|
العجمي
الوريمي (*)
التخطيط
المقدمة
ملخص
حول: "وجهة
العالم
الإسلامي"
سبب اختيار
الكتاب
الفصل
الأول:
المسالة
المصطلحية:
الإصلاحية
والسلفية
والإحيائية
بين التواصل
والقطيعة:
1-
مفهوم
الإصلاحية
2-
مفهوم
الإحيائية
3-
مفهوم
الصحوة
الاسلامية
4-
السلفية
مرحلة زمنية
تاريخية أم
مذهب إسلامي؟
الفصل
الثاني: مالك
بن نبي في
مواجهة
الحركتين
الإصلاحية
والتحديثية
في نفس الوقت
1-
نقد
الحركة
الإصلاحية
·
موقع
بن نبي من
الحركة
الإصلاحية
2-
نقد
الحركة
التحديثية
الفصل
الثالث: مفهوم
النهضة
وشروطها
1-
مفهوم
القابلية
للإستعمار
2-
وجهة
العالم
الإسلامي
الخاتمة
المقدمة
عرفت
الذات
العربية
الفردية
والجماعية
أكبر تحد لها
في تاريخها
المعاصر
والحديث وهو
تحد جاوز
مستوى
الاخفاق وحد
الانتكاس
ليأخذ طابع
النكبة
الكبرى
والمصيبة
العظمى –إن
جاز التعبير-
إذ رأى
الانسان
العربي رأي
العين عجز
النظام
العربي في
مواجهة
مستلزمات
القرن
الجديد ولم
يعد تهديد
الأمن
القومي كلمة
تقال وحدا
أدنى تجمع
الكلمة لأجل
حمايته
وصونه، إذ
كان سقوط
بغداد الحدث
الأكثر
رمزية في
واقع الضعف
العربي. وإذا
كانت نكسة 67
قد أيقظت
الفكر
العربي من
سباته
العميق
وخلصته من
وهم
الإيديولوجيا
الى حين،
فإنها لم تقض
على الحلم
العربي
بالثأر من
التاريخ.
فسقوط
بغداد زلزل
الكيان
وأجهض الحلم
وجعله منالا
بعيدا ووضع
كل ذلك في
مهب الريح
بعد أن حبرت
النخبة
العربية
آلاف
الصفحات
وصاغت عديد
مشاريع
الرؤى
للنهضة
والثورة
وكأن
الأجيال
العربية
ظاهرة كونية
تاريخية
حضارية لا
ينقصها
لإنجازها
إلا دليل عمل
يمكن
استخراجه من
بطون الكتب
وحياكته من
عناصر فكرية
متخيرة
ومنتدبة من
المنجز
الايديولوجي
والفكري
لحضارتنا.
ولكن
كيف السبيل
الى النهوض
وقد خفض سقف
طموح الأمة
العربية الى
ما دون إقامة
حقها في
إقامة صرح
العلم
والتنمية
ومنعها من
حقها في
استخدام
التكنولوجيا
والعلوم
لبناء قوة
عسكرية
وإنشاء
مصانع
الدواء وحتى
الإستقلال
في الغذاء.
كيف السبيل
الى ذلك وقد
بات التدخل
يشمل برامج
التعليم
وخطاب
الإعلام
ومحتوى
الثقافة.
لقد
صار أفضل ما
أراد
الاصلاحيون
أخذه من
الحضارة
الظافرة
محرما على
العربي أو
ترى فيه دعوة
ماكرة وهدية
مسمومة.
فأمام
الوجود
المستباح
أصبح النهوض
مستحيلا لأن
أداته
العلمية
ممتنعة.
وأمام
النوايا
المعلنة
والمبيتة
صار أفضل
منجز سياسي
عربي
وإنساني وهو
الديمقراطية
وحقوق
الإنسان
مدخلا لدك
آخر القلاع.
لقد وجد
العربي نفسه
عاجزا عن
استقدام
واستخدام ما
كان حوله
إجماع بين
الإصلاحيين
والإحيائيين
بكل
تياراتهم
الأصولية
والليبرالية
والاشتراكية
وهو علوم
الغرب
وتكنولوجيته.
وصار العربي
محترزا
ومعترضا على
استنبات ما
رأى فيه
المصلحون
منذ
الكواكبي
والطهطاوي
وخيرالدين
خير ما حققه
الغرب على
المستوى
السياسي بعد
ثوراته
الاجتماعية
والسياسية
وهو الحرية
والديمقراطية.
إذا
أضفنا الى
ذلك الاخفاق
المحلي
للتيارات
الأصولية
والليبرالية
واليسارية
في إنجاح
مشاريعها
السياسية
نفهم لماذا
تتم اليوم
العودة الى
مالك بن نبي
واستدعاء
فكره
للإجابة عن
سؤال
الحداثة
والنهضة
والإصلاح في
مرحلة
تداخلت فيها
الأزمنة
وتعمقت فيها
الأزمة.
ربما
نكون قد
انتقلنا من
سؤال "لماذا
تأخر
المسلمون
وتقدم
غيرهم؟" الى
سؤال "لماذا
أخفقت
النهضة
العربية؟"
وما بين
السؤالين
مسيرة الفكر
العربي
المعاصر على
امتداد قرن
ونصف أو يزيد.
وهي مسيرة
ترتكز
الكتابات
القديمة
اليوم على
إعادة
قراءتها دون
التوصل الى
نتائج
نهائية نظرا
لضخامة
المشروع
واختلاف
المناهج رغم
اتحاد الهدف
والمقصد
ولكن إعادة
ترتيب
وتثمين ذلك
التراكم
الشديد
التنوع أمر
ضروري تدعو
إليه الحاجة
المنهجية
والمعرفية،
من ذلك
الجهود التي
تبذل [مشرقا
ومغربا]
إضافة الى ما
يكتبه
الغربيون في
أوروبا وما
وراء
الأطلنطي
وروسيا.
ووعلى سبيل
الذكر
نستحضر من
بين الكتاب
العرب الذين
يكرسون
جهودهم ضمن
المنظور
النقدي كلا
من رضوان
السيد من
لبنان وصالح
مصباح ومحمد
صالح
المراكشي من
تونس وسعيد
بن سعيد وعبد
الإله
بالقزيز من
المغرب مما
يؤشر على
اتضاح ملامح
حقل معرفي
يمكن أن تكون
له آثار في
الدراسات
المتعلقة به
من ناحية
تحقيق تراكم
معرفي يفتح
آفاق جديدة
للبحث
العلمي
ولدينامية
الفكر
العربي
وعملية
التنمية
الاقتصادية
والسياسية
في المنطقة
زمن العولمة.
وقد
توصلت
الأبحاث
المجراة
خلال
السنوات
الأخيرة الى
ضرورة إعادة
القراءة
واقتراح
تحقيب جديد
للفكر
الإسلامي
خلال المائة
عام
الأخيرة، من
ذلك إبراز ما
تتميز به
السلفية
المغربية عن
الإصلاحية
المشرقية
كما فعل سعيد
بن سعيد أو
إبراز ما كان
يمكن أن يحصل
من إصلاح
داخلي دون
مؤثرات
خارجية قوية
بما يعني
إعادة النظر
في جدلية
العلاقة بين
الإصلاحية
العربية
والحضارة
الغربية
وإعادة
قراءة لحملة
نابليون على
مصر وأهمية
حركة ابن
عبدالوهاب
ومدى
تأثيرها على
رموز الفكر
الإصلاحي
خاصة منهم
الذين كان
لهم دور في
إعادة توجيه
ذلك الفكر أو
إعادة صياغة
مضامينه مثل
رشيد رضا
وحسن البنا.
وقد
سجل رضوان
السيد هذا
التحول في
دراسته في "الفكر
العربي
المعاصر"
قائلا: "ظهرت
في السنوات
العشرين
الأخيرة
أطروحة
جديدة تتعلق
ببدايات
النهضة
العربية
الحديثة أو
دخول العرب
والمسلمين
في الحداثة". [1]
وبذلك
تتغير لحظة
الوعي
بضرورة
إجراء
الإصلاحات
وظهور تفكير
إصلاحي يرمي
للنهوض
واليقظة بعد
الغفلة
والإنحطاط،
فيكون تاريخ
ومكان
مولدها عند
المكان
والزمان
الذين كنا
نؤرخ بهما
لذلك
الميلاد.
فالبدايات
كانت في
اليمن
والحجاز
ورموزها هم
الشوكاني
والصنعاني
وابن الوزير
وابن
عبدالوهاب.
ويقر
رضوان السيد
بأن الذى
نبهه الى ذلك
أمران: تعرفه
على
الإصلاحية
الفقهية
اليمنية في
القرن
الثامن عشر
ومتابعته
للنقاشات
الإستشراقية
والثقافية
التي
افتتحها "بيتر
غران" صاحب
كتاب "الجذور
الإسلامية
للرأسممالية
والتي "
تحدثت عن
نهوض ذاتي
إسلامي في
القرن
الثامن عشر
قضى عليه
الأوروبيون
في القرن
التاسع عشر
لصالح حداثة
أخرى". [2]
ويوضح
فكرته في
دراسة أخرى: "تقول
الأطروحة
الجديدة إن "صدمة
الغرب" التي
أحدثها
الغزو
النابليوني
لمصر إنما
أنهت حقبة من
التغيير
والتجديد
الذاتيين
ازدهرت في
القرن
الثامن عشر.
وقد قدم هذه
الأطروحة
للمرة
الأولى بشكل
متكامل بيتر
جين في كتابه
[الأصول
الإسلامية
للرأسمالية]
الصادر
أواخر
الستينات.
مما
يجعل
الإهتمام
يتجه بعد
إهمال وجهل
وتجاهل الى
حركات
وتجارب ربما
وصفت
بالمحافظة
والجمود
والسطحية
والحال أنها
تنتمي الى
حقل
الإجتهاد
والتجديد،
وكما تعلي من
قيمة النص
تعلي من قيمة
العقل
والعلم
وتناصب
التواكل
والسلبية
والخرافة
والتقليد
أشد العداء
رائمة وصل ما
انقطع من
تيار
الواقعية
والإجتهاد
وفي سياق
الأطروحة
الجديدة "احتلت
اليمن
والهند
والحجاز
ونجد مكانة
متميزة في
عمليات
التجديد تلك.
ففي نجد قامت
الدعوة
الإصلاحية
للشيخ محمد
بن
عبدالوهاب...
وفي الحجاز
نهضت حركات
صوفية مجددة...
وفي اليمن
انبعثت حركة
اصلاح فقهي [الصنعاني
والشوكاني]
وفي الهند
ازدهر
اتجاهان،
أحدهما سلفي
والآخر صوفي"
[3]
وهنا
سيستدعي
الحاضر
الماضي
والمستقبل
معا وستصبح
العلاقة مع
الماضي
إشكالية
ابتداء من
هذه اللحظة
والعلاقة مع
المستقبل
قضية وجود أو
لاوجود.
وأيا
كان المنظور
فإن التلفت
الى الماضي
كان أمرا
ضروريا
والتطلع الى
المستقبل
كان أمرا
مصيريا وإن
عنوان الأثر
الذى نحن
بصدد دراسته
لبالغ
الدلالة: "وجهة
العالم
الإسلامي"
بكل ما تحيل
عليه كلمة
الوجهة من
معاني
القبلة
والاستقبال
والطريق
والقصد، وكل
ما تدل عليه
كلمة العالم
الإسلامي من
تشابك
وتعقيد
وتركيب
وتكوين
واضطراب
وفقد وضياع،
وكل ما تحيل
عليه صفة
الإسلامي من
دلالات
الهوية
والاتحاد
والتاريخ
والجغرافيا
والعلاقة
بالعالم
الأكبر
المكون من
حضارات
وثقافات
وهويات. وكان
من الممكن أن
يكون
العنوان في
صيغة
الاستفهام
أية وجهة
للعالم
الإسلامي؟
بما يقتضيه
الاستفهام
من معاني [الآن]
الراهن
والاستشراف
فأية وجهة
للعالم
الاسلامي في
اللحظة
الراهنة بعد
النكبة وبعد
إخفاق حركة
الإصلاح في
تحقيق
أهدافها...؟
ملخص
حول: "وجهة
العالم
الإسلامي"
ينقسم
الكتاب الى
مدخل وستة
فصول:
موضوع
المدخل: هو
بمثابة وضع
النقاط على
الحروف في
خصوص ما يمكن
أن يلحظه
القارئ من
التقاء بين
المؤلف وبين
أحد
المستشرقين
الغربيين
دفعا لشبهة
الإقتباس
عنه وإبرازا
لنقاط
الإلتقاء
والإختلاف
بينهما
وتأكيد سبقه
الى إعلان
فكرته قبل
اطلاعه على
كتاب
المستشرق
الانكليزي
حتى وإن كان
أسبق منه
زمنيا من حيث
إخراج
أفكاره
وكتابه الى
الوجود.
كما
أن ذلك كان
مناسبة للرد
على إحدى
الأفكار
الأساسية،
وهي تكاد
تكون خاصية
مشتركة بين
المستشرقين
والمفكرين
الغربيين
وهي
الإعتقاد
بتفوق
الحضارة
الغربية على
الحضارة
الإسلامية: "إن
حديثنا عن
إنسانية
أوروبا في
الداخل لا
يكون إلا
حديثا عن
نزعة
إنسانية "جذبية:
دون إشعاع
وفي هذه
الحالة
نراها تعني
إنسانية
أوروبية في
الداخل و"إنسانية
استعمارية"
في الخارج" [4]
الفصل
الأول: ويحمل
عنوان "مجتمع
ما بعد
الموحدين"،
وفيه تحليل
لطبيعة
المجتمع
العربي
وخصائص
الشخصية
الإسلامية
في ضوء
التاريخ.
ولعل الفصل
بأكمله هو
تحليل
للظاهرة محل
الدراسة وهي
المجتمع
الإسلامي.
بعد أن حلل
بن نبي في
مؤلفه
الشهير "الظاهرة
القرآنية"
حقيقة
التجربة
الإسلامية
التأسيسية
في علاقتها
العضوية
بأساسها
العقدي
والقيمي.
ورغم
أهمية هذا
الفصل فهو لا
يأخذ مساحة
كبيرة من
الكتاب،
وهذه إحدى
ميزات مالك
بن نبي بحكم
تكوينه
العلمي وهي
اقتصاده في
الكلام ودقة
تعابيره رغم
أن أسلوبه لا
يخلو من صور
شعرية
وأمثال تعبر
عن العبقرية
الشعبية
والسنن
الاجتماعية
والبنية
النفسية
والذهنية
كما سنبين
لاحقا.
ويمكن
أن يعزى هذا
الاقتضاب
الى أن الغرض
من الفصول
الأولى هو
تحديد
المفاهيم
ووضع الإطار
العام
للمسألة.
وينتهي
الفصل الأول
بعنصر
الاتصال
الأول بين
أوروبا
والعالم
الاسلامي
وهو كما صار
معلوما الذى
حدد وجهة
العالم
الاسلامي
على امتداد
القرون
الثلاثة
الأخيرة
وكان عاملا
حاسما في
تكوين
الحركة
الإصلاحية
وبلورة
مشروعها
الإيديولوجي
والسياسي.
الفصل
الثاني: وضع
مالك بن نبي
الفصل
الثاني من
كتابه تحت
عنوان
النهضة،
وجعل له
عنصرين
فرعيين: حركة
الإصلاح،
والحركة
التحديثية.
وهو
تقسيم يخضع
للتسلسل
المنطقي
للأفكار
والوقائع،
إذ كما ذكرنا
فإن الإتصال
هو الذى
استدعى قيام
حركة
الإصلاح
والتحديث.
