حوارات وراء القضبان

- حتى لا تتكرر الجريمة -

العدد الثاني والعشرون
السنة السادسة / جوان - جويلية 2008

مع عبد الحميد الجلاصي

صاحبنا من مواليد السادس عشر من ماي 1960 بقرية بوحبيب من ولاية نابل. انتقل بعد حصوله على الشهادة الابتدائية إلى قليبية حيث أتم دراسته الثانوية. واصل تعليمه العالي بمدرسة المهندسين بقابس ومنها تحصل على شهادة الهندسة وتخرج بدرجة مهندس أول/اختصاص كيمياء في دورة 1986.انخرط في العمل الإسلامي منذ أواخر السبعينات، وعرفته ساحات الجامعة وجها من وجوه الجناح الطلابي للفصيل الرئيسي من الحركة الإسلامية على الساحة التونسية: حركة الاتجاه الإسلامي (النهضة حاليا) حيث زاوج بين العمل الثقافي في الأطر القانونية والنشاط السياسي.

عند تخرجه من الجامعة، التحق بالهياكل المركزية للحركة، وتدرج في سلم المسؤوليات حتى أصبح عضوا في مكتبها التنفيذي، مسؤولا عن قسم العمل الداخلي المهتم بالتنظيم والهيكلة.

عرف السجن مرات عديدة، فكانت أول تجربة له سنة 1985عندما كان طالبا وقضى وراء القضبان أشهرا قليلة. وسجن ثانية في الحملة الكبرى التي شنها النظام البورقيبي على الحركة في أواخر عهده –1987. وسجن ثالثة سنة 1991 ولم يطلق سراحه إلا مؤخرا (نوفمبر 2007) بعد قرابة 17 سنة سجنا في ظروف تفتقر إلى كل ما له علاقة بالإنسانية.

وإن عدنا للعائلة، قلنا إنه سليل عائلة مناضلة لحقها ما لحق الآلاف من عائلات الإسلاميين من اضطهاد وتنكيل وأذى تفنن النظام الحاكم في تسليطه على معارضيه عامة وعلى الإسلاميين خصوصا. يعيش أحد أشقائه في الغربة منفيا منذ قرابة العشرين سنة، وسجن آخران، ونالت يد الظلم والاستبداد زوجته السيدة منية إبراهيم اذ سجنت سنة 1994. و تعرض الجميع إلى أصناف المضايقات طيلة سنوات، ولا يزال بعضها مستمرا إلى اليوم.

حاورناه حول السجن وظروفه، وكيف يمكن أن ينظر سجين سياسي للعالم من خلال ما أسماه "ثقب الإبرة" فكانت هذه الحصيلة.


حاوره عبد الله الزواري

 هل دار  بخلدك يوما أن تكون وراء القضبان؟

حدّث أحد الأصدقاء قال: "دخل والدي، وكان ذا ثقافة فرنسية- مكتبتي، فوجد مجموعة من الكتب لم يكن يعرف أحدا من أصحابها، فسألني عنهم: كانت المكتبة تضم مؤلفات للإمام البنا ولسيد قطب ولعبد القادر عودة ولباقر الصدر ولعلي شريعتي وزينب الغزالي... وكان فيها كتب لغيرهم.. ما لفت انتباه الوالد، يقول الصديق، أن يكون عدد ممن يعمرون المكتبة قد اختاروا طريق الشهادة، فسأل مستغربا: ألا تقرأ إلا لقتيل أو منفي أو سجين؟!"

يمكن أن نعتبر هذه القصة الحقيقية طرفة مما تحفل به الحياة من ملح وطرائف، نبتسم عند سماعها، ثم نمرّ...  ويمكن أن نتوقف عند ما تحمله من معان ومغاز عميقة.

كان من حسن الحظ عندي أن تزامنت سنوات التحصيل العلمي مع حالة من الغليان والموران في مجالات الأفكار والمعتقدات والرؤى، وإذا ما اختار شاب، في تلك السن أن يتمرد وأن يرفض فستقوده مطالعاته إلى أصحاب الأفكار المتمردة، بألوانها المتعددة، وللأسف فإن المختلف والمتمرد يكون مخيرا عادة في البلدان المتخلفة بين التصفية، أو السجن، أو المنفى، وهي مصائر قد يفضي بعضها إلى بعض.

وكنت- من حسن حظي أيضا، مولعا بأنواع من المطالعات المغضوب عليها وعلى أصحابها. ولكن ما قرب فكرة السجن، وفكرة المنفى، وفكرة المعتقل صنفان من الكتابة: المذكرات، والأدب وخاصة الرواية.

• مع روايات فرجيل جيورجيو Les mendiants des miraclesو L’espionne وخاصة       La 25ème heure اطلعت على نقد عميق للحضارة الغربية المادية بوجهيها الرأسمالي والشيوعي، استفدتُ من تصوير دقيق للمعتقل وللمعسكرات ولآلة القمع الرهيبة تطحن الكرامة والإرادة والخيال والإنسانية.

• رواية Arthur Koestler: Le zéro et l’infini كانت نقدا عميقا، بصياغة أدبية راقية من ماركسي قديم لفظاعات الستالينية، ولسجون ستالين وحملات تطهير ستالين..

نفس الفكرة وجدتها عند ألكسندر سولجينيتسين، في عدد من رواياته وخاصة Le pavillon des cancéreux

الذاكرة تشتغل الآن، تستحضر العناوين، تستحضر صور الجلادين وملاحم الضحايا ولكن الزمن فعل فعله: أتذكّر الكتب التي عودتني على عالم السجن، والمتابعة، والطحن، ودق العظام مثل كتاب Le journal d’un contre-révolutionnaire بعض هذه الكتابات، مثل كتابات فرجيل جيورجيو ذات أفق واسع، تسلط الأضواء على فظاعات النازية، والشيوعية، ولكنها تغوص عميقا في المشترك: في أعماق الحضارة المادية ذاتها، وبعض الروايات الأخرى ركزت على فظاعات أنظمة "الديمقراطية الشعبية"..

هذه الروايات فرنسية اللسان وتشير إلى تجارب بعيدة عنا بالجغرافيا، لكنها قريبة منا بالهمّ الإنساني، ولأن ملوكنا وسلاطيننا لم يحرمونا من نصيبنا، فكان لنا من هذه الفظاعات نصيبنا الأوفى..

ولم يتخلف الأدب، ولله الحمد، ولم تتخلف المذكرات الخاصة عن تسجيل ما به جاوزنا غيرنا حيث أننا وبدلا من أن نتداول على السلطة تداولت فئات واسعة من نخبنا ومثقفينا، وأهل السياسة فينا على السجون، حسب عبارة رشيقة لأحد أساتذتنا الموقرين.

كانت هذه الفظاعات من أعدل الأشياء قسمة بين نخبنا، إذ لم تحرم فئة من فئاتنا من نصيبها، ولا لون من الألوان من نصيبه.. غمرت هذه "النِّعم" مختلف ألوان الطيف. فقرأت شيئا مما كتب اليساريون والليبراليون عن السجن: الوشم للربيعي، نوال السعداوي، نبيل سليمان، جلبار نقاش، وبالطبع: شرق المتوسط لعبد الرحمان منيف، وقرأت البعض مما كتب الإخوان المسلمون عن  محنتهم: القابضون على الجمر، الطريق إلى الله ( نجيب كيلاني) ومذكرات المجاهدة زينب الغزالي "أيام من حياتي"... وقرأت شهادات جمع من اليساريين في مائدة مستديرة نظمتها مجلة "المغرب" سنة 1982 حول اليسار غير المنظم في تونس، كان من ضيوفها: نور الدين بن خضر(رحمه الله)، والهاشمي الطرودي، واستمعت إلى شهادات بعض من سبقني من إخواني قادة الحركة وزعمائها ومناضليها حول تجربتهم السجنية الأولى (1981-1984)، إضافة إلى جملة من الأدبيات الأخرى...

كل هذه الكتابات كان لها دور مهم فيما يمكن أن نسميه عملية تهيئة وإعداد وتربية لتقبل فكرة السجن، ثم بعد ذلك لتيسير تحمل معاناتها لما أصبح المحتمل واقعا، ولكن كانت هناك مصادر أخرى أكثر أهمية، وأكبر تأثيرا باعتبار صفتها المرجعية...

ذلك أن التربي على مائدة القرآن الكريم يرسخ في ذهن المؤمن أن الاستقامة بما هي تزكية للنفس، وصبغها بصبغة التجرد والإخلاص، وأن الدعوة لتعاليم الدين بما هي الترجمة العملية لتلك الاستقامة، لها نتائجها على التوازن النفسي للمؤمن/الداعية، ولها تبعاتها عليه أيضا في أكثر الأحوال، إذ لا يزال القرآن الكريم يرسخ في ذهن المؤمن به معاني الإيجابية من أمر بالمعروف ومن نهي عن المنكر، ويرسخ فيه جملة من التصورات الأساسية، ومن ضمنها خاصة معنى التدافع المستمر بين قيم ومعسكرات الخير والشر، ومعنى الإبتلاء بما هو الخيط الناظم لكل ما يمر في حياة الناس من أحداث: "الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا..." الملك 2

إذن المصاحب للكتاب العزيز تترسخ في شخصيته ضرورة الاستعداد لتحمل صنوف من الأذى نتيجة إيجابيته. ولعلنا بهذا نقف على أحد أسرار التركيز على قصص الأنبياء في القرآن الكريم، إذ يحتل هذا الغرض شطرا مهما من الكتاب، في مواطن كثيرة، وفي سياقات متعددة. فالأنبياء هم هداة البشرية، وهم أئمتها. والإطلاع على تجاربهم مع أقوامهم درس مهم في فنون الدعوة، وفي سنن التغيير الاجتماعي ومراحله، وهو أيضا يهيِّؤُ النفس لما قد تتعرض له من أذى، ويحصنها من احتمالات الضعف والوهن. فكم من نبيّ قتل، وكم من نبيّ هُجِّر، وكم من نبيّ هُجِر، ولم تخل حياة أي من الرسل الكرام من صنوف من الأذى في الرزق، والأهل، والسمعة... فكانت تلك سنة جارية من سنن الله في الاجتماع بين البشر.

نجد هذه المعاني في القرآن الكريم. ونجدها في تعاليم المصطفى عليه الصلاة والسلام، إذ أن الجنة حفت بالمكاره كما أن النار حفت بالشهوات.

ونجد هذه المعاني في وقائع سيرته صلى الله عليه وسلم، بما يصوره القرآن في أكثر من موضع: "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك (السجن)، أو يقتلوك (الاغتيال)، أو يخرجوك (التهجير)، ويمكرون، ويمكر الله، والله خير الماكرين" الأنفال 30، "وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها، وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا" الإسراء 76

هذا كتاب الإسلام، وسيرة نبيه، وسيرة الأنبياء من قبله، وسيرة الصالحين في كل مكان تشير الى معاني ااإبتلاء، والامتحان، والأذى، وإن تعددت أشكالها، وذاك الرصيد من الأدبيات التي أشرنا إليها يكشف إلى حدّ ما صورة صنف من أصناف الابتلاء، أي السجن، كما هي بالنسبة لمن تجرّأ على المعارضة في بعض مناطق العالم، وتحت نمط معين من أنظمة الحكم... فإما أن تكتفي بالتمتّع بما جاء في هذه الآثار الأدبية، وتختار الفرجة والسلامة، وفي أحسن الأحوال الشفقة وربما التعاطف، وإما أن تقدم وبصرك حديد.

اخترت الإقدام.. ولم يكن ذلك عن غفلة عن أعباء وتكاليف الطريق. أزعم أني لست مازوشيا و لا أجد أية متعة في تحمّل التعذيب، ولكني أعرف أن طريق زحزحة الأوضاع في مناطقنا يمكن أن يقود إلى "المهالك": القبر المجهول من المهالك، والجثة الملقاة في إحدى المزارع من المهالك، والسجن من المهالك، والمحاصرة من المهالك، والتجويع من المهالك، والمتابعة من المهالك، والجنون من المهالك، والانتحار من المهالك...

