخل الجسم
الصحفي. ولم
أجد فيها ما
يقنع، إذ لا
تتعدى
كونها ليّا
لعنق
الحقيقة،
والإصرار
على الحفاظ
على الوضع
المتعفن
كما هو دون
تطور. فهل
يمكن أن
ينكر أحد
بأن وضع
الكثير من
الصحفيين
اليوم هو في
أدنى السلم
على
المستوى
المادي
والمعنوي؟
وهل يمكن أن
نقول إن
حرية
التعبير
والإعلام
على أحسن
حال، في
الوقت التي
تسير فيه
الصحف
المكتوبة
والإعلام
المرئي
والمسموع
على نفس
الإيقاع
الواحد،
وفي الوقت
الذي تمارس
فيه سياسة
الترغيب
والترهيب
على
الصحفيين،
وسياسة
التجويع
على كل من
يسمح لقلمه
بأن يكون
حرا أو
مستقلا؟
اطلع
الكثيرون
على تقرير
النقابة عن
الحريات
الصحفية
الصادر هذه
السنة، ولم
يكن فيه ما
يختلف عن
تقارير
جمعية
الصحفيين
السابقة،
بل هو أضعف.
فلماذا إذا
كل هذا
الغضب من
قبل جماعة "الموالاة"؟
أليس من دور
كل نقابات
الصحفيين
في العالم
أن تتحدث عن
الانتهاكات
والنقائص
والثغرات
في حرية
التعبير؟
أليس من
دورها أن
تتحدث عن
التجاوزات
التي تحدث
ضدّ
الصحفيين
وتدافع عن
حقوقهم
المادية
والمعنوية؟
أم أنه يراد
لنقابتنا
أن يكون لها
دور آخر؟ ثم
هل كذب
التقرير في
الوقائع
والأحداث
التي
سردها؟
وإذا كانت
هناك وقائع
مكذوبة
فلماذا لم
يرد عليها
الجماعة
بالحجة
والبرهان؟
بل حتى سلطة
الإشراف لم
تكذبها ولم
ترد عليها.
إن
هذا الصراع
المفروض
على
استقلالية
النقابة،
والذي
أصبحت
غاياته
والأصابع
التي تحركه
واضحة، لا
يشرف
الصحفيين
التونسيين
وتاريخهم،
ولا يخدم
مصالحهم،
بل لن يكون
في صالح
أحد، لأن
سقوط
النقابة
مرة أخرى في
التبعية،
تعني نكسة
كبيرة
للمشهد
الإعلامي
التونسي،
ونقابة
تابعة هي
بالضرورة
نقابة
ضعيفة، ولا
يمكنها أن
تمثل
الصحفيين
أو تدافع
عنهم أو
تستقطبهم،
أو تساهم في
تطوير
المشهد
الإعلامي.
إن
الواقع
الراهن
يتطلب من كل
صحفي يحمل
قلما أن يقف
مع وحدة
النقابة
واستقلاليتها
عن الجميع،
سلطة
ومعارضة
وأي قوة في
العالم؟
وأن يكون
ولاء
الصحفيين
قبل كل شيء
لكرامة
الصحفي
التونسي،
ومكانته في
المجتمع،
ولميثاق
الشرف،
وللحرية
التي
بدونها
سنفقد كل
مكتسباتنا.
وتتطلب هذه
اللحظة
الراهنة
التي أصبح
فيها مشروع
النقابة
مهددا أن
نغلّب منطق
الحكمة
والعقل،
وأن نجلس
إلى طاولة
الحوار
لنجد
الآليات
الممكنة
لتسيير
ديمقراطي
لهذا
المكسب
الثمين،
الذي إذا
خسرناه
سنندم
جميعا.
(2)
في
نكسة أخرى
للمشهد
السياسي
التونسي
استقال عدد
من أعضاء
الحزب
الديمقراطي
التقدمي،
بمن فيهم
قيادات من
المكتب
السياسي.
وإذا كانت
هذه ليست
المرة
الأولى
التي يشهد
فيها حزب
تونسي
استقالات
وخلافات
وانشقاقات،
فقد مثل ما
حصل ضربة
قوية
لمشروع
سياسي
راشد، كان
يعتبر حلما
للكثير من
التونسيين،
وكان يمكن
أن يساهم
بفاعلية في
تطوير
المشهد
السياسي
التونسي،
والتقدم
خطوة نحو
المشروع
الديمقراطي.
لقد
عاشت أغلب
الأحزاب
التونسية
وحتى
المنظمات،
إن لم نقل
كلها، (قلاقل
واضطرابات)
على مدى
تاريخها،
أدى في بعض
الأحيان
إلى
انشطارها،
أو توالد
تنظيمات
جديدة.
وأذكر على
سبيل
المثال لا
الحصر: أن
التكتل
الديمقراطي
خرج من رحم
حركة
الديمقراطيين
الاشتراكيين
(التي خرجت
من عباءة
الحزب
الدستوري)،
وأن الحزب
الإشتراكي
اليساري هو
وليد
انشقاق عن
حزب العمال
الشيوعي
التونسي،
وأن حرية
وإنصاف
تكونت بعد
خلاف في
الجمعية
الدولية
لمساندة
المساجين
السياسيين.
وبدرجة
أقل عاشت
مختلف
الأحزاب
الأخرى
سواء
الموصوف
منها
بالقرب من
الحكم، أو
تلك التي
لها مواقف
راديكالية
أو ذات
توجهات
نقدية
وإصلاحية،
خلافات
واستقالات،
وحرب
بيانات.
وتابعنا
هذه
الفصول،
خاصة في
الاتحاد
الديمقراطي
الوحدوي
وحزب
الوحدة
الشعبية
وحركة
التجديد
وحركة
الديمقراطيين
الاشتراكيين
والتكتل.
ولم ينجو من
هذه
القلاقل
حتى
الأحزاب
غير
المعترف
بها التي
بنت
مواقفها
على تجانس
مناضليها
وترابطهم
الأيديولوجي.
من
المؤكد أن
أصابع
السلطة
ليست دائما
بعيدة عن
هذه
الخلافات
والانشقاقات
الداخلية،
بهدف إضعاف
أحزاب
المعارضة
والمنظمات
الحقوقية،
وشغلها عن
القيام
بواجبها في
المطالبة
بالتغيير
وحرية
التعبير
والعدالة
الإجتماعية،
ولكني أرجح
أن الضعف
والمشكلة
داخلية في
أكثر هذه
التجارب،
وأن
العوامل
الخارجية
إن وجدت
ليست إلا
لتغذية هذه
الخلافات،
والذهاب
بها بعيدا
إلى حدّ
إفساد لعبة
الاختلاف.
فالعقلية
التي تسود
المعارضة
وأساسا
رموزها
القديمة هي
عقلية
الرأي
الواحد،
وعقلية
الجندي
الذي يجب أن
ينضبط
للقرارات
واللوائح
والقوانين
الداخلية،
وكل من يعبر
عن رأي
مخالف، فهو
عدو
للمشروع
ومتهم
بالخيانة.
وتتعطل لغة
الحوار في
أكثر
الأحيان
لأسباب
تافهة، ولا
ترقى إلى
خلاف برامج
أو خلاف
سياسي، بل
في كثير من
الأحيان
تصبغ
الخلافات
الشخصية
بخلافات
سياسية،
وتضخم بشكل
مرضي، حتى
يصبح معها
التعايش
مستحيلا
بين رفاق
الأمس.
ومن
خلال ما
تقدم من
تجارب
حزبية،
وصراعات
داخلية،
فقد فشلت
النخبة
السياسية
التونسية
في توطين
مبدأ
الحوار
والمأسسة،
وحل محلها "الشللية"
والتعامل
الرعواني
مع كل خلاف
للرأي يبرز
في هذا
الحزب أو
تلك
الجمعية.
فالمتعارف
عليه أن مثل
هذه
الخلافات
تقع في كل
الأحزاب
والمنظمات
في كل أنحاء
العالم،
ولكنها تحل
بطريقة
ديمقراطية،
وتدار
بالحوار
وبكل هدوء،
وبدون
عداوات
شخصية
وتناحر "طائفي".
أما في تونس (وفي
بعض الدول
العربية)
فكل خلاف
يعني قطيعة
وحربا
وانشقاقا.
ولذلك
نفهم
وبصورة
أقرب لماذا
نرى عزوفا
واسعا لدى
الشعب
التونسي،
وخاصة لدى
الشباب، عن
العمل
السياسي
والجمعياتي.
فهذه
المشاريع
السياسوية (ذات
الأفق
المحدود)،
التي تحمل
بذور
نهايتها
داخلها، لا
يمكنها أن
تستقطب
أعدادا
هائلة من
الجمهور،
وهي تساهم،
يوما بعد
يوم، في زرع
الإحباط
واليأس لدى
الناس من
التغيير.
ودائما ما
نسمع ذلك
الجواب
التقليدي
لدى عامة
الشعب: كيف
نشتغل مع
مجموعة
عجزت حتى عن
التوافق
على برنامج
سياسي
أدنى؟
ولماذا
أضيع وقتي
مع سياسيين
لا يعيشون
بدون
خصومات،
وتركبهم
النعرات،
وتحكمهم
الانفعالات
الشخصية،
أكثر من
البرامج
والمبادئ.
هناك
اليوم مئات
المناضلين
خرجوا من
أحزابهم،
وشطبوا
نهائيا
إمكانية
العمل
السياسي،
بسبب هذه
العقليات
المسيطرة.
وكل يوم
يخسر
المشهد
السياسي
التونسي
كوادر
وطاقات
جديدة تحال
على الرف،
وتفضل
الاستقالة،
على "وجيعة
الراس"، بعد
أن يئست بل
قتلها
اليأس من
إمكانية
الإصلاح
الداخلي،
داخل
الأحزاب
والجمعيات،
فما بالك
بإصلاح
شؤون بلد
بحاله.
ومسايرة
لنفس هذا
التحليل
يمكننا أن
نفهم لماذا
وئدت كل
محاولات
التحالف
السياسي،
وإقامة
الجبهات
السياسية
بين أحزاب
المعارضة.
فرموز
المعارضة
في تونس
بارعون
جدا، في
البحث عن
نقاط
الخلاف،
وعدم
الالتقاء،
وفاشلون
كثيرا في
العثور على
قضايا
تجمعهم،
وتوحدهم،
حتى بشكل
مرحلي.
والأدهى
والأمرّ،
أنهم
يورثون هذه
العداوات
الواهمة،
والعقليات
الحزبية
الضيقة،
للأجيال
الجديدة من
الشباب.
لقد
كانت تجربة
الحزب
الديمقراطي
التقدمي
تقوم على
إقامة
ائتلاف
موسع على
قاعدة
برنامج
سياسي
جامع، مع
وجود
اختلاف
فكري،
وتباين
نظري في بعض
القضايا،
لا يفسد
المبادئ
الكبيرة
التي يلتقي
عليها
مناضلوه.
وكان
المشروع
كبيرا
وطموحا،
ومثل
لسنوات
أملا
للكثير من
التونسيين
في الخروج
من سلبية
المعارضة
وضعفها
وتشتتها،
وأصبح
الحزب محل
استقطاب
إعلامي
وسياسي،
وبدأ
المشروع
يثمر بعض
النتائج
على الأرض،
ويستقطب
حوله
الكثير من
المناضلين
من مختلف
التوجهات
الفكرية.
ورغم بعض
الصعوبات
والانسحابات
فقد بقي
الأمل
قائما على
مواصلة
المشروع
بمن بقي من
العقلاء.
ولكن غلب
الطبع
التطبع،
ووصلت
التجربة
إلى نهاية
مأزومة،
سيكون لها
تأثير سلبي
بالضرورة
على المشهد
العام في
البلاد.
ولا
يمكن في هذه
الحالة وفي
غيرها (حسب
رأيي) تحميل
طرف دون آخر
مسؤولية
هذه
النتائج
المحبطة،
لأن
المشكلة هي
في عقلية
العمل
السياسي،
وفي ثقافة
السياسيين،
التي تغلب
عليها
النظرة
الضيقة،
والحزبية،
والشخصنة،
أكثر من
المشروع
السياسي،
والرؤية
الفكرية
الواضحة.
وربما هذا
ما يفسر
أيضا تراجع
مشروع (حركة 18
أكتوبر)،
الذي ولد
كبيرا،
وبدأت
تصيبه
الشيخوخة
بسرعة، رغم
الأمل
الكبير
الذي زرعه
في نفوس
التونسيين.
يمكن
القول إن
النخبة
التونسية
تعيش عقما
لا يمكن
علاجه
بسهولة. وأن
الطبقة
السياسية
لا تملك
القدرة على
التوليد
الإبداعي،
وتتميز
بمحدودية
الخيال
السياسي،
في ظل
انسداد
الأفق الذي
تفرضه
الحكومة،
وهو ما
يستوجب فتح
ورشة
كبيرة،
فكرية
وسياسية،
لضبط
الأولويات،
وإعادة
ترتيب (العقل
السياسي)
بصورة أكثر
عصرية،
تخرج من أسر
الماضي،
وتؤسس
لمشهد جديد
أكثر
ملاءمة
للواقع.
(3)
بين
سلفيتين
من
المؤكد أن
السلفية (في
شكلها
الحديث
المشوّه)
بما تمثله
من انغلاق
فكري،
وتشدد
ديني،
وتشويه
لصورة
الإسلام
الحضارية،
ودعوة
للتكفير
والعنف،
تعتبر
مشروع ردّة
خطير،
وتهديد
لمستقبل
الأمة
واستقرار
الأوطان.
فهي ذات أفق
محدود،
وأسيرة
مقولات لا
تقبل
النقاش ولا
التجديد،
ولا سنن
الاختلاف
والتدافع،
وهو ما يجعل
توظيفها في
الهدم أسهل
وأقرب من
استخدامها
في البناء.
ويمكن
تلخيص
خطورة هذه
السلفية
المشوهة
على الأمة
والدين في
النقاط
التالية:
-
عدم قابلية
تجديد
الدين - عدم
إحياء
العقل -
مهاجمه
المخالفين
وتكفيرهم
وتفسيقهم
وتبديعهم
وتضليلهم -
اختصار
الإسلام في
الأشكال
والطقوس –
استسهال
الحلول
لمشاكل
الأمة عبر
الالتجاء
للعنف –
العودة
بالجدل
الفكري إلى
مربعاته
الأولى
وضرب
المكتسبات
الحضارية
للمجتمع
إلى غير ذلك.
وقد
انتشرت
المقولات
السلفية
بين الكثير
من الشباب
لأسباب
عديدة في
السنوات
الأخيرة
أوضحها،
فداحة
الظلم
والفساد
داخل
الأقطار
العربية،
وتوسع
دائرة
الظلم
والاحتلال
لأراضي
العرب
والمسلمين.
وفي تونس
كان من
الطبيعي أن
يجد هذا
الخطاب
مكانه في ظل
التصحر
السياسي
والثقافي
والفكري،
الذي أصاب
البلاد،
بسبب
سياسات
السلطة
الخاطئة،
واكتفاء
النخب
بموقع
المتفرج،
وأحيانا
المشارك في
الجريمة.
ولمعالجة
هذا
الانحراف
الفكري لدى
المئات من
الشبان
التونسيين
على الدولة
والمجتمع
معالجة
أسبابه
الاجتماعية
والاقتصادية
والسياسية
والثقافية،
بدل اعتماد
الأسلوب
الأمني كحل
وحيد،
والذي يمكن
على المدى
البعيد أن
يأتي
بنتائج
عكسية.
ومن
جهة أخرى
هناك سلفية
ثانية لا
تقل خطورة
عن السلفية
المشار
إليها
آنفا، وهي
السلفية
العلمانية
المنغقلة
والمتحجرة.
هذه
السلفية
تتمثل في
بعض
الباحثين
والسياسيين
والناشطين،
الذين
احتلوا
مراكز في
بعض
الجامعات
والمنظمات،
ويروجون
لخطاب
ومقولات
تستفز هوية
الشعب
التونسي،
وتعتبر
الإسلام
سببا
للتخلف. كما
تروج تحت
يافطة
البحث
العلمي
ونقد
التراث
وغيرها
لمقولات
تعتبر
القرآن
والسنة
النبوية
منتوجا
بشريا لا
قدسية له،
وبالتالي
يمكن
الاستغناء
عن إحكامه
وقيمه،
وتعويضه
باجتهادات
بشرية أخرى
تستجيب
لمتطلبات
العصر. ورغم
قلة عدد هذه
المجموعة
وعدم
تأثيرها
على
المجتمع
التونسي
ككل، إلا أن
صوتها عبر
الإعلام
وبعض
المواقع
الأخرى بقي
عاليا، مما
يعطي
الانطباع
لدى من
يسمعهم من
المتابعين
للساحة
الثقافية
في تونس،
بأنهم
يمثلون
الدولة
والشعب
فيما
يروجونه من
أفكار.
وبسبب
موجة
التدين
الأخيرة
وبعض
القرارات
التي
اتخذتها
الدولة في
التصالح مع
الهوية
الإسلامية
للبلاد،
أحس هؤلاء
بأن سطوتهم
وجبروتهم "العلمي"
بدآ يتلاشيان
بين
تخلي
الدولة
عنهم وعن
خطابهم،
وبين تمسك
الشعب
التونسي
بهويته
ودينه،
وعدم تأثره
بتلك
المقولات
التي
استغرق
الترويج
لها سنوات
طويلة من
العمل في
الجامعات
والنوادي
والفضاءات
الثقافية.
فبدؤوا
يعتمدون
سياسة
جديدة (ماكرة)
تعتمد على
تضخيم
الغول
السلفي ولعب
دور الضحية،
وفي هذا
الإطار
يمكن أن
نفهم
العريضة
ضدّ زيارة
الشيخ يوسف
القرضاوي،
وتصريحات
بعض
العلمانيين
ضد إذاعة
الزيتونة،
وأخيرا
الترويج
لبيان
منسوب
لجماعة
سلفية تدعو
لقتل بعض
الباحثين
وغيرها.
ولإيجاد
شرعية
جديدة لهذا
الخطاب "العلماني
السلفي"
أوغلت
الجماعة في
المدة
الأخيرة في
استفزاز
المشاعر
الدينية
أولا عبر
السخرية من
الإسلام
والقرآن
والرسول
صلى الله
عليه وسلم،
سواء عبر
بعض
المقالات،
أو صفحات
الفايسبوك
وغيرها، ثم
في مرحلة
ثانية عبر
الترويج
للمقولات
السلفية
المتشددة،
بنشر
بياناتها (بعضها
وهمي)
ونقدها
وتبادل
السب
والشتم
معها. حتى
بدا الأمر،
وخاصة على
بعض مواقع
النت
والفايسبوك،
كأنه صراع
مصطنع ضدّ
عدو وهمي،
ولتحقيق
غايات
سياسية
وثقافية
محددة.
إن
خطورة هذه
السلفية
العلمانية
لا تقل
خطورة عن
السلفية
الأولى،
لأنها أولا
تعطيها
شرعية
الوجود
والنشاط،
وذلك
باستفزاز
المشاعر
الدينية
للشباب،
الذي سيردّ
الفعل
بطريقة
واعية أو
غير واعية
على ذلك
الخطاب،
وثانيا
بمغالطة
الدولة وجر
المجتمع في
صراعات
هامشية
ومدمرة في
آن، لن
تستفيد
منها تونس
في شيء.
لقد
كان الأولى
بهذه
النخبة (العلمانية)
أن تسلك
مسلك البحث
العلمي
المجرد
والهادئ
دون
استفزاز،
ودون مس
بالمشاعر
والمقدسات.
وكان
الأولى بها
أن تفتح باب
النقاش حول
مختلف
القضايا
التي تهم
المجتمع
التونسي
المعاصر،
لا حصر
الجدل حول
التراث
والمقدسات،
التي لم يصل
فيها
الفلاسفة
والمفكرون
لحلول
قطعية منذ
آلاف
السنين.
فالمجتمع
التونسي
الحديث له
طموحات
وآمال
كبيرة،
وتواجهه
مشاكل
وتحديات
جمة على
المستويات
الاجتماعية
والسياسية
والثقافية،
وهو ما يطرح
على النخب
التونسية
مشاركة
الناس في
همومهم،
والبحث لها
عن حلول،
وترشيد
الناس
للمشاركة
في الشأن
العام،
وتطوير
البلاد في
مختلف
الميادين
العلمية
والحضارية،
والبحث عن
الجوامع
التي يلتقي
حولها
التونسيون،
من أجل بناء
مستقبل
أفضل. أما
تسخير
الوقت
والجهد
لمزيد من
تفجير
الصراعات
بين أبناء
الوطن
الواحد،
وتقسيم
الناس من
جديد إلى
مؤمن
وكافر،
وعقلاني
ورجعي، فهي
لعمري مهمة
خبيثة،
ومسلك
ظلامي، لن
يقود البلد
إلا إلى
مزيد من
الجراح
والآلام.
|