لم
يحدد مالك بن
نبي في هذا
الفصل مفهوم
النهضة ولا
شروطها رغم
أنه خصص لذلك
كتابا
مستقلا، مما
يجعلنا
نفترض أن
عنوان الفصل
الثاني
الغرض منه
الإشارة الى
علامة فارقة
بين مرحلتين
في حياة
مجتمع ما بعد
الموحدين
وهي بمثابة
تتويج
لمرحلة
وتدشين
لمسار،
وليست
النهضة إلا
الاستيقاظ
من سبات عميق
ودبيب في
الحياة بعد
خمول شابه
الموت
البطيء.
ويستعرض
مالك بن نبي
في هذا الفصل
مجرى تياري
الفكر
العربي
الحديث:
التيار
الإصلاحي
والتيار
التحديثي،
مبرزا
حدودهما
وآفاق
تطورهما.
الفصل
الثالث: وهو
أطول فصول
الكتاب
ويحمل
عنوانا
مثيرا هو:
فوضى العالم
الإسلامي،
وتحيل كلمة
الفوضى الى
معنى سلبي
يوحي بالخطر
المحيق،
وإذا
استثنينا
قلة تمجد
الفوضى
وتدعو إليها
فإن العنوان
يكون بمثابة
إبراز خصيصة
تعد بمثابة
دق ناقوس
الخطر في أي
مجتمع وأية
حضارة أو أية
دولة وتبعث
الخوف على
المستقبل،
فالفوضى
انخرام
النظام
واختلاط
الأوضاع،
إنها أجلى
مظهر للأزمة
الشاملة
والإعلان
بأن الخيار
لن يكون إلا
بين السلام
أو
البربرية،
وربما لأنه
ليس المهم
فقط هو نتاج
الفوضى
وآثارها
وإنما
أسبابها
التي أدت
إليها فإن
مالك بن نبي
قد أرجعها
الى عوامل
داخلية يمكن
أن نعدها
عوامل حاسمة
وضاربة في
عمق
التاريخ،
حتى تحولت
الى طبيعة
ثانية
للمجتمعات
الاسلامية
أوقعتها في
أشد المآزق
ونزلت بها
الى درك خفيض
من الحضارة
هو الى
اللاتحضر
أقرب منه الى
المدنية
والتقدم: إنه
وضع فقدت
الأمة
روحها، وما
العوامل
الخارجية
إلا نتيجة
قامت مقام
السبب فلولا
ما يسميه
مالك بن نبي "القابلية
للإستعمار"
لما أمكن
للإستعمار
أن يحصل أو
أن يتحكم في
مصير حضارة
ارتدت من وضع
الريادة الى
وضع الخضوع
والتبعية،
لذلك انقسم
هذا الفصل
الى شعبتين
أساسيتين
عنون
أولاهما
بالعوامل
الداخلية
وثانيتهما
بالعوامل
الخارجية،
وشغلت
الأولى 29
صفحة في حين
اقتصر في
الثانية على
9 صفحات. وهذا
يبين لنا
أهمية
العوامل
الداخلية
فيما أطلق
عليه المؤلف
فوضى العالم
الإسلامي.
الفصل
الرابع: ليس
عنوان الفصل
الرابع بأقل
إثارة من
الفصل
الثالث إذ له
صلة
بالبدائل
وبآفاق تطور
العلاقة بين
العالم
الإسلامي
والعالم
الغربي.
لقد
عنون مالك بن
نبي فصله
الرابع بـ "فوضى
العالم
الغربي"
التي أرادها
بن نبي
موضوعا
للإعتبار لا
لتغطية عقدة
نقص، وهي في
نفس سياق
فلسفته
الحضارية.
وإذا
كانت فوضى
العالم
الإسلامي هي
فوضى التخلف
فإن فوضى
العالم
الغربي هي
الإنحراف
بالتقدم
وتحويل
الحداثة
الغربية الى
مشروع
استعماري
ظاهره فيه
الرحمة
وباطنه من
قبله العذاب.
الفصل
الخامس:
ينتهي الفصل
الرابع
بالتأكيد
على أن
العالم
الإسلامي "عليه
أن يبحث عن
طرق جديدة
ليكشف عن
ينابيع
إلهامه
الخاصة" وهو
ما خصص
له الفصل
الخامس تحت
عنوان "الطرق
الجديدة"
وهو فصل كتب
على وتيرة
واحدة ولا
يتضمن
عناوين
فرعية ولكنه
يحتوي زبدة
أفكار بن نبي
التي عبر
عنها في
الفصول
السابقة مع
محاولة
لتحديد
الوجهة
المستقبلية
قطعا مع
أخطاء
الماضي
وتداركا
لنواقص
الحركة
الإصلاحية
كمحاولة
واعدة أخطأت
الهدف بسبب
منهجها
وأفقها
الفكري.
الفصل
السادس: وهو
آخر فصول
الكتاب وهو
بمثابة بيان
الى
العالمين
يتضمن عناصر
مشروع
لإنسانية
بدا كأنها
تفتقر الى
مشروع،
وتظهر فيه
الأبعاد
الكونية
لرؤية بن
نبي، وهو ضرب
من
الإستشراف
لإنسانية
جديدة يسهم
المسلمون في
تكوينها
وتغذيتها
بدفق روحي
وإمدادها
بإطار قيمي
وهو ينظر الى
العلاقة مع
الآخر لا من
زاوية
الخصوصية بل
من زاوية
وحدة المصير
البشري
ومنطق
الحضارة
الكونية
المرتقبة.
الخاتمة:
صدر بن نبي
خاتمته
بالآية
الكريمة "اليوم
أكملت لكم
دينكم
وأتممت
عليكم نعمتي
ورضيت لكم
الإسلام
دينا" [5]
وهي
عادة دأب
عليها في
طوالع فصوله
وجل كتبه، إذ
يصدرها
بقولة
لفيلسوف أو
مفكر أو آية
أو حديث عادة
ما تكون
معبرة عن
الفكرة
الأساسية أو
عن محتوى
الفصل.
ولأن
الآية
تحيلنا على
خطبة الوداع
وما تضمنته
من وصايا
أشهد
النّبيّ
صلّى الله
عليه وسلّم
عليها الله
والمسلمين
فقد كانت
الخاتمة في
شكل وصية
بإتمام
العمل الذى
بدأه، ويلفت
الانتباه
الى الدور
التاريخي
الذى يمكن أن
يلعبه
الإسلام في
آسيا لتحديد
وجهة العالم
الإسلامي
وهو ما غفلت
عنه حركة
الإصلاح
والنخب
التحديثية
وربما أمكن
أن تحقق
عالمية
الإسلام
للمرة
الأولى
بالمعنى
التاريخي
والحضاري،
وهي عملية
استشرافية
يجوز لنا
اليوم نقدها
والوقوف على
مدى نفاذها
وتصديق
الأحداث لها
أو تكذيبها.
سبب
اختيار
الكتاب:
إن
الإطار
التاريخي
الذى كتب فيه
مالك بن نبي
كتابه "وجهة
العالم
الإسلامي"
هو إطار ما
بعد النكبة،
هذه النكبة
التي بعثرت
النخبة
العربية
وجرحت مشاعر
العرب في
كرامتهم،
وإذا
افترضنا
حوارا ضمنيا
بين
المفكرين
العرب أو
صريحا فهو
حتما حول
معنى النكبة
وأسبابها
وجذورها
وكيفية
الخروج منها.
ومهما
كانت درجة
تفاؤل
العربي في
مرحلة ما بعد
النكبة فإن
إحساسه
بالفادحة
وبالواقع
الجديد على
الأرض كان
إحساسا
تراجيديا.
ومهما كانت
درجة تشاؤم
العربي
وتفجر جزعه
القديم بفقد
الأندلس
وإحساسه
بضياع كل شيء
فإن شعوره
بالمسؤولية
التاريخية
لم يمت تماما
واقتناعه
بضرورة رد
الفعل
وإعداد الرد
المناسب
والإستعداد
لتحد أكبر
كان حاضرا.
ومهما
اتسمت
كتاباته
بجلد الذات
أو بنقد
الأسس فإنه
لم يفقد
الأمل
نهائيا في
إصلاح
الأوضاع. إذ
لم يعد
بالإمكان
إخفاء كامل
الحقيقة أو
نكران واقع
الهزيمة:
هزيمة
الجيوش
العربية
أمام
المجموعات
الصهيونية.
وهي هزيمة
الكثرة أمام
القلة، فإن
تقسيم
فلسطين كشف
مرة أخرى
اضطراب
الأوضاع
العربية
وتأخر
البنيات
الذهنية
والعقلية
والاجتماعية
والاقتصادية
والتقنية
مقابل "عدو"
يتّسم
بالتنظيم
والتخطيط
المحكم
ويعتمد
الوسائل
المتطورة.
لقد
أيقظت
النكبة جيلا
كاملا من
سباته
العميق
وأوقفته على
حجم الفجوة
الحضارية
التي لم يعد
يكفي معها
استنهاض
الهمم
وإثارة
الحماسة مثل
ما فعل
الأفغاني
وعبده
والكواكبي.
ونتائج
الاختيار
التحديثي
الديماغوجي
المصحوب
بالخطاب
الثقافي
والإعلامي
التعبوي
تفتح المجال
لفكر مختلف
كي يظهر وهو
فكر أزمة بكل
المقاييس
لأنه نشأ تحت
سياط القمع
وفي أقبية
السجون
وسيادة
الزعامة
الواحدة
وخطاب
الإنتصارات
الوهمية في
غياب فضاء
عام يفسح فيه
المجال
للنقاش
ولتعدد
الاجتهادات...
وهذا
ما يدفع
للإفتراض
بأن فكر مالك
بن نبي لم
يلق في حينه
ذهنية عربية
مهيأة لتقبل
أفكاره بقدر
ما كانت
مجبولة على
الإعتراض عن
نداءاته
ورسالته بل
أن النخبة
الفكرية
التي نقدها
في كتابه
جاوزته ذات
اليمين وذات
الشمال
وخالفته في
مدلول
مفاهيمهة
المركزية.
بل
ربما حق في
شخصه ما قاله
برجسون عن
روسو "الكل
يعرف روسو
ولكن أحدا لم
يقرأ
كتاباته"
فما عدا فكرة
"القابلية
للإستعمار"
لا نكاد نجد
أثرا قويا
لأفكار بن
نبي رغم أنه
لم يعدم
التلامذة
والمريدين
وكان من أكثر
المثقفين
العرب نشاطا
حتى آخر
حياته، إذ
جعل بيته في
القاهرة وفي
الجزائر
متدى فكريا
يعرض فيه
أفكاره
ورؤاه هذا
فضلا عن
مقالاته
التي كان
ينشرها في
الصحف
والمجلات
ومحاضراته
في بلده
الجزائر وفي
البلدان
التي كان
يزورها
ومنها دمشق
والقاهرة.
وتجدر
الإشارة الى
أن كتبه بلغت
الآن طبعتها
السادسة
ولكن ذلك ليس
دليلا على
نفاذها
وانتشارها
اذا علمنا أن
الطبعة
الأخيرة
لسنة 2006 لم
تتجاوز 1500
نسخة.
وإذا
استحضرنا أن
"الوجهة"
تحيل على
الطريق
النهائي
وتحيل
الطريق الى
مترادفات
لها منها
النهج أو
المنهاج
والطريقة
والسبيل..
نجد أن الحقل
الدلالي
الذى يفكر
فيه مالك بن
نبي وغيره من
المفكرين
العرب مسكون
ومحكوم
بالسؤال
الحضاري
وشروط
النهضة
المرتجاة
ومعالم
الطريق
الصعبة
ودليل العمل
ومنهاج
التغيير.
فالوجهة
المقصودة هي
وجهتنا الى
الماضي
ليكون
مستقبلا
مشرقا، وهي
وجهتنا الى
المستقبل
ليكون مجدا
مستعادا،
وهي تحليل
ووصف للواقع
ليكون
استئنافا
على أرضية
صلبة لذلك
على اعتبار "وجهة
العالم
الإسلامي" –الذى
اعتبره
عبدالله
العروي أهم
كتب مالك بن
نبي- أثرا ما
بعد إصلاحي،
مفتوحا على
سؤال الهوية
الذى سيفرض
نفسه بإلحاح
بحسب التطور
الذى آل إليه
وضع العرب،
لأن النكبة
لم تكن إلا
المقدمة
لمحطات أخرى
ستؤكد سلامة
التشخيص
واستفحال
المرض معا
مما سيهيء
الظروف
لظهور نزعات
راديكالية
في الفكر
العربي
الإسلامي
كان مالك بن
نبي يتوقعها.
وما مشروعه
الإصلاحي
النهضوي إلا
محاولة
لتفادي
الوقوع فيها
ولكن تطور
الأوضاع نحو
مزيد من
الخيبات عجل
بظهورها
وكيّف
مضمونها
ولعل فكر بن
نبي مهد
لظهورها
عندما نبه
الأذهان الى
طبيعة
الأزمة، وهي
أزمة
حضارية،
وإلى جذورها
التاريخية
التي تعود
بحسبه الى
موقعة صفين،
ونوعية
الحل، أي
الحل
الإسلامي
وقد استفحل
التغلغل
الصهيوني.
يمثل
التراث
العربي
الإسلامي
مرجعية
وخلفية
وحافزا
وعائقا
وجاذبا لم
يكن يفترض أن
تطرح
القضايا
المصيرية
للإنسان
والمجتمع
العربيين
المعاصرين
بمعزل عنه..
حتى أنه لا
تكاد كلمة أو
مصطلح في لغة
التداول
السياسي وفي
الخطاب
العربي
عموما
بتياراته
المختلفة
تذكر إلا
ولها وقعها
وصداها
وجذورها في
الأصول
الإسلامية
وفي فرع أو
أكثر من فروع
المعرفة
التي
أنشأتها
الحضارة
الإسلامية
زمن
ازدهارها
وحتى زمن
انحدارها.
فلا بد أن
تجد
للمفاهيم
المركزية في
الفكر
العربي
المعاصر
جذورها في
القرآن
والسنة
والمدونة
الفقهية
والأصولية
والكلامية
أو علم
التفسير
وهذا يجعلنا
في
جينيالوجيا
الأفكار
والمفاهيم
التي شكلت
عناصر
وركائز
ومحاور
التفكير
العربي
المعاصر. إن
هذا الفكر
نشأ داخل حقل
الثقافة
الإسلامية
العربية،
التي عرفت
مفاهيم
الإصلاح
والتجديد
والإتباع
والإبتداع
والسلف
والإجتهاد
والتقليد
والإحياء
والأصل
والفرع.. بل
إن علوم
الحضارة
الإسلامية
من فقه وكلام
وأصول
وتفسير
وحديث أدمجت
مفاهيم
فلسفية
كيّفت
مضامينها،
ونحتت
مفاهيم خاصة
وسعت
دلالتها مثل
مفهوم الكلي
والجزئي
والمطلق
والمقيد
والعام
والخاص
ومفاهيم
السبب
والعلة
والتصديق
والتصور
والحكم
والقضية
والإمامة
والسياسة
والخلافة
والإمارة
والأمة
والجماعة
ودار
الإسلام
ودار الكفر
والذمة..
وإذا
استثنينا
بعض
الجاهلين
بالموروث
الفكري
والفلسفي
الإسلامي
نجد أن رموز
الإصلاح في
المشرق
والمغرب
العربيين،
وهم يواجهون
إشكاليات
زمانهم
ويصنعون
خطابها
المطابق،
يسبحون في
بحر متلاطم
من
الإصطلاحات
الموروثة
موافقين
تيّارها أو
سابحين عكسه.