لا أدعي بطولة، ولا شيء يميّزني في هذه المسألة عن عشرات الآلاف من أبناء نخب شرق المتوسط عمرت بهم السجون، من المحيط إلى الخليج  ومن الخليج إلى المحيط، ومن الشمال إلى الجنوب ومن اليمين إلى الوسط. ومع ذلك يمكنني – وللأسف- التأكيد أن انقطاع طوابير المسوقين إلى السجون من أجل قناعاتهم و أفكارهم وآرائهم واختياراتهم السياسية ليس قريبا، وأن أجيالا أخرى ستحترق وسيتجرع الأبناء والزوجات، والآباء والأمهات من نفس الكأس التي تجرع منها أهلونا. فالسجن ليس عقوبة فردية يتحملها السجين منفردا بل هو عقوبة جماعية يتحمل أذاها ومعاناتها وتشوهاتها كثيرون من محيط السجين. استغربت لما وجدت وأنا أتصفح هذه الأيام مفكرة ابنتي مريم هذه الخاطرة عن السجن. سألتها: من كتب هذا؟ أجابت معتزة: قلمي.. كتبت بتاريخ 12 أفريل 2005 تقول: " السجن كلمة قصيرة جدا لمعنى كبير جدا، السجن يعني الكبت والترهيب والتعذيب.. فكيف يعبر الناس بهذه الكلمة الصغيرة عن هذا المعنى الكبير؟."

لم نولد في بلد أنجزت أجيالها السابقة ثوراتها الثقافية والسياسية، وحققت استقلالها الوطني كاملا، ولدنا في شرق المتوسط، وعلمتنا دروس العقيدة والتاريخ، أن القانون الأعظم في حياة المجتمعات هو "قانون التدافع": "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض" سورة البقرة، وعلمتنا أيضا أن لا شيء، لا شيء يتحقق "دون ثمن"، ودون تضحيات.

يمكننا أن نختار بين المجاراة والصمت، ولكن إن قرّرنا أن إنسانيتنا لا تساوي شيئا دون موقف، فالأرجح أن يكون السجن ثمنا يُتوجّب دفعه. إن الانتقال من دولة الهوى والشهوات والغريزة والرغبات إلى دولة القانون، مهما كانت مرجعيتها، العقل المستند إلى الحكمة والتجربة، أو العقل المقتبس من أنوار الشريعة وهديها لن تكون عملية سهلة، بل مسارا طويلا، معقدا، أحسن الخيارات فيه أخفها ضرّا.

وقد يكون من أعظم الهدايا التي يقدمها جيلنا إلى الأجيال القادمة أن يساهم في تمييع فكرة السجن ذاتها. السجن مؤسّسة، والسجن عقلية، والسجن مناخ، والسجن سوط بيد الجلاد، يتلاعب به ويلوح، ويبث به الرعب، والسجن هاجس يسكن الضحية ويحوله إلى طريدة.

كيف ننزع من الجلاد سوطه؟ وكيف ننزع من الضحية هواجسها؟ بل كيف ننزع من المناضل أصلا الإحساس كونه ضحية؟

ننزع من الجلاد سوطه بأن نعلن جهارا في وجهه: سجنك لا يخيف. وبأن نبحث عن  الصيغة المثلى التي تنقلب فيها الأدوار فيسجن السجين جلاده ويكشف زيف ما يدعيه حرية. في وضع ما، في حالة ما، يصبح السجن دورا، والسجين صاحب رسالة.

لا يتعلق الأمر بأمراض نفسية، ولا بالتلذّذ بتحمل العذاب ولعب دور الضحية، بل بالوعي العميق بما تتطلبه المرحلة. الدخول للسجن لا يجب أن يكون هدفا. ولكن التّهرب منه لا يجب أن يكون هدفا أيضا، لأن ذلك سيشكل عائقا أمام التقدم، وسيحدد سقفا لهدف التغيير، وخطاب التغيير، ومضمون التغيير.

الصورة التي كانت منطبعة في ذهنك عن السجن: هل وجدت في الواقع السجني ما يرسخها أو ما يناقضها؟

أحيانا تتمنى أن تكون مخطئا في أحكامك وتحاليلك السابقة، لن تخجل حينها من مواجهة نفسك والاعتراف بالخطأ تعلنها على رؤوس الأشهاد: "أيها الناس أشهدكم: لم يكن الأمر بالسوء الذي صُوِّر به، جرّتني خيالات الروائيين، وخصوصيات تجارب وأوضاع بعض أصحاب المذكرات، فظننت الأمر في بلدي على تلك الشاكلة، ولكني وجدت للقانون حرمته، وللإنسان كرامته واعتباره. تتمنى ذلك، ولكن للأسف، لا تتحقق لك مثل هذه الأماني، لا تجد في واقع السجن إلا ما يؤكد الصور التي تشكلت عندك سابقا، بل أكثر من ذلك: تتأكد أن الخسّة والدناءة واللؤم هاوية ما لها من قرار.

أتذكر إحدى شخصيات رواية "الأشجار واغتيال مرزوق" لعبد الرحمان منيف: الأستاذ عبد السلام منصور، يدرس تلاميذه، ويحمل ندبة في وجهه من أثر مداعبة البوليس، ويتهرب من الإجابة عن سر تلك الندبة، وعندما يواجه ذاته، ويتذكر ما لا يُنسى ينخرط في بكاء مرير...

أنا لا أبكي، لا أحمل ندبة في  وجهي، و لكني أحمل ندبات وأوشاما في أكثر من مكان في جسدي، كل ندبة تذكرني أني ما أخطأت في حق أحد، أني ما أخطأت لا في الفهم والتحليل ولا في التشخيص. لا أخفي تعاطفي مع عبد السلام منصور وأعلن له: أنا في صفك. و لكني استغرب لماذا يبكي؟ من المفاجأة؟ من القهر؟ من الغبن؟ ماذا كان يتوقع من بوليس شرق المتوسط؟ بل لماذا قام واحتج، وتمرد، أليس لأن الحال على ما هي عليه؟ ثم بعد ذلك، ماذا يمكن أن يتوقع من السجان أداة الحاكم في كسر الإرادة وفي الترويض، والترويع؟

أنا لا أبرر، بل أفسّر وأقرر. أعبّر عن أسفي: لم يكذّب السجن ما كنت أحمل من انطباعات ولم يكذّب السجان ما ترسخ في ذهني من صور.

السجون بين ما تسمعه في الإعلام الرسمي والواقع؟

دون إطالة في الإجابة، اكتفي بالإشارة إلى أن هذا السؤال هو فرع من سؤال أهم وأعم وأشمل هو: ما العلاقة بين الإعلام الرسمي والواقع؟!

فلو زعم زاعم أن الإعلام الرسمي يتعامل بشفافية مع الواقع من أبسط القضايا إلى أعقدها، لكان بالإمكان الافتراض أن هذه قاعدة قد تطّرد في التعامل مع الواقع السجني. أما إذا كان الإعلام الرسمي يخفي ما يشاهده الجميع، ويتصرف ويزين حتى في الإعلام عن أحوال الطقس، ووضعية الطرقات، فلا شك أنه سيكون أكثر إمعانا في إخفاء فضيحة فضائح السلطة طيلة ما يقارب العشرين سنة.

ما هي أبرز الظواهر السلبية في الحياة السجنية؟

انتشار ظاهرة الشذوذ وخاصة الاعتداء على صغار السن من أبرز الظواهر السلبية. ولظروف الإقامة من اكتظاظ، وعدم الفصل بين أصناف النزلاء، وخاصة في غرف العقوبة، وتساهل كثير من الأعوان دخل كبير في تشجيع هذه الظاهرة. ومنها انتشار ظاهرة التدخين، وفي الحقيقة هذه الظاهرة ليست خاصة بالسجون، ولكنها تأخذ فيها أبعادا أكثر خطورة مما تأخذه خارجه. فالسجين المدخن يمكن أن يتحمل رداءة الأكلة وضيق الإقامة وانعدام الشروط الصحية فيها، وحتى هجران الأهل ولكنه لا يستطيع تحمل حرمانه من لفافة التبغ، وهذا قد يكون بوابة لكثير من الدواهي. فقد تكون السيجارة مدخلا لإذلال المحروم منها من طرف الإدارة، ومن طرف العسس، ومن طرف غيره من النزلاء، وكثير من المساجين يضطرون لخدمة غيرهم، ويتحملون في سبيل ذلك السخرية والاحتقار والمعاملة السيئة والإذلال، لا لشيء إلا لتوفير مقابل سيجارة. بل يصل الأمر بكثير إلى السقوط في شائن الأفعال لهذا السبب. ومنها أيضا انتشار الكلام البذيء والاعتداء على مقام الجلالة.

أما من جانب العسس، فكثيرة هي الظواهر السلبية، ولكن أهمّها ورأسها هي النظرة الدونية للسجين، والاستهانة بكرامته، وتنجر عن هذه النظرة سلسلة من الظواهر: التسخير، الشتيمة، العنف المادي، والابتزاز.

ألا يوجد في السجن بعض ما يبعث على التفاؤل؟

لعل بعض ما يبعث على الأمل في تغيير الأوضاع نحو الأحسن هو تنامي عقلية الرفض والتمرد استنادا إلى منطق هذا ليس من حقك، هذا مخالف للقوانين. تنامي هذه العقلية وانتشارها داخل المساجين ورعايتها ومساندتها من طرف الجمعيات والمنظمات الحقوقية هو الكفيل بالتغيير التدريجي للأوضاع السجنية.

لو افترضنا انك أصبحت مديرا عاما للسجون والإصلاح، ماهي الإصلاحات التي تحظى بالأولوية لديك؟

من المهم الإجابة على السؤال التالي: هل هذا المنصب هو منصب إداري، كما يفترض أن يكون أم هو منصب سياسي؟ ومن ثمّ، من الذي يحدّد السياسة السجنية ومجموعة التراتيب والإجراءات الضابطة للحياة السجنية؟ هل هو الإطار السجني المهني وما يتطلبه الوضع السجني حقيقة من ضبط وإصلاح، أم أن مقتضيات السياسة الحزبية المتحيزة هي التي تحدّد القوانين وتؤوّلها، وتعطّلها، وتحدّد العناصر التي تسهر على تطبيق السياسة بقطع النظر عن مقتضيات الإصلاح وعن الواقع السجني، ودون مراعاة لأي مقياس سوى مقياس الولاء.

هذا السؤال عام يهم بالتأكيد كل المؤسسات تعليمية، ثقافية، اقتصادية اجتماعية، وبالأحرى الأمنية والعقابية.

وهذا السؤال يولّد سؤالا آخر: هل إن منصب المدير العام هو منصب إداري/مهني/ فني، أم هو منصب سياسي؟ فما هو ملاحظ منذ سنوات طويلة أن منصبي المدير العام ومدير السجن المركزي بتونس هما منصبان سياسيان. بل لقد حرص أكثر من مدير سجن على استعمال هذا المنصب، واستعمال ملف الإسلاميين خاصة، لتحقيق طموحات شخصية على الصعيد السياسي. حدث هذا عندما كانت الإدارة تابعة لوزارة الداخلية، وحدث هذا عندما ألحقت بوزارة العدل.

يكفي للتدليل على التداخل بين الإداري والسياسي الحزبي متابعة ما تنشره المجلة الصادرة عن إدارة السجون "الأمل" من تغطية لبعض تظاهراتها حيث يتم استدعاء ممثلي السلط الإدارية والسياسية التابعة لجهاز الدولة، وهو أمر قد نجد له تبريرا ولكن ما لايحتمل التبرير هو استدعاء بعض مسؤولي الحزب الحاكم بصفتهم الحزبية.

هل تشعر انك أهنت في مرة من المرات؟

عند "مالرو", الروائي الفرنسي الكبير, السجن هو بالتحديد والتعريف مرادف للإهانة، بمعنى أن الإهانة حالة مصاحبة لوضع السجن، لا تنفك ولا تنفصل عنه، أي ليست إحساسا، أو حدثا أو إجراء أو ممارسة تعترضه أحيانا وتغيب أخرى. والسجن في حالة سجين الرأي، إهانة مقصود منها التحطيم، وكسر الإرادة، والترويض، والإعادة إلى صف القطيع، أي إلى صف "المواطنين الصالحين". الإهانة هي ما يقصده السجان والإحساس بالإهانة هي ما يخطط له السجان أن يسكن السجين. ولكن هذا الأخير يمكن أن ينقل المسألة (أي المعركة) من فضاء الوجدان والأحاسيس والانفعالات إلى فضاء التعقل والفهم والوعي بتبني طريقة تخرجه من مأزق الدائرة التي يحرص على رسم حدودها ومساحتها السجان إلى دائرة أخرى.

يمكن أن أحس بالإهانة:

-         حينما أحرم - أنا المتعلّم - من القلم والأوراق سنوات.

-         وحينما أحرم من الكتب سنوات.

-         وحينما أجبر عند التوقيع على وثيقة على استعمال البصمة.

-         وحينما أعاقب بإيوائي أياما بغرفة الشواذ جنسيا، مع "طرشقانة" و"مادونا" و"شهلوبة"...

-         وحينما أقيد، عند العقوبة، بسلسلة إلى الجدار.

-         وحينما يتجاهل الحارس طرقي على الباب ساعات، في حين أعلم بوجوده يتلصص خلفه.

-         وحينما تطلق الإدارة عيونها وآذانها وأياديها من أمثال "ناموسة" و"ترتفشة" و"كعكة" تتشفى في المساجين.

-         وحينما يعامل حرس السجون ومسؤولوها المساجين كالحشرات: فيشتمون الآباء والأمهات، ويتطاولون على مقام الجلالة في حين يتصاغرون ليصبحوا أحقر من حشرة أمام كبرائهم إداريا.

-         و حينما يلازمك الحارس أثناء مقابلة أهلك، يحصي عليك حتى الأنفاس فما بالك بالكلمة الرقيقة التي قد تقولها لرفيقتك والطرفة التي يمكن أن تتحف بها طفلتك. فيصبح فردا من العائلة، يعرف الصغير والكبير، والقريب والبعيد، وقد يسمح لنفسه، أو تسمح له التعليمات، بالتدخل في حديثك وتصنيف الحديث إلى مباح وغير مباح.

-         وحينما يراد حشرك في دائرة المطالبة بأبسط الأساسيات.

-         وحينما تتقابل في أوت 91 مع الرشيد إدريس عندما كان رئيسا للهيئة التي شكلتها السلطة لتهميش رابطة حقوق الإنسان فتلفت انتباهه إلى ما عاينته من تجريد بعض المساجين من كل ثيابهم وتقييدهم كالدواب بالسلاسل في رواق الجناح المضيق، وتلفت انتباهه أيضا إلى ما تتعرض له ورفاقك من أصناف التعذيب والاهانة فيجيبك أن الفرنسيين كانوا يفعلون مثل هذا مع الوطنيين في أربعينات القرن العشرين وتعاقب بعدها مباشرة لمدة عشرة أيام فتتأكد أن هذا هو الرجل المناسب في المكان المناسب.

-         وحينما تصلك صحيفتك اليومية، من ضمن الصحف المرخص في اقتنائها، فتجدها خارطة من الثقوب والشبابيك بعد أن لعب فيها مقص الرقيب (والمقص هنا بالمعنى الحسي، المادي) وحماك من "الأخبار الخطيرة". و قد تبحث عن هذا الخبر الذي مُنع للمحافظة على أمن السجن والبلاد والعالم والكون فتجده يتعلق بفوز قائمة حماس في الانتخابات الطلابية في إحدى الجامعات الفلسطينية أو تجده تحليلا إخباريا حول حزب العدالة والتنمية في المغرب.

يمكن أن تتعدد الأمثلة إلى ما لا نهاية، وقد يكون في ما ذكرت كفاية.

السياسة السجنية بما فيها من إجراءات وتدابير وممنوعات تحدد ملامح المنتوج المراد تصنيعه، خاصة بالنسبة لسجين الرأي. ننطلق من كائن حي ذي وعي عميق، واهتمامات عالية، وصحة جيدة، ونفسية متوازنة، لنصل، بعد المرور عبر آلة الترويض والتكرير مرات إلى حطام إنسان بصحة معتلة، وإرادة منحلة، وتوازن مختل، واهتمامات صغيرة لا تتجاوز شهوة البطن.

يمكن أن أحس الإهانة من كل ما ذكرته، ومن كثير مما لم أذكره، ولكن يمكن أيضا أن نختار طريقا آخر لمواجهة هذه السياسة، ولإفشال هذا المقصد، وذلك بتحييد فضاء العواطف والوجدان والأحاسيس ما أمكن. فالتعقل والوعي هو الذي يلتقط ويترصد ويتصدى لفهم هذه السياسة ومواجهتها. تفهم مقصد سجانك فتنقل المعركة إلى دائرة أخرى: المقاومة. أما شعوريا فقد لا تكافئه بأكثر من... الاحتقار.

كم دخلت السيلون من مرة؟ لماذا؟ أين؟

هذا نوع من الأسئلة التي أتردد كثيرا في الإجابة عليها، لاعتبارات كثيرة:

-         ليس منها أنها تنكأ جروحا عليها أن تندمل.

-         ولا منها الخشية على النفس من الغرور أو ادعاء البطولة إذ أن ما حصل لي أو معي هو أقل مما حصل للآلاف من إخواني وخاصة الشّبيبة ممن كسروا بأجسادهم العارية، بأعصابهم، بصلابتهم، بجرأتهم صلف الإدارة/ السلطة وعجرفتها في التعامل مع الإسلاميين في السجون.

-         أهم الاعتبارات التي تجعلني أتردد في الإجابة على السؤال، التالي: هل تساهم هذه الشهادة في كسر  جدار الخوف، أم العكس تساهم في مزيد غرس هذا الوباء في جسم مجتمعنا، وفي تكريس صورة الدولة/ البوليس/ الحاكم القادر على كل شيء، العالم بخائنة الأعين وما تخفي الصدور، المتألّه، الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون؟

-         هل شهادتي وشهادة الآلاف من إخواني تدفع لهذه الوجهة أم تلك؟

-         عندما أشهد لا أبكي، ولا ابتغي شفقة، ولا استجلاب عطف أو أسف، أبتغي فقط فتح أعين، وتنبيه عقول، ليس لي هراوة أقاوم بها الهراوة، ولا سلسلة أقاوم بها القيود والسلاسل... ولكني أشهر كل ما لديّ من أسلحة: أشهر إيماني، و تفاؤلي وإرادتي وأشهر في وجه الجلاد ذاكرتي.

-         عندما أشهد فإني أراهن على التالي: لقد كان رهيبا سوط الجلاد، ولكن أجسادنا العارية كانت صلبة بجروحها وتقرّحاتها وندوبها، تهرأت السجون ولا زال العزم منا حديدا، يمكن للجسد العاري أن يغلب السوط، والدليل: لا زلنا واقفين، وسنموت بإذن الله واقفين. أشهر في وجه الجلاد ذاكرتك، استحضر التفاصيل والوجوه والأمكنة، كي لا ينام الجلاد قرير العين، وكي ينال شيئا من الخزي في الدنيا، ولعذاب الآخرة أشد وأخزى.

-         قد أتناسى لسبب أو لآخر. ولكني أبدا لن أنسى كي لا تتكرر الجريمة.

وهذا بعض ما تستحضره الذاكرة الآن، أذكره بإجمال:

- أوت 1991 سجن تونس، عوقبت لمدة عشرة أيام بسبب رفض أداء التحية، جردت من ثيابي، وسلمت سروال عقوبة قديم متسخ، ونزع مني حذائي، قيدت بسلسلة إلى الجدار، فلم يكن متاحا لي حتى الذهاب إلى بيت الراحة. فكنت أقضي حاجتي في قارورة قذرة يكبها أحد المعاقبين في الكنيف. الأكل كان يقتصر على كسرة خبز في اليوم. ليس هناك أغطية ولا فرش، غير فراش رقيق وقذر يسلم لك مساء وينزع منك أول الصباح.

- 27 ديسمبر 1991 سجن تونس: عقوبة لمدة عشرة أيام أيضا، فيها من أصناف التنكيل والتشفي ما ليس في سابقتها. كان عقابا جماعيا بسبب ما اعتبرته الإدارة المتحفزة في تلك الأيام تفاعلا غير مناسب مع انتصار الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الدورة الأولى في الانتخابات التشريعية في الجزائر. عشرات الضباط والأعوان يقتحمون ليلا غرفتي 3 و4 في جناح D personnel ، ويعنفون عشرات الإخوة. يحجز قرابة العشرين مناضلا في نفس زنزانة العقوبة عراة، دون أي قطعة لباس لمدة 7 أيام.

مجموعة أخرى متكونة من 4 من الإخوة تقيد في (قبو) دهليز السجن عراة لمدة عشرة أيام في برد ديسمبر. يمكن للسلطة. أن تفتخر بسبقها الأمريكان في ابتداع المسالخ. نحن في أواخر 1991 ولم يعرف أبو غريب أمريكا إلا بعد 2003

- تمتعت والأخ الجيلاني العماري بدوش بارد في الهواء الطلق حوالي منتصف الليل، مع مداعبات الهراوات الديمقراطية وما يحفل به قاموس العسس من رقيق الكلام، ثم قيدوني في زنزانة بصحبة "مخبول" يدعى "لسمردوني" يتبرز تحت فراشه، ويصنع بما يفرزه بطنه أشكالا ورسوما عجيبة. وصل الكرم ببعض العسس أن زاده في نصيبه اليومي من الخبز ليكون إنتاجه أكثر فيرميني به. وكان يحرضه جهارا على ذلك. كنت استيقظ ليلا لأجد سائلا ينحدر لي من جهة "لسمردوني"، ليس عطرا، ولا ماء، ولا من السوائل التي تستطاب رائحتها. كان "بلقاسم ملوخية" يبادر منذ السابعة صباحا بانتزاع الفراش الوحيد من تحتي، ولا يعيده إلي إلا عند السادسة ليلا، نصفي الأعلى كان عاريا، وسلمت سروالا قذرا تعشش فيه حشرات ودويبات كثيرة، تستهويها حرارة الجسد، فتنشط وتدغدغني، كنت انتظر حصولي على الفراش ليلا لأنقي "ثوبي" من بعض هذه الدويبات.

- سجن تونس، الجمعة 7 أوت1992 في خضم المحاكمة العسكرية عوقبت لمدة أسبوع في غرفة الشواذ جنسيا، غرفة "طرشقانة" و"مادونا" و"شهلوبة". هي نفس الغرفة التي عوقب بالبقاء فيها الدكتور المنصف بن سالم لمدة أشهر، وكذلك الإخوة رضا السعيدي ومحمد عون وتوفيق الزائري، وكذلك الدكتور أحمد الأبيض. هي غرفة 7 في جناح د، التي اتضح بعد سنوات أنه من الأنسب تغيير رقمها من 7 إلى 8 ولا يعرف أحد لحد الساعة سبب هذا التغيير إلا ما كان تخمينا أو إشاعة، وما عرفوه يقينا.

الأعوان كانوا يحرّضون النزلاء على التصرّف بتلقائية وبحرية طيلة هذه المدة ولم يكن هؤلاء في حاجة لمثل هذا التحريض.

- إثر المحاكمة مباشرة، كنا ننتظر رد فعل الإدارة لقيامنا بتبليغ صوتنا والتعريف بشيء من معاناتنا في السجن، وشرح وضعيتنا لمن واكب المحاكمة من محامين وصحفيين ومراقبين، ولم يتأخر رد فعل الإدارة كثيرا. صدر الحكم يوم الجمعة 28 أوت 1992 فشرعت الإدارة في شتى أنواع المضايقات في غرفة الإقامة وفي أثناء الزيارات وغيرها. قطعت زيارة الأخوين عبد اللطيف المكي وبوراوي مخلوف وعوقبا. احتججنا على هذا النهج في التعامل، ورفضنا الخروج إلى الفسحة، فما كان من مدير السجن "أحمد الحاجي" إلا أن استجمع أعوانه واقتحم غرفة الإقامة بالعصي والهراوات، وأشبعنا ضربا ثم فرقنا على غرفتين في كل منهما عدد من مساجين الحق العام من "الخلايق والباندية والكراكجية" وحرضهم على تعنيفنا، افتعل قطع النور ليلا، ولكن لم يقع ما كان يرجوه. من الغد، الجمعة 4 سبتمبر كاتبت مدير السجن محتجا على هذا العنف الجماعي المنظم: وحذرته إن الإدارة قد تنجح في حجب الحقيقة يوما أو يومين، ولكنها لن تنجح في حجبها إلى ما لا نهاية، وهذه الشهادة مصداق لذلك التحذير.

-         ديسمبر 1992 سجن الناظور: عقوبة بأسبوع صحبة جمع من الإخوة مع التقييد إلى سرير مثبت إلى الأرض طيلة هذه المدة، أما السبب: الامتناع عن الطعام احتجاجا على ظروف الإقامة  وسوء المعاملة، وكان مدير السجن وقتها الرائد "عزالدين نصايبية" هو شخصيا من اعتدى صحبة أعوانه على طائفة من الإخوة  وأجبرهم على شرب الحليب.

-         ماي 1993 سجن  تونس : عشرة أيام عقوبة بتعلة مخالفة التراتيب القاضية بمنع صلاة الجماعة.

-         أكتوبر 1993 سجن القصرين: عشرة أيام عقوبة من أجل  تحية أحد الإخوة من غرفة أخرى غير غرفتي.

-         ماي 1994 سجن القصرين: عشرة أيام عقوبة لسبب لا أعلمه إلى اليوم وتعلمه الإدارة ووشاتها.

-         جوان 1994 سجن قفصة: عشرون يوما مع  التقييد ليلا لسبب أجهله لحد الآن.

-         أكتوبر 2001: ستة عشر يوما من العقوبة بسبب خصومة مع أحد وشاة الإدارة وذلك بسجن الهوارب.

-         05 جانفي- 07 فيفري 2002 ثلاثون يوما كاملة من العقوبة في غرفة الشواذ جنسيا، والمرضى، والمخبولين، بسبب رفض أداء التحية، وما قيل إنه تطاول على المسؤولين في السجن، ومخالفة التراتيب بتبادل الأخبار مع رفاقي في غرفة أخرى.

-         أكتوبر 2002: عشرة أيام من أجل تبادل الأخبار مع بعض الإخوة.

-         ديسمبر 2002: عشرة أيام من أجل التجرؤ على إرسال شيء من الطعام إلى أحد الإخوة في غرفة غير غرفتي.

-         جوان 2005 سجن المهدية: عشرة أيام من أجل الرد على استفزاز أحد العسس.

-         25 فيفري- 19 مارس 2007 سجن المسعدين: عشرون يوما من العقوبة من أجل الخصومة مع من تطاول على مقام الجلالة، ورفض الإقامة في غرفة الحق العام.

وتشمل العقوبات أهلي أيضا، إذ يحرمون من زيارتي في مدة العقوبة. وكثيرا ما تلجأ إدارة السجن إلى تفتيش أدباشي أثناء غيابي عن غرفة الإقامة، وإلى حجز ما تعتبره خطيرا، وخاصة الأوراق.

ومن أقسى المظالم التي تعرضت لها بدون أدنى وجه حق:

- حجز كل رسائلي التي أرسلتها إلي عائلتي من منزل الزوجية وذلك عند اعتقال زوجتي. في 24 أفريل 1994.

- حجز كل الرسائل الموجهة لي عند نقلتي  من سجن قفصة إلى سجن تونس يوم 23 نوفمبر 1994

- حجز كل أوراقي: 9 كراسات، رسائلي، بطاقاتي البريدية، كتبي، وحتى صور ابنتي عند نقلتي من سجن الهوارب إلى سجن تونس يوم 16 جانفي 2003.

حجز كراساتي عند نقلتي من سجن المهدية إلى سجن المسعدين  يوم 11 نوفمبر 2006. بل لقد لجأ مدير سجن الهوارب، "رياض العماري"، في ربيع 2002 إلى تشكيل عصابة من سجناء الحق العام         (كعكة، شرلة، وغيرهم) مهمتها مغافلتي وسرقة بعض ما أكتبه من أوراق وتسليمه إلى الإدارة، وقد عاينت بعضا منها في ملفي عندما وقفت مرة أمام لجنة العقوبات.

ما هي أساليب مقاومة سياسات السلطة. ماهي الوسائل التي يمتلكها السجين لمواجهة مثل التنكيل الذي ذكرت بعض أوجهه في الإجابة السابقة؟

ليس للسجين الكثير من الوسائل لنيل حقوقه في دولة الهوى والاستبداد. بعض مساجين الحق العام يلجؤون إلى تشويه أجسادهم أو ابتلاع بعض الأدوات الحادة أو بعض السوائل الحارقة وحتى تلطيخ كامل البدن بالقاذورات. بل وقعت عديد حالات الانتحار وكل ذلك هو تعبير عن اليأس ومقدار الإحساس بالقهر. بالنسبة لنا تساهم عائلاتنا في التعريف بقضيتنا وأوضاعنا وتجد في الغالب استجابة مشكورة من عديد المنظمات ووسائل الإعلام. أما الوسيلة التي نلجأ إليها غالبا فهي الإضراب عن الطعام. وعديدة هي الإضرابات عن الطعام التي خضتها منفردا أو صحبة عدد من الإخوة، أذكر منها

- 8- 13 أوت 1992 في سجن تونس إضراب جماعي عن الطعام أثناء المحاكمة.

- ديسمبر 1992 إضراب جماعي في سجن الناظور.

- جويلية 1999: إضراب فردي في سجن المنستير لمدة سبعة أيام للمطالبة بمعالجة عيني.

- ماي 2001 إضراب جماعي لمدة ثلاثة أيام احتجاجا على تعرض الأخ صابر الحمروني إلى التعنيف من طرف إدارة سجن الهوارب.

- جوان 2001: إضراب جماعي عن الطعام احتجاجا على وفاة سجين الحق العام محمد جانب، رحمه الله،  في سجن الهوارب نتيجة تعنيفه وإهمال معالجته.

- بداية أوت 2001: إضراب فردي لمدة أسبوع للمطالبة بالمعالجة والسماح باقتناء نظارات ولو على الحساب الخاص.

- 25 أوت-01 سبتمبر 2001: إضراب جماعي في سجن الهوارب احتجاجا على الأوضاع المزرية في السجن وخاصة سوء معاملة الإدارة.

25 جانفي-12 فيفري 2002: إضراب فردي لنفس الأسباب في نفس السجن، ومع نفس الإدارة.

- بداية أفريل 2002: إضراب عام في سجن الهوارب لمدة ثلاثة أيام إثر وفاة الأخ الأخضر السديري، رحمه الله،  نتيجة الإهمال الصحي يوم 30 مارس 2002

15 ديسمبر 2003- 01 فيفري 2004: إضراب جماعي من أجل المطالبة بتحسين ظروف الإقامة ورفع العزلة الفردية في سجن برج العامري.

29 نوفمبر – 11 ديسمبر 2004: إضراب فردي في سجن برج العامري من أجل تقريبي من عائلتي.

27 جوان -30 جوان 2005: إضراب فردي في سجن المهدية احتجاجا على سوء المعاملة.

15 سبتمبر -04 أكتوبر 2005: في سجن المهدية إضراب جماعي.

06 نوفمبر-06 ديسمبر2005 في سجن المهدية إضراب جماعي.

05 نوفمبر 2006- 05 ديسمبر 2006: إضراب جماعي بين سجني المهدية والمسعدين اشتركت فيه مع الأخ محمد صالح قسومة والأخوين بوراوي مخلوف والهادي الغالي فرج الله كربهما.

ولا بد من الإشارة هنا أن حظي كان أقل سوء من كثير من إخواني إذ اجبر العشرات منهم على كسر إضراب الجوع بإدخال الطعام عنوة من الحلق أو من مواطن أخرى كما حدث في سجن المهدية ديسمبر 96 لكسر إضراب جماعي شمل عديد السجون التونسية.

أشكال نضالية أخرى خضتها أو سمعت بها؟ ما هي؟ من خاضها؟ النتيجة؟

من الأشكال النضالية المعتمدة:

- رفض الخروج إلى الفسحة، إما للاحتجاج على ضيق المكان أو قذارته أو ضيق الوقت وقد لجأت إلى هذه الوسيلة مرات عديدة منها:

من 25 ديسمبر 2004 إلى 20 فيفري 2005 في سجن المهدية لضيق الوقت المخصص للفسحة.

ومن 11 نوفمبر 2006 إلى غاية 19 مارس 2007 في سجن المسعدين لضيق ساحة الفسحة.

- رفض الإقامة، وقد لجأت إليه مرات عديدة، آخرها في سجن المسعدين حينما رفضت في فيفري 2007 الإقامة في غرف لا تتوفر فيها الشروط الصحية المناسبة ولا شروط الراحة.

ما هي أقسى اللحظات عليك في السجن؟

هي اللحظات التي يتكثف فيها الإحساس بالعجز حينما يملي عليك الواجب أن تفعل شيئا تحول بينك وبينه معوقات كثيرة.

في ربيع 1993 كانت إقامتي مع جمع من الإخوة في زنزانة رقم 2 بجانب مدخل جناح العقوبة. في كل ليلة كانت هناك مأدبة تعذيب، كنا نحس بحرقة ألا نستطيع إيقاف تلك المجازر. كنا نميز بين مساجين الحق العام والمساجين الإسلاميين من طريقة تصرفهم تجاه الجلاد. سجين الحق العام كان يبادر بالصراخ والتوسل قبل أن توضع عليه يد الجلاد، أما المساجين الإسلاميين فكنا نعرفهم بصمتهم أمام الجلاد، لا صراخ، ولا توسل، ولا حتى إجابة على سؤال. الصمت يصبح سلاحا أقوى من سوط الجلاد وأقوى من صوته. في البداية يكون دافع الجلاد التنكيل، ثم أمام جدار الصمت يتحول الرهان، فيصبح الهدف من الجلد هو انتزاع صرخة شكوى، أو علامة ضعف وتوسل. استمرار الصمت يكوي الجلاد يصبح مغيظا ومستفزا. يمس من الكرامة والهيبة والكفاءة. تتغير المواقع، السوط يتوسل للجسد ليعترف بضعفه، والجسد يستعلي على السوط، يحتقره.

تمتلئ فخرا واعتزازا وحبا لهذا الفصيح في صمته، البليغ في سكوته، القوي في ضعفه، المهيب في عريه، وتحس بالقهر والعجز، ألا تستطيع له شيئا، وألا تكون في مكانه، ولكنك تملك  الدعاء وأنعم به  من عدة.

في صائفة 1994 مررت أيضا بلحظات قاسية، حوكمت زوجتي، وسجنت، ثم بدأت رحلة العذاب الطويلة، المضايقات، والمتابعة، والاقتحامات الليلية طيلة سنوات.. يقهرك العجز.. لكنك لا تشك لحظة أن العاقبة للمتقين.

الزيارة الأولى؟ مشاعر الزوار؟

اعتقلت يوم السادس من أفريل 1991، وما حُوّلت إلى السجن إلا بعد أن قضيت قرابة الشهرين والنصف في أقبية البوليس السياسي. في الأسابيع الأولى من تحويلي إلى السجن منعني حاكم التحقيق العسكري من مقابلة أهلي لأني رفضت الاستنطاق ما لم يتوفر لي حقي القانوني في حضور محام. تركت زوجتي حاملا، وكنت منشغلا طيلة تلك المدة عليها وعلى الجنين في رحمها. لما قابلتها كان الحراس رفاقنا في الزيارة، كنت مبتسما كالعادة، فأنا نجوت من ذلك المكان الذي داخله مفقود والخارج منه مولود. سألت كثيرا عن صحتها، وعن صحة هذه التي قارب أوان حلولها بيننا. حاولت أن أجيب عن طوفان الأسئلة التي أمطرتني بها. كنت أؤكد لها أني أنا الذي تراه، لا زلت حيا بعظمي وما بقي من شحمي ولحمي. وأني لست طيفا ولا شبحا.

في الزيارة الموالية طلبت مني أن أريها رجليّ ومعصميّ، فقد بلغتها أصداء ما تعرضت له في الأقبية المشهورة- مثل الآلاف من الإخوة غيري- فتحولت الزيارة إلى حصة رياضية استعرضت فيها مواهبي في المشي والقفز.

مشاعر الزوار تقرؤها في اللهفة، في حرارة السؤال، في ما يخفيه ذلك من تشكك وانشغال، في قسمات الوجه، في ما لا تعبر عنه الكلمات. فالكلمات في حضور العسس لا تستطيع التعبير عن كل شيء.

هل اقتصرت عقوبة السجن عليك ام طالت محيطك العائلي؟

عقوبة السجن بطبعها تمس المحيط العائلي، وخاصة القريب إذ أن غياب السجين يؤثر في التوازن الاجتماعي والوجداني والنفسي للزّوجة والأبناء بدرجة  أولى ولبقية أفراد العائلة بعد ذلك.

في وضعنا الخاص، تجاوزت التأثيرات هذه "الأعراض الجانبية" التي يمكن –ربما- تبريرها، إلى استهداف العائلات أصلا. عندما دخلت السجن لم يكن قد مضى على زواجي أكثر من سبعة أشهر، كنت أمازح الأصدقاء عندما يقسمون أنفسهم إلى معسكري المتزوجين والعزاب، أنني انتمي إلى معسكر ثالث. كنت اعتبر نفسي زوجا تحت التدريب. عند اعتقالي لم تكن ابنتي أكثر من جنين يتخبط في رحم أمه. لم أكن بجانب زوجتي وهي تعاني ألام المخاض أذرع غرفة الانتظار جيئة وذهابا، فأتذوق  قسوة الانتظار وحلاوة البشرى. لم أواكب كما هو مطلوب من كل والد ابنتي تنمو يوما فيوما: خطوتها الأولى، كلمتها الأولى، لم أرافقها يوم التحاقها بالمدرسة، ولم أتمكن من تصفح بطاقات أعدادها تهزني الفرحة، ويغمرني الافتخار، ولا تمكنت من مصاحبتها لتسلم جوائزها في حفلات آخر السنة. ولم أحس ذلك التلهف عندما ترتفع درجة حرارتها، ولم أشاركها لحظات الانتظار قبل كل امتحان. تخرّج أغلب أشقائي، و لم أكن معهم. وتزوجوا كلهم (7 بين أشقاء وشقيقات) ولم أكن معهم. ولم استقبل أحدا من هؤلاء الذين ينادونني اليوم عمي أو خالي. ولم استمع لوصايا والدي الأخيرة.

قد يقال: كل هذا من استتباعات عقوبة السجن. لن أجادل هنا حول هذه المسألة. أما ما لا يقبل فهو:
حينما يُزجّ بزوجتي في السجن لأنها زوجتي.
حينما تتعرض لشتى أنواع التضييق قرابة 15 سنة لهذه الجريمة ذاتها.
حينما يضيق عليها في رزقها.
حينما تحرم ابنتي من وثائقها الإدارية سنوات "خشية تشويه سمعة البلد" كما قيل لها حينها.
حينما تُتابع لحد الآن في بعض أنشطتها وعلاقاتها الشخصية.
حينما يحرم الشقيق من الانتداب في الوظيفة العمومية رغم نجاحه في الامتحان.
حينما تصبح العقوبة جماعية.

أجبر اثنان من أشقائي على التوقيع لدى مراكز الأمن دون وجه قانوني لسنوات طويلة. تراخت وتيرة التوقيعات بداية هذا العقد.

ومن طريف ما يمكن ذكره أن الوالد-رحمه الله تعالى- وككل والد جاشت عواطفه، فكتب للمسؤولين الكبار طلبا لإطلاق سراحي. فعل ذلك في غفلة من كل أفراد العائلة. فكانت الإجابة فورية، وبالملموس، إذ تم التشدد مع إخوتي في مسألة التوقيع.

كان هدف سياسة السلطة اجتثاث الحركة من الواقع، وذلك من خلال تدمير الإرادات والذوات بإحداث الفراغ حول السجين، من خلال الحرص على توهين كل الروابط التي بها تتحقق إنسانية الإنسان. لهذا نراها تلجأ إلى التغريب، والتشويش على الزيارات، وتعطيل المراسلات وتلجأ إلى تحريض وتعبئة الجهاز الإداري، وإخضاعه إلى عملية تكييف إيديولوجي، وغسل دماغ. وتلجأ إلى شراء ذمم مساجين الحق العام، أو ترويعهم، وتحذيرهم من مغبة أي علاقة مع الإسلاميين. وتلجأ إلى توهين الروابط بين أبناء الحركة الواحدة، والقضية الواحدة. وتلجأ إلى الضغط على العائلات، بالسجن، والمتابعة، والتضييق في الرزق، ومحاصرة الزوجات لإجبارهن على الطلاق ومحاولة تضليل الأبناء.

كل ذلك حتى يواجه السجين آلة الدولة، فردا، وحيدا، فيستسلم لجبروتها، ويعلن تنصله من تاريخه، ودخوله في صفوف "المواطنين الصالحين".

كيف وجدت العائلة بعد هذه السنوات الطويلة من الفراق والمضايقة؟

أهمية هذا السؤال تكمن في التذكير بأن السجين ليس رقما كما تتعامل معه إدارات السجون ولا رهينة كما تتعامل معه السلطة، ولا حتى ملفا كما تتعامل معه بعض المنظمات والجمعيات الحقوقية. وهذا السؤال يطل بنا على إقليم الوجداني والعاطفي، بل قل الإنساني للسجين.

في وقت ما من سنوات الظلام الكالح، كنت أشعر أن العائلة كانت في حاجة ماسة إلى فرصة للفرح، لمقاومة المضايقات، والكآبة، والضغوط. كل تعلّة للفرح جيّدة، ويجب استثمارها.

لا أخفي وجود صعوبات الآن للتأقلم. مع ابنة تجد نفسها مجبرة على مراجعة "غريب" لم تره إلا من وراء القضبان في الكثير من شؤونها. ومع زوجة وجدت توازنها في العيش المنفرد. ومع نفسي، إذ اعتدت على العيش المنفرد، أو مع مجموعة، دون التحمل المباشر لأعباء العائلة. وللتعايش مع ما يمكن أن يحدث بين العائلات من خصومات صغيرة.

أجد هذا، وأتأقلم معه، ولكني أجد أن الفرح، والتفاؤل يطرد المشاعر السوداء. أجد تفهم الزوجة، ومشاعرها الدافقة، مشاعر الأبوة تنمو داخلي، مشاعر البنوة تنمو داخل ابنتي، دفء الأخوة، وأجد أيضا عددا من العصافير من أبناء الأشقّاء والشقيقات، بل وأحلم أن أحضن في وقت قريب صبيا من صلبي.

هكذا تتغلب الحياة على كل محاولات خنقها.

الآن و قد عرفت السجن وقضيت به ربيع عمرك وزهرة شبابك وعرفت أن تاثيراته تطال أيضا محيطك العائلي هل يمكنك أن تعود إليه؟

في الخارطة العالمية، منطقتنا العربية الإسلامية هي الآن، وستكون للعقود القادمة، منطقة التحولات العميقة، وقد تكون منطقة التوترات العظمى. كانت تشترك طيلة الحرب الباردة مع بعض الفضاءات الجغرافية والسياسية وحتى الحضارية في جملة من السمات (أمريكا اللاتينية/أوروبا الشرقية/أفريقيا جنوب الصحراء/ بعض مناطق آسيا). الآن اختلفت المصائر والمسارات. وستبقى منطقتنا لأسباب عديدة – يتشابك فيها الداخلي  بالخارجي، والثقافي/ الديني بالمصلحي، منطقة التوتر والغليان الأبرز.

ومنطقتنا تمر أيضا- بالمعنى الحضاري العميق- بمرحلة انتقالية. ستكون طويلة ومعقدة ولن تكون خطية مستقيمة- بل يترافق فيها التقدم مع التراجع، والتفاعل مع التصادم، فنحن لم ننجز بعد ثورتنا السياسية (وأقصد بلفظ الثورة هنا: عمق المنجز ومدى رسوخه، لا نوعية مخصوصة في الوسائل المعتمدة) التي تسمح بقهر الخوف، وتحرير الإنسان من سطوته وسلطانه كما تتيح  لمختلف الفرقاء بالتعبير عن مواقفهم وأفكارهم.

ولم ننجز ثورتنا الثقافية التي تجيبنا بوضوح على سؤال الهوية. ولم ننجز ثورتنا في مجال العدالة الاجتماعية. ولم ننجز حتى استقلالنا الوطني على الوجه المطلوب.

هذه المرحلة الانتقالية الطويلة في منطقة التحولات هي التي ستفضي في النهاية بمجتمعاتنا إلى قدر الاستقرار نتيجة للتوافق الذي سيحصل بين نخبنا ومختلف قوانا الاجتماعية.

لكن التجارب بينت أن مثل هذه المسيرة الطويلة لن تفضي إلى نتائجها، وإلى المأمول منها دون ثمن يدفع، إذ لا يتعلق الأمر بصراع بين مجموعة من الأفكار والأطروحات، بل وأيضا بمصالح كثيرة داخلية وخارجية، يتمسك بها أصحابها، ويستعملون في الدفاع عنها المخلب والناب، فبعض الكيانات التي تُدعى أحزابا ليست في حقيقة الأمر إلا كتل مصالح، وسياسات الدول قد تتستّر بأنبل الشعارات لتخفي جوهرها الاستعماري القومي والديني وحتى العنصري. كل ما أرجوه إذن ألا تكون هذه المسيرة دموية، وأن يكون الثمن المطلوب دفعه أقل ما يمكن. ولكن الأكيد أن آلة السجن ستكون كالعادة أحد الأسلحة المستعملة في هذه المعركة.

ضمن هذه الرؤية العامة، والأفق الواسع، وتشخيص المرحلة، والوعي بما قد تتطلبه أسأل نفسي: ما العمل؟ أين دوري؟

النفوس تتمنى السلامة، وترغب فيها وتسعى إليها. وداعي الإيمان يدعوني ألا أكون إمّعة، فأقول أنا مع الناس: إن أحسنوا أحسنت، وإن أساؤوا أسأت. وداعي الوطنية الذي تكيّفه الدواعي الإيمانية يدعوني أن أساهم حسب طاقتي وقدراتي في هذه المعركة. لا أطلب السجن، ولا أرغب فيه، ولن أسعى إليه. لكن إذا كان هو الثمن المطلوب دفعه للتقدم، ولو خطوة يسيرة في هذه الثورات التي أشرت إليها، فلن أتخاذل ولن أتردد لحظة، وسأقبل قدري بكل رضا.

لاحظنا من خلال عديد الحوارات مع مساجين سابقين ومن خلال متابعة ما يكتب، معنويات عالية، تصل حد التعبير عن الاستعداد لتقبل تكرار تجربة السجن، إذا اقتضت الظروف ذلك. ما هي العوامل التي ساعدت المساجين على تحمل هذه المحنة الطويلة والقاسية؟

يمكن من خلال التجربة الشخصية، ومن خلال المعايشة والاستقراء ذكر عدد من العوامل:

·        للعامل الإيماني دور حاسم: فالعقيدة تقدم تفسيرا، وتبريرا، وتأطيرا للفعل الإنساني، من حيث الدوافع، ومن حيث النتائج والمآلات. العقيدة تقدم فلسفة للحياة، ولما بعدها، وفلسفة للعدالة تتجاوز كل ما تقدمه الفلسفات الوضعية. في العقيدة الدينية نجد تحديدا للعدالة الحقيقية، العدالة التامة والشاملة. وفي الحقيقة فإن وظيفة التثبيت والسلوى لا تقتصر على العقيدة الدينية، إذ أن كل الرؤى والإيديولوجيات والدعوات ذات المشاريع الاجتماعية أو السياسية توفر نفس الوظيفة، تقدم مطلقا ما. مثل عدالة التاريخ، وتبشر بجنة ما، وإن ادعت الإلحاد. غير أن الإيمان الديني هو أرقى صيغ الإيمان التي تقدم التفسير والتبرير والسلوى، وتقدم البشرى في الدنيا والآخرة. كان القرآن رفيقنا ومصاحبنا: فكان لنا شفاء وهدى ورحمة وسكينة ونورا وثباتا.

·        الاستحضار الدائم لسبب السجن: فمن خلال ذلك يشعر أحدنا بالتوازن وبالاعتزاز، يرفض سجنه كل لحظة: "أنت سجين من أجل أفكارك، أنت في الحقيقة أسير". كان يعاين أنه معتبر عند الإدارة/ السلطة عضوا في مجموعة وليس فردا مستقلا. ينظر له بعنوانه العام، وليس باسمه المفرد، هو بتصنيف الإدارة وبتحديدها "انتماء" أو "صبغة خاصة" قبل أن يكون الصادق شورو أو رضا البوكادي أو بوراوي مخلوف أو الهادي الغالي. هو "الانتماء" مقابل سجناء الحق العام، وفي مواجهة الإدارة.

·        قلنا ويمكن أن نقول الكثير حول مناهج التربية في حركتنا، وحول الفرد الذي ساهمت هذه النماذج في صياغته. غير أن ما هو ثابت عندنا، بعد التجربة والامتحان، أن أخوّتنا كانت حقيقة صلبة في عالم تطغى فيه النوازع الفردية، والأنانية. كان الإيثار عندنا حقيقة. وكان التضامن عندنا حقيقة. لم يكن أحد منا يحس أنه وحيد. كنا كتلة: الاهتمامات واحدة، والمشاعر واحدة، وردود الفعل متقاربة، والأفكار متقاربة. في محك المحنة ثبتت أخوتنا. كانت حياة، ولم تكن مجرد لفظ يقال أو شعار يرفع، بل اتسع حضن هذه الأخوة ليشمل بدفئه ورعايته من أخطأ منا أخطاء تسيل بسببها، في غير حركتنا- الدماء، وتكال الشتائم والنعوت. أخوتنا حافظت على كل منا بمفرده، وحافظت على كياننا الجماعي.

·        الإسناد العائلي: وقد صاغت زوجاتنا خاصة أروع الملاحم، كنّ مربيات الأجيال، القائمات على الرزق، وكنّ السند المكين. كنّ صوتنا الفصيح، وكن العيون التي بها نرى، والأذن التي بها نسمع، كنّ في صلابة الصخر وفي صمود الجبال وفي شموخ السنديان، وكنّ في رقة النسائم وفي لطف الهمسات. منهن كنا نجد التثبيت والتشجيع والتفهم.

·        أصداء تحركات إخواننا وإنجازاتهم: هذه الأصداء كانت ضعيفة في بداية سنوات سجننا، كان الصوت ضعيفا، فكان الصدى أضعف. ولم يكن هناك من فرصة لوصول مثل هذا الصدى الضعيف. ثم وبداية مما يمكن تسميته بـ"ثورة قناة الجزيرة" بدأ الصوت/ الأمل يرتفع، يخترق الحواجز ليدخل البلاد، ومنها يتسلل ليخترق الأسلاك ليصل إلى السجون. كانت تلك ولادة ثانية لنا. وقد يصلنا الصدى بطرق غير مباشرة، إذ يكفينا أن نتابع الحملات المسعورة التي تشن على "المناوئين" و"الحاقدين" و"الصائدين في المياه العكرة" حتى نعرف بوجود هذه الشراذم فنستغفرالله لها، ونسأل أنفسنا عن سبب امتناعها عن الانضمام إلى طوابير "المواطنين الصالحين". قد يحقر صاحب العمل، خارج السجن ما عمله، ولكن السجين يرى في ذلك العمل، وإن قلّ، أكثر من معنى، وأكثر من دلالة. إن ذلك العمل: لا يعني فقط أن السجين لم يُنس. ولا يعني فقط أن الأبواب لن تظل مغلقة عليه إلى الممات كما يشتهي السجان. إن ذلك يعني خاصة أن الجسم حي وأن القضية لم تمت فيحيا بتلك الآمال أيضا. في السنوات الأخيرة تكثفت في وسائل الإعلام الرسمية الحملات على "المناوئين". كان ذلك يعني عندنا في السجن أن البلاد تتنفس، وتسترد عافيتها وأن الحياة تدب من جديد في شرايين شعبنا.

·        المكاسب التي يحققها إخواننا في مشارق الأرض ومغاربها كانت لنا نبراسا، وحافزا ودليلا. تتسع الزنزانات، تتفتت الجدر. يتسع المدى. تتحقق في النفوس معاني الوحدة الروحية والشعورية بين كل العاملين. هذا المعنى ثابت في كل الأحوال والظروف، ولكنه في السجون يكتسي عمقا إضافيا آخر. كنا كأنما نكافح من خلال كفاح إخواننا. لم نكن مشلولين، ولا أسرى. كنا مع إخواننا في كل الساحات. كل الساحات بلا استثناء. غير أن للساحة الفلسطينية خصوصيتها، وموقعها المتفرد في الأنفس و المهج.

نستطيع الآن ومن خلال الذاكرة أن نسترجع كل الخطوات والعلامات والمحطات. كنا نشاركهم ملاحمهم، كنا مع المبعدين في مرج الزهور، نشاركهم جدهم وهزلهم وانشغالاتهم. كنا مع الشهيد فتحي الشقاقي عندما اغتالته يد الغدر في مالطا. دمنا نحن الذي سال. وكنا مع المهندس يحي عياش. وكنا مع الأستاذ خالد مشعل عندما حاولوا تسميمه فارتدوا خاسئين. كنا مع الشيخ أحمد ياسين في سجنه، وبعد خروجه، وفجر استشهاده، كنا في مقعده. وكنا مع الشهيد الرمز المعلم الدكتور عبدالعزيز الرنتيسي  في جولاته في أحياء غزة الفقيرة، يواسي هذا، ويشجع ذاك، ويبث في الجميع بتواضعه، وتصميمه ويقينه قوة لا تقهر. وكنا مع أهلنا في جنين ومخيمها. حينها اتصلنا بالإدارة وحرصنا على التبرع بشيء من دمنا وببعض ما نملك من أموال، فما وجدنا غير الرفض. كنا معهم، نتابع حراكهم، نشجعهم، نناجيهم، نناديهم، ندعو لهم، وكم من مرة أضربنا مساندة لهم واحتجاجا على صمت المتواطئين. كان ذلك أدنى ما يمكن أن نفعل. كنا نجد في ملاحمهم ما يهون علينا. واليوم أقف أمامهم شاكرا: إخواننا جازاكم الله خيرا فقد شرفتمونا. كنتم ولا زلتم لنا أساتذة في الجهاد والرفض.

أحيّي رئيس المجلس التشريعي المعتقل الدكتور عزيز الدويك والآلاف من إخوانه. وأحيّي الأستاذ هنيّة وأعرف أنه بحكمته ومرونته وإعانة أصحابه سيجد شعبنا طريقه إلى وحدة الصف وتحقيق الأهداف.

·        وما يحققه الأحرار- كل الأحرار- في بلادنا، من نقابيين ومثقفين وسياسيين وناشطين ومحامين، من مكاسب، وما يقدمونه من تضحيات كان لنا حافزا، وكان لنا قنديلا.

·        وما يحققه كل الأحرار في العالم أيضا، فمعركة الحرية واحدة، وفي هذه الأرض الواحدة، تأخذ تلوينات مختلفة حسب تعدد وتنوع الساحات: معركة واحدة ذات شعار واحد: فك القيود.

كنا نفرح بانتفاضات صربيا، وأوكرانيا، وجيورجيا، وبيقظة أمريكا اللاتينية. ونتذكر مقدمات سورة الروم: " آلم، غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين، لله الأمر من قبل ومن بعد، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم". ونتذكر فرح المؤمنين عندما تحقق هذا الوعد الرباني. كانت السلطة تدرك هذه المعاني. لذلك كانت إدارة السجون تحرص على قص كل المقالات والأخبار التي تشير لمثل هذه الانتصارات. كانت أحسن الصحف التي تصلنا هي التي تحتوي أكبر عدد من الشبابيك. ولعل الإدارة اهتدت إلى أن دلالة الشبابيك في الصحيفة أبلغ من دلالة الخبر ذاته، فعدّلت أوتارها. لم تقلع بالطبع عن سياسة المنع، ولكنها اختارت طريقا آخر إذ قررت حجز كل عدد من صحيفة يحتوي مثل هذه الأخبار.

قلت في معرض جوابك على السؤال السابق: كان القرآن رفيقنا ومصاحبنا، فكان لنا شفاء، وهدى ورحمة وسكينة ونورا وثباتا، هل تمكنت من حفظ القرآن الكريم؟

توفقت بحمد لله تعالى إلى حفظ القرآن الكريم منذ السنوات الأولى لسجني، وربما ساعدتنني بعض الظروف العائلية على ذلك، إذ كان الوالد رحمه الله حافظا لكتاب الله العزيز. ومن نعم الله علينا – أفرادا وحركة- ومن نعم الله على البلاد أيضا أن خرّجت السجون مئات، إن لم يكن آلاف من حفظة القرآن الكريم، ونسأل الله أن يرسّخه في صدورنا، وأن يجعله لنا نورا، وهدى ورحمة. لكن للأسف، أصرت السلطة على حرماننا من الكتب عامة، ومن كتب التفسير، ولم تنفتح ثغرات صغيرة في جدار هذا الحظر إلا في السنوات الأخيرة، بعد تضحيات جسام من المساجين، وبعد نضالات كبيرة وكثيرة من عديد المنظمات والجهات الحقوقية.

زيادة على حفظ الكتاب العزيز هل من إضافة حصلت لك في السجن؟

قد يكون غيري ممن يعرفني منذ زمن بعيد، ويعاشرني الآن، هو الأقدر على الإجابة على هذا السؤال. ومع ذلك وبالنظر إلى بعض النقاشات التي حصلت مع عدد من الإخوة كلما كان ذلك متيسرا، وبالنظر إلى مناخ الصراع المستمر، واليومي، وبالنظر إلى عامل التقدم في السن (فهناك فرق بين شاب الثلاثين وشاب الثامنة والأربعين)، وبالنظر إلى بعض المطالعات العميقة، وبالنظر إلى متابعة عدد من التجارب حسب ما تسمح به ظروف السجن. بالنظر إلى كل ذلك، أحسب أن بعض القناعات والأفكار الموجهة قد ترسخت وأكتفي بالإشارة إلى البعض منها:

·        التشبع بفكرة (أو قانون) التدافع، فانطلاقا من تجربتنا الخاصة في السجن، تأكد لنا أن لا شيء على الإطلاق تحصلنا عليه من تحسين وضعية، أو ردّ أذى، لا شيء حصلنا عليه دون معاناة، ودون تعب، ودون تضحيات، ودون "عرق ودموع" على حد تعبير "تشرشل". وانطلاقا من متابعة معارك التحرر التي تخوضها أمتنا في كل أقطارها، ومن التأمل في عدد من التجارب التاريخية، يتأكد أنه لا يمكن التقدم أدنى خطوة دون الصراع، ودون التضحية، ودون دفع الثمن. فليس في التاريخ هبات ولا هدايا أو عطايا. قد لا تكون هذه القناعة جديدة عندي ولكن الأيام زادتها وضوحا ورسوخا.

·        أهمية عامل الزمن في كل معارك التغيير الاجتماعي: تعلمت سابقا من الأستاذ المرحوم مالك بن نبي أهمية هذا العامل، وفي السجن زادت قناعتي رسوخا. من يتصدى في منطقتنا لمهمة التغيير الاجتماعي، مشاركا فيها غيره، يجب أن يكون متسلحا- من ضمن ما يجب عليه التسلح به- بطول النفس، أن يكون صبورا، متحملا، جلدا. ألاّ يفرط في المتاح، دون أن يقتصر عليه، وأن يستشرف الممكن، ويسعى إليه، وأن يفجر حدود هذا الممكن لتنفتح على المأمول. أفق واسع تنفتح عليه حركته، يؤلف بين هذه المستويات الثلاث: المتاح، والممكن، والمأمول. قرأت مقطوعة شعرية جميلة لشاعر ومناضل مرّ بتجربة السجن، وتجربة العزلة، تُجسد نسبية النظرة إلى الزمن. 
يقول ناظم حكمت:
"حين دخلت السجن كان معي قلم/ شرعت أكتب، وأكتب، وأكتب/ فني القلم خلال أسبوع/ حينما تسألني أقول: "كان أسبوعا، ليس أكثر"/ وحينما تسأل القلم يقول: "كان عمرا كاملا"//
"منذ أن دخلت السجن دارت الأرض حول الشمس عشر دورات كاملة/ حينما تسألني أقول: "كانت عشر سنوات بأكملها من عمري"/ وحينما تسأل الشمس تقول: "لم تكن أكثر من عشر دورات"/ فيا أيها الإنسان: لا تبتئس!"

بين محذور الاستعجال، والتساهل في تقدير الزمن الذى تحتاجه الأوضاع لتحقيق التغييرات المرجوة، ومحذور التردد والتفريط، بين هذا وذاك، يبحث الحكيم عن السبيل الأقوم.

·        التاريخ ليس معادلة رياضية، وليست آلة يمكن لطرف بمفرده أن يتحكم في أزرارها. التاريخ فرس جموح، لا يسلم زمامه للقوي، ولا يترك الضعيف المكافح ييأس من أن يكون له نصيب في توجيهه. لـ"اللامتوقع"، و"المفاجئ"، دور أساسي في توجيه حركة التاريخ.

كم من مرة تضيق الزنزانات على أهلها، لا أمل، ولا أفق، ولا ثغرة في جدار الظلم، ولا ضوء في نفق التسلط. تضيق الأرض بما رحبت، وتضيق على المرء حتى نفسه، لكن يبقي في أعماق الأنفس نور خافت، هادئ، لطيف، ثم ينفتح الأفق على نور عظيم. تهتز الجدران، ويستأنف التاريخ حركته لصالح المقاومة بعد الركود، والنشاط بعد الجمود.

يشكّك الفيلسوف فيما استقرت عليه بعض المدارس دهرا، من أن التاريخ آلة يمكن ضبط حركتها بدقة مقدما، ويجد المؤمن في هذا الجزء "اللامتوقع" والمفاجئ دلائل على ما يعتقده من فيض رباني، ومن توفيق، وتسديد، وتثبيت.

·        عجز الآلة الأمنية على استئصال العقائد والأفكار المنغرسة في تربتها، المرتوية بما تفيض به الينابيع من ماء زلال، وما تسوقه الأنهار من طمي مخصب. في أيام الاعتقال الأولى، كان الجسد منهكا بالجراح، والذهن مكدودا بسبب الحرمان من النوم أياما متواليات. جاءني الجلاد متباهيا: لم يعد لحركتكم من وجود، أنفار قلائل لن ينفعهم اختفاؤهم، سنتمكن منهم، وننهي هذا الملف. أجابه ما بقي ينبض فيّ. أجابته الإرادة والتفاؤل واليقين: هل تعرف نبتة "النجم"؟ ملتصقة بالأرض أبدا، منغرسة في أعماقها، قد يأتي المحراث على شيء مما ظهر منها، أما الجذور فلا تطالها سكّته.

·        اكتشفت كم هو عميق وقوي وحاسم دور المرأة وتأثيرها. يجب أن نعترف، ما قطعنا هذه الفيافي، وهذا القفر، وهذه الصحراء الموحشة، وما وصلنا بر الأمان، و"واحة العشب والماء" إلا بإعانة ودفع وتثبيت نسائنا. كن الزوجات والرفيقات. لهن رقة النسمة، وقوة البحر، وشموخ السنديانة. لذلك قال فيهن خير القائلين: "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض." ولذلك أوصى بهن خير البشر، فهن عنده "شقائق الرجال".

هل تمكنت من تنمية قدراتك المهنية أو العلمية طيلة إقامتك في السجن؟

في سجون بورقيبة – على الأقل منذ أواخر السبعينات- تمكن عدد من مساجين الرأي من إتمام دراستهم الجامعية، وتمكن آخرون من الكتابة في مختلف المسائل والشؤون، وقد نشرت الكثير من هذه الكتابات لاحقا، وكان يسمح بجلب الكتب دون تقييد.. خلال القمع البورقيبي كنت تجد متنفسات، كنت تجد شيئا مما يمكن أن يسمى "تقديرا" لسجين الرأي، رغم كل القمع، وقد يكون لذلك علاقة بثقافة بورقيبة، وبتكوينه وبتجربته الخاصة.

في المحنة الذي انطلقت منذ سنة 1990، لم يكن الرهان المطروح علينا للأسف، وخاصة منذ أواخر 1992 واعتماد سياسة تنكيل شاملة ومتناسقة تشمل كل المجالات، لم يكن الرهان أن تستزيد من المعرفة ولا أن تنمي القدرات المهنية والعلمية، كان التحدي المطروح أصلا: كيف تحافظ الذاكرة على ما اكتسبته من علم ومعرفة؟

ما معنى أن تحرم من القلم والقرطاس سنوات طويلة؟
ما معنى أن تمنع من جلب الكتب؟
ما معنى أن تنقى مكتبات السجون الكبرى والتي تراكمت فيها بفعل السنين وبفعل تبرع عدد من المساجين عند تسريحهم بالكتب، ما معنى أن تنقى من كل الكتب المهمة بما فيها الأدبية؟

ما معنى أن تصلك صحيفتك اليومية – وهي من قائمة الصحف المنتقاة المسموح بتداولها داخل السجون، أي من الصحف التي إن مدحت أطنبت، وإن شتمت أقذعت، وإن دعيت إلى النقد أصمت أذنيها على النداء، تصلك- إن وصلتك- تتخللها بفعل الرقيب جملة من الشبابيك؟
ما معنى أن يسحب منك حتى مصحفك في أكثر من مناسبة؟

حصلت مرة، بطرق ملتوية، على قلم. خبأته في مكان حصين. احتفظت به في ذلك المكان سنوات طويلة، حتى بعد السماح باقتناء الأقلام، مخافة التراجع في هذا "القرار الرائد". وعندما فارقته، مضطرا فارقت عزيزا. من تلك الأيام اكتسبت عادة جديدة: أحس بسعادة غامرة كلما أفرغت بالكتابة قلما، لأن الكتابة إثبات وجود تعني "إنني ما زلت حيا، ولا زلت قادرا على الكتابة، لم تضع سنوات عمري سدى، ولا سهر الوالد ودعاء الوالدة.

أذكر مرة صرخة أحد الأصدقاء تصلني من الرواق، وكنا نتنادى ليلا كلما خفت أقدام العسس، نسترق الحديث استراقا. سألته عن حاله، فأجابني بين الشكوى والصرخة أن ذاكرته أسقطت كثيرا مما كانت تجيد حفظه من المعلومات والأسماء وقسمات الوجوه. وكان معروفا بيننا بقوة الذاكرة وسرعة الحفظ. وللأسف كان علينا أن نختطف المعرفة أو نفتكها أو نسرقها، فليست آلهة اليونان فقط هي التي تريد حرمان البشر من أنوار المعرفة.

حاولت مرات عديدة إعادة التسجيل في الجامعة ولم أفلح فأقلعت عن ذلك.  المعرفة والتعلم حق من الحقوق الأساسية هذا أولا، ثم إن السلطة الذكية هي التي تعرف كيف تقبل وكيف تختار معارضيها، لأنه لا يمكن استئصال الأفكار والعقائد والقناعات. فأولى أن يعارضك المتعلم، المثقف ذو الأفق الواسع لأن ذلك يكسبه قدرا من النسبية في الحكم، وقدرة على التفاعل والأخذ والعطاء، من أن يعارضك من اضطرته سياسة التجهيل إلى ضيق الأفق، والإطلاقية في الأحكام والمواقف. هذا عن السلطة الذكية.

هل أتيحت لك فرصة للالتقاء ببعض المساجين السياسيين من غير النهضويين؟

لم تتح لي شخصيا فرصة لمقابلة مساجين رأي من غير أبناء حركتنا، ولكن تقابل بعض إخواني مع عدد من المساجين، من أمثال العميد البشير الصيد، وبعض مساجين حزب العمال الشيوعي التونسي من ضمنهم المناضل حمه الهمامي. كما تحادث إخوان لنا من خلف الحواجز مع السيد محمد مواعدة، لما سجن عندما كان رئيسا لحركة الديمقراطيين الاشتراكيين سنة 1995. ولا ادري إن تقابل البعض من إخواني مع الدكتور المنصف المرزوقي لما سجن لارتكابه جريمة التجرؤ على تقديم ترشحه لانتخابات الرئاسة سنة 1994 أو مع الأستاذ محمد عبو عند سجنه منذ ثلاث سنوات. ول اشك أنه مما يحسب في ميزان حسنات سلطتنا عدم تفريقها بين مختلف ألوان الطيف السياسي والفكري فلم تحرم أحدا من بركات قمعها.

وها هي السجون تمتلئ الآن بالآلاف من الشباب المتدين تحت طائلة ما تسميه السلطة بقانون الإرهاب حيث يتعرضون لمختلف أشكال التنكيل كما يتعرض الآلاف من أمثالهم إلى المراقبة والمتابعة والمحاصرة خارج أسوار السجون. أكدت لنا السجون أن هناك الكثير مما يجمعنا، وقد يكون المطلوب البناء عليه بدلا من الالتفات إلى ما يميزنا عن بعضنا، وهو موجود أيضا، وقد يكون كثيرا. وحّدتنا السجون و" القميلة"، كما توجد الآن بوادر واعدة لالتقائنا، وربما توحدنا يوما ما، في ساحات النضال لمواجهة الاستبداد، والتسلّط والإقصاء.

نريد أن نعرف كيف يواكب سجين سياسي بعض الأحداث الكبرى التي تهز منطقتنا والعالم. نحتاج إلى شيء من التفاصيل والحيثيات، لنبدأ أولا بالعراق. كيف تابعت ما حدث من احتلال العراق؟ ما هي القضايا التي أثيرت في ذهنك؟

في الأشهر القليلة التي سبقت الحرب أتيحت لي فرصة للالتحاق بمجموعة من الإخوة تقارب الثلاثين. وبالطبع فإن متابعة الأحداث، وتحليلها والتفاعل معها يكون في هذه الحالة أعمق وأكثر ثراء مقارنة بوضعية العزلة. كان أول الأسئلة الذي انخرطنا فيه كما انخرط فيه العالم: هل تقع الحرب؟ ومتى؟ كثيرون منا كانوا يتمنون أن ينفتح النظام العراقي على معارضيه حتى تتدعّم الجبهة الداخلية، فتفوّت على القوى الاستعمارية المتربصة فرصة العودة إلى المنطقة. النقاش حول الملف كان ثريا، وعميقا ومعقدا. ولكنه كان رصينا، ومتسامحا. الرأي الغالب كان يرجّح سقوط النظام العراقي. ولكن متى؟

لا أحد مناّ كان يحب أمريكا المتغطرسة، ولا جورج بوش ـ بطرس الناسك القرن الواحد والعشرين- ولكن الإشكال لا يكمن هنا. الإشكال الذي كان هذا النقاش يدور حوله: هل أن سقوط النظام العراقي في صورة حصوله على يد القوى الأجنبية خطوة إيجابية في اتجاه إرساء نظام اقل تسلطا أم على العكس: يتواصل حرماننا من الديمقراطية، ونخسر أيضا استقلالنا السياسي؟ الاستبداد يلبس على المرء حتى مشاعره، وولاءه ويظهر أنّ العلاقة بين المسألة الوطنية والمسألة الديمقراطية ليست بالبساطة التي يتصورها البعض.

يمكن صياغة الاشكالية محور النقاش كالتالي: هل أن الإفضاء الى وضع سياسي أقل تسلطا وأقرب الى قيم الديمقراطية  أيسر من خلال مقاومة محتل أجنبي؟ هل أن الأنظمة المستبدة في منطقتنا قابلة لتحوّل جوهري بأشكال النضال السلمي المدني المعتادة من تطمين، وإحراج، وضغط بل وحتى ترضية عند الاقتضاء، أم أن هذا التحوّل غير ممكن إلا بتغيير جوهري في ميزان القوى الداخلي، يكون المعطى الدولي أحد مكوناته.

هل توجد، أو يمكن أن توجد متنفسات ومساحات، كي تتطور نظرتنا للسياسة، فيصبح الشعب هو الأصل، والدولة والحاكم هو الأداة والفرع وليس العكس. الخلط الذي يكرسه الحاكم - خطابا وممارسة- بين شخصه والوطن/الدولة/البلاد يصبح حقيقة تلمس وترى، وتنفذ حتى الى عقول المعارضين.

هذه كانت بعض حيثيات النقاش، وبعض اتجاهاته. ولعل ظروف القمع التي نعيشها، ويعيشها محيطنا القريب، وتعيشها البلاد، ساهمت في أن يأخذ النقاش هذا المنحى. غير أن ذلك لم يكن محدّدا. فقد كنا حريصين على التوازن في المقاربات، وكان كل منّا يحرص على توازنه، وعلى توازن إخوانه معه. ثم إن هذه الآراء كانت موجودة أيضا خارج الفضاء السجني. وفي كل الحالات كان النقاش مبنيا على فرضية سقوط النظام العراقي، كان في مستوى التحليل والتصور لا في مستوى الرغبة في التدخل الاجنبي. كنا نتابع بداية الحرب، وكنا نعتز بصمود "أمّ قصر"، ذلك الميناء الصّغير. وكنّا ننتظر معركة بغداد. ولكن معركة بغداد لم تقع. دخل الروم دار الخلافة دون مقاومة. سقط النظام ذو الجيش المليوني، وذو جهاز المخابرات، وذو الحزب الذي كان سيوحدّنا من المحيط إلى الخليج، وسقط معه العراق تحت الاحتلال.

بانت لكل ذي عينين ماذا يمكن أن يفعل الاستبداد، وأن الحشود التي تمجّد الحاكم، وتساق بالعصا، لا تنتظر غير فجوة لتنجو بجلدها كما ينجو هو بجلده. الاستبداد يدمّر كل شيء. حتى المقاومة التي اندلعت بعد لأي كانت من خارج الأجهزة، وإن التحق بها أفراد أو أفواج من هذه الأجهزة.

الله سبحانه وتعالى، ذو الجلال والإكرام، يختلف الناس فيه بين مؤمن وملحد، وتختلف سبل الإيمان، وتتعدد طرق الإلحاد، ولكن يوجد على هذه البسيطة حكّام، أغلبهم في منطقتنا، وأحدهم حاكم بغداد، بشر من البشر، يفعلون مثل ما يفعلون، غير أنهم يحققون الإجماع المطلق من حولهم وينتخبون بنسبة مائة في المائة من الأصوات.

الكارثة لم تكن فقط في استباحة الأرض، واحتلال قاعدة الخلافة، وعودة الاستعمار/الامبريالية/الصليبيين (لا يهمّ).. كانت الكارثة أيضا التي تابعنا بعض مظاهرها من خلال التلفزة والصحف في مستوى الوعي      والرؤية والتصور. يتحول صدام إلى قديس. إلى مهدي منتظر آخر نترقب عودته.

لنتأمل هذه الأجوبة الشافية الكافية، والتي توفر لنا الراحة والسكينة.
لماذا تم احتلال العراق؟ - لأن بوش شرير
لماذا لم تقاوم أجهزة النظام العراقي؟ - لوجود خيانات
والمقاومة العراقية؟ - كلها كانت تحت إدارة صدام وتم التخطيط لها قبل سقوط بغداد، وصدام يوجه تعليماته إلى قادة المقاومة – أثناء المحاكمة- من خلال قسمات وجهه، وحركات عينيه.

وتنشر بعض الصحف، بل تحتفي أيضا، بما تسميه قصائد منسوبة لصدام، يستحي حتى أطفال المدارس من كتابتها. وتحاك سيناريوهات حول صمود القائد البطل، وعودته الوشيكة إلى السلطة، والمفاوضات التي يجريها مع الأمريكان من موقع الاقتدار وكأنه هو الذي يحاصر واشنطن ويمهل أهلها ثلاثة أيام للخروج مستسلمين قبل أن يشن هجومه الكاسح. وهكذا نتأكد مجددا أن الوثنية وعبادة الأصنام يمكن أن تتخذ أشكالا شتى.

لو تعلق الأمر بالجماهير الواسعة لهان الخطب. فقد يتفهم تعطشها وبحثها عن البطولة، ولكن الأمر يتعلق بدائرة من النخبة التي تدعي ليلا نهارا أنها عقلانية، وأنها حداثية، وهي التي من المفترض أن تحكم على البرنامج وعلى الإنجاز، ولكن نراها تروّج في مجال السياسة للخرافة، وللوعي البائس. لا يشك أحد في وطنية والتزام نسبة هامّة من هذه النخبة لكن لعلّها لم تقدر على استيعاب حجم الهزيمة وأبعادها، أو لم تستطع مواجهة أسبابها، أو لعل في مواقفها فرار من مواجهة تاريخها هي، وخياراتها، وارتباطاتها السابقة. لعله الخوف من مواجهة الذات.

عندما قرأت كتاب الأستاذ "الهاشمي الطرودي": سقوط بغداد، وكان ذلك بعد أربعة سنوات من احتلال العراق، وجدت أكثر من رابط لي مع الكتاب والكاتب. قلت في نفسي: أوّلا هذا الرجل من هنا، أي من السّجن. وقلت ثانيا: هذا الرجل لم يطحنه سجنه. وقلت ثالثا: في هذا الكتاب أصداء الكثير من النقاش الذي دار بيننا. أكتفي بما يقرّبني من الكتاب ولا يهمّني هنا تسجيل ما اختلف فيه مع صاحبه.

كيف عشت ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر؟ وما هي أهم دلالاته بالنسبة إليك؟

كانت الساعة تشير إلى الثالثة ظهرا في ذلك الثلاثاء، كنت في ساحة الفسحة. تصلني الموسيقى المميزة لنشرة الأخبار في التلفزة التونسية. أستغرب، فالوقت ليس وقت نشرة إخبارية. يصلني صوت تكبير بعض مساجين الحق العام. يزداد استغرابي، فأسرع إلى غرفتي. مقدم النشرة تبدو على محياه علامات الارتباك. الصور تتتابع. للحظات أسائل نفسي إن كنت في حلم أم يقظة، إن كنت في غرفة سجن أم في قاعة سينما؟

الغرفة كلّها، وتضم 250 من مساجين الحق العام, تتابع الأخبار كما لا يحدث بمثل ذلك الانتباه والتركيز إلا عند انتظار العفو في المناسبات الوطنية. يمطرني الجميع بالأسئلة: من يقف وراء هذا الذي حدث؟ من هو تنظيم القاعدة؟ من هو أسامة بن لادن؟ هل هو "انتماء" مثلي؟! إلخ. ويتواصل- طيلة الأشهر اللاحقة الاهتمام بالأخبار، ومتابعة أنباء ملاحقة أسامة بن لادن. وأخبار الاستعداد لغزو أفغانستان. وتصبح أكثر الألفاظ تردادا على الألسنة، في وسط لا يهتم بالسياسة إلا في المحطات الكبرى للأمة، تصبح أكثر الألفاظ تداولا: أسامة بن لادن، وتنظيم القاعدة، وطالبان.

هذه بعض الحيثيات الشخصية لمراقب يتابع حراك العالم من خلال ثقب إبرة. أما الحدث في ذاته فلا شك أنه تاريخي- واستعمل هذا اللفظ للوصف فقط دون حكم معياري. إنه منعرج، أي أنه من الممكن الحديث عن عالم ما قبل 11 سبتمبر وعالم ما بعده. وهو عالم لا يزال في طور التبلور، بعد قرابة السبع سنوات على الحدث. وككل حدث تاريخي، وككل منعرج، لا تنكشف دلالاته وتأثيراته بجملتها إلا بعد مدة. ولا زالت  التداعيات تنكشف يوما بعد يوم.

أحد الجوانب التي لفتت انتباهي حينها، وسجلتها في تحليل وجهته لعدد من الإخوة في الغرف المجاورة هو التالي: إن التاريخ جواد جامح ، يخطئ من يعتقد انه يمكنه أن يمسك زمامه، ويتحكم فيه، ويوجهه بصورة منفردة. إن التاريخ لا يحرم الضعيف أيضا من المساهمة في تحديد مساراته.

لا أحد سوى المولى- سبحانه- يتحكم بصفة مطلقة، في العوالم، أما البشر فهم متشاركون، وإن بنسب مختلفة، وأحيانا شديدة التفاوت في هذا التحكم. بل إن بعض الأحداث تخرج أصلا عن دائرة التوقع والتحكم. القانون الأعلى للعلاقة بين البشر هو "التدافع" "ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض" فلا يدوم حال يغلب عليه الصلاح والخير إذ سرعان ما يلابسه – وقد تغلب عليه أقدار من الفساد والإفساد.

هذه نظرة عابرة للحدث في سياقه التاريخي العام، وفي بعض دلالاته الفكرية دون التوقف عند إصدار حكم معياري- أخلاقي أو سياسي بشأنه.

كيف تابعت تطورات الساحة الإسلامية من داخل السجون، وما هي أهم الخلاصات لمراقب ملتزم بعد 17 سنة من الغياب عن ساحات الفعل المباشر؟

كنا نتابع مجرى الأحداث ما أمكننا ذلك، وكلما كان وصول الصحف إلينا متاحا، ولم يكن ذلك يسيرا، وخاصة طيلة عشرية التسعينات.

لاحظنا أحيانا انحرافات في وجهة بعض المجموعات التي تنتسب للمرجعية الإسلامية، إذ تم الخلط بين مخاصمة ومغالبة السلطات القائمة، وبين مخاصمة المجتمع وأحيانا معاداته واستهدافه. كما لاحظنا أن حركات أخرى كان لها من الحكمة ما مكنها من تجنب السقوط في فخ ردود الفعل غير المحسوبة. وهناك تجارب كنا نتابعها بقدر من التّخوف، وكنا نسعد لكل فتوحاتها واجتهاداتها- مثل التجربة الفلسطينية التي لها خصوصياتها الظاهرة- ومثل التجربة التركية، والمغربية، والمصرية.

أهمّ ما يمكن ملاحظته، بعد 17 سنة من السجن، أن التيار الواسع من الحركة الإسلامية قد تقارب في مستوى الرؤية، والخطاب، والأولويات والاهتمامات والقابلية، بل والاستعداد والسعي وحتى الدخول في التقاءات وصلت حد التحالف في بعض التجارب. ما كان في أوائل الثمانينات، ومن خلال التجارب التركية والتونسية والسودانية، نشازا وموضع مؤاخذة من طرف غالب مكوّنات الساحة الإسلامية أصبح اليوم هو السّمت الغالب، بعد التوفّق إلى صياغات نظرية- وليس مجرد مواقف سياسية ظرفية- مهمة تم بمقتضاها تأصيل انتهاج مسلكية المغالبة السلمية طويلة النفس، والتركيز على الحرية كمدخل أساسي لإصلاح أوضاعنا، كما يقول الشيخ راشد الغنوشي: بأن أعظم نعمة بعد نعمة الهداية هي نعمة الحرية، وكما يؤكد الشيخ القرضاوي من أن الحرية هي طريق التمكين الطوعي للشريعة، وهو ما يؤدي عمليا إلى التأكيد على أولوية النضال السياسي السلمي، والدخول في تحالفات واسعة على قاعدة أولوية مطلب الحرية للجميع.

على مستوى الرؤية يتسع خطاب الحركة الإسلامية ليشمل مختلف مناحي الحياة. من خلال المرجعية الإسلامية تقترب الحركة من صياغة البرنامج الشامل الذي يهتم بالجوانب المعيشية والاقتصادية والاجتماعية كما يهتم بالقضايا السياسية والفكرية والتربوية.

وعلى مستوى العمل تنخرط الحركة الإسلامية، بل و تبادر، في اتجاه تشكيل جبهة وطنية واسعة لمواجهة كل المعضلات والعوائق أمام نهضتنا.

تحولت الحركة الإسلامية بالتدرج من حركة ثقافية تربوية دعوية في الأساس إلى حركة جامعة ومجمّعة. أعظم المكاسب التي نشهد بوادرها الآن، هي أن تنفتح الحركة الإسلامية من خلال قراءتها واجتهادها، أن تنفتح على قيم العصر، وأن يعيد جزء من النخبة العلمانية والتحديثية ضبط علاقته بتراث الأمة وثقافتها ودينها.

هذا الالتزام المزدوج والمتزامن هو السبيل إلى تشكيل ما يسميه الجابري استعارة من غرامشي ومن التجربة الإيطالية "الكتلة التاريخية" القادرة على تغيير موازين القوى لصالح أوضاع يتم فيها التمكين للحرية.

بعد تجارب طويلة يتضح ألا سبيل إلى توسيع دائرة الاقتناع والنضال من أجل حقوق الإنسان، والتداول على السلطة، دون غرسها في تربتها الثقافية، بل والعقائدية، مثل توسيع دلالة واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو دلالات التكريم الإلاهي لبني آدم. إن هذا المجهود التجديدي النظري الثقافي هو السبيل إلى ردم الهوة بين النخبة والجماهير، ونشر مثل هذه القيم على أوسع نطاق، ومن ثم إعطاء زخم جماهيري واسع قادر على إيجاد توازن مع الدولة التسلطية المتغولة. خارج هذا الطريق لا خيار لنا غير تأييد الاستبداد، أو فتح الأبواب للجشع الغربي.

متابعة مثل هذه التجارب، وتوفر بعض فرص التأمل والنقاش هل ساعدكم ذلك – أو دفعكم- إلى تقييم تجربة حركة النهضة في رؤيتها وأدائها؟

لقد تعلمنا في حركتنا تقييم أدائنا. كنا في النشاط الطلابي نخصص العطل الصيفية للتقييم والتخطيط، وكان هذا تقليدا في الحركة، ومنهج عمل لكل المؤسسات والمكاتب واللجان.

وضع حركتنا بعد 1992 كان يستحق منا جميعا الانشغال، والتأمل، والتفكير. والمقارنة أحد الحوافز لهذا التفكير في تجربة هي ملك لكل أبنائها، يستوون في الغيرة والحرقة والحرص عليها مهما اختلفت بينهم مواقع المسؤولية بالمعنى المؤسساتي والتنظيمي والقانوني, إذ أن تلك مسألة عارضة تخضع لمنطق التداول. وهي ملك أيضا للحركة الإسلامية عموما إذ تمثل نمطا له خصوصياته وتفرده، إضافة لما يجمعه من خصائص وسمات مع بقية النماذج. و هي ملك أيضا لأبناء شعبنا، وملك لأمتنا، وملك للتاريخ.

التأمل والتفكير كانشغال فردي- داخل السجون- كان حاضرا، لكن لم تتوفر الفرص المناسبة لتفكير جماعي معمق. وعسى أن تسمح لنا الظروف بكتابة ونشر كثير من الشهادات على الأحداث من شخصيات عايشتها، ووجهتها وأثّرت فيها من مواقع المسؤولية، وعسى أن تتوفر الظروف أيضا لتفكير جماعي في حصاد التجربة وعوائقها والعوامل التي أثرت في مساراتها، تنضاف إلى ما نشره إخواننا في المنافي.

رأيك في المحطات السياسية القادمة؟  

آمل ألا تكون ذاك الذي يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا.

حكمة (أية قرانية، حديث نبوي، مثل شعبي، بيت شعر..) كثيرا ما تردّدها؟

كنت كثير التّرديد لثلاث آيات جليلة:

"وتلك الأيام نداولها بين الناس" آل عمران

"ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها" ابراهيم

"ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض، ولكن الله ذو فضل على العالمين" البقرة

كلمات لا تزال ت&