تحدي البطالة في العالم العربي والحلول المنتظرة

العدد الحادي والعشرون
السنة الخامسة / فيفري - مارس 2008

جلال عليـبـي (*)

تعد البطالة وما ينجر عنها من أزمات اجتماعية متعددة الأبعاد من أبرز المشاكل التي تواجهها بلدان العالم لاسيما تلك التي تنتمي إلى مجموعة بلدان الجنوب. لاشك أن البطالة ظاهرة قديمة ميزت كل المجتمعات البشرية لكنها اليوم تحولت إلى ظاهرة عامة ومشكلة عويصة تواجهها كل الأقطار لاسيما الأقطار العربية التي تبدو مشلولة بأعداد متزايدة من العاطلين رغم ما يعلن عن معدلات نمو اقتصادي ايجابية.

تشير التقارير إلى أنه بالرغم من معدلات النمو الإيجابية في السنوات الأخيرة فإن عدد العاطلين بلغ أرقاما قياسية في تاريخه فسنة 2006 قدر عددهم بـ 195,2 مليون عاطل أي ما يناهز 6,3% كما ان العمال الفقراء لم يستفيدوا إلا قليلا من التنمية. وتتحدث التقارير الدولية المعنية بالشغل عن وجود 1,37 مليار عامل يعيشون الفقر المدقع ولا يتجاوز الدخل الفردي لكل منهم 2 دولار في اليوم. لكن إذا كانت البطالة ظاهرة عالمية لا يخلو منها أي بلد فإن البلدان العربية تشكل أبرز البلدان التي تعاني من هذه المشكلة الخطيرة ويبلغ معدل البطالة فيها 12,2% وهو ما يمثل تقريبا ضعف نسبة البطالة في العالم. وإذا ما قارناها بأوضاع بقية بلدان العالم تبدو الأقطار العربية المنتشرة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا هي الأسوأ حيث تتصدر قائمة مناطق العالم من حيث نسبة البطالة بل إن بلدان إفريقيا جنوب الصحراء التي تتميز بوجود أعلى نسبة من العمال الفقراء تأتي بعد الأقطار العربية في هذا المجال بنسبة 9,8%. وتبدو هذه المشكلة أقل وطأة في بقية المناطق مثل الإتحاد الأوروبي الذي لم تتجاوز فيه البطالة 6,2% أي أقل من المعدل العالمي أو منطقة شرق آسيا التي تقدر فيه نسبة البطالة 3,6% عاكسة بذلك حيوية اقتصادياتها ونجاعة سياساتها التنموية.

والبطالة في العالم العربي متباينة دون شك بين الأقطار لكنها تبقى مرتفعة جدا مقارنة ببقية البلدان، وهي متفشية في البلدان التي تقدم نفسها وتصفها بعض التقارير بأنها بيئة ملائمة للاستثمار مثل المغرب وتونس ومصر، كما تنتشر في البلدان التي لا تشكل بيئات استثمارية ملائمة بحكم عدم الاستقرار السياسي والأمني، الذي تشهده، مثلما هو الحال بالنسبة للصومال والجزائر ولبنان واليمن وكذلك في الأقطار المحتلة كالعراق وفلسطين، حيث تصل معدلات البطالة حسب بعض التقديرات إلى 60%.

وتنتشر البطالة أيضا بمعدلات عالية في الأقطار النفطية ذات الموارد المالية الهائلة مثل قطر والإمارات والسعودية والبحرين. وهي ظاهرة متفشية في الوسطين الحضري والريفي، وتشمل اليوم مختلف الشرائح الاجتماعية، ومختلف الفئات العمرية، والمستويات التعليمية، لكنها متفشية بشكل كبير في أوساط الشباب المتقدمين لسوق العمل لأول مرة، وهي شائعة في صفوف المتعلمين من خريجي التعليم الثانوي والتعليم الجامعي على حدّ سواء، وهو ما تعبر عنه خاصة الأوضاع في مصر والمغرب وتونس والجزائر ولبنان.

والبطالة التي تعكس ضعف الاقتصاديات العربية وعجزها عن توفير مواطن الشغل "للقادرين عن العمل والراغبين فيه والباحثين عنه"، تطرح مشاكل أخرى شديدة الخطورة، فللبطالة آثار سلبية عديدة وخطيرة على حياة الإفراد والمجتمعات: فالفقر، والأمراض النفسية، وكراهية المجتمع، والانحراف نحو الجريمة بمختلف أشكالها، وممارسة العنف، كلها تعبيرات عن الأزمة التي يواجهها الأفراد في مجتمعاتنا العربية، وهي على صلة وثيقة، إذا دققنا النظر، بحالة البطالة المتفشية. ولاشك أن هذه المشاكل المختلفة تزيد في تعميق أزمة الاقتصاديات العربية، بما تتطلبه من ضخ لأموال طائلة لمواجهتها، فتساهم بذلك في إعاقة الجهود المذولة في مجال التنمية.

وتتعدد الأسباب المفسرة لتنامي البطالة بشكل مفزع في المنطقة العربية، وهي أسباب تتردد كثيرا في التقارير الحكومية ودراسات الخبراء المعنيين بقضية التشغيل، وكثيرا ما تم حصرها في:

النمو السكاني الذي يتم بنسق أسرع من النمو الاقتصادي.

الانتشار الواسع للتكنولوجيات الحديثة في عملية الإنتاج.

تراجع دور القطاع العام في التشغيل، مع تنامي تحرير الاقتصاديات العربية، وربطها بالسوق العالمية، وهو قطاع يشكو ضعفا في الإنتاجية، وغير مؤهل لاستيعاب طالبي الشغل.

ضعف القطاع الخاص الآخذ في التوسع منذ التسعينات وعجزه عن استيعاب طالبي العمل.

طبيعة التعليم في المنطقة العربية، والذي غلبت عليه التخصصات الموجهة للعمل في القطاع العام، وهو ما جعل خريجيه عاجزين عن العمل في سوق آخذ في التبدل نحو الخوصصة، ومستقطبا لأصحاب المهارات.

وجهود الحكومات العربية لمواجهة مشكلة البطالة والحد من آثارها السلبية على مجتمعاتهم غير خافية، فالسنوات الأخيرة شهدت الكثير من الإجراءات الهادفة لمواجهة هذا التحدي الخطير، والحكام العرب كثيرا ما أكدوا في خطبهم، خلال السنوات الأخيرة، على تكريس جهودهم لحل مشكل العاطلين، بل إن بعضهم قد اتخذ من تشغيل الشباب ومقاومة البطالة أبرز محاور برنامجه الانتخابي عند انتهاء ولايته وترشحه مرة أخرى للرئاسة، مثلما هو الحال بالنسبة للرئيس المصري والرئيس التونسي. ولا شك أن ذلك يعكس وعيا بعمق التحديات التي تطرحها البطالة، وبخطورة المشاكل المترتبة عنها.

والمتتبع للسياسات العربية في هذا المجال يلاحظ الكثير من الخطوات، التي اتخذت في هذا البلد العربي أو ذاك. ويمكن الملاحظة أن هذه السياسات قد اتجهت نحو مزيد من الدعم للاستثمار الخاص المحلي والأجنبي، وتشجيع المشاريع الصغرى والمتوسطة وبرامج التكوين والتأهيل في محاولة لجعل طالبي الشغل يستجيبون لمتطلبات السوق، هذا فضلا عن تغييرات جوهرية في مستوى برامج التعليم لاسيما الجامعي، حيث تنوعت التخصصات التي تلبي احتياجات أصحاب العمل، وتم تقليص التخصصات المفضية للقطاع العام كالتعليم والإدارة وغيرها، وبالمقابل تواصل تراجع دور القطاع العام في العملية التنموية وكإطار لخلق فرص عمل جديدة تحد من ظاهرة البطالة. لكن رغم أهمية هذه الإجراءات، وأهمية الأموال التي صرفت من أجلها، ورغم مضي عديد السنوات منذ بداية اعتمادها كما هو الحال في مصر وتونس والمغرب وغيرها من البلدان، فإن مشكل البطالة مازال يشكل تحديا خطيرا.

وحتى نقف على حقيقة هذا المشكل يكفي أن تحدث أي مواطن عربي عن ظروف الحياة في بلده، وعن فرص العمل المتاحة، حتى تجده يحدثك عن الصعوبات التي يوجهها العاملون في معيشتهم اليومية، وعن انتشار واسع للبطالة طال جميع الشرائح الاجتماعية، بل أصبح الناس يتحدثون عن عجز بعض الموظفين الكبار في الدولة عن توظيف أقاربهم وأبنائهم، ولا يستطيعون التوسط في عملية التشغيل. فالجهود الكبيرة التي بذلت في إطار مواجهة البطالة لم تفض إلى حلول جوهرية، بل إن المشكل آخذ في التفاقم بحكم أفواج العاطلين المتزايدة كل سنة. وقد أشارت بعض التقارير المعنية بشؤون العمل في العالم العربي إلى أن البطالة ستشمل 25 مليون عاطل سنة 2010.

الملفت للانتباه أن تفشي ظاهرة البطالة، وانتشار الفقر، وتدهور القدرة الشرائية، قد تزامنت جميعها مع نمو اقتصادي بمعدلات إيجابية على مستوى الأقطار العربية، وكثيرا ما أشادت هذه الأقطار بأهمية معدلات نموها. فحاليا هناك طفرة اقتصادية في البلدان العربية تقف ورائها بشكل رئيسي عائدات النفط يعكسها معدّل النمو الذي بلغ 5,6% خلال 2004 و2005 مقابل 3,6% خلال التسعينات من القرن الماضي، لكن في مقابل هذه الطفرة الاقتصادية لا يزال تحدي البطالة يشكل أحد أبر التحديات التي تواجه الحكومات العربية.

إن هذه المفارقة تستدعي النظر والتحقيق، لأنه من المفروض أن تنعكس نتائج النمو الاقتصادي إيجابيا على أوضاع السكان، بتوفير مواطن الشغل، وتحسين مستوى العيش، وتقليص ظاهرة الفقر وغيرها من المشاكل، لكن الذي حصل هو العكس. هذه المفارقة تدفع للاستنتاج بأن النمو الاقتصادي قد تحقق على حساب مستوى عيش السكان، وعلى حساب أعداد متزايدة من العاطلين، الذين لم يستوعبهم سوق العمل، أو ممن لفظهم هذا السوق، الذي يعمل أرباب العمل فيه على تحقيق أوفر ربح، من خلال تقليص تكاليف الإنتاج، وفي مقدمتها الضغط على العمالة، سواء في مستوى الأجور، أو في مستوى العدد، مستعيضا عنها بالتكنولوجيات الحديثة.

إن النمو الاقتصادي الحاصل، والبطالة المتفشية، وفقر العمال الآخذ في الاتساع، يعكس تركز الثروة عند قلّة من الناس على حساب الأغلبية. وهنا يتكشف عمق الأزمة التي يواجهها العالم العربي في هذا المجال، فهذه الأزمة هيكلية لا يمكن التعاطي معها باتخاذ جملة من الإجراءات والسياسات العلاجية، ولا يمكن النظر إليها بمعزل عن المنظومة الاقتصادية الرأسمالية المهيمنة حاليا، فهذه المنظومة قد استفادت من انهيار المنظومة الاشتراكية، ومن التكنولوجيات الحديثة، ومن توظيف مختلف المؤسسات المالية والدول النافذة في العالم، لتفرض نموذجها التنموي الليبرالي على الأقطار العربية، التي اتخذت سياسات انفتاح منفردة على اقتصاديات مصنعة قوية، وشركات عملاقة، لا تقدر على منافستها، والتصدي لسياساتها في المنطقة.

إن تبني الرأسمالية نموذجا تنمويا، سواء عن اقتناع أو تحت تأثير الضغوط، لا يمكن بأية حال أن يؤدي إلى الرفاه للجميع في المنطقة، ولا يمكن أن يحل المشاكل القائمة، بل سيؤدي إلى تعميقها، وهو الأمر الذي نلمسه من خلال الواقع المعيش، ومن خلال تقارير الخبراء المستقبلية عن البطالة في العالم العربي.

إن طبيعة النظام الرأسمالي القائمة على مبادئ حرية السوق، وتقليص دور الدولة في الحياة الاقتصادية، ليقتصر دورها على التشريع، وحفظ الأمن، لن تفضي إلا إلى مزيد من تدهور الأوضاع، فهذا النظام القائم على التوسع اللامحدود، وعلى الاستغلال الفاحش للعمال والشعوب، لتحقيق أكثر ما يمكن من ربح، هو الذي أفضى للحركة الاستعمارية مع نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، والتي مازالت تبعاتها إلى اليوم، وهو النظام الذي أفضى إلى الأزمة الاقتصادية العالمية سنة 1929، والتي خلفت ملايين العاطلين عن العمل في فترة قصيرة، وهو النظام الذي أفضى إلى حربين عالميتين، حلفتا الدمار والضحايا بالملايين.

واليوم يتكرر المشهد نفسه، فالمؤسسات الأجنبية العملاقة تضغط لفتح الأسواق أمامها، سواء لتصريف سلعها، أو لاستثمار أموالها، أو للسيطرة على مصادر المواد الأولية الضرورية لاستمرار أنشطتها، بل إنها اليوم تنتشر في البلاد العربية، وفي غيرها من البلاد، بشكل لم يسبق له مثيل، مستحوذة بشكل تدريجي على العديد من المدخرات الوطنية، ومستغلة للشغالين، وملقية بأعداد هائلة منهم لسوق العاطلين، بعد أن عوضتهم بتكنولوجياتها المتطورة.

ويتحول بعض العرب اليوم إلى ممثلين لمصالح الرأسمال الأجنبي، حريصين على خدمته، على حساب الفئات المحرومة، بل إن أصحاب المال العرب قد تأثروا بهذه المنظومة، فأصبح الربح هو همهم الوحيد، دون مراعاة البعد الاجتماعي، بل دون مراعاة ظروف عمل ملائمة، تتوافق مع ما أقرته القوانين والمواثيق الدولية.

إن التحدي الذي تطرحه ظاهرة البطالة على الدول العربية يستدعي سياسات فعّالة، تتجاوز ما اتخذته الحكومات من إجراءات، لم تظهر لحد الآن فعاليتها في القضاء على البطالة وآثارها السلبية. وخطورة هذا التحدي تستدعي تظافر الجهود، وتشريك كل الأطراف المعنية والمؤثرة في المجتمع لصياغة الحلول الملائمة، وفي مقدمة هذه الأطراف الحكومات والمنظمات العمالية والمؤسسات الخاصة والخبراء، من مختلف التخصصات والاتجاهات.

كما تستدعي تنسيقا عربيا فعليا للحد من الهجرة الوافدة، ولبناء مؤسسات اقتصادية عملاقة متكاملة ومنافسة للمؤسسات الأجنبية، هذا إلى جانب مزيد من التوظيف للعائدات النفطية في مشاريع استثمارية بالبلدان العربية محدودة الموارد.

ولا نعتقد بجدوى أية إجراءات لمواجهة البطالة ما لم يتشكل وعي تاريخي لدى أصحاب القرار يرشدهم للمخاطر الجسيمة، التي سيفضى إليها التحرير الكلي للاقتصاديات العربية، والخضوع التام للقواعد الليبرالية في المجال الاقتصادي، وما لم يتشكل وعي وطني لدى أصحاب العمل، يحد من جشعهم وحبهم المفرط للكسب السريع والخيالي، ويراعي المصالح الوطنية والبعد الاجتماعي في العملية التنموية.

بل لا يمكن الخروج من أزمة البطالة وما ينجر عنها من مشاكل، ما لم تتول الدولة زمام الأمور، ليس كمشرع وحافظ للأمن ومشجع للقطاع الخاص، بل بحضورها الفعلي في الحياة الاقتصادية، بصفتها مستثمرا رئيسيا، وممولا أساسيا للمشاريع الكبرى المشغلة، وبصفتها حاميا للعمال والفئات المحرومة من جشع أصحاب المال الأجانب والمحليين.


* جامعي تونسي

© aqlamonline 2008