يقول مطاع
صفدي بطريقة
خطابية لا
تخلو من
حقيقة: "تزول
العلمانية
إذن
كإيديولوجية،
كذروة أخيرة
لإيديولوجية
التنمية
البديلة عن
النهضة،
وعلى أبواب
القرن
الواحد
والعشرين
تقف الشعوب
بأحلامها
الكبرى
المهدورة
والمغدورة
لتناقش
مجددا
مشروعها
النهضوي
المختلف. ما
هو وكيف
تكتشف
معالمه
وتحقق
إمكانياته؟
ويأتي العرب
في طليعة تلك
الشعوب التي
راهنت على
المتغير
التنموي
وقدمت عصرا
حافلا رهيبا
من تجربتها
معه. تأتي
لتكتشف
مجددا وتحت
ركام
الهزائم
الثقافية
والاجتماعية
والاقتصادية
والعسكرية،
أنها لم تطرح
سؤال
كينونتها
بعد وأنها
تعود الى
مفترق الطرق
لتفوز ثانية
بما لم تخسره
أبدا ألا وهو
استعادة
لحظة
البداية
مهما ضلت بها
طرق الغاية
الموبوءة" [6]
فنحن
لسنا أمام
صدمة
الحداثة [حملة
نابليون]
التي حركت
فينا طموح
الالتحاق
بالغرب
وشغلت
أذهاننا
بإشكالية
التقدم،
ولسنا تحت
تأثير
النكبة التي
جعلتنا نكدس
السلاح
ونعبئ
الجيوش
لتعديل
الموازين
واستنزاف
القوة
المهددة
للأمن
القومي.. نحن
بعد ما يقرب
من جيلين منذ
الحصول على
الاستقلال
نكتشف مجددا
تحت ركام
الهزائم
الثقافية
والاجتماعية
والاقتصادية
والعسكرية
ضرورة طرح
سؤال
الكينونة.
وفي
نفس السياق
ورغم أن هشام
جعيط يحذر من
أن "المنهجية
السليمة
تفرض علينا
أن لانقحم في
مفهوم
الهوية كل
همومنا
المعاصرة" [7]
ويرى بأن "الهوية
العربية
كمقولة
إيديولوجية
تتماهى مع
التيار
الاسلامي
وتتماهى
كذلك مع
مفهوم
الثقافة،
بينما على
عكس من ذلك
فإن تيار
الحداثة هو
تيار
الحضارة" [8]
فإنه يقر هو
نفسه في شكل
نقد ذاتي "لكننا
أكثرنا من
الكلام عن
دينامية
الهوية
وأكثرنا من
ربطها بكل
الجدليات
الكبرى
ويبقى علينا
أيضا أن
نستكشفها في
مقوماتها
الأساسية: في
بنية القيم
في النظرة
الكوسمية في
تركيبة
الأنا"[9]
ولعل
مشروع مالك
بن نبي يندرج
ضمن هذا
الخيار الذى
أسماه جعيط: "أنثروبولوجيا
ذاتية حميمة
تبتعد عن
التحقير كما
تبتعد عن
التضخيم،
اعرف ذاتك،
كما يقول
سقراط" [10]
فقضية
الهوية
بصيغتها
المعاصرة
قضية حادثة
في ثقافتنا
وهي ليست
علامة صحة
إلا إذا
نظرنا إليها
من زاوية
وجود قدرة
وطاقة على رد
الفعل،
ولكنها مؤشر
قوي على وجود
أزمة تتعلق
بالوجود
الحضاري. "ففي
كل مرة يهتز
فيها الكيان
الحضاري
لأمة من
الأمم أو شعب
من الشعوب أو
حتى فئة
اجتماعية
داخل
المجتمع
الواحد
ويبدأ نظام
القيم
والعلاقات
وطرق التصور
والتنظيم
والتخلخل
والتبديل،
يبدأ في نفس
الآن حديث
الهوية
بالبروز" [11]
محمد
نورالدين
أفاية [في
الهوية
والاختلاف]
إن
قضية الهوية
قضية جد
معقدة، أو
لنقل تمثل
استشكالا
يرتبط بواقع
ثقافتنا
المعاصرة
وتطورها،
ويمكن رد
الاستشكال
الى
الإعتبارات
التالية:
-
أن النهضة
العربية
الحديثة لم
تنجح في حل
إشكالية
التقدم ولم
تنجح في "تحقيق
التجاوز
النهضوي
للماضي"[12]
-
أننا لسنا
مخيرين في
قبول أو رفض
التعامل مع
الغرب.
-
أن الخارج "المعادي
أو الغريب،
مطلع القرن
التاسع عشر،
صار جزءا
بنيويّا في
بعض
المنظومات
الثقافية
العربية" [13]
-
أن الثقافة
القومية
العربية
الإسلامية
التي طرحت
نفسها
بالأمس
القريب
بديلا
للثقافة
الإستعمارية
والتي تطرح
اليوم نفسها
كبديل..
لثقافة
الغرب أساسا..
ليست بقايا
ثقافة
الماضي بل هي
تمام هذه
الثقافة
وكليتها:
إنها
العقيدة
والشريعة
واللغة
والأدب
والعقل
والذهنية
والحنين
والتطلعات" [14]
فثمة
شعور حقيقي
وواهم
بالخطر، وإن
هذا الخطر لم
يعد من
الخارج فقط
بل تعاضده
قوى من
الداخل مما
يغذي ما
يسميه رضوان
السيد نزعة
الانكماش
حتى يتم
إحباط مخطط
التغريب
والتذويب.
"إن
مشكلة كل شعب
هي في جوهرها
مشكلة
حضارته "إذ
هي القضية
الكبرى أو
قضية
القضايا
التي عليها
ينعقد حلّ
باقي
المشاكل..
وعلى حلّها
يتوقف
الحضور في
التاريخ".
"
ولا يمكن
لشعب أن يفهم
أو يحل
مشكلته ما لم
يرتفع
بفكرته الى
الأحداث
الإنسانية
وما لم
يتعمّق في
فهم العوامل
التي تبني
الحضارات أو
تهدّمها" [15]
وانطلاقا
من هاتين
القولتين
فإن الحل لا
يكون في تصور
بن نبي
بالمحاولة
التوفيقية
التي قامت
بها حركة
الإصلاح
والحركة
السلفية ذات
الأفق
الضيق، إذ
يقول مالك بن
نبي بوحدة
التاريخ
البشري
ويؤمن بفكرة
التقدم بل
حتى سقوط
الحضارة
وزوالها أو
صعود حضارة
وانبعاثها
إنما هو ضمن
هذه الحركة
السائرة "وما
الحضارات
المعاصرة
والحضارات
الضاربة في
ظلام الماضي
والحضارات
المستقبلية
إلا عناصر
الملحمة
الإنسانية
منذ فجر
القرون الى
نهاية
الزمن، فهي
حلقات
لسلسلة
واحدة..
تتمثل فيها
جهود
الأجيال
المتعاقبة
في خطواتها
المتصلة في
سبيل الرقيّ
والتقدم [16]
ولعل
ذلك ما حدا
بالبعض الى
القول بأن بن
نبي متأثر
بوضعية كتب
ونظرية
الحالات
الثلاث، فهل
يبني بن نبي
فلسفة في
التاريخ
تقتصر على
هذا التصور
القائم على
فكرة التقدم
وتعاقب
الحضارات في
سبيل الرقي
والتقدم أم
أنه يبني
تصورا آخر
مجاورا؟
وكيف نبرر
هذا
التناقض؟
تقودنا في
هذا البحث
فرضية
مفادها أن
مالك بن نبي
وهو يبلور
مشروعه
الخاص في
النهوض
محددا شروط
النهضة قد
استند الى
قراءة
للواقع
ولأوضاع
العالم
الإسلامي لا
تخلو من
أصالة
وتميّز. وقد
اتخذ مسافة
نقدية من أهم
رافدين
للنهضة وهما
التيار
الإصلاحي
والتيار
التحديثي.
وقد استندنا
في تناول هذه
المسألة على
كتابه وجهة
العالم
الإسلامي
كمصدر أساسي
اتضحت فيه
رؤيته
الخاصة
لقضايا شعوب
العالم
الإسلامي في
اتصاله
بالغرب في
طور حاسم من
أطوار
تاريخه
المعاصر.
وفي
سبيل ذلك
تقصّينا في
الفصل الأول
المفاهيم
الأساسية
التي شكلت
إطار بحثنا
مثل
الإصلاحية
والسلفية
والإحيائية..
ثم تطرقنا في
الفصل
الثاني الى
قراءة مالك
بن نبي
للحركتين
الإصلاحية
والتحديثية
لإبراز
موقفه
منهما، وقد
تبين لنا أن
بن نبي يمتلك
إدراكا
وإلماما
بإيديولوجيتها
ومنهاجهما.
ثم توقفنا
عند مفهوم
النهضة
وشروطها في
تصوره في ضوء
قراءته
النقدية
للإصلاحية
والتحديثية
مع استجلاء
أهم
المفاهيم
المركزية
التي يدور
حولها فكره
ومنها مفهوم
"مجتمع ما
بعد
الموحدين"
ومفهوم "القابلية
للإستعمار".
قبل أن نختم
بحثنا
بإبراز ما
لاحظناه من
تطور في فكر
مالك بن نبي
مما يمكن أن
يعد بوادر
ميل نحو
الإحيائية
ويأس من
التحديثية
دون أن يحيد
عن رؤيته
الحضارية
ومفاهيمه
المركزية
التي يمكن
عدّها ثوابت
في بنائه
الفكري
وإطارا عاما
لما كان
يبديه من
مواقف من
قضايا العصر
ويسهم به في
الحياة
الفكرية
والثقافية
الجزائرية
والعربية.
وقد عدّ بن
نبي نفسه
شاهد القرن
بكل ما تحمله
كلمة الشاهد
من معنى
الرقيب أو
المجيب
لنداء
الضمير
وانتظارات
المستقبل.
الفصل
الأول:
المسألة
المصطلحية:
الإصلاحية
والسلفية
والإحيائية
بين التواصل
والقطيعة
إن
حقل بحثنا
يشكو فوضى من
ناحية
المناهج
المطبقة في
دراسته، ومن
ناحية
المتدخلين
فيه من
مستشرقين
ومناهضين
وفاعلين كما
يشكو
اختلافات
جوهرية تخص
تسمية
المشمولين
بالبحث
والتحقيب.
ورغم
أنه ليس هناك
اليوم من
ينسب نفسه
للأفغاني
وعبده أو
رشيد رضا حتى
وإن كانت بعض
كتاباتهم
كتفسير
المنار أو
رسالة
التوحيد
تقرأ وتدرس
وتشرح وتنقد
كمتون
مفصولة الى
حد ما عن
السياق
الفكري
والتاريخي
والاجتماعي
لإنتاجها إذ
يستعان بها
في فهم
القرآن
كتفسير أو
تقحم في
المؤلفات
الكلامية.
بل
حتى أن هنالك
الى الآن من
ينسب نفسه
الى محمد بن
عبدالوهاب
أو سيد قطب
أو مالك بن
نبي اي أن
مؤلفاتهم
حاضرة في
الأدبيات
الإيديولوجية
وفي
الصراعات
الفكرية رغم
صعود بعض
الأسماء
وهيمنتها
على خطاب "الصحوة"
من أمثال
الدكتور
يوسف
القرضاوي
ويزداد
الأمر
تعقيدا بحسب
مستويات
الخطاب فلم
يكن
الأفغاني
وعبده محل
إجماع حول
فكرهما
وعلاقاتهما
وقد تعرّضا
الى الاتهام
بالإنتساب
الى
الماسونية،
ولكن أحدا لم
يطعن في صفاء
عقيدتهما أو
يتهمهما
بالتكفير،
كما أننا نجد
أن الشيخ عمر
عبدالرحمن
قد حصل على
شهادة
الدكتوراه
من الأزهر
وشخصية مثل
سيد قطب ظلت
تحظى
بالإحترام
لا عند أعلام
تيار الصحوة
بل عند
المفكرين
والمشائخ
الذين يعدون
من
المستقلين
او التابعين
للهيئات
الدينية
الرسمية.
ولعل
كثيرا من
الأحكام
المسبقة
والمسلمات
في حاجة الى
المراجعة من
ذلك تحميل
فكر معين
تبعات أزمات
معينة قد
تكون
أسبابها
العميقة في
الواقع
المحلي أو
الأوضاع
الدولية،
ولم يكن
الفكر حرا
بالكامل في
ثقافتنا
ومقابل
استقلال
الفقيه أو
المتكلم أو
الأصولي أو
المفسر أو
المثقف أو
الداعية كان
هناك
التوظيف
بحسب حاجات
الساسة في كل
مرحلة،
فالذى يصادر
كتابات
معينة اليوم
هو الذى
استقدمها
يوما ما وقد
يأذن
برواجها من
جديد.
وفي
هذا السياق
لا بد من
توضيح بعض
المصطلحات
والمفاهيم
التي تأسس
عليها الفكر
الإصلاحي
بمختلف
تلويناته
وتفرعاته.
1-
مفهوم
الإصلاحية:
إن
كلمة "الإصلاح"
التي كانت
عنوان حركة
فكرية
وسياسية
وتربوية
انطلاقا من
بداية القرن
19 لها جذورها
في النصوص
التأسيسية
الإسلامية [القرآن
والسنة] وفي
كتب الحكمة
وعلم الكلام
والفقه
والتصوف وهي
مادة لغوية
مشتركة بين
هذه
الميادين
المعرفية
مخترقة
للحدود
بينها وإن
تنوعت
مضامينها
بين الإصلاح
الفردي
والجماعي،
وبين إصلاح
العقيدة
وإصلاح
النظم. وقد
ورد في
المعنى
المعجمي
لجذر [ص،ل،ح]
في لسان
العرب: صلح
من الصلاح،
ضد الفساد
ورجل صالح في
نفسه من قوم
صلحاء ومصلح
في أعماله
وأموره..
وأصلح
الدابة،
أحسن إليها
فصلحت.
وقد
جاء في
القرآن
الكريم على لسان
النبي شعيب
عليه السلام:
"إن أريد إلا
الإصلاح ما
استطعت وما
توفيقي إلا
بالله" [هود،
88]. فالإصلاح
جهد بشري وهو
فن الممكن
مسترشدا
بالتعاليم
الدينية
مستظلا
بالعناية
الإلهية
ضمانا
لسلامة
الإختيار
والطريق
ومشاركة في
النتائج،
فلا ينسب
النجاح في
المهمة
الإصلاحية
الى الجهد
البشري وحده
ولا يأخذ
الإخفاق
منحى ولا
طابعا
تراجيديا بل
يتظافر
الجهد
البشري
والتدخل
الغيبي في
مسيرة
التاريخ
والمجتمع.
أما
في الحديث
فقد أثر على
النبي محمد
صلّى الله
عليه وسلّم
قوله: "لا
يصلح أمر آخر
هذه الأمة
إلا بما صلح
به أولها"
وقوله "تركت
فيكم ما إن
تمسكتم به لن
تضلوا بعدي
أبدا، كتاب
الله وسنتي"
وفي رواية
أخرى "كتاب
الله
وعترتي، آل
بيتي" كما
جاء في
الحديث "يبعث
الله على كل
رأس مائة عام
للأمة من
يجدد لهل
دينها".
وإذا
علمنا أن
الوحي قد
انقطع بوفاة
النبي صلّى
الله عليه
وسلّم وبأن
الأمر ترك
لمن بعده
للإسترشاد
والإجتهاد
نتبين بأن
الإصلاح
والإحياء
والتجديد
عملية لهل
مبرراتها
الدينية
مثلما لها
مقتضياتها
الواقعية. إذ
أن تبلور
الإصلاح في
مشاريع يعد
ظاهرة فرضها
التحدي
الأوروبي
والإستعماري
فالآخر
الحضاري كان
له مفعول
المستنفر
والحافز
والجاذب
وكان له دور
الموقظ
ومهما
اختلفت
المواقف من
الأخذ منه أو
النهي من
معين إرثنا،
ومهما كان
المنهج
المقترح
الاقتباس أو
الانتقاء أو
الاتباع فلم
تعد الذات
العربية
تنظر الى
نفسها دون
استحظار
صورة الآخر
وموقفه فهي
تجدد نفسها
تجديدا
موجبا بقدر
ما تسلب
الآخر وتجدد
نفسها
تجديدا
سالبا بقدر
ما تجعله
معيارا
ونموذجا
للتقدم.
