"تاريخية الدعوة المحمدية" لهشام جعيط و..
مآزق العقلانية الوضعية في دراستها "للماوراء"

العدد العشرون
السنة الخامسة / أفريل - ماي 2007

سمير ساسي (*)

يندرج كتاب تاريخية "الدعوة المحمدية" في إطار مشروع دراسة "السيرة النبوية" الذي أطلقه صاحب الكتاب المؤرخ التونسي هشام جعيط، وإن كان الجزء الأول من هذا المشروع بحثا في موضوع حساس جدا لأنه يلتصق بالماورائي ويتصل بالمعتقد".

وحتى يتجنب الاستاذ الباحث جعيط هذه الحساسية التى يتميز بها الموضوع فقد حاول أن يقنع القارئ أو يلزمه بالاقتناع بأن هدفه "ليس المس بالمقدسات الإسلامية ولا بالذات النبوية وليس إقامة أحكام تقريظية ولا سلبية بالمثل". ولأجل ذلك عاب على بعض المستشرقين مثل لامانس وغيره تسليط آرائهم "على شخص محمد صلى الله عليه وسلم من وجهة أخلاقية أو دينية". كما عاب عليهم أيضا الكتابة من موقع ايديولوجي معين كأن يكون مسيحيا أو ماركسيا.

وقد بدا واضحا أن الأستاذ جعيط يدرك جيدا خطورة الموضوع الذي طرقه ودقته لذلك حرص كثيرا على تأكيد محاولته الالتزام بالموضوعية والحياد فلا عجب أن نجده يخصص حيزا هاما من مقدمة الكتاب لمثل هذه المحاذير المنهجية التى توحي بوعيه بأهمية الموضوع وحساسيته. هذا الحيز امتد من الفقرة الأخيرة من الصفحة السادسة حتى الفقرة الثانية من الصفحة الثامنة وهو حيز غير قصير قياسا بمكانة الباحث العلمية ودقة كتاباته. هل كان الأستاذ جعيط وهو يبدي تفهمه للاحترازات والمعارضة التى قد تجلبها بعض تحليلاته يخشى أن يتهم في دينه من قبل العرب والمسلمين "وهم أناس لهم عادة رؤية مسبقة مستقاة من التربية الدينية ومن الجهاز الثقافي لكل فرد" أم كان يخشى أن يقدح في علميته من قبل الغرب" الذي أسس العلم الحديث في كل الميادين". وبعيدا عن البحث في نوايا الأستاذ الباحث الذي أكد أن مقاربته "لاعلاقة لها بأي ايديولوجيا وأن المقصود ليس نسف الإسلام من ينابيعه ولا إحياء مقاصده الأولى في وجاهتها أو الدفاع عن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ضد من لم يعطه حقه من بعض المستشرقين ومن الرأي العام الغربي"، فإن الكتاب الأخير للدكتور كما يراه الباحث سامي براهم "امتداد للأفق النظري الذي يتحرك فيه الاستشراق". وقد أكد براهم أن جعيط لم يخرج عن السياق النظري والمفهومي والمنهجي لبحوث المستشرق الألماني نولدكه (1836 / 1930) ونحن نحاول هنا تتبع هذه السياقات التى طرحت ضمنها قضايا الكتاب، والبحث في مدى التزام الأستاذ بالضوابط المنهجية التى ضبط بها مدار بحثه كما نحاول الوقوف على قيمة النتائج التى أتى بها هذا البحث.

يرى الأستاذ جعيط أنه "ليس هناك أفضل من الرسول محمد صلى الله عليه وسلم لتسليط الأضواء على حياته وسيرته بشكل علمي "لأن ما غلب على دراسات السيرة هي الرؤية الدينية الصرف". لذلك حاول الأستاذ في كتابه الإلمام بجملة من القضايا والوقائع التاريخية الحافة بحياة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وإخضاعها للدرس والتمحيص التاريخيين، درس أوصله إلى جملة من الاستنتاجات التى أثارت الكثير من الجدل.

وقبل الوقوف على أوجه الجدل في هذه النتائج لا بد من الإشارة اليها أولا. فبالنسبة للقرآن شدد الكاتب على أن الباحث في الإسلاميات محظوظ لأن "النص المتضمن على محتوى الرسالة أي القران طويل ومديد قياسا بما احتفظ به لنا من قبل مثلما يتعلق الأمر بزردشت وبوذا والمسيح" ويخلص الى أن "اللجوء إلى القرآن كمصدر تاريخي مهم جدا لأنه يعطي تفاصيل عن الأحداث التى يثبتها فيجعلنا نتحقق من وجودها". غير أن ذلك لم يمنعه من القول بان في القرآن آيات زيدت عليه وكلمات سقطت منه مستدلا بآية "وأمرهم شورى بينهم" معتبرا أنها لاتنسجم مع نسق الآية التى وضعت فيها، وهذا أحد أوجه الجدل التى أثارها الباحث في كتابه الجديد.

بالاضافة إلى ما استخلصه حول تاريخ ولادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم حيث اعتبر أنه لايمكن لا من باب الضرورة الواقعية والتاريخية تحديد ميلاده بعام الفيل بل اعتبر أن التاريخ الأقرب لميلاده هو 580 م. كما شكك في سن البعثة معتبرا أنها في الثلاثين وليست في الأربعين موردا استغرابه من اعتبار القران هذه السن "سن الرشد" كما شكك في اسم الرسول صلى الله عليه وسلم معتبرا أن اسم محمد لم يكن معروفا عند العرب مرجحا أن اسمه الحقيقي هو "قثم".

أما أبرز نتيجة وقف عندها الباحث فهي تاثير المسيحية في القرآن مشيرا إلى أن السول لابد أن يكون قد تلقى بعض التأثيرات المسيحية حتى قبل أن يبدأ رحلاته إلى الشام حيث تعمقت تلك المعارف. وما ساعده على ذلك هو أنه كان يعرف السريانية وهو ما ينفي حسب رأيه فكرة أن النبي كان أميا. ويضيف "فالإسلام ملأ ثغرة لمن كان يتوق إلى التنصر... ومعنى ذلك أن الإسلام الأولى في منبعه متأصل جدا في المسيحية".

النقد:

يذكر الباحث أن مقصده تعميق المعرفة وإثراؤها في فترة عرف فيها علم التاريخ تقدما بالغا... "ولكي نسهم بدورنا في هذا الميدان من وجهة علمية صارمة." والسؤال الذي يطرح هنا يتعلق بمدى استجابة هذه الدراسة التاريخية العلمية أو بمعنى أدق استجابة المنهج الوضعي لمقصد الباحث هنا خاصة مع إقراره أن الأسئلة قد تبقى معلقة إن تعذرت الإجابة عنها – ص 15 – ومن ناحية أخرى إقراره بأن المؤرخ الموضوعي قد يجبر على التوقف عن كل بحث إذا لم يقر بتأثير القوى المسيحية على القرآن أي إذا أقر بألوهية القرآن – ص 164 – ولسنا هنا بصدد السؤال عن الضير من الإقرار بألوهية القرآن وإن كان الباحث سامي براهم في مقاله السالف الذكر أكد أن هذا الإقرار لم يمنع من إنتاج معرفة علمية موضوعية عن الدين كما حاول جعيط إثباته واستشهد براهم بالحركة العلمية التى نشأت حول النص تستكشف بنيته اللغوية والحجاجية والمفهومية لتنتهي بعيدا عن سياق الحجاج الديني العقائدي إلى فرادته وانسجامه الداخلي.

قلنا إن السؤال ليس حول الإقرار بألوهية القرآن وإنما عن جدوى إغلاق السبيل غير السبيلين المذكورين (اإاقرار بتأثير المسيحية ومواصلة البحث أو الإقرار بألوهية القرآن والتوقف عن كل بحث)  خاصة وأن هم المؤرخ كما يراه الأستاذ جعيط هو التفهم وإخراج واقع الماضي من سديم النصوص أي إكسابه نظاما وهيكلة من دون إخضاعه لأية نظرة مسبقة – ص6 – في حين أنه قد ذكر في مقدمة بحثه بأن التاريخ يطرح موضوعا ويتخذ مناهج خاصة وقع ضبطها من قديم ويرنو إلى المفهومي. وهذا الرنو إلى المفهومية من شأنه أن يصوغ حقائق التاريخ وفق الهيكل المضبوط سلفا "وهذا خطأ يأتي من حقيقة أن وقائع التاريخ سبقت في الزمن تخطيط المناهج والمذاهب" كما يقول الدكتور عماد الدين خليل. وهذا ما أثر على شرط الصرامة العلمية التى ألزم الباحث بها نفسه وهي صرامة بدت غائبة في فصل "نشأة محمد".

فلا يوجد سبب علمي موضوعي بحسب منهج البحث يفسر استغراب الباحث من اعتبار القرآن سن الأربعين سن الرشد إلا معدل الأعمار في ذلك الزمن وهي حجة الباحث التى لا تصمد أمام التمحيص، إذ لدينا من أمثلة المعمرين الكثير ممن دفعت بهم شهرتهم إلينا كابن ربيعة والخنساء والحطيئة وزهير ابن أبي سلمى مع قولته الشهيرة: ومن يعش ثمانينا حولا...لا أبا لك يسأم

فلا يعقل أن يعمر الواحد مائة سنة أو ثمانين سنة ويعتبر شيخا في الأربعين. أما عن تسمية النبي محمد صلى الله علبيه وسلم التى تشكك فيها الباحث منطلقا من مبدإ الصرامة العلمية ذاتها لينتهي بعدما يزيد عن الصفحة ونصف الصفحة إلى أنه في آخر التحليل ليس من المهم أن  نعرف الاسم الحقيقي لمحمد إلا أن لنا قرائن تعرفنا لو ثبتت صحتها – ص 149- فأنا أسأل هنا لماذا تحظى مسألة غير مهمة بهذا الحجم من التحليل أولا، ثم لماذا يواصل الباحث فيها رغم إقراره بعدم أهميتها ثانيا، ويبحث فيها من خلال وثائق مشكوك في صحتها فأين هي الصرامة العلمية التى تمترس خلفها الباحث في الضوابط المنهجية.

مسالة اخرى تثير السؤال عن علاقة القرآن باللغة العربية وهو سؤال لا يطرح من باب الدفاع عن القرآن أو عن اللغة وإنما للوقوف على الأثر الخطير في استعمال المنهج الموضوعي في تناول هذه المسائل إذ أدى استعماله إلى تأكيد حقيقة بدت دفاعا عن القرآن في مقابل توظيف ري آخر يحتاج إلى الدقة العلمية. فلئن سلمنا بأن القرآن خلق التجريد المفاهيمي فإن الحديث عن اللغة العربية بكونها لا تعرف إلا الحسي أمر في حاجة إلى إثباب خاصة وأن الضجة التى أثارها كتاب الخيال الشعري عند العرب لصاحبه أبي القاسم الشابي ما زال صداه يتردد في وساط الباحثين. بالإضافة إلى أن جعيط نفسه قد نقض هذه الحقيقة في لاحق البحث حينما أكد أن القرآن نزل في فترة بلغت فيها اللغة حدا من النضج والغنى. وفي تتبعنا لنتائج هذا الكتاب نقف على مفارقة يبينها سؤال كيف كان يتكلم القرشيون وتعمقها الإجابة التى طرحها الباحث: فإذا سلمنا بأن القرآن نزل بلسان عربي مبين فإن الأسئلة المثارة تصبح لا معنى لها باعتبار أن الإبانة التى يحتكم إليها القران كافية لتوضيح محتواه للقرشيين. وإذا اعتمدنا قول الباحث بصعوبة السور الوسطى مثلا على الفهم فإن القول بتاريخية النص بمعنى محايثته لواقعه وعصره تنسف من أساسها إذ لامعنى للمحايثة هنا، واللغة التى نزل بها مفارقة لعصرها. وهنا أيضا نستغرب كيف يسلم الأستاذ جعيط بأن "مئات الكلمات التى تبدو لنا شفافة الآن لم تكن كذلك في الأصل" ونحن الذين نفسرالمبهم من معجمعنا بالعودة إلى اللغة الأولية ومعاجمها من شعر وأقوال العرب علاوة على أن القرآن الذي يقر الباحث بأنه يبقى أكثر مصادره صدقا ورجحانا يقول: "وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه لنبين لهم". 

ونعود في خاتمة هذه الدراسة إلى نقد المنهج الموضوعي الذي درس من خلاله الباحث هشام جعيط قضية الدعوة المحمدية لنؤكد عجز المقاربات التاريخية التى تنطلق من تسليمها بتاريخية النص الخالصة عن إقامة الدليل الموضوعي على مسلماتها هذه لنسأل مع الأستاذ سامي براهم لماذا توفرت تلك الشروط في ذلك الزمان وفي ذاك المكان بالذات لتشكيل الظاهرة القرآنية وظاهرة النبوة؟ ولماذا اصطفت ذلك الشخص بعينه وهل هذه الشروط موقوفة على مرحلة تاريخية وأشخاص لن يتكرروا ولماذا فشلت كل محاولات التنبؤ القديمة بعد ختم النبوة...؟ أسئلة غير ميتافيزيقية بحسب تعبير سامي براهم وطرحها على المبحث التاريخي مشروع ولكن أنّى للعقلانية الوضعية أن تتصدى لهذه الأسئلة وهي مقيدة بمركزية العقل المحكوم بقوانين المادة في مقاربته للظواهر البشرية؟

(*) كاتب وباحث تونسي

© aqlamonline 2007