أي حرية للإبداع في الجامعات العربية في ظل الرقابة؟

مؤسسة التميمي للبحث والمعلومات تنظم مؤتمرا علميا حول دور الجامعات والباحثين بين حرية الإبداع وممارسات الرقابة

العدد الثاني والعشرون
السنة السادسة / جوان - جويلية 2008

تونس – خاص أقلام أون لاين  

عادل الثابتي

هل نحن أمة بصدد تعداد مثالب ميّتها قبل دفنه؟ أم نحن مريض يحاول فهم مرضه لإيجاد العلاج الشافي، الذي يؤدي به إلى المعافاة التامة؟

الميت هذه المرة ليس الوضع السياسي الذي يئسنا من إصلاحه، أو الوضع الاجتماعي الذي فشلنا في مواجهته، أو الحالة الاقتصادية التي لا طاقة لنا بتطويرها. لقد حلت المصيبة بالجامعة التي عادة ما تكون قاطرة المجتمعات نحو التطور. إنها المؤسسة التي قال عنها البعض ذات مرة "إن من يملكها يملك المستقبل". فهل لنا جامعة حتى نملكها فنملك المستقل؟ أم لا جامعة لنا الآن ولا مستقبل؟

أسئلة عديدة خامرت ذهن كل من واكب أعمال المؤتمر العلمي الذي نظمته مؤسسة التميمي للبحث والمعلومات، بالشراكة مع مؤسسة كونراد أديناور الألمانية بتونس، وكان موضوعه "دور الجامعات والباحثين بين حرية الإبداع وممارسات الرقابة"، وذلك أيام 19/20/21 جوان 2008. وقد تحدث في المؤتمر أساتذة جامعيون وباحثون من تونس والجزائر وسوريا ولبنان وليبيا وفلسطين والعراق والمغرب الأقصى وموريتانيا وفرنسا، عن الصعوبات التي تواجه الجامعة والجامعيين في الوطن العربي. وبيّن هؤلاء الأكاديميون العرب أن الوضع يدعو إلى الفزع والحسرة واليأس، وذلك من خلال الأرقام التي قدمت عن الوضع التعليمي في الجامعات العربية، ومن خلال الأخلاقيات السائدة لدى الإطار التدريسي العربي، ومن خلال السياسات الرسمية تجاه الجامعة والجامعيين خاصة.

تحدث الأستاذ نور الدين ثنيو من جامعة منتوري – قسنطينة بالجزائر عن الجامعة الجزائرية فقال "إنها لم توفق خلال ثلاثة عقود من عمرها في تحقيق سلطتها العلمية، وصرفت عن الغرض العلمي والبحثي الموكول لها، وكانت ساحة انعكست فيها كل الصراعات، التي شهدتها السلطة في الجزائر". وتحدث الأستاذ ثنيو بالخصوص عن فشل جامعة الأمير عبد القادر الإسلامية بقسنطينة في مراكمة التجربة الخاصة بها، وفي استقطاب الخبرة الإسلامية، عبر الاجتهاد والبحث العلمي الرصين.

وكانت مداخلة الدكتور توفيق البشروش قاسية جدا في كشف فداحة الأزمة، التي تمر بها منظومة التعليم الجامعي والبحث العلمي في الوطن العربي. إذ عرض أرقاما مفزعة جدا، أصدرتها جهات عالمية متعددة حول وضع الجامعات العربية. فحسب أكثر من أربع مراكز تقويم عالمية لا توجد أي جامعة عربية من بين الخمسمائة جامعة الأولى في العالم (تقرير برنامج الأمم المتحدة للتنمية لسنة 2002 و2003، وتقرير مدرسة المناجم بباريس، وتقرير business week...).

وفي خصوص تونس قال الدكتور البشروش إن بحث pisa لتقويم الوضع التعليمي للشباب، الذين بلغوا سن 15 سنة، الذي شاركت فيه تونس دون باقي الدول العربية أفاد أن تونس احتلت المرتبة 39 من 40 قبل المكسيك في مادة الرياضيات، واحتلت المرتبة الأخيرة في الآداب.

وأشار أيضا إلى الأرقام الخطيرة التي نشرها البنك الدولي حول بطالة أصحاب الشهائد التي بلغت 42,5 بالمائة في تونس، و48 بالمائة في الجزائر، و80 بالمائة في مصر. وربط بين هذه النسبة العالية في مصر وتمديد حالة الطوارئ. وقال إن تقويض المجتمع سيبدأ من الجامعة، وأن عدد الأساتذة لم يتطور مع تطور عدد الطلبة، خاصة في ظل اللجوء إلى سياسة التعاقد. فحوالي 23 بالمائة من الأساتذة في الجامعة التونسية متعاقدون. وأضاف الدكتور البشروش أن ميزانية التعليم العالي في تونس لم ترتفع إلا بنسبة 2,1 بالمائة في حين تضاعف عدد الطلبة خمس مرات. وتساءل عن أي إبداع نتحدث أمام كارثية هذه الأرقام.

وتحدث السيد المولدي قسومي الأستاذ بالمعهد العالي للتنشيط الشبابي والثقافي بتونس في مداخلة تحت عنوان "المعرفة العلمية حول المجتمع في مواجهة الوصاية والتدجين: حالة علم الاجتماع في تونس"، عن وضعية علم الاجتماع في الجامعة التونسية، من خلال ما يزيد عن أربعين سنة من تدريسه في علاقة بالرقابة. واعتبر أنها حالة مرضية. إذ تعرض هذا العلم أولا للوصاية، وهي وصاية فكرية تمثلت في تبني مناهج كان الغرب في تلك اللحظة يتخلى عنها لأنها مأزومة. ووصاية الإرث الاستعماري، إذ انحصرت الدراسات صلب مركز الدراسات والأبحاث الاجتماعية والاقتصادية إلى أواخر السبعينيات حول التنمية وذلك لمتطلبات سياسية. كما تعرض هذا العلم حسب الباحث إلى عملية تعميم، وإلغاء المجتمع منه، فلم يستفد المجتمع من هذا التخصص. وتعرض هذا العلم أيضا إلى الاختلاس، وكان اختلاسا مؤسساتيا، وإلى اختلاس مهني، حيث لا يشتغل المختص في علم الاجتماع كخبير بل المهندسون هم الذين يقومون بهذه المهمة.

وأضاف السيد قسومي أن هذا العلم تعرض أيضا إلى اختلاس معرفي، إذ كانت أغلب البحوث تشتغل على هدي من التاريخ، وحتى إن تناول بحث المسائل الواقعية فإنه يكون بطريقة وديعة لا تصطدم بالدولة. وأشار الباحث إلى صعوبة الحصول على الإحصائيات من المعهد الوطني للإحصاء، وهي معطيات هامة للبحث العلمي. وتساءل على لسان جاك بيرك "أين الدور النضالي لعلم الاجتماع"، وأشار إلى ميكيافلية الإبداع، معتبرا العديد من الجامعيين مجرد "أكلة خبز".                                          

وقدمت الأستاذة حسينة بوعدة من جامعة مستغانم الجزائرية مداخلة شددت فيها على غياب أي فعل للجامعة في المجتمع، وبينت غياب أي علاقات علمية بين الجامعيين، حسب دراسة قامت بها حول الإطار التدريسي بالجامعات الجزائرية، معتبرة أن فترة السبعينات بالجزائر كانت فترة ازدهار، وكانت هناك مواجهات بين مختلف التيارات، مما أفرز أنتاجا ثقافيا كثيفا، لكن سرعان ما بترت هذه المحاولة. وأضافت أن الدعوات للملتقيات تتم حسب اعتبارات عشائرية وتقليدية، ونبهت إلى أن الأساتذة القدامى لا يجددون أنفسهم أبدا.

من جهتها أكدت الباحثة الفلسطينية عدويه السوالمة انطلاقا من مقاربة نفسية اجتماعية تربوية على الهدر التربوي، وخطورة هذه الظاهرة في مجتمعاتنا العربية، وما نتج عنه من هجرة للأدمغة، وبطالة للكفاءات. وقالت إن العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأيديولوجية والثقافية في منطقتنا لا تساعد على تكريس فلسفة تربوية تواكب عصر المعرفة، وشددت على أهمية الاستثمار في الطاقات البشرية.

وأكد الأستاذ محمود الذوادي على عدم قبول بعض نتائج البحوث الاجتماعية من قبل الخاصة والعامة. ودعا الدكتور محمود أحمد الديك من جامعة الفاتح بليبيا إلى إيجاد انسجام بين العنصر المادي والعنصر الروحي في تلقي العلوم الإنسانية والعلوم التطبيقية، لأن العلوم الإنسانية حسب الدكتور الديك تقع عليها مسؤولية بناء أجيال تحتفظ بهوتها الوطنية العربية الإسلامية، وتعتز بتاريخها، وبتقوية وحدتها الوطنية الاجتماعية، بعيدا عن التعصب والتقوقع.

ومما يلفت الانتباه في هذا المؤتمر إضافة إلى الشراكة الألمانية في تنظيمه، والتي تبقى دائما إيجابية - لأنه لا يخفى على أحد الموارد المحدودة لمؤسسة التميمي للبحث والمعلومات، في غياب الدعم الرسمي والأهلي لهذه المؤسسة البحثية الخاصة، هو متابعة عديد البعثات الدبلوماسية الغربية لهذا الملتقى، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية واللجنة الأوروبية. وهو ربما ما دعا المشاركين في المؤتمر إلى جعل موضوع المؤتمر القادم تحت عنوان: "آليات الدراسات في الجامعات والمراكز الأمريكية والأوروبية عن العالم العربي الإسلامي: الحيثيات والاستشرافات"، حسب ما ورد في البيان الختامي للمؤتمر، الذي صدر يوم السبت 21/6/2008.

توصيات المؤتمر

كما أقر البيان الختامي حوالي ثلاثة عشر نقطة في شكل توصيات وإقرارات ونداءات نوردها كما جاءت على لسان رئيس الجلسة الختامية المؤتمر الدكتور نور الدين ثنيو من جامعة منتوري بقسنطينة :

- إن الرقابة على الإبداع تتلبس بالعديد من الحجج الواهية والمتناقضة أصلا، وتؤكد جميعها على مدى هيمنة الأساليب التقليدية على كل وسائل الإشعاع، بما يعطل تنمية بلداننا، وتعزيز طاقات أبنائها الإبداعية.

- إن الحريات الأكاديمية في الجامعات المغاربية تشكو من النقص الواضح في النصوص التشريعية والبيئة العامة، التي تشتغل في سياقه الجامعات المغاربية الموسومة بضعف الحكامة العلمية الجيدة، وهشاشة الاستقلالية، ومحدودية حرية الابتكار والاجتهاد والإبداع الفردي والجماعي.

- إن النسق السياسي العربي يتجه إلى الحد من الحريات الأكاديمية، ورفض استقلال الجامعات ومراكز البحوث، وهو ما أثر سلبا على نوعية الإنتاج الفكري النقدي في عالمنا العربي, الأمر الذي يتطلب إقرار حرية التعبير، لاسيما في المؤسسات الجامعية والبحثية العلمية, باعتبارها شرطا لا غنى عنه للعمل الأكاديمي والإبداعي.

- إن الاجتهادات الفكرية الحرة والبناءة, وجب أن تحتل الصدارة في أي استشراف حقيقي لمستقبل الإنسان العربي، ذلك أن تداعيات الرقابة الشخصية أو السلطوية، كانت مدمرة على حرية الإبداع الفكري.

- إن من سلبيات التعليم الجامعي العربي محاولة فصل الدراسات الإنسانية عن العلوم التطبيقية, وقد ترتب عليه اختلال التوازن الفكري والثقافي في المجتمع في حين وجب إحداث انسجام بين العنصرين المادي والروحي.

- إن جامعاتنا في كل التخصصات، في وضعية لا تنسجم مع الحد الأدنى من التطور العالمي الهائل، إذ تحكمت فيها البيروقراطية والروتين والذهنية السلطوية، وانعدمت فيها مختبرات بحثية حقيقية لتوليد الإبداع الحق، ثم إنها لا تتمتع بميزانية لائقة للبحث العلمي، فضلا عن ذلك، فهي طاردة للباحثين الشبان، ممن يمكن التعويل عليهم، من أجل تبني أجندة عقلانية ومدروسة للتنمية الشاملة لشعوبنا.

- إن دور القضاء في حماية الباحث الجامعي ضروري، لاسيما من خلال التطرق للحق في التعليم الجامعي، من التعرض للحالات التي نظر فيها القضاء بالمغرب، مثل: الحق في الالتحاق بالجامعة كمدرس، والحق في الأستاذية من المزايا التي يوفرها الدبلوم الجامعي، وأخيرا حق الأستاذ الباحث في الترقية.

- حتمية دعم الحوار في فضاءات البحث الدولية حول حماية القيم والمبادئ، وتنظيم علاقات الباحثين مع مؤسسات المجتمع، لحسن استخدام المعلومات العلمية، ووضع مدونة للسلوك المسؤول، والانخراط في الحركات الدولية المنادية بتسهيل الدخول الحر للمعلومات.

- إن إنشاء جامعة باريس الثامنة بعد الأحداث الطلابية لسنة 1968، جعلها تعد تجربة غير مسبوقة أصلا في تاريخ التعليم العالي الفرنسي. وقد مورست الرقابة فيها ولكن بطرق بارعة وخفية، وبرز فيها متخصصون على المستوى الدولي، قاموا بإصلاحات جوهرية متأنية، واهتموا أساسا بالمغرب العربي.

- إن الدراسات عن العالم العربي والإسلامي بالجامعات الأمريكية والأوروبية، تمحورت حول مسائل هامة ودقيقة مثل التوسع والأقصدة والأثننة والأمننة والمراجعة، وتناولت:

° تصاعد نسق وأساليب البحث والباحثين المهتمين بالعالم العربي الإسلامي.

° ربط البحث بالوازع الأمني والسياسي داخل هذه الفضاءات.

° تزايد الدعم المالي العربي للمراكز والجامعات الأورو-أمريكية، وليس هناك أي دراسة لتقييم هذا الدعم وتأثيره في مسارات المعرفة والبحث العلمي في العالم العربي، علما وأن بعض الجامعات العربية في وضعية متدنية وبائسة جدا وغيبوبة معرفية.

- معاناة الجامعات المغاربية والعربية، وعجزها عن تحقيق الاعتراف بها كمرجعية ثابتة ومتجددة.

- وجب أن يعمل الباحثون العرب والجامعات العربية على تأمين فلسفة تربوية متقدمة، تحترم فيها القواسم الإنسانية المشتركة من اعتدال ووسطية وتسامح وعقلانية وتعددية واعتراف بالآخر، وغيرها من أساسيات ميثاق الشرف الجامعي.

- لقد خلص المشاركون في المؤتمر إلى المطالبة بتأمين الحرية العلمية للجامعيين، واحترام تطلعاتهم الأساسية لممارسة ديمقراطية فاعلة وبناءة، تأخذ بالاعتبارالمستجدات التكنولوجية، التي فرضت على العالم قوانين جديدة، وأحدثت إصلاحات جذرية على الجامعة، باعتبارها حاضنة التقدم، ومخبرا للتنمية وتكوين الإنسان الجديد، بما يساعد في علاقة إيجابية بين الأستاذ والباحث من جهة وبين الطلبة والإدارة من جهة أخرى.

© aqlamonline 2008