فكما
أن
الإصلاحيين
العرب
يقيمون
حاضرهم
بالنسبة الى
الماضي
واضعين إياه
في مرتبة
العهد
الذهبي
المنحطين
بصورته الى
الدرك
الأسفل من
المدنية
والحضارة
والعقلانية
فإنهم لا
يجدون مناصا
من قياس
وضعهم
الراهن وهو
سلبي ومحزن
براهن الآخر
الذى يجمع ما
نفتقده من
قوة وتنظيم
وتقدم رغم أن
هذا الآخر لم
يراع في
علاقته بنا
إلا جانب
مصلحته
الأنانية
ولم يقابلنا
إلا بالجانب
القبيح من
صورة حضارته
أي العدوان
والإستعمار.
لذلك
ولفهم
الحركة
الإصلاحية
وتحديد
مفهومها
نؤكد على أنه
لا يمكن
فصلها عن
السؤال الذى
بلور
إشكاليتها
وعن الأجوبة
التي
اقترحتها
لذلك السؤال
فهي لا تتحدد
بشعاراتها
ولا بدعوتها
الى العودة
الى الإسلام
ولا حتى
بدعوتها
لإقتفاء أثر
الغرب وقد
حدد منير
شفيق في
كتابه الفكر
الإسلامي
المعاصر
والتحديات
هذا السؤال
بقوله " لا
نكاد نجد
مفكرا
إسلاميا
واحدا لم
يطرح على
نفسه تلك
الأسئلة
المتعلقة
بأسباب
انحطاط
المسلمين
وأسباب نهوض
الغرب وشروط
إعادة إنهاض
الأمة. وقد
لا يبالغ
المرء إذا
قال أن هذه
الأسئلة ما
زالت تطرح
اليوم في
الكتابات
الأسلامية
بالقوة
نفسها التي
طرحت بها منذ
جمال الدين
الأفغاني.
2-
مفهوم
الإحيائية:
معجما
هي: من
الحياة،
نقيض الموت..
أما قوله
تعالى "وما
يستوي
الأحياء ولا
الأموات" [فاطر،
22] فقد فسّره
ثعلب فقال:
الحي هو
المسلم
والميت هو
الكافر. وقال
الزجاج:
الأحياء
المؤمنون
والأموات
الكافرون
ودليل ذلك
قوله تعالى "لينذر
من كان حيا"،
أي من كان
مؤمنا..
وفي
قوله "أو من
كان ميتا
فأحييناه
وجعلنا له
نورا يمشي به
في الناس كمن
مثل في
الظلمات ليس
بخارج منها" [الأنعام،
122]، فجعل
المهتدي حيا
وأنه حين كان
على الضلالة
كان ميتا..
وأحياه
"جعله حيا"..
ويقال حاييت
النار
بالنفخ
كقولك
أحييتها.. [عن
لسان العرب]
أما
اصطلاحا فقد
ورد في دائرة
المعارف
الإسلامية
في مادة
إحياء بأن
الإحياء في
لغة الفقهاء
إنما هو
إحياء بمعنى
استخراج أرض
ومباشرتها
بتأثير شيء
فيها من
إحاطة أو زرع
أو عمارة
ونحو ذلك
تشبيها
بإحياء
الميت.
وقد
ارتبطت هذه
الكلمة في
الغالب
بالأرض
الموات التي
لم يجر عليها
ملك أحد إذ
يقع إحياؤها
وبذلك
تملكها
استنادا الى
الحديث: "من
أحيا مواتا
فهو أحق به".
أما
الإحيائية
كإشكالية في
نطاق الفكر
الإسلامي
فقد تزامن
دخولها
الفكر
الإسلامي
الإصلاحي في
العشرينات
مع قضية
الهوية
الخائفة على
نفسها إذ "ظهرت
الجمعيات
الإسلامية
المعنية
بالحفاظ على
الذاتية
الإسلامية
وشعائرها
ورموزها
وسلوكها
والفكر
الأصالي
الإحيائي
المصاحب
لتلك النزعة"
[رضوان
السيد،
الصراع على
الإسلام ص 159].
وقد
استند الفكر
الإسلامي
الإحيائي في
رؤيته
للعالم ودور
المسلمين
فيه الى ثلاث
مقولات:
مقولة
الاستخلاف
على اعتبار
الإنسان
مستخلفا في
هذا العالم
لإعماره
وإصلاحه،
ومقولة
التكليف إذ
المسلمون
مكلفون
بالقيام على
أمر هذا
الإستخلاف،
ثم مقولة
الحاكمية إذ
واجبهم
إنفاذ
حاكمية الله
في الأرض.
ولا سبيل
لتحقيق ذلك
إلا بإقامة
نظام عماده
الشريعة
الإسلامية
وبذلك فإن
هذا التصور
يرفض فكرة
الدولة
الوطنية أو
القومية.
وتتأكد
المهمة
الإحيائية
والإصلاحية
في
المنعرجات
التاريخية
الكبرى
والأزمات
الروحية
الحادة،
لذلك سمى أبو
حامد
الغزالي
أضخم كتبه "إحياء
علوم الدين"
كما عنون
محمد إقبال
أهم مؤلفاته
"تجديد
الفكر
الديني".
ويعد
بعض
المؤرخين
والنقاد بعض
الحركات
الاجتماعية
والسياسية
والإيديولوجية
كالخوارج
والمعتزلة
والقرامطة
وحركة
الموحدين..
حركات
إصلاحية،
غير أنه منذ
أن كتب أحمد
أمين كتابه "زعماء
الإصلاح"
صارت تسمية
الحركات
الإصلاحية
تنصرف الى
محمد بن
عبدالوهاب
وجمال الدين
الأفغاني
ومحمد عبده
ورشيد رضا.
وقد
مثلت حركة
الأفغاني
وعبده طورا
ثانيا
مختلفا عن
الطور الأول
الذى دشنه
ابن عبد
الوهاب من
حيث خصائص
التفكير
وطبيعة
الإشكالية
ومن حيث
الموقف
السياسي إلا
أن التعديل
الذى أحدثه
رشيد رضا مد
جسر التواصل
بين
الحركتين،
الأمر الذى
عده البعض
اتجاها نحو
المحافظة،
ورأى فيه
البعض بداية
تغير في
الإشكالية
لا بالعودة
الى إشكالية
الحركة
السلفية وإن
نهل من
منهجها
وتفكيرها
وإنما
بالإنتقال
الى إشكالية
جديدة ستجعل
من رشيد رضا
منظرا يوفر
المادة
الفكرية
والعدة
الإيديولوجية
لمؤسس جماعة
الإخوان وإن
كان البنا
أكثر
انفتاحا
وأشد تركيزا
على عناصر
الوحدة بما
يجعل تفكيره
انتقائيا
تأليفيا في
نفس الوقت
معتمدا في
رسائله صيغا
دقيقة وسيطة
جعلت مفكرا
مثل محمد
الغزالي
يعده مجدد
القرن.
3-
مفهو الصحوة
الإسلامية:
يشمل
محمد عمارة
بتعبير
الصحوة
الإسلامية
في كتابه "الصحوة
الإسلامية
والتحدي
الحضاري"
مرحلة
تاريخية
تبدأ عند
نهاية القرن
التاسع عشر
الى ايامنا
هذه مما
عرفته
البلاد
العربية
والإسلامية
وما ظهر فيها
من مفكرين
ذوي توجه
إسلامي يعده
تعبيرا عن
صحوة الأمة
وصحوة نخبها
فوجود مفاصل
تاريخية
واجتهادات
فكرية
متعددة لم
يحل دونه
ودون وضع كل
تلك الأحداث
وتلك الآثار
تحت لافتة
الصحوة.
ولا
شك أن مفهوم
الصحوة أو
الصحوة
الإسلامية
مفهوم ملتبس
أو لعله غير
حيادي ونحن
فعلا نجد
أنفسنا أمام
وضع تاريخي
وفكري يصعب
فيه وصفه
توصيفا يحقق
إجماع
الباحثين
فإذا كان أمر
النهضة
الأوروبية
والأنوار
والحداثة قد
حسم على
مستوى
التناول
الغربي من
الفلاسفة
والمؤرخين
بشكل يجعل
التاريخ
الفكري
والإجتماعي
للغرب
الأوروبي
واضح
المعالم
والمفاصل
والمضامين
فإن تاريخنا
السياسي
والفكري
حوله اختلاف
كبير ولم
تترسخ بعد
منظومة
قيمية ورؤية
حضارية نقول
معها أن هذا
العصر يحمل
هذه التسمية
أو تلك وأنه
يتواصل مع
عصر سبقه في
هذا العنصر
أو ذاك بل إن
مراحل
تاريخنا لا
يكاد يقاس
بعضها بإزاء
بعض بل يقاس
بإزاء
التاريخ
الأوروبي
وكأنه تاريخ
الإنسانية
لا تاريخ
حضارة
مخصوصة.
ورغم
إيماننا
بوحدة
التاريخ
البشري
وأهمية
المقارنة
والنظر الى
أحداث
العالم في
تزامنها
وتعاقبها
فإن الذى يجب
التنبه له هو
أن ما نمتلكه
من وضوح في
خصوص
الترابط بين
تطور الفكر
والتطور
الإقتصادي
والسياسي
الأوروبي
نفتقره في
علاقة فكرنا
بسياقاته
المختلفة فـ
"حركة
الإصلاح
الديني
المسيحية
جاءت
مترابطة مع
تطور داخلي
لازم نشوء
وتطور
البورجوازية
في وسط سيطرت
فيه الكنيسة
واللاهوت
على كافة
جوانب
الحياة
الاجتماعية
وإن ليس
بصورة
مطلقة،
فالحياة
الاجتماعية
أوسع من أن
تحدد
بإيديولوجيا
ما.. وفي هذا
المعنى شكلت
عملية
الإصلاح
مرحلة في
تطور الوعي
والممارسة
السياسية
لمجموعة من
الشعوب
الأوروبية،
وفي الوقت
نفسه مقدمة
لتطور الوعي
السياسي
المستقل كما
تجلى ذلك
لاحقا في
فرنسا في
العام 1987" [17].
عوض
أن نعتمد فقط
مفهوم
الصحوة أو
النهضة أو
الإصلاح أو
الإحياء وهي
مفاهيم
جديرة
بالتدقيق
والإعتماد
وقد تصدق على
مراحل تطور
الفكر
العربي
المعاصر وإن
كانت هناك
حرية كبيرة
في
استعمالها
من قبل
الباحثين
وفي ربطها
بتلك
المراحل
الأمر الذى
يفقدها تلك
الدقة
المطلوبة
وذلك
الإنطباق
الذى يستوجب
أن نقترب فيه
من الإجماع
في انتظار
تبلور وضوح
كاف حول
العناوين
التي تصدق
على كل مرحلة
لذلك قد يكون
من المفيد
حصر
الإشكالية
بأكبر قدر من
الوضوح " نعم
هناك قضية
عامة نرى أن
يصدر عنها
بدورنا وهي
تلك التي
تقضي بأن
الفكرة
السياسية
تشكل الإطار
النظري
العام الذى
يعمل الفكر
العربي
المعاصر
ويتحرك في
دائرته.
وبتعبير آخر
فنحن نؤمن
بأن مختلف
الآراء
والموضوعات
التي ما فتئ
هذا الفكر
يطرحها منذ
أن نشر
الطهطاوي
رحلته
الباريزية
والمشاكل ما
انفك عن
إثارتها
ترجع كلها
الى الموضوع
الفسيح
للسياسة
سواء تعلق
الأمر
بالإستعمار
أو التحرر،
بالتجزئة أو
الوحدة،
بالظلم
أوالعدل،
بالإستبداد
أو
الديمقراطية،
بالتقدم أو
بالتخلف [18]
فالترابط
بين الدين
والسياسة
يعود الى
فترة
التأسيس وقد
تجسد في شخص
الرسول صلّى
الله عليه
وسلّم
نفسه وقد
بنى الحدث
الإسلامي "متخيلا
سياسيا
إسلاميا"
يغلب عليه
مثال هو مثال
أمة
المؤمنين
الأولى في
زمن النبي
صلّى الله
عليه وسلّم
والخلفاء
الراشدين.
ومن خاصيات
الفكر
السلفي
والإحيائي
أنه يرى
المثال في
الماضي.
"وبمعزل
عن واقعه
التاريخي
فإن هذا
النموذج
يقدم لناشطي
الإسلام
السياسي
مثالا
لمجتمع
إسلامي، وقد
نشأ الإسلام
كملة
ومجتمع،
كأمة دينية
وسياسية معا
حيث لا وجود
للمؤسسات أو
رجال الدين
أو أي وظيفة
متعينة،
وحيث كان
النبي هو
الذى يتلو
ويؤوّل
شريعة إلهية
ومفارقة
تحكم كل
النشاطات
الإنسانية:
مجتمع
مساواتي لا
تميز فيه يقف
تحت رايته
رجل لا يشرع
وإنما يتلو
الوحي وسوف
يسم هذا
المثال الى
الأبد
العلاقة بين
الإسلام
والسياسة
حتى وإن كانت
هذه الأمة
الأصلية
التي يطغى
الحنين
إليها على
التفكير
السياسي في
الإسلام لن
تبعث مجددا" [19]
غير أنه مهما
كان التعلق
بالماضي
قويا فلا
يمكن تجاهل
التاريخ حتى
وإن تمثله
المخيال
السلفي على
أنه انحطاط
وارتكاس الى
صيغ ما قبل
التأسيس أي
الجاهلية في
صورتها
المعاصرة.
ولكن عالم
المسلم
المعاصر
اليوم لم يعد
عالم القرون
الوسطى
الإسلامية "
مثلما أن
الدولة
الأوروبية
ما بعد مكيا
فيلي لم تعد
دولة القديس
توما
الإكويني،
للدولة في
الشرق
الأوسط
تاريخيتها
لكن هذه
التاريخية
لا تنفصل عن
نقطة
الإلتقاء مع
الغرب
فالغرب حاضر
في التصور
السياسي
للعالم
الإسلامي
الحالي
بسرائه ام
بضرائه
مثلما هو
حاضر في
الفكر
الإسلاموي
وفي قيم
الإستهلاك
السائدة في
مجتمعات
اليوم" [20]
4-
السلفية
مرحلة زمنية
تاريخية أم
مذهب
إسلامي؟:
إذا
أريد من كلمة
"السلف"
معناها
اللغوي فهو
من "سلف"
تقدم والسلف
الجماعة
المتقدمون
وقد ورد في
القرآن
الكريم "فجعلناهم
سلفا ومثلا
للآخرين" [الزّخرف،
56] وقال
الفراء: يقول
جعلناهم
سلفا
متقدمين
ليتعظ بهم
الآخرون..
وسلف الرجل
آباؤه
المتقدمون
وسلف
الإنسان من
تقدمه
بالموت من
آبائه وذوي
قرابته
ولهذا سمي
الصدر الأول
من التابعين
السلف
الصالح
فالمعنى
اللغوي يحيل
على أن كل
زمن من
الأزمان هو
سالف
بالنسبة الى
الأزمنة
الآتية في
أعقابه وخلف
بالنسبة الى
الأزمنة
التي سبقته
ومرت من قبله.
غير
أن هذه
الكلمة قد
اكتسبت معنى
اصطلاحيا
ثابتا غير
هذا لا
تتجاوزه ولا
تنتقل منه
الى سواه
وتستعمل
الكلمة في
الدلالة على
هذا المعنى
الاصطلاحي
بصدد الحديث
عن أفضل
العصور
الإسلامية
وأولاها
بالإقتداء
والإتباع
وهو القرون
الإسلامية
الأولى من
عمر هذه
الأمة
الإسلامية..
ويروي
الحديث "خير
الناس قرني
ثم الذين
يلونهم.."
ولكن
ما الذى
تدعونا إليه
هذه الحقيقة
التي لا ريب
فيها؟ إنها
تدعونا الى
أن نربط
عقولنا
وسلوكنا
برابطة
الولاء
للسلف
والإقتداء
بهم
والإنضباط
بقواعده في
فهم النصوص
والتفسير
بما اتفق
عليه جميعهم
وجلهم في
المبادئ
الإعتقادية
وفي الأحكام
السلوكية
ونبذ كل ما
يخالف ذلك
مما ابتدعه
المصلحون أو
الجاهلون..
فالسلفية
مصطلح طارئ
على تاريخ
الشريعة
الإسلامية
والفكر
الإسلامي
تندرج تحته
فئة معينة
تقف عند
حرفية
النصوص.
وقد
ورد في دائرة
المعارف
الإسلامية
في مادة "سلفية"
أنها حركة
إسلامية
ظهرت في
أواخر القرن
19 بمصر تهدف
الى إحياء
الإسلام
بالعودة الى
التقليد
الذى يمثله
السلف
الصالح رمز
الإيمان
البدائي..
وقد وجدت
السلفية في
الجزائر
تعبيراتها
وحلولها
الأتم
والأكثر
نجاعة ويعود
ذلك أساسا
الى المخاطر
التي كانت
تهدد الهوية
الوطنية
وشخصية
الشعب
الجزائري و"روحه"،
والدين
الإسلامي
والأخلاق
ونمط الحياة
واللغة
العربية
والثقافة
الكلاسيكية
قد ارتبط ذلك
بالوضع
الاستعماري
للجزائر
ووضعيتها
القانونية
الغامضة بما
هي جزء من
التراب
الفرنسي..
إن
ظهور
السلفية في
الجزائر قد
عد نتيجة
لزيارة محمد
عبده الى
عاصمتها
خلال شهر أوت
وسبتمبر 1903
حيث التقى
بممثلي
تيارات
النخبة
الجزائرية
الثلاث:
المحافظون
والتحديثيون
والأشخاص
ذوي الحالة
المدنية
الفرنسية.
ورغم
قصر هذه
الزيارة فقد
تركت أثرا
قويا ودائما
فقد بدا لهم
مربّيا
وداعية الى
الإيمان
والأمل
والجهاد فقد
عرض على
الأنتلجنسيا
الجزائرية
ما كانت تبحث
عنه: إمكانية
المصالحة
بين الدين
والتقدم،
بين التقليد
والتجديد مع
المحافظة
على الهوية
الوطنية..
وبعد عشر
سنوات من هذه
الزيارة
بدأت
النزعات
السلفية
تنتشر
وتتشكل خاصة
مع نشر "المنتقد"
سنة 1925 ثم "الشهاب"
على يد
عبدالحميد
بن باديس وقد
مثلت هذه
المجلة أهم
مجال
للسلفيين
المغاربة
يعرضون فيه
آراءهم حتى
نهاية
ظهورها سنة 1939
بل إن
مؤسسيها هم
من سيكونون
بعد ستة
سنوات نواة "جمعية
العلماء
المسلمين
الجزائريين".
ويعرف
محمد فتحي
عثمان
السلفية
بقوله "لقد
استجاب سلف
هذه الأمة
لدعوة
القرآن الى
التوحيد
الخالص في
عبادة الله
والإستعانة
به وجددوا ما
كان عليه رسل
الله
وأنبيائه
أجمعون وكل
أتباعه من
مؤمنين
فكانت عقيدة
السلف هي
أكبر تعريف
لها وبيان
لمضمونها،
هي هذا
التوحيد
الخالص
فتكون
الدعوة الى
الإقتداء
بالسلف دعوة
متجددة دوما
وهي على ذلك
دعوة ملائمة
لعصرنا ولكل
عصر..
فالدعوة
السلفية
موافقة لكل
زمان على
الدوام..
وهكذا اتخذت
كل دعوة
معاصرة
مخلصة
للإصلاح
السلفية
أساسا
ومنطلقا" [21]
ويرجع
فتحي عثمان
السلفية الى
ما قبل ابن
تيمية [متوفى
سنة 728 هـ]
ويعود
بجذورها الى
الطحاوي
المنسوب الى
قرية من صعيد
مصر
والمتوفى
سنة 321 هـ الذى
كتب كتابا في
العقيدة
السلفية عرف
بالطحاوية
وقد شرحه ابن
أبي العز [المتوفى
سنة 792 هـ] قاضي
القضاة
بدمشق
والقاهرة
وقد اعتبر
هذا الكتاب
مصدرا من
مصادر
العقيدة
السلفية
ومرجعا
اساسيا
لطلاب العلم..
وقد جاء شرح
كتاب
الطحاوي بعد
وفاة ابن
تيمية في نفس
المناخ
الديني
والفكري
والسياسي
الذى عاش فيه
ابن تيمية
وقد أورد
فتحي عثمان
أن الكتاب "قد
طبع أولا على
نفقة
عبدالعزيز
آل سعود مؤسس
هذه الدولة
ثم طبعته
أخيرا كلية
الشريعة
بجامعة
الإمام محمد
بن سعود
الإسلامية" [22]
أما
الوهابية
والتي يمكن
أن نعدها
حركة
الإصلاح
الأولى [ق18م]
فقد نشأت من
تظاهر
الفكرة
والحركة بعد
أن تعاهد ابن
عبدالوهاب
ومحمد بن
سعود على نشر
الدعوة في
شبه جزيرة
العرب "باللسان
عند من
يقبلها
وبالسيف عند
من لم يقبلها
وإذ ذاك دخلت
الدعوة في
دور خطير وهو
اجتماع
السيف
واللسان" [أحمد
أمين، زعماء
الإصلاح في
العصر
الحديث،
نقلا عن فتحي
عثمان] [23]
وعندما
أصبحت
الدعوة تمثل
تهديدا
للدولة
العثمانية
بعد أن قاربت
توحيد
الجزيرة تحت
رايتها طلب
السلطان
محمود من
والي مصر
محمد علي
إجهاض
الدعوة
والإطاحة
بدولتها.
ويجمع
محمد فتحي
عثمان في
كتابه آراء
المؤرخين
والمستشرقين
في ظهور
الحركة
الوهابية
ونجاحها، من
ذلك ما قاله
شكيب ارسلان:
"كان يخيل
للعالم
الإسلامي أن
الوهابيين
متدفقون على
الشرق تدفقا
وصانعون ما
شاء الله من
الإصلاح."
وقد
كانت
الوهابية في
منطلقها
تجديدا
للعقيدة
ومحاربة
للبدع ثم
أصبحت حركة
إصلاح شاملة
إذ لم تقف
عند حدود
الدعوة
التجديدية
بل ذهبت
فأقامت لها
دولة
إسلامية
عربية فكان
ذلك على
الجبهة
السياسية
تحديا لما
يمثله
العثمانيون
في واقع
الأمة خاصة
وأنها كانت
تقول بقرشية
الخليفة
وموقف كهذا
يعد تحديا
لمشروعية
خلافة آل
عثمان على
المسلمين
وعلى العرب
تحديدا. وفي
مرحلة ما بين
ظهور
الوهابية
وانطلاقة
الحركة
الإصلاحية
على يد
الأفغاني
وعبده ظهرت
في بيئات
محلية أخرى
حركات تجديد
وجهاد قامت
هي الأخرى
على قاعدة
محاربة
التقليد
والخرافة
ومناهضة
الإستعمار
الغربي
والإستبداد
العثماني
ولعل أبرزها
الحركة
السنوسية في
ليبيا نسبة
الى الإمام
محمد بن علي
السنوسي [1787-1859]،
والحركة
المهدية في
السودان،
غير أنه لا
يبدو من
الناحية
التاريخية
أن لهذه
الحركات
السلفية
والإجتهادية
دور في ظهور
الحركة
الإصلاحية
أو ما عرف
بتيار
الجامعة
الإسلامية
وجماعة
العروة
الوثقى ذلك
أن الحركة
السلفية لا
ترى التقاء
الشرق
بالغرب إلا
في شكل
مواجهة بين
المجتمعات
الإسلامية
والتأثيرات
الغربية ولا
خلاص من هذه
المواجهة
إلا بالعودة
الى الأصول
الصافية
للإسلام كما
جاء في البدء.
أما
الحركة
الإصلاحية
فهي قول يقول
بالجمع بين
أصول الدين
الإسلامي
والمواكبة
لتطور
الحضارة
الغربية من
دون أي تناقض
بين التراث
والمعاصرة
أو الأصالة
والحداثة
وبذلك يكون
فكر الحركة
الإصلاحية
محاولة
توفيقية.
ويختزل
الدكتور
عبدالمجيد
النجار
المشاريع
التي عرفتها
المنطقة
العربية
الإسلامية
على امتداد
القرنين
الفارطين في
ثلاثة
مشاريع كبرى
وهي "
المشروع
السلفي الذى
يضم كل من
الحركة
الوهابية
والسنوسية
والمهدية،
ومشروع
التحرر الذى
يجمع أعلاما
من المصلحين
والحركات
والذى يمثله
على وجه بارز
الطهطاوي
والأفغاني
ومحمد عبده
والكواكبي
وخيرالدين
التونسي
وابن باديس،
ومشروع
الإحياء
الإيماني
الشامل الذى
يمثله
بالأخص
الإخوان
المسلمون
والجماعة
الإسلامية
في شبه
الجزيرة
الهندية" [24].
الفصل
الثاني: مالك
بن نبي في
مواجهة
الحركتين
الإصلاحية
والتحديثية
في نفس الوقت
1-
نقد الحركة
الإصلاحية:
يرجع
مالك بن نبي
أسباب ظهور
الحركة
الإصلاحية
في شكلها
الحديث الى
الإتصال بين
أوروبا
والعالم
الإسلامي.
وهو
يثني بصفة
غير مباشرة
على الدور
الأوروبي في
يقظة العالم
الإسلامي
رغم أنها لم
تقابله
بأحسن
وجوهها بل
بأقبحها وهو
وجهها
الاستعماري
الذى لا يرى
الشعوب
الأخرى "سوى
سلم الى مجده"
[25]، ورغم
ذلك فإن هذا
الإتصال لم
يكن شرا كله
بل إن
الأوروبي "قد
قام منذ
قرنين بدور
نافع في
تاريخ
العالم"
والعالم
الإسلامي
جزء منه
ولولا هذا
الحافز
المستفز لما
تحركت همة "إنسان
ما بعد
الموحدين"
ولظل على
سكونه يغط في
سباته
العميق.. فقد
وعى إمكانات
يقظته بما
فتح عليه
بصره
وبصيرته من
منجزات
الحضارة
الغربية
ونمطها
وقوانينها
فمن جهة لم
يعد ممكنا أن
نبقى على
الحال الذى
هو عليها من
الهوان
والتخلف ومن
جهة ثانية
فإن تقدم
الغرب
يدعونا الى
التفكير في
أسباب
التقدم
والتأخر
وتقدم له
تجربة يمكن
احتذاؤها أو
الاقتباس
منها.
"لقد
وجد المسلم
أن عليه أن
يبحث عن
أسلوب في
المعيشة
يتفق وشرائط
الحياة
الجديدة في
المجالين
الخلقي
والاجتماعي"
[26]
ولكن
الغرب
بحقيقته
الحضارية أو
بوجهه
الإستعماري
ما كان
باستطاعته
أن يحيي
العظام وهي
رميم، ولأن
بن نبي لم
يشأ أن
يتجاهل دور
الحركة
الوهابية
باعتبارها
أول من أوقد
شرارة
الإصلاح قبل
أن يخبو
بريقها.
إذا
نظرنا من
الناحية
التاريخية
نجد أن مالك
بن نبي كان
من الأوائل
ممن كتبوا عن
الحركة
الإصلاحية
والتجديدية
وقيّم
فكرهما
وأداءهما
ونقد
تجربتهما،
وإذا كان قد
عرف
الإصلاحية
السلفية
الجزائرية
مباشرة من
خلال
الإتصال
برموزها
الذين تتلمذ
على أحدهم
فقد كان يقرأ
صحف
الإصلاحيين
وخاصة "الشهاب"،
والمرجح أنه
اتصل بأفكار
الحركة
الإصلاحية
بأحد طريقين:
-
عن طريق
جمعية
العلماء
الجزائريين
ورموزها
وصحفها
-
عن طريق بعض
المستشرقين
الذين كان
لهم اهتمام
بفكر
الأفغاني
وعبده
ونشاطهما
وخاصة
المستشرق
الانكليزي "جب"
صاحب كتاب "الإتجاهات
الحديثة في
الفكر
الإسلامي"
وقد أشار
إليه بن نبي
في أول
الكتاب وردّ
على موقفه من
الأفغاني في
الفصل
الثاني.
وعلى
الرغم من أن
مالك بن نبي
كان يتابع
بدقة
الظواهر
الإجتماعية
والفكرية،
والتطورات
الإقتصادية
والسياسية
والثقافية [حتى
أنه يذكر أنه
شاهد شريط
الوردة
البيضاء
عندما تم
عرضه في
قسنطينة
لأول مرة رغم
اعتراضه على
مضمونه] فإنه
لم يخصص في
كتاب "وجهة
العالم
الإسلامي"
حيزا مهما
إلا للحركة
الإصلاحية
والسلفية
لأنها ربما
الوحيدة
التي لفتت
انتباهه –دون
أن نغفل
تأثير إقبال-
وقدر أن لها
تأثيرا
تاريخيا وقد
شقت طريقها
وسط تناقضات
الواقع
الإسلامي
والعربي آخر
عهد الدولة
العثمانية
وأول العهد
الاستعماري.
ومهما
كانت هنات
الحركة
الإصلاحية
فقد أتت
بالجديد
ونفضت
الغبار عن
الأصول
الإسلامية
التي حجبتها
التقاليد،
وحركت
السواكن
التي خدرتها
الطرق
والزوايا
وأيقظت
العقول بعد
أن عششت فيها
الخرافة،
ولعل هذا
الجانب هو
الذى حبب
الحركة
الإصلاحية
الى نفس مالك
بن نبي إذ
رأى فيها
حركة تنوير
لا بد منها
للنهوض،
ورأى فيها
تأكيدا
لفاعلية
الفكرة
الدينية.
ولكن ذلك لم
يعفها من
الإخفاق في
ترتيب
الأولويات
والوقوع في
النخبوية إن
جاز التعبير
إذ أن إعادة
صياغة علم
الكلام ليس
إلا ترفا
فكريا وأثرا
من آثار زمن
ولّى وانقضى.
ولأنه
لا سبب ظاهر
بين الحركات
الإصلاحية
وبين العامل
الخارجي،
ولا صلة
مؤكدة بين
دعوة ابن
عبدالوهاب
وبين حركة
الأفغاني
سوى أن
إرهاصات
تحول تاريخي
وانبثاق روح
جديدة من
أعماق
الإنحطاط
حيث يتصل
الفكر
بالفكر في
طبقات جوفية
لحضارة
أصابها
الوهن
والفتور
ولكنها لم
تمت: "لسوف
نجد أن
الحركات
التاريخية،
ستولد عما
قريب من ذلك
البحث
الغامض الذى
امتزج بقلق
قديم خلفته
في الضمير
الإسلامي
منذ قرون كتب
ابن تيمية،
وهي الحركات
التي ستخلع
على العالم
الإسلامي
صبغته
الراهنة" [27]
يجعل
مالك بن نبي
من ظهور جمال
الدين
الأفغاني
ظهور "المثقف"
وهو
بالتأكيد
ظاهرة
حديثة، ولا
ندري هل أنها
فكرة مبتكرة
من بن نبي
تنم عن دقة
ملاحظة
وتمييز أم
أنه
استعارها من
كتابات
المستشرقين.
وبالتأكيد
فإن
الأفغاني لم
يكن فقيها
ولا محدثا
يزاول دروس
الفقه
والحديث في
المسجد
وإنما هو
مثقف موسوعي
يمارس
التوعية
والتحريض في
المقاهي
والمنتديات
والصحف وكما
ظهر بصحبته
عبده، سيظهر
بعده رموز
فيهم شيء منه
كرشيد رضا
وحسن البنا
وعبدالعزيز
الثعالبي
وابن باديس
وعلال
الفاسي.
تحرك
الأفغاني
على جبهتين
جبهة النضال
السياسي قصد
الإطاحة
بالحكومات
الفاسدة
وجبهة الفكر
والنضال
الإيديولوجي
لمواجهة "المستغربين"
بتعبير هشام
شرابي ولم
يخف بن نبي
إعجابه
بشخصية
الأفغاني
ولكنه لم
يتردد في
إصدار حكمه
الصارم في
شأنه فهو في
تقديره "لم
يقصد الى
إصلاح
الإنسان
الذى صاغه
عصر ما بعد
الموحدين" [28]
إذا
اعتقد
الأفغاني أن
المشكلة في
تغيير
الهياكل
السياسية
عوض صياغة
الأفراد
صياغة جديدة
مثلما صاغهم
الإسلام
الأول "فإذا
كان جمال
الدين باعث
الحركة
الإصلاحية
ورائدها وما
زال بطلها
الأسطوري في
العصر
الحديث فإنه
لم يكن في
ذاته "مصلحا"
بمعنى
الكلمة" [29]
-
موقع بن نبي
من الحركة
الإصلاحية
يقول
مالك بن نبي "كنت
دائما وطني
النزعة."
عندما
بلغ بن نبي
الخامسة
والعشرين من
عمره كان
الاستعمار
الفرنسي
يحتفل بمرور
مائة عام على
احتلال
الجزائر. "إن
احتلال
فرنسا
للجزائر في
سنة 1830 كان في
واقع الأمر
نتيجة لتوسع
الاستعمار
الأوروبي
الذى كان
يهدف الى
السيطرة على
الأسواق
العالمية
وتسهيل
عملية
الإستيراد
والتصدير
وفي الوقت
نفسه
استغلال
المستعمرات
الجديدة" [30]
وقد
كانت
الجزائر ذات
أهمية خاصة
بالنسبة الى
فرنسا وهي لم
تحتلها
لتخرج منها
فهي قاعدة
متقدمة في
المشروع
الإستعماري
ولولا
الإسلام لما
بقيت
الجزائر
عربية ولقد
كان لهزيمة
فرنسا في حرب
1870 ضد ألمانيا
التي تخلت
فيها عن
مقاطعتي
الألزاس
واللوران
بعيد الأثر
على سياسة
فرنسا
الإستعمارية،
فمن جهة كان
عليها أن
تجعل من
بقائها
تعويضا
لخسارتها،
وكان من
أهدافها
استعادة
هيبتها.
وقد
انطلقت
المقاومة
الجزائرية
للإستعمار
الفرنسي منذ
اللحظة
الأولى التي
وطئت فيها "أقدام
أول جندي من
جنود
الإحتلال
الفرنسي أرض
خليج سيدي
فرج في صائفة
1830" [31]
ولم
تتوقف تلك
المقاومة
وظلت بين مد
وجزر وكر وفر
ولكنها لم
تنجح في طرد
المستعمر
بسبب اختلال
موازين
القوى "والتفاوت
الرهيب في
مستوى
التقدم
العلمي
والتقني..
والبون
الشاسع في
أساليب
التنظيم
والعمل وطرق
تسيير
الموارد
والطاقات
وتنسيق
الجهود ورسم
الغايات" [32]
لم
تعرف
الجزائر
الدولة-الأمة
بسبب عدم
توفر الشروط
التاريخية
لذلك وقد
ساهم الوجود
العثماني في
الجزائر
لدفع الخطر
الإسباني
منذ 1514 في ظهور
الوطنية
الجزائرية
على المدى
البعيد لذلك
يمكن إرجاع
الباعث
الأساسي
لولادة
الوطنية
الجزائرية
الى هزيمة
المقاومة
فعلى إثرها
انقسم الشعب
بين مسلم
بالأمر
الواقع مقر
بالهزيمة
قابل
بنتائجها
راض
بالذوبان
والإندماج
في حضارة
الغالب
وقيمه ونظمه
ومؤسساته..
وبين متحصن
بعناصر
هويته.
وقد
ظهر في
الجزائر
تيار
اندماجي
وتيار وطني
لا يختلفان
فقط حول
الموقف من
الإستقلال
بل بالدرجة
الأولى حول "الخلفية
الإيديولوجية
التي يقوم
عليها ذلك
الموقف، أي
التصور الذى
يحمله كل
تيار عن
الكيان
الجزائري" [33].
وقد
مرت السياسة
الإستعمارية
في الجزائر
بمرحلتين
مرحلة أولى "عمل
فيها
الإستعمار
الفرنسي على
تحطيم
النظام
الإقتصادي
والإجتماعي
للأهالي وفي
المرحلة
الثانية
حاول إدماج
الجزائر في
فرنسا"
وأدى
ذلك الى تحول
إيديولوجي
من
الإصلاحية
الى الخيار
الثوري وقد "شهدت
الفترة
الممتدة بين
1910 و1954 ظهور
حركة وطنية
عصرية اتخذت
من المدن
قاعدة
لنشاطها" [34]
وقد
واكب بن نبي
هذه الفترة
من قريب
عندما كان في
الجزائر
وتابعها
باهتمام
عندما كان
موجودا خارج
البلاد.
أما
المرحلة
الثانية من 1954
الى 1962 فقد
كانت مرحلة
حاسمة من
النضال
الجماهيري
والكفاح
المسلح أدت
الى استقلال
الجزائر..
ولن نتحدث عن
الحركة
الإندماجية
وإيديولوجيتها
ولا عن
إيديولوجية
جبهة
التحرير
الجزائرية،
لأن الأولى
خارج موضوع
دراستنا وقد
كانت مرفوضة
من طرف بن
نبي من ناحية
أسلوبها
وأهدافها
وغايتها،
أما الثانية
فقد عرفت
مجدا بعد
ظهور كتاب "وجهة
العالم
الإسلامي"
الذى يتحدث
فيه بن نبي
عن الحركة
الإصلاحية
وبعد كتاب "شروط
النهضة"
الذى يقدم
فيه خيارات
جمعية
العلماء
وتطور
علاقاتها
بالواقع
الجزائري.
وقد
جاء في دائرة
المعارف
الإسلامية
في مادة "سلفية"
بأن "من بين
كل بلدان
المغرب، فإن
الجزائر هي
المكان
الوحيد الذى
وجدت فيه
الإصلاحية
السلفية
تعبيرها
وحلولها
الأتم
والأكثر
فاعلية"
ويفسر ذلك
بالمخاطر
الحقيقية
التي كانت
تهدد الهوية
الوطنية
وشخصية و"روح"
الشعب
الجزائري
والدين
الإسلامي
والأخلاق
ونمط الحياة
إضافة الى
اللغة
العربية
الكلاسيكية"
وقد كان
الشعور بهذه
المخاطر
بالغ الجدية"
[35]
وقد
كانت افكار
محمد عبده
الذى زار
الجزائر
مرتين
أولاهما في 1903
وأفكار
تلميذه رشيد
رضا نافقة في
الجزائر إذ
تلقتها
نخبتها
الإصلاحية
بدون تحفظ
وجعلت منها
إيديولوجيتها
ومادتها
التربوية
والتأطيرية
ووقود
للمواجهة
الثقافية
والسياسية
ضد
الإستعمار
والإندماجيين
والطرقية.
يقول الشيخ
البشير
الإبراهيمي
"كان من
نتائج
الدراسات
المتكررة
للمجتمع
الجزائري
بيني وبين
ابن باديس
منذ
اجتماعنا
بالمدينة
المنورة [1913] أن
البلاء
المنصب على
هذا الشعب
المسكين آت
من جهتين
متعاونتين
عليه..
استعمار
مادي هو
الإستعمار
الفرنسي
يعتمد على
الحديد
والنار
واستعمار
روحاني
يمثله مشايخ
الطرق
المؤثرون في
الشعب
والمتغلغلون
في جميع
أوساطه،
المتاجرون
بالدين
المتعاونون
مع
الإستعمار
عن رضا
وطواعية" [36]
وقد
كانت الصلات
الفكرية
والشخصية
وثيقة بين
زعماء جمعية
العلماء
الجزائريين
وبين رجالات
حركة
الإصلاح
وعلى راسهم
عبده ورشيد
رضا وكان
يطلق على
صحيفة "الشهاب"
لسان
الجمعية
وأبرز منبر
للسلفية
المغاربية "منار
المغرب".
وقد
كان لبن نبي
نزعة
تطهيرية
ريبية تجاه
الإنخراط في
المطلبية
والعمل
السياسي
ويعتبر ذلك
من زلات
العلماء،
ولم يكن
تحفظه
منطلقا من
فراغ فقد "بقيت
جمعية
العلماء
المسلمين
الجزائريين
تشغل وضعا
يكتسي شيئا
من
الخصوصية،
فهي بحكم
أفكارها
ومبادئها
وشعاراتها
تعتبر فصيلا
أصيلا من
صميم التيار
الوطني
الاستقلالي
لكنها من حيث
الممارسات
والمواقف
كانت تجد
نفسها في
كثير من
الأحيان
بجانب
التيار
الإندماجي
الإصلاحي" [37].
هذه
الإزدواجية
التي
اعتبرها
النحناح
محيرة في بعض
الأحيان
وأرجعها الى
طبيعة
التكوين
الإسلامي
التقليدي
لرموزها
والمنتسبين
إليها،
رفضها بن نبي
ورفض مبدأ
انخراط
العلماء في
المناورات
السياسية
والعمليات
الإنتخابية
وعدّ ذلك
نكسة بعد أن
رأى نشاطها
الثقافي
والتربوي
والإجتماعي
نهضة واعدة"
وخلال العصر
الذهبي الذى
بدأ عام 1925
واستمر حتى
زوال
المؤتمر [1936]
الذى مات في
مهده، كنا
نشعر
بالنهضة"[38]
"فقد
كان على
الحركة
الإصلاحية
أن تبقى
متعالية على
أوحال
السياسة
والمعامع
الإنتخابية
ومعارك
الأوثان،
ولكن
العلماء
آنذاك قد
وقعوا في
الوحل".
ويشير
بن نبي الى
حسن طوية
العلماء
ونواياهم
الطيبة
وبراءة
مقصدهم غير
أنهم وقعوا
في أحبولة
المستعمر "يجب
أن لا يغرب
عن بالنا أن
الحكومة
الإستعمارية
كانت هي
السبب
الخارجي
لتلك الخطوة
التي خطاها
العلماء نحو
السراب"
يرى
بن نبي أن
التغيير لكي
يكون نهوضا
حقيقيا
ينبغي أن
يكون قاعديا
يقوي لحمة
الشعب
ويجعله
كالبنيان
المرصوص
بتوجهه نحو
أهدافه
السامية صفا
واحدا يغير
من سلوكياته
ومن ذهنياته
حتى يعطي
أفضل ما فيه
وهو يرى في
الحياة
السياسية
إخراجا
جديدا
لمظاهر
التخلف
القديم،
فالأحزاب
زوايا جديدة
والساسة
دراويش جدد
والبيانات
الإنتخابية
والمطالب
السياسية
تمائم وحروز
تعاضدها
ثقافة
الإنحطاط
الوافدة من
مصر [الفاروقية]،
ويسمي بن نبي
كل ذلك وثنية
جديدة أي
بتعبير محمد
قطب جاهلية
القرن
العشرين،
فيقول "إن
جوهر
المسألة هو
مشكلتنا
العقلية
ونحن لا زلنا
نسير
ورؤوسنا في
الأرض
وأرجلنا في
الهواء وهذا
القلب
للأوضاع هو
المظهر
الجديد
لمشكلة
نهضتنا. وكما
عاب بن نبي
على
الأفغاني
جنوحه
السياسي،
رفض انزلاق
جمعية
العلماء
الجزائريين
في نفس
الطريق مع
فارق أنه كان
فردا متعدد
المواهب
وأنها كانت
حركة
متذبذبة بين
مبادئها
ومقتضيات
الواقع.
وقد
أراد بن نبي
أن يتجاوزها
من ناحية
أفقها
الفكري
والسياسي
إدراكا منه
أنها لن
تستطيع
الوقوف في
منتصف
الطريق بل
ستواصله في
الإتجاه
الخطأ،
مقترحا
التواصل
بطريقة
مختلفة عنها
مع الواقع
ومع التراث،
مخالفا
إياها في
مقاربتها
للمسألة
الحضارية
والظاهرة
الإستعمارية.
لذلك هو في
تواصل وثيق
معها من
ناحية
الأرضية وفي
قطيعة عميقة
مع أفقها.
وإن
نقده
لطرائقها
ومنهاجها
يمكن أن
يجعله جسرا
بينها وبين "الإحيائية
الإيمانية
الشاملة"
بتعبير
الدكتور
عبدالمجيد
النجار، كما
يدل على ذلك
الفصل
الأخير من
كتابه "وجهة
العالم
الإسلامي"
إذ رأى في
هذا التيار
بارقة أمل
بسبب توجهه
الإجتماعي
الحركي ووعي
قيادته
برهانات
الحاضر
والمستقبل
وتجاوبه مع
ضمير الأمة
وانتظاراتها.
غير أن مالك
بن نبي مثلما
كان شديد
التفاؤل
باليقظة
التي
أحدثتها
نكبة فلسطين
كان بعيدا عن
توقع حدود
المشروع
الوطني الذى
سيكرر خطأ
جمعية
العلماء، لا
من موقع
التحرير بل
من موقع
السلطة.
يهتم
مالك بن نبي
بالمجتمع
المدني أكثر
من اهتمامه
بالمجتمع
السياسي وهو
يعتبر حيوية
المجتمع
المدني
وتحركه نحو
غاية سامية
مقياسا
لخروجه من
التخلف
والإنحطاط
ودخوله
للحضارة.
وقد
لاحظ برينو
ايتيان "أن
الإسلام كان
يشكل العنصر
الأساسي
الموحد
للشعب
الجزائري،
إذ أن الدين
كان بمثابة
الوعاء الذى
تصب فيه قيم
المقاومة،
لقد سجل هذا
النوع من
المقاومة
تحول
المجتمع
الجزائري من
شكله القبلي
الى وضعية
يمكن
تسميتها
بالطبقة-الأمة
class-nation
[39]
فالعمل
السياسي
المباشر
ينبغي أن
يكون لاحقا
لا سابقا
فالعمل
القاعدي
المتمثل في
التثقيف
الصحي وبناء
المدارس
وتكوين
الجمعيات
الخيرية
والتوعية
الدينية أهم
من
الإنتخابات
والمهرجانات
الإنتخابية
والمطالبة
بالحقوق
السياسية "وكانت
الأمة تقدم
تضحياتها
لبناء
المدارس
والمساجد من
أجل البعث
الفكري
والبعث
الروحي
الذين هما
عماد كل
حضارة في
سيرها
الحثيث..
