حـــركـــة 18 أكـتــوبـر: الـمســار...الـحـصيلـة...الآفـــاق

العدد العشرون
السنة الخامسة / أفريل - ماي 2007

فتــحـــي نصـــــــري

إن الـمـتـأمـل في الـمشهـد الـسـيـاسي الـخـريـفي لـسنـة 2005 يـلاحـظ أن سـمـة الاحـتـقـان الـسيـاسي كـانـت الـسـمـة الـبـارزة فـي ظــل تـعـمـق الـهــوة بــيــن الـمعـارضـة الـتـونـسيـة والـسـلطـة الـحـاكمـة،

ولـم يـكـن بـوسـع أي مـحـلـل سـيـاسي الـتـنـبـؤ بـلـم شـمـل الأطـيـاف الـسيـاسيـة الـمـعـارضـة تحت ســقــف نـضـالي واحــد حـتى و إن كــان هــذا الـسـقـف مـطلبيـا بـحتـا، فـالـهـوة بيـن الـسلطـة الـحـاكمـة و الـمـعـارضة كـانـت عـمـيـقـة جـدا، و جـليـد عـدم الـثـقـة بـيـن مـكـونـات الـمعـارضة كـان يـتطلـب وقـتـا أكـثـر لإذابـتـه، ولـعـل أكثـر الـطـروحـات الـمتفـائـلـة كـانـت تـطـالـب بـإعـداد مـؤتـمـر وطني لـلمصـالحـة والإصـلاح قـد يـفـرز شـكـلا من أشـكـال الـعـقـود الـسيـاسيـة بـيـن الـسلطـة والـمعـارضـة في أفــق الـخـروج من حـالـة الاسـتقطـاب الـثـنـائي الـذي لـون الـعـقـديـن الأخـيـريـن كـمرحـلـة أولـى، تـم تـقـريـب الـمسـافـة بـيـن تـلـويـنـات الـمعـارضة نـفسهـا لـتـذويـب جـليـد الـخـوف الـمتبـادل تـدريـجـيـا كـمـرحـلـة ثـانـيـة.

فـي ظـل هـذا الـمـنـاخ الـسـيـاسي الـمتـوتـر جـاءت الـمفـاجـأة ومن دون مـقـدمـات بـدخـول بـعـض أقـطـاب الـمعـارضة الـتـونـسيـة في إضراب مـفـتـوح عن الـطعـام أو مـا اصـطـلـح عـليـه "بـإضـراب الـرجـال الـثمـانـيـة" رافـعيـن ثـلاث يـافـطـات سـيـاسيـة:

- حـريـة الـصحـافـة والإعــلام.
ـ  حـق الــتـنـظـم الـحـزبي والـجمـعيـاتـي.
- إطـلاق سـراح الـسجنـاء الـسيـاسيـيـن وسـن الـعفـــو الـتشـريـعي الـعـام

ولـعـل الـملفـت لـلنـظـر في الـخـلفيـة الـفكـريـة لـلـرجـال الـثمـانـيـة هـو اسـتيعـابهـا لـجميـع الـمشـارب الـفكـريـة من يـسـاريـيـن وقـومـيـيـن ولـيـبـرالـيـيـن ومـحسـوبيـن على الـتيـار الإسـلامي، وبـسـرعـة لافـتـة لـلنـظـرأيضـا تــوسـعـت حــركـة الـمـضـربــيـن لـتـتـكــون لـجـنـان مـسـانـدة داخـليـا وخـارجـيـا في حـركـة مـتـواترة ومـتسـارعـة كـانـت تـنـبـيء بـولادة حـدث جـديـد، أو على الأقـل إعـادة الـتـوازن لـلمشهـد الـسيـاسي الـتـونسي والـضغـط الـفعلي بـاتـجـاه الـحـلحلـة والـخـروج من حـالـة الـتكلس الـسيـاسي، وفـعـلا كـانـت كــل الـمـؤشـرات تــوحي بــذلـك خــاصـة مـع تــنـامي حــركـة الاحـتـجـاج وتـأجـج الـوضـع الـداخـلـي وقـابـليـة الـمجتمـع الـدولي لـلإنـصـات والـضغـط خـاصـة فـيمـا يـتعـلـق بـالـملف الـحقـوقي، وكـمـا انـطلقـت حـركـة إضـراب الـجـوع بتشكـل مـفـاجيء وبـدون مـقـدمـات، تـوقـفـت أيـضـا بـشكـل مـفـاجيء وبـدون تـتـالـيـات وتـمخضـت عن بـيـان خـتـامي نـادى "بـهيئـة وطـنيـة لـلمـتـابعـة" وكـأن إكـراهـات الـمحطـة الأخـيـرة لـشكـل نـضـالي مـحـدود في الـزمـان والـمكـان فـرضـت هـذا الـتـوقـف الإجـبـاري فـكـانـت الأهـداف الـمـرسـومـة لـلهيـئـة الـوطنيـة لـلمتـابعـة الـمـعلنـة عنهـا في الـبيـان الـختـامي فـضفـاضـة بـمـا حـملتـه من مـصطلحـات طـرحـت عـديـد الـتسـاؤلات وقتهـا من مـثـل "وحـدة الـعمـل"، "الـحـوار الـوطني"، "مشـروع الـبـديـل الـديـمقراطي"                           

وكـدأب جميـع الـتـحـركـات أو الـتكتـلات " الـعشـوائـيـة " (طبعـا استعمـال هـذا الـمصطلـح لا يـقـلـل من أهـميـة الـتحـركـات) انـحصرت الـنقـاشـات بـعـد إيـقـاف الإضـراب حـول الأهـداف الـمسـتـقـبلـيـة الـممكنـة وأهـمهـا:

- اعــتـبـار أهــداف تـحـرك 18 أكـتـوبـر الـقـاعـدة الـدنيـا لـلتـحـركـات الـمستـقـبـليـة.
- ضـرورة ابـتـكـار صـيـغ وطـرق جـديـدة في الـتحـركـات الـسـلميـة والـجمـاعـيـة.
- ضـرورة بـعـث عـلاقـات ثـابـتـة ومـرنـة مـع الـهيئـات الـجهـويـة الـتي تكـونـت بـمنـاسـبـة الإضـراب.
- بـعـث مـنتـدى لـلحـوار حـول قـضـايـا جـوهـريـة تــتـعـلـق بـالـمطـالـب الـثـلاثـة الـتي رفـعهـا الـمضـربـون يـكـون هـدفـه تـقليـص الـهـوة بـيـن مـكونـات الـمجتمـع لـلـوصـول إلـى "عـهـد ديـمـقـراطي"

ولـم تـكـن هــذه الـنـقـاشـات لـتضيـف شـيئـــا لـلبيـان الـختـامــي لإضـــراب الـجـوع ســـوى تـكـويـــن "هـيـئـة 18 أكـتـوبـر لـلحقـوق والـحـريـات" والـتي تـشكلـت من الأحـزاب الـسيـاسيـة الـمعـارضـة (الـتجمـع الـديـمقـراطي الـتـقـدمي- حـركـة الـنهضـة - حـزب الـعمـال الـشيـوعي- الـمـؤتـمـر من أجـل الـجمهـوريـة- الــتـكـتـل الـديـمقـراطي من أجـل الـعمـل والـحـريـات) وأهـم الـهيئـات والـمنظمـات الـحـقـوقـيـة والـجمعـويـة مـثـل (الـرابطـة الـتـونـسية لـلـدفـاع عن حـقـوق الإنـسـان- الـمجلـس الـوطني لـلحـريـات في تـونـس- جـمعيـة الـدفـاع عن الـمسـاجـيـن الـسيـاسيـيـن...).

وبـعـد مـرور أكثـر من سـنـة على إنـشـاء هـيـئـة 18 أكـتـوبـر لـلحقـوق والـحـريـات يحق لنا طرح بعض التساؤلات الجوهرية: هـل اسـتطـاعـت هـذه الـهيئـة إيـجـاد مـقعـد لـهـا في الـفـضـاء الـسيـاسي الـتـونسي؟ وهـل اسـتـطـاعـت أن يـكـون لـهـا صـدى في الـشـارع؟ وهـل اسـتطـاعـت اسـتـعـادة الـتـوازن الـمـفــقـود بـيـن الـمعـارضة والـسلطـة؟

فـلـئـن ذهـب فـضيلـة الـشيـخ راشـد الـغـنـوشي رئـيس حـركـة الـنهضـة في إحـدى مـقـالاتـه إلـى اعـتبـار "حـركـة 18 أكـتـوبـر أول مـحـاولـة جـادة مـنـذ الاسـتقـلال لـلخـروج بـالـمعـارضة من حـالـة الـبـؤس والـتـآكـل الـتي آلـت إلـيهـا في الـعهـد الـنـوفـمبـري الـتعيـس" إلا أنـهـا بـقيـت رهـينـة الـمحـاولـة ولـم تـتـحـول إلـى تـحـقيـق الـنـتـائـج الـمتـوخـاة منهـا قـيـاسـا بـالـشعـارات الـتي رفـعتهـا الـحـركـة، فـاقـتصـر عـملهـا على إصـدار بـعض الـبيـانـات الـمنـاسبـاتيـة لـلـتنـديـد بـتغـول الـسلطـة وغـيـاب الـحريـات، وعـقـد بـعض الاجـتمـاعـات الـتي تـستـبقهـا الـسلطـات بـمنـع أهـم الـشخصيـات الـمعـارضة والـفـاعـلـة من الـوصـول إلـى مـكـان انـعقـادها، ولـولا الـجـولة الأوروبية الـتي قـام بهـا بـعض رواد الـحـركـة لـلتعـريـف بـالـوضـع الـذي آلـت إلـيهـا الـحـريـات في تـونـس، والـمسـاهمـة في فـعـاليـات يـوم الـسجيـن الـسيـاسي وخـاصـة تـظـاهـرات بـاريـس، قـلـت لـولا هـذه الأنشـطـة لـجـاز لـنـا الـتـسـاؤل عن تـواجـد هـذه الـحـركـة واقـعيـا !

والـمـتـأمـل في الـبـلاغ الـصحفي الأخـيـر لـهيـئـة 18 أكـتـوبـر لـلـحقـوق والـحريـات الـصـادر بـتـاريـخ 15/2/2007 يـلحـظ الـمـراوحـة الـمستمـرة لأجـنـدة الانـطـلاقـة، فـالـحـركـة وبـعـد مـرور أكـثـر من سـنـة مـازالـت تـدعـو إلـى " تـفـعـيـل نـشـاط الـحـركـة والـتسـريـع في وتـيـرة الـحـوار وصـولا إلـى الـتـواضـع حـول  الـميثـاق الـديـمقـراطي الـمنشـود، وبـلـورة الإرادة الـسيـاسيـة لـلحـركـة حـتى تـكـون في مـستـوى الـتحـديـات الـمطـروحـة وتـشكـل قـطبـا حـقـيقيـا في الـحيـاة الـوطنيـة." فـالـحـركـة إذن مـقـتنعـة بـعجـزهـا إلـى الآن على أن تـكـون قـطبـا حـقـيـقـيـا في الـحيـاة الـوطنيـة، وعـجـزهـا أيـضـا على إنـجـاز "الـميثـاق الـديـمقـراطي" رغـم أن هـذه الـمطـالـب تـعتبـر مـطالـب داخـليـة يـتـوقـف تـحـقيقهـا على إرادة مـكـونـات الـحـركـة، فـإذا كـانـت حـركـة 18 أكـتـوبـر عـاجـزة عن تـحـقيـق الأجـنـدة الـداخـليـة فـهـل بـاسـتطـاعـتهـا الـضغـط بـاتـجـاه حـمـل الـسلـطـة على تـحقيـق الـشعـارات الـكبـرى الـمطـالـب بـهـا؟

إن واقـع الـحـريـات في تـونـس يـزداد تـأزمـا واخـتنـاقـا، وتـزداد قـبضـة الـسلطـة تـحكمـا في جـميـع مـنـاحي الـحيـاة الـسيـاسيـة انـسـدادا ، والاجـتمـاعيـة تـفـقيـرا ، والاقـتصـاديـة نـهـبـا، والـثقـافـيـة تـصحـرا ، والـخـارجـيـة تـبـعـيـة، وتــزداد أزمـة الـصحـافــة والإعــلام تـعـفـنـا يـزيـد من مـعـانـاة هـذا الـقـطـاع ويـجعـل من شــعـار " حـريـة الـصحـافـة والإعـلام " مـطلبـا بـعيـد الـمـنـال، وعلى واجهـة " الـتنظـم الـحـزبي والـجمعيـاتي " فـدار لـقمـان على حـالهـا كمـا يـقـال إن لـم يـشهـد الـحصـن الـجمعيـاتي مـزيـدا من الـتشـرذم ومـحـاولات الإضعـاف عبـر شـق الـصفـوف كمـا حـصـل مـع الـرابطـة الـتـونسيـة لـحقـوق الإنـسـان، ولـعـل الـحـلحلـة الـنسـبـيـة لـملف الـمسـاجيـن الـسيـاسيـيـن الـذي كـان لـحـركـة 18 أكـتـوبـر دورا إيـجـابـيـا في الـتسـريـع بـبـعض الإفـراجـات من خـلال الـتـرويـج الإيـجـابي لـملف الـمسـاجيـن الـسيـاسيـيـن خـاصـة في الـخـارج، رغـم أن الـسلطـة مـازالـت تـصـم الآذان وتـرفـض الـحـديـث عن " الـعـفـوالـتشـريـعي الـعـام " وتـصـنـف هـذه الافـراجـات في خـانـة الـعـفـو الإنـسـاني.

إن الـتسـاؤل عن الأسـبـاب الـحـقـيقـيـة وراء "الـسيـر الـسلحفـاتي" لـحـركـة 18 أكـتـوبـر يـكـون مـشروعـا على اعـتبـار أن مـكونـات هـذه الـحـركـة تـخـتـزل الـمشهـد الـمعـارض الـحـقيـقي، حيث يـمكـن اخـتصـار هـذه الأسـبـاب في صـنـفـيـن:

1. يـتـعلـق الـصنـف الأول بـتـركيـبـة حـركـة 18 أكـتـوبـر، فـالأحـزاب والـحـركـات الـمكـونـة لـهـذه الـهيئـة تـفـتقـد بـطبيعتهـا لـلـجمـاهـيـريـة الـتي تـمكـن الجسـم الـمعـارض من ورقـة ضـغـط على الـسلطـة ،وإذا ما اسـتثـنينـا حـركـة الـنهضـة الـتي اخـتـارت منـذ تـأسـيسهـا الـتـركيـز على الـعمـل الـشعبي، فـإن بـقـيـة الأحـزاب ظـلـت نـحـبـويـة بـعيـدة عن اهـتمـامـات الـمـواطن الـعـادي، ممـا يـفـقـد هـذه الـمكـونـات الامـتـداد الـجمـاهيري، ومن نـاحـيـة ثـانـيـة فـإن هـذه الأحـزاب تـعيـش أزمـات داخـليـة تـفـقدهـا الـتـوازن الـمطلـوب لإنـجـاز الـمهمـات الـمطـروحـة، فـأغـلب هـذه الأحـزاب لـم تـحسـم بـداخـلهـا الـقضـايـا الـكبـرى من مـثـل "الـهـويـة" "والـديـمقـراطيـة" "وآلـيـات الـتـغييـر" ممـا جـعـل خـطـاب هـذه الـمكـونـات يـتـراوح بـيـن إعـلان الـعصيـان الـمـدني والـدعـوة إلـى جـمهـوريـة ثـانـيـة، وبـيـن الـدعـوة لـلـحـوار مـع الـسلطـة، واخـتيـار الـتـرقـب لـدى الـبعض آخـر، فـضـلا عن اخـتيـار بـعض هـذه الـمكـونـات الـتـركـيـز على إعـادة تـرتيـب الـبيـت الـداخلي وتـرجيـح أجـنـدة الـحـزب على أجـنـدة حـركـة 18 أكـتـوبـر، فـالـمـتـتـبـع لـخطـاب الـتـجـمـع الـديـمـقـراطي الـتـقـدمـي لا يـجـد صـعـوبـة في مــلاحــظـة الـتـغــيــيــر الـحــاصـل بــعــد مــؤتــمـر الـحـزب الأخـيـر الـذي يـبـدو أنـه بــدأ يـمـيـل نـحـو "الـمعـارضـة الـمشