على هامش الارتفاع الجنوني للأسعار

بين ابن حزم وحسن البنا.. هل أقمناها في أنفسنا حتى تقام على أرضنا؟

العدد الثاني والعشرون
السنة السادسة / جوان - جويلية 2008

عبد الله الزواري

"و فرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك، إن لم تقم بهم الزكوات بهم، ولا فيء سائر المسلمين بهم، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لابد منه، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يكنهم من المطر، والصيف، والشمس وعيون المارة".[1]

هكذا قال أبو محمد – علي بن أحمد بن سعيد- قبل ألف سنة تقريبا. قال هذا الكلام ولم يقرأ ماركس أو إنجلز أو تلاميذهما من بعدهما. قال هذا الكلام قبل ظهور النقابات ونماء المذاهب الاجتماعية. قال هذا الكلام وهو الذي عاش برهة من عمره في قصور الملك في الأندلس قبل أن يعرف مرارة التشريد وغياهب السجن. قال هذا الكلام وليس له ما ينافح به عن قوله غير فهمه لآي القرآن الكريم، وما صح عن نبي الرحمة. قرأ كتاب ربه وأحاديث نبيه صلى الله عليه وسلم، ونزلها تنزيلها الذي يليق بها.. لم ينافح عن الأثرياء وأصحاب الجاه، كما لم ينافح عن أصحاب السلطان، وصدع بما كان يراه شريعة عليه أن يبينها للناس.

لم يكن أبو محمد يملك قدرة على التقعر في اللغة وحملها على غير محاملها فكان كلامه قريبا من القلب قربه من العقل. انظر إليه في فهمه لأحاديث الحبيب صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم:

- "من لا يرحم الناس لا يرحمه الله". فقال هو: "ومن كان على فضلة ورأى المسلم أخاه جائعا عريان ضائعا فلم يغثه، فما رحمه بلا شك".

- "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه" فقال هو: "من تركه يجوع ويعرى – وهو قادر على إطعامه وكسوته- فقد أسلمه".

- "من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له. قال فذكر من أضناف المال ما ذكر، حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل". فقال هو: "وهذا إجماع من الصحابة رضي الله عنهم يخبر بذلك أبو سعيد، وبكل ما في هذا الخبر نقول": "أطعموا الجائع وفكوا العاني".

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لأخذت فضول أموال الأغنياء فقسمتها على فقراء المهاجرين". وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "إن الله تعالى فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم، فإن جاعوا أو عروا وجهدوا فبمنع الأغنياء، وحق على الله تعالى أن يحاسبهم يوم القيامة، ويعذبهم عليه". وعن عائشة أم المؤمنين، والحسن بن علي، وابن عمر أنهم قالوا كلهم لمن سألهم: إن كنت تسأل في دم موجع، أو غرم مفظع، أو فقر مدقع، فقد وجب حقك". وصح عن أبي عبيدة بن الجراح وثلاثمائة من الصحابة رضي الله عنه أن زادهم فني فأمرهم أبو عبيدة فجمعوا أزوادهم في مزودين، وجعل يقوتهم إياها على السواء". ويختم أبو محمد رحمه الله باب الزكاة من كتابه بقوله: "ولا يحل لمسلم اضطر أن يأكل ميتة، أو لحم خنزير وهو يجد طعاما فيه فضل عن صاحبه، لمسلم أو ذمي، لأن فرضا على صاحب الطعام إطعام الجائع، فإذا كان ذلك كذلك فليس بمضطر إلى الميتة ولا إلى لحم الخنزير، وبالله تعالى التوفيق.

وله أن يقاتل عن ذلك، فإن قتل فعلى قاتله القود، وإن قتل المانع فإلى لعنة الله، لأنه منع حقا، وهو طائفة باغية، قال تعالى: "فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله". ومانع الحق باغ على أخيه الذي له الحق. وبهذا قاتل أبو بكر الصديق رضي الله عنه مانع الزكاة".

لا جوع إذا تضامنت الأمة

سألني أخي الفاضل أن أحرر شيئا عن ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة وشأن التونسي مع هذا الأمر. فكرت طويلا في الموضوع ثم قلت ماذا عساي أضيف إن فعلت ذلك؟؟ثم ذكرت قول الإمام البنا رحمه الله: "أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم على أرضكم". وتساءلت هل أقمناها في أنفسنا؟؟ لنرجو إقامتها على أرضنا. إيمانا بأن ظاهرة غلاء الأسعار إنما هو مرض عرضي من عدة أمراض تفتك بمجتمعنا لعل من أبرزها الاستبداد السياسي والتفرد بالسلطة والغناء الفاحش الذي يقابله الفقر المدقع والانحلال الأخلاقي الذي يجد في الفقر المدقع من ناحية وفي الغناء الفاحش من ناحية أخرى أبرز عوامل مساعدة على مزيد التفشي والفتك بمجتمع فقد الكثير من قيمه الأصيلة بفعل سياسة موضوعة للغرض؟

وإن كان الإصلاح هو الحل فإن هذا الحل لن يكون ما لم تترجم مقدماته في الجماعة التي تحمل همه.. فهلا أرينا مجتمعنا مثلنا التي نؤمن بها في واقعنا الذي نعيش. إن فعل ذلك أبلغ من ألف ألف خطبة وبيان. وإن كان أحد إخواننا قد ذكر مرة قبل المحنة الأخيرة أن بإمكان أبناء الحركة الإسلامية تغطية البلد شبرا شبرا. فإن هذا الشأن – بقطع النظر عن واقعيته من عدمها- ذو حدين. فكما يكون حافزا عند القوة والظهور يكون مثبطا عند الضعف والفتور. ولعل الأبرز في هذا المقام في أعين القريب والبعيد وفي ذهن العام والخاص والصديق والعدو حال حاملي هذه الراية والمنافحين عنها والمبشرين بها في توادهم وتراحمهم، في آمالهم وآلامهم، في يومهم وليلهم، في أفراحهم وأتراحهم، وفي حلهم وترحالهم. فإن عجزت الطليعة عن تجسيد تلكم المبادئ السمحة فإن من وراءها يكون – وليس حتما- أعجز عن ذلك.

لذلك قال الإمام البنا: أقيموا دولة الإسلام في أنفسكم. وهذه المرحلة الأولى هي مقدمة ضرورية لقيام دولة الإسلام على أرضنا. ولعل من خبر أثر العمل الاجتماعي في الحشد وتأليف القلوب يدرك بوضوح أهمية تجسد تلك القيم فيمن يدعو إليها. ولا غرابة بعد ذلك أن جعل الحكيم العليم في الزكاة مصرفا يخص المؤلفة قلوبهم ينفق عليهم منه بقطع النظر عن حاجتهم. تمثل الرعيل الأول تلك القيم فتحقق في عهدهم ما لم يتحقق في عهود غيرهم، فكان من خالفهم في العقيدة يجد في حياتهم بما يسودها من تراحم وتعاون وتآزر ما يدفعه دفعا لمراجعة عقيدته لا انصياعا أثر مناظرة في العقيدة واللاهوت، إنما إعجابا بقيم إنسانية نبيلة سادت في مجتمع تبوأ بفضلها أسمى المراتب.

وجاء ابن حزم الأندلسي بفهمه الوقاد وذكائه المرهف ومستلهما مما أشرب من كتاب ربه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. ليرسي معالم المجتمع المسلم الذي لا يمكن أن يجوع فيه أحد وفي المجتمع من يملك فضلا من مال أو غذاء. ولا يمكن أن يعرى فيه أحد وفيه من يملك فضلا من ثوب أو ستر، ولا يمكن أن ينال القر والحر من أحد وفيه – أي المجتمع- من يملك قصورا للصيف وأخرى للشتاء وثالثة على الشواطئ ورابعة في قمم الجبال. ولم يقف عند هذا الحد بل حرم على المسلم المضطر أكل الميتة أو لحم الخنزير إن كان لمسلم أو ذمي فضل يسعفه. بل دفع الأمر لما يمكن أن يؤول إليه ولم يتردد في اعتبار المسلم المضطر إذا قتل عند قيامه لسد ضرورته إن على قاتله القود. أما إذا تمكن المسلم المضطر من قتل من منعه من سد ضرورته فإن القتيل المانع ملعون عند ربه ولا شيء على قاتله المضطر. وحدد الحاجة- حاجة المسلم- في ظل دولة الإسلام. بما يحفظ كرامته على اختلاف الأوقات والأمصار. وكان "قد نفض يديه من الحكام ليأخذ بيد المحكومين، ويئس من إصلاح الرعاة فاتجه إلى الرعية، يعرف الناس بحقوقهم على ولي الأمر، وأفتى بأن السلطان مطالب شرعا بأن يوفر لرعيته حد الكفاية من المأكل والملبس والمسكن ودابة الركوب".

قمح أم فراولة؟

ونحن اليوم، في هذا البحر اللجي المضطرب من الشبهات والمظالم والمآسي، لا "إصلاحات يمكن أن تسعف الأمة غير إعادة نظر جذرية لأسس الدولة والمجتمع". فلا يمكن الحديث عن استقلال فعلي والبلد لا ينتج سوى النزر القليل من قوت أبنائه، لا عجزا عن إنتاج الكفاية إنما لسياسات لم تضع الاكتفاء غاية لها طوال عقود من الزمن، حتى أصبحنا بين المطرقة والسندان. وقد كانت إفريقية مطمور رومة قبل ألفي سنة، وكانت كذلك ردحا من الزمن، ولعل استفحال معدلات توريد المواد الأساسية (الحبوب) لم تتفاقم إلا منذ أواسط الستينات من القرن الماضي أي بعد "الاستقلال" بقليل. بما يبرز، دون لبس، أن الاستعمار انتقل من صيغة إلى أخرى، أي من استعمار مباشر إلى استعمار غير مباشر، لا يكلف المستعمر (بالكسر) شيئا ذا بال مقارنة بصنوه. وما الحكمة يا ترى من تخصيص أراض خصبة لزراعة الورود والفراولة، في الوقت الذي لا ننتج فيه كفايتنا من القمح؟ أمن الحكمة أن ننتج لغيرنا كمالياته في حين نستورد حاجياتنا الضرورية بل هي قوام استقلالنا وحريتنا؟

وما الحكمة من الإبقاء على أراض شاسعة زرعها المستعمرون منذ أقل من قرن كروما في حين أنها يمكن أن تساهم بقسط وافر في إنتاج بعض المواد الأساسية تغنينا التي عن توريدها. وما الحكمة في التشجيع على تربية الأبقار الهولندية (على وافر إنتاجها) وإهمال تربية الإبل المعروفة منذ القدم بصبرها وتحملها العيش في الصحاري حيث يقل المرعى. أليست كلها سياسات تزيد من ارتهان البلد للأجنبي، وهل من الممكن أن نضفي على من يدرك ما ذكرنا بالوطنية والشرف والأمانة. ألا يعتبر من يفعل ذلك مع الإصرار خائنا للدستور يستحق المثول أمام القضاء.

وفي انتظار ذلك، لا سبيل للتحرر إلا بتقديم نموذج للتكافل والتعاون والقدرة على الإنتاج تجعل الأفئدة تهوي لهذه الفئة من الناس التي أشربت قيم الإنسانية الخالدة في أبهى صورها- أي الإسلام- بالنظر إليها لا على أنها المنقذة من الانحلال الأخلاقي الماحق فحسب، بل على أنها المنقذة من الاستعمار وإن اختلفت أشكاله، والمبشرة بمجتمع الكرامة والعزة والحرية: مجتمع يوفر لأبنائه حاجياتهم دون إهانة أو إذلال أو منّة. والخطوة الأولى في هذه الرحلة الشاقة: إقامة هذا النموذج في صفوف الطليعة العاملة. أو ما عبر عنه الإمام البنا: "أقيموا دولة الإسلام في أنفسكم تقم على أرضكم". ألا نقيم هذه الدولة في أنفسنا؟ بلى.


[1] - ابن حزم: "المحلى" المجلد الثالث الجزء السادس، صفحات: 158، 159، 160، 161/ دار الآفاق الجديدة بيروت

© aqlamonline 2008