وكنت تشاهد
حركات الهدف
منها إزالة
كل منكر لا
تقبله
العقيدة ولا
يقبله الذوق
العام" [40]
هذا
الميل الى
الإصلاح
الإجتماعي
رآه بن نبي
في اتجاه
محمد عبده
ورأى فيه
تقويما
للإختار
الثوري الذى
انتهجه
الأفغاني
وتمنى لو أن
جمعية
العلماء
تثبت عليه
عوض ان ترتد
على عقبيها
وتعود الى
نقطة
البداية أو
ربما تحرق
المراحل
وتقفز في
الفراغ "فبعد
أن أدرك محمد
عبده حقيقة
المأساة
الإسلامية
وجد من
الضروري أن
ينظر إليها
كمشكلة
اجتماعية
على حين أن
أستاذه
الأفغاني قد
تناولها من
الزاوية
السياسية" [41].
غير أن غلطة
محمد عبده
الأساسية
كانت في
تركيزه
جهوده
الفكرية على
"إصلاح علم
الكلام"
فالحركة
الإصلاحية
تخرج عن جادة
الطريق في
اتجاهين
يرفضهما
مالك بن نبي،
فهي إما أن
تتجه يمينا
نحو الجدال
الكلامي
وتسقط في
النخبوية
بعيدا عن
هموم الناس
وواقعهم أو
تنحرف شمالا
باتجاه
المناورات
السياسية
وتسقط في
الغوغائية.
وفي كلتا
الحالتين
تكون عامل
فرقة وتقهقر
عوض أن تكون
عامل اتحاد
وتقدم،
فالجدل
الكلامي
يقسم الأمة
الى فرق
متجادلة
والمعمعة
السياسية
تحول الشعب
الى مجموعات
متنازعة
تلهث وراء
السراب.
فالمشكل
ليس مشكل
عقيدة لأن
المسلم بما
في ذلك مسلم
ما بعد
الموحدين
لم يتجرد من
عقيدته،
ولكن عقيدته
تجردت من
فاعليتها [42]
ومشكلة
المسلم ليست
في المطالبة
بالحقوق بل
في أداء
الواجبات "وهكذا
عادت
أدراجها
ميممة وجهها
شطر السراب
السياسي حيث
تتوارى من
ورائها
بوارق
النهضة
والتقدم" [43]
هكذا
يظهر بجلاء
استياء بن
نبي مما آل
إليه أمر
الحركة
الإصلاحية
في الشرق وفي
الجزائر
بسبب عدم
إدراكها
حقيقة
التحدي
الحضاري
ومتطلبات
مجتمع ما بعد
الموحدين
فانزلقت نحو
الجدل
الكلامي
وهرولت نحو
العمل
السياسي
وأهملت
الفرد الذى
ينبغي
توعيته
بواجباته
عوض إغرائه
بالمطالبة
بالحقوق لأن
الواجب وحده
هو الذى
يحوله من
قاصر الى
رشيد وكأنما
هي دعوة
كانطية الى
أن يأخذ
الإنسان
بزمام مصيره
ويخرج من
عجزه وقصوره.
2-
نقد الحركة
التحديثية
إن
مالك بن نبي
لم يشمل
بنقده حركة
الإصلاح
وحدها بل شمل
تيار
التحديث
الذى وإن عده
أقليا
ونخبويا فقد
اعتبره ايضا
رافدا من
روافد حركة
النهضة وإذا
كان من الصعب
أن نقول أن
مالك بن نبي
قد وقف على
نفس المسافة
بين
الفريقين
فإنه على
الأقل يمكن
الجزم بأن
موقفه من
الإصلاحية
ليس القبول
دون تحفظ ومن
التحديثية
ليس التحفظ
دون مبرر.
أما
تطور موقف بن
نبي في
كتاباته
الأخيرة فقد
اتجه نحو
تجذير النقد
تجاه
التحديثية
التي تغلغلت
في النسيج
الثقافي
وسيطرت في
الميدان
السياسي
ومزيد من
الإقتناع
بأهمية
الدور الذى
قامت به
الإصلاحية
والسلفية
مشرقا
ومغربا
وتلازم هذا
التطور مع
تجذير
الموقف من
الغرب،
الشيء الذى
يجعل بن نبي
قريبا في هذه
النقطة من
الإحيائيين.
يقول
هشام جعيط في
مقال متميز: "تتطلب
خيبة أمل
الطبقة
المثقفة
إزاء
السياسة
توظيفا أشد
كثافة في
الحقل
الثقافي،
فمنذ أكثر من
عشر سنوات،
منذ
الإنهيار
الفعلي
ليوتوبيا
القومية
الوحدوية
ونحن نشهد
بشكل عام
صعودا قويا
للثقافي في
المجتمع
العربي يمكن
ترجمته
بعاملين:
تعمق
الإتجاه
التأملي
وصعود
النزعة
الإسلاموية"
[44]
واللافت
أن هذا
المقال كتب
سنة 86، أي
سنوات بعد
فشل الوحدة
التونسية
الليبية
وبعد قيام
الثورة
الإيرانية
وزيارة
السادات
للقدس وفشل
الوحدة
المغربية
الليبية،
ولكن سنوات
قبل دخول
الجيش
العراقي في
الكويت
وتداعيات
ذلك.
وجدير
بالملاحظة
أنه يرى في
ما أسماه
النزعة
الإسلاموية
بعدا ثقافيا
غالبا
سيتراجع
لاحقا
لفائدة
البعد
السياسي.
لا
ينكر مالك بن
نبي فضل
أوروبا في "يقظة
إنسان ما بعد
الموحدين": "وبذلك
شعر إنسان ما
بعد
الموحدين،
كما شعر بوذي
الصين
وبرهمي
الهند، بهزة
انتفض بعدها
مستيقظا" [45]
ولأن
مالك بن نبي
يتحدث عن
وجهة العالم
الإسلامي
بأسره لا
حركة النهوض
في المنطقة
العربية
وحدها، فإنه
لم يستطع أن
يتجاهل
الرافد
التحديثي في
حركة النهضة
خاصة في
المناطق
التي سبق
فيها ظهور
الأفكار
الحديثة
ظهورها في
المشرق
والمغرب
العربيين،
وينظر بن نبي
الى
الإصلاحية
والتحديثية
كإجابتين
مختلفتين
على نفس
السؤال وعلى
نفس التحدي
إذ أن
مشروعيتهما
تستمد من ذات
السؤال
والتحدي.
غير
أن التاريخ
سيحكم
عليهما بحسب
ما يقترحان
من الحلول
التي سينظر
الى أحدهما
بأنه قاصر
والآخر بأنه
مستورد: "هذه
الحركات قد
صدرت عن
تيارين: تيار
الإصلاح
الذى ارتبط
بالضمير
المسلم
وتيار
التجديد وهو
أقل عمقا
وأكثر
سطحية، وهو
يمثل مطامح
طائفة
اجتماعية
جديدة تخرجت
من المدرسة
الغربية" [46]
ومقارنة
بأحمد خان
يعتبر مالك
بن نبي موقف
الأفغاني "رجعيا"
غير أنه
يفترض أنه
إيجابي إذا
نظرنا إليه
من ناحية
العلاقة
الجدلية بين
الفعل ورد
الفعل التي
تثمر تعديلا
في المسار.
فجوهر
الموقف
محافظ أما
أثره فقد
يكون خطوة في
الإتجاه
الصحيح..
هناك
عنوان بالغ
الدلالة عن
تطور الموقف
"الحلول
المستوردة
وكيف جنت على
أمتنا" [47]
وفي
الحقيقة فإن
مالك بن نبي
تفطن الى أنه
ربما يكون قد
غبط الحركة
الإصلاحية
حقها عندما
ركز في
البداية على
نواقصها
وحدودها إذ
أن السلبيات
يمكن أن تطغى
على
الإيجابيات
إذا ما تم
إبرازها
والتأكيد
عليها ولو
بغاية تحديد
مواطن الضعف
والخلل من
أجل تجاوزها
وتخطيها
وتصحيح
المسار،
خاصة
بالنسبة الى
حركة كأنما
نشأت من عدم،
إذ لاح فجرها
بعد ليل طويل
لذلك رأى بن
نبي أنه من
الإنصاف
وموضوعية
التقييم لفت
الإنتباه
الى ضخامة
الجهد
المبذول من
رواد
الإصلاح
وخاصة
الأفغاني
وعبده وهو
جهد لا يقدر
حق قدره إلا
باعتبار
العوائق
والعراقيل
من موروث
خرافي
وأسطوري
وذهنية
سلبية
تواكلية
ومؤسسات طغى
عليها
الجمود
والتقليد
وصارت
معادية لكل
جديد، يقول
بن نبي: "إن
تلخيصنا هذا
النقد يوشك
أن لا يطلعنا
إلا على
نقائص حركة
الإصلاح
وربما فقدت
بذلك قيمتها
الاجتماعية
إن لم تفقد
قيمتها
التاريخية" [48].
فمع
نقد العقل
الإصلاحي
قام بن نبي
بتحديد
مستويات
الخلل وهي
متوزعة على
الفرد
والفكر
والمؤسسة
والثقافة
بما يقتضي أن
يكون الجهد
الإصلاحي
شاملا
وعميقا بل هي
مهمة نخبة
وجيل: "ولقد
كان الشيخ
محمد عبده
يواجه وحده
هذا العبء في
عصره" [49].
ومثلما يقصر
جهد الفرد في
المشرق عن
النهوض
بالمهمة
التاريخية
الكبرى كذلك
الحال في
المغرب: "ولقد
قام بتلك
المهمة على
خير وجه
الشيخ "عبدالحميد
بن باديس"
فاستطاع أن
يخلص
الجزائر من
تلك
التقاليد
الزائفة...
ولكن فردا
واحدا يعجز
عن القيام
بتلك المهمة
وحده"[50].
فأين
هي النخبة
التي ستنجز
مهمة
التنوير
والتحرير؟
وهل ثمة شروط
تاريخية
لظهورها أم
أن وطأة
التقاليد
وطبيعة
الثقافة
السائدة
ستجعلها
دائمة
التخبط في
الجدل
العقيم تجتر
الأفكار
الميتة
وتجدف خارج
التاريخ؟
وعلى أية حال
فإن الحركة
الإصلاحية "نجحت
في إزالة
الركود الذى
ساد مجتمع ما
بعد
الموحدين
حين أقحمت في
الضمير
الإسلامي
فكرة مأساته
المزمنة وإن
كان ذلك قد
اقتصر على
المجال
العقلي.."
فإذا ما أريد
للنهضة أن
تبرز الى
عالم الوجود
فإن علينا أن
نواجه مشكلة
الثقافة في
أصولها [51].
وموضوع
الثقافة
يوليه مالك
بن نبي
اهتماما
كبيرا في
فكره وكتبه
وليس هو مجال
هذه الدراسة
فنكتفي فقط
بالإشارة
الى أنه خصص
للموضوع
محاضرة
بعنوان "مشكلة
الثقافة"
أكد فيها "أن
فعالية
الفرد
ولافعاليته
ناتجان عن
نوعية
الثقافة وأن
هذه الأخيرة
مرتبطة
بالبيئة
أكثر من
ارتباطها
بالمدرسة
ونحن لا
نتلقاها بل
نتنفسها
ونتمثلها" [52].
ويقول
بن نبي: "ونحن
عندما نشاهد
خرقا في كساء
أحد
المتسولين
يجب أن نشعر
بوجود خرق في
ثقافتنا
وعندما نسمع
صوتا ناشزا...
علينا أن نحس
بوجود تمزق
في ثقافتنا" [53].
فهل كان
بإمكان
الحركة
التحديثية
أن تنجز
المهمة
التاريخية:
مهمة
التنوير
وإعادة
صياغة
المضامين
الثقافية
والقيم
الحضارية؟
لقد
خرجت الحركة
التحديثية
من رحم "المدرسة"
التي جلبها
الإستعمار
معه بغاية
إدخال عناصر
جديدة الى
الثقافة
والحياة في
البلاد
المستعمرة،
يقول بن نبي
مقارنا بين
المدرستين
الإصلاحية
والتحديثية:
"ولئن تمكنت
الأولى من
قطع الصلة
بماضي ما بعد
الموحدين،
فإن الثانية
قد أحدثت
اتصالا
معينا
بالفكر
الغربي" [54].
هذه
الصورة التي
قدمها بن نبي
لئن أوحت
بتكامل بين
الإتجاهين
فإنها في
الحقيقة تنم
عن انعدام في
التوازن: "فالخطأ
الذى وقع فيه
المحدثون
ودعاة
الإصلاح
ناتج عن أن
كليهما لم
يتجه الى
مصدر إلهامه
الحق،
فالإصلاحيون
لم يتجهوا
حقيقة الى
أصول
التفكير
الإسلامي
كما أن
المحدثين لم
يعمدوا الى
أصول الفكر
الغربي"[55].
ويبدي
بن نبي كثيرا
من الأسف أن
النخبة
التحديثية
لم تتعمق في
حقيقة
الحضارة
الغربية فقد
توقفت عند
مظاهرها
ونتائجها
دون أن تعيها
في مسارها
وروحها وهذا
يذكرنا بقول
العروي أن
أزمة
المثقفين
العرب أزمة
تاريخية
فالمسلم لم
يكتشف إلا
غلاف
الحداثة
وقشورها ولم
يفهم مسار
التحديث
وخلفيته
الفلسفية
وابعاده
القيمية
والأخلاقية
والإبستيمولوجية.
"فمن الوجهة
العامة ترى
أن الطالب
المسلم لم
يجرب حياة
أوروبا، بل
اكتفى
بقراءتها أي
أنه تعلمها
دون أن
يتذوقها"[56].
ورغم
ذلك يقر مالك
بن نبي أنه
كان لهذه
النخبة فضل
إثارة
النقاش وطرح
الأسئلة عن
صلاحية
الموروث
ووجاهة
الوافد
الجديد "فإنها
قد خلقت بما
جلبت من
الغرب تيارا
من الأفكار
صالحا
للمناقشة
وإليه يرجع
الفضل في أنه
وضع على بساط
البحث جميع
المقاييس
التقليدية" [57].
ومهما
قيل عن
تغريبية هذا
الجيل
وانبهاره
بالحضارة
الغربية
فالأرجح أنه
لم يفقد صلته
تماما
بجذوره
وأصوله وكما
عدّ التغريب
والإنبهار
انبتاتا فإن
مرجعياته
كانت هي
الأخرى
دليلا على
الهشاشة بل
أن تيار
التحديث لم
يكن متجانسا
ولا موحدا
فكما أن فئات
منه رأت "أن
الهيمنة
الأوروبية
على الشرق
العربي هي
الباب
المفتوح
لدخول قيم "التحديث"
الأوروبية..
وكانت تبدي
تبعا لذلك
تعاطفا
وميلا نحو
سلطات
الإحتلال [الأجنبي]"[58].
فإن شرائح
أخرى سرعان
ما حددت
صلاتها
بثقافتها
الوطنية بعد
أن اصطدمت
بازدواجية
الغرب.. فغرب
العقلانية
والحرية
والإخاء هو
نفسه غرب
الهيمنة
والإستعمار
والتبشير
فكانت بحق "أزمة
جيل من
المثقفين
العرب الذين
تعلموا في
أوروبا
وصدقوا
دعوتها
للعلم
والحرية
والإنسانية
ثم عادوا
لأوطانهم
مخلصين
لنداء "التحديث"
فاكتشفوا
الوجه الآخر
للحضارة
الغربية" [59].
وقد كان
مالك بن نبي
على ما يبدو
قريبا من هذه
النخب عاشر
بعضها في
فرنسا
وبعضها
الآخر في
المشرق
وواكب
حركتها
وتابع
مواقفها في
مدّها
وجزرها.
الفصل
الثالث:
مفهوم
النهضة
وشروطها
ذكرنا
في تلخيص
كتاب وجهة
العالم
الإسلامي أن
مالك بن نبي
لم يعمد الى
تعريف "النهضة"
التي عنون
بها الفصل
الثاني من
الكتاب، ولا
حدد شروطها.
وبالعودة
الى كتاب "شروط
النهضة"
الذى صدر في 1949
قبل "وجهة
العالم
الإسلامي"،
نجد أن أقرب
الأفكار الى
محتواه هي
تلك التي
وردت في
الباب
الثاني الذى
حمل عنوان "المستقبل"
وفي العنصر
الأول منه
وهو "الإنسان"
الذى يقول
عنه بن نبي" "وحاصل
البحث أن
قضية الفرد
منوطة
بتوجيهه في
نواح ثلاث:
-
أولا توجيه
الثقافة
- ثانيا
توجيه العمل
- ثالثا
توجيه رأس
المال"
قد
لا يبدو أن
بين الوجهة
والتوجيه
علاقة إلا من
ناحية الجذر
اللغوي ولكن
بتمعن ما كتب
مالك بن نبي
نجد أن الصلة
أعمق من ذلك
بل إنها
كفيلة بأن
توضح لنا
رؤية بن نبي
لقضايا
الإصلاح
والنهوض من
ناحية
منهجها
ومضمونها.
يقول
بن نبي في
خاتمة كتابه
"وجهة
العالم
الإسلامي": "والعجيب
أن مفهوم
كلمة Vocation
التي
اخترناها
عنوانا
للكتاب تدل
على هذين
الجانبين
أعني ظروف
حدوث حركة
معينة،
وسعيها الى
غايتها
بواسطة
المجتممع
الإنساني
الذى يوجد في
هذه الظروف" [60].
ويقول
في كتاب "شروط
النهضة" في
العنصر الذى
أشرنا إليه: "لا
بد لنا قبل
كل شيء من
تعريف فكرة
التوجيه،
فهي بصفة
عامة قوة في
الأساس
وتوافق في
السير ووحدة
في الهدف".
ويقول
مالك بن نبي
في كتاب "ميلاد
مجتمع" : "تكسب
الجماعة
الإنسانية
صفة المجتمع
عندما تشرع
في الحركة أي
عندما تبدأ
في تغيير
نفسها من أجل
الوصول الى
غايتها. وهنا
تتفق من
الوجهة
التاريخية
مع لحظة
انبثاق
حضارة معينة"
[61].
إن
هكذا نتيجة
هي التي جعلت
بن نبي يعيد
قراءة تجربة
الحركة
الإصلاحية
ليرى هل وفت
شروط نهوض
المجتمع
الإسلامي أم
أنها قصرت عن
ذلك.
لقد
كان مالك بن
نبي تقدميا
بمعنى
التفتح على
الأفكار
التقدمية
وعلى
الحركات
التقدمية
وكان أيضا من
المؤمنين
بفكرة
التقدم لكنه
كان يؤمن
بدور
الأفكار
ودور
الإرادة
الإنسانية: "إن
الطبيعة
توجد النوع
ولكن
التاريخ
يصنع
المجتمع.
وهدف
الطبيعة هو
مجرد
المحافظة
على البقاء
بينما غاية
التاريخ أن
يسير ركب
التقدم نحو
شكل من أشكال
الحياة
الراقية هو
ما نطلق عليه
اسم الحضارة"
[62].
فالتوجيه
إذا هو تجديد
الوجهة لا
بصفة
عشوائية
ولكن بطريقة
علمية.
لذلك
فإن كتاب "شروط
النهضة" هو
نظرية بن نبي
في النهوض
وكتابه "وجهة
العالم
الإسلامي"
هي خطة ذلك
النهوض وفق
تلك النظرية:
"وهكذا حين
نتحدث عن
النهضة
نحتاج أن
نتصورها من
ناحيتين:
1-
تلك التي
تتصل
بالماضي أي
بخلاصة
التدهور
وتشعبها في
الأنفس
والأشياء.
2-
تلك التي
تتصل بخمائر
المصير
وجذور
المستقبل" [63].
وبذلك
يدعو الى
تصفية
الحساب مع
التراث بفرز
ما بلي من
عناصره ومات
عما لا يزال
حيا قابلا
للإستمرار: "إن
هذه التصفية
لا تتأتى إلا
بفكر جديد
يحطم ذلك
الوضع
الموروث عن
فترة تدهور
مجتمع أصبح
يبحث عن وضع
جديد هو وضع
النهضة" [64].
وإن
عملية
التجديد لها
وجهان وجه
سالب وهو
تنقية
التراث ووجه
موجب هو
إقامة منهج
وتحديد
معالم طريق
المستقبل "وهذا
العمل نفسه
ضروري اليوم
للنهضة
الإسلامية" [65].
إذ
على أساسه
قامت النهضة
الأوروبية
إذ انتدب
طوماس
الإكويني
نفسه لمهمة
التجديد
السلبي
بتنقية
التراث
والثقافة
لينهض
ديكارت
بالتجديد
الإيجابي.
وعلى
نفس الأساس
قامت نهضة
المسلمين
الأولى إلا
أنها لم تمر
بطورين
أحدهما سالب
والآخر موجب
بل قامت
بعملية
جدلية واحدة
"إلا أن
الحضارة
الإسلامية
قد جاءت
بهذين
التجديدين
مرة واحدة
وصدرت فيهما
عن القرآن
الكريم الذى
نفى الأفكار
الجاهلية
البالية، ثم
رسم طريق
الفكرة
الإسلامية
الصافية
التي تخطط
للمستقبل
بطريقة
إيجابية.
فإلى
أي مدى التزم
مالك بن نبي
بهذا التصور
الذى يربط
النهوض
بالتجديد
ويجعل
للتجديد
وجهين سالب
وموجب؟ وهل
تحقق مع حركة
الإصلاح وهل
طبقه مالك بن
نبي عليها في
تقييمه
لتجربتها
فكرا
ومنهجا؟
وهل
أن ما يدعوه
بن نبي
تجديدا هو
فعلا تجديد
أم هو مجرد
إعادة صياغة
بل مجرد
إحياء
للقديم في
قالب جديد؟
كانت
المرحلة
كلها حبلى
بالمتغيرات
وبالجديد..
كانت مفتوحة
على حلم كبير
إذ كان جيل
بن نبي يرى
النهوض رأي
العين
ويستشعر
التحول داخل
الكيان
الحضاري
وداخل الذات
العربية،
وقد أراد بن
نبي أن يكون
مرشد تلك
المرحلة
وترجمانها
والشاهد
عليها،
وأراد أن
يعطيها
اسمها ويشتق
لها
المفاهيم
التي
تطابقها
ويبث الوعي
الذى
تحتاجه، وظل
ينقصها رغم
المحاولات
السالفة له
والتي كان
يكبرها
وينقدها في
نفس الوقت،
إذ تفطن
مبكرا الى
حدودها.
يقول
بن نبي "وفي
التاريخ
منعطفات
هائلة خطيرة..
والنهضة في
العالم
الإسلامي
إحدى تلك
المنعطفات" [66].
فقد
أدرك بن نبي
محدودية
المقاومة
العفوية غير
القائمة على
الوعي
التاريخي
وعلى منهج
واضح في
التغيير أو
دليل في
العمل "ولقد
كان دور
الشعوب
الإسلامية
أمام الزحف
الإستعماري
خلال القرن
الماضي وحتى
الربع الأول
من هذا القرن
دورا بطوليا
فقط.. ومن
طبيعة هذا
الدور أنه لا
يلتفت الى حل
المشاكل
التي مهدت
للإستعمار
وتغلغله
داخل البلاد"
[67].
فحدود
المقاومة
ناتجة عن
غياب الفكر
وحدود حركة
الإصلاح
نابعة من
طبيعة الفكر
أما النهضة
المرتجاة
فيلزمها فكر
النهضة الذى
ينبغي أن
يكون فكرا
جديدا
يتجاوز فكر
حركة
الإصلاح
معيدا
صياغته لأنه
كان وراء فشل
المحاولة
الإصلاحية
الأولى.
ورغم
أن هشام جعيط
ممن
يتجاهلون في
كتاباتهم
صاحب كتاب "وجهة
العالم
الإسلامي"
فلو جاز لنا
أن نستعير من
كلامه جزءا
لتقييم مالك
بن نبي
لاتخذنا
الفقرة
التالية من
مقدمة كتابه
"الشخصية
العربية
الإسلامية":
"في كل أزمة
حضارية
كبرى، وكلما
وجد المرء
نفسه في
منتهى عالم
معين إلا
وبرز على
الساحة
المغربية
تفكير متسلط
على
التاريخ،
فقد القديس
أوغسطين
وابن خلدون
وخير الدين
باشا على
التوالي
نهاية
الإمبراطورية
الرومانية
ونهاية
إسلام العهد
الوسيط وموت
الإسلام
التركي
المتوسطي
المنبثق عن
القرن
السادس عشر.
كانت حقا
فلسفتهم
التاريخية
أقوى ما
أفرزت
بدورها في
هذا الميدان
ثقافة جنوب
حوض البحر
المتوسط. ولا
شك أن الفترة
المعاصرة
التي عاشت
طيلة قرن
تسربا هائلا
للغرب ثم
التحرر
السياسي
عليها أن
تساعد
بدورها على
نشوء تيار
فكري يسجل
ضمن التمزق
نهاية عصر
وينظر الوعي
الأكثر حدة" [68].
1-
مفهوم
القابلية
للإستعمار
لم
يخصص بن نبي
في كتاب "وجهة
العالم
الإسلامي"
حيزا كبيرا
للحديث عن "القابلية
للإستعمار"
رغم أنه من
الأدوات
الأساسية في
تحليله
لأوضاع
المسلمين
وفي تحليله
للعلاقة بين
أوروبا
والإسلام.
ونظرا
لأهمية فكرة
القابلية
للإستعمار
في تفكيره
وارتباطها
بمشروعه
وحسن تقبلها
من المهتمين
بفكره
وتداولها
على نطاق
واسع شأنها
شان مقولة
ابن خلدون "المغلوب
دائما مولع
بتقليد
الغالب"
ونظرا لما
أكد عليه بن
نبي من دور
العامل
الداخلي في
ما آل إليه
أمر
المسلمين من
انحطاط
وتأخر وضعف
ورفضه لفكرة
المؤامرة
التي تلقي
المسؤولية
على كاهل
الآخر عوض ان
تعمد الى نقد
الذات
ومحاسبتها،
فسنتوقف عند
هذا المفهوم
اعتمادا على
فصل: "الإستعمار
والشعوب
المستعمرة:
المعامل
الإستعماري"
من كتاب "شروط
النهضة".
إن
كلمة "معامل:
هي ترجمة
للكلمة
الفرنسية coefficient،
ويرجع تخصيص
مالك بن نبي
لفصل من كتاب
"شروط
النهضة" الى
المعامل
الاستعماري
لاقتناعه
بتأثيره و"اتصاله
بنهضة
البلاد
العربية
الإسلامية
اتصالا
وثيقا".
ثمة
وعي بأن
الإستعمار
والشعوب
التي تقع تحت
سيطرته تعيش
في عالم واحد
وأنه لا غنى
عن إيجاد
صيغة فضلى
للتعامل
لمصلحة
الإنسانية
جمعاء، وأمة
العرب
والمسلمين
لا غنى لهم
عن إنقاذ
العلاقة مع
الغرب
وحضارته وأن
تجاهل
الحقائق نوع
من دفن الرأس
في الرمال
كما تفعل
النعامة،
وأن الحاجة
الى النهضة
حاجة
تاريخية، إذ
أن الشعور
بالفجوة
والضعف
والنقص
يكافئه
إحساس قوي
بإمكان
تحقيق
التدارك
والتجاوز.
لقد
كان طموح
الشعوب قويا
غذاه
الإنبهار
وحركته
دوافع
الكرامة "وبذلك
شعر إنسان ما
بعد
الموحدين
كما شعر بوذي
الصين،
وبرهمي
الهند، بهزة
انتفض بعدها
مستيقضا،
ليجد نفسه في
إطار جديد لم
تصنعه يداه،
وأمام
ضرورتين
ملحتين: فهو
ملزم على
الرغم من
تأخره
وانحطاطه
بأن يحافظ
على الحد
الأدنى من
كرامته" [69].
جدير
بالملاحظة
أن كتاب "شروط
النهضة" كان
يحمل في
طبعته
الفرنسية
الأولى
عنوان شروط
النهضة
الجزائرية: Les conditions de la
renaissance Algerienne: probleme d'une
Civilisationلذلك
يأتي بن نبي
في حديثه عن
المعامل
الإستعماري
بأمثلة من
الواقع
الجزائري
يدعم بها
نظريته وقد
كان
الإستعمار
والتخلف من
السمات
المميزة
للواقع
الجزائري
والعربي
فانعكس ذلك
على مجموع
مؤلفاته
التي لم يكد
يخل أحدها من
مناقشة
أفكاره
المركزية
المتمثلة في
النهضة
وشروطها
والأفكار
ودورها في
البناء
الحضاري
إضافة الى
فكرة
القابلية
للإستعمار.
إن
المعامل
الإستعماري
هو المقابل
السالب لكل
ما هو موجب
في الشعوب
المستعمرة
وهو حتى وإن
اعترف لها
بالعبقرية
والنبل
والعراقة
فإنه بعد
دراستها
دراسة عميقة
يضع أنسب
المعادلات
لإفقادها
تلك الميزات
والفضائل إذ
يصل الأمر
بالإستعمار
أن لا يستهين
بالأهالي بل
يختار "معمرين
تساوي
قيمتهم قيمة
الشعب
الجزائري"
الذى دفعهم
الى مراجعة
حساباتهم
بعد أن هزمهم
في 1870.
ولا
يواجه هذا
التخطيط إلا
بالوعي "ولكي
نتبع
المقياس
الصحيح في
درس
الإستعمار
نحتاج أن
نراه في
أعماق
التاريخ...
لأنه ليس
بالشيء الذى
يخص علاقات
الجزائر
بفرنسا فحسب
ولكنه يهم
بصفة عامة
علاقات
الحضارة
الغربية
بالإنسانية
منذ أربعة
قرون" [70].
لا
يخفي بن نبي
إعجابه
بالتقدم
الذى وصلته
الحضارة
الغربية ولا
يخفي أسفه
لما آلت إليه
وجهتها.
ورغم
أنها
تناقضية في
طابعها
الأصيل فقد
كان يمكن أن
يتغلب جانب
المدنية
والإنسانية
فيها ولكن
نزوعها الى
السيطرة
والهيمنة
وهو أصيل
فيها قد ساد
على بعدها
التحرري فـ "الإستعمار
يعد من
الوجهة
التاريخية
نكسة في
التاريخ
الإنساني،
لأننا إذا
بحثنا عنه
فسنجد أصوله
تعود الى
روما" [71].
يبين
بن نبي كيف
يمكن أن ينجح
الإستعمار
في السيطرة
على العقول
والأرواح
والإرادات
من خلال
المعامل
الإستعماري
وإن كان من
الصعب بعد أن
استيقظت
الشعوب من
النوم وهو
يقول ذلك
لأنه كان
يتابع من
قريب تسرب
الوعي الى
طبقات الشعب
الجزائري
وانتشار
الفكرة
الإصلاحية
وبدا أن
المستعمر
استوطن
الأرض وسيطر
على الثروات
لكنه فشل في
الإستيلاء
على القلوب
وكسب العقول
إلا قلة
تشكلت
عقولها وفق
ما يريد
الإستعمار
فكانت أداته
وامتداده
لكنها ستدخل
في حركية
الجدال
الداخلي بين
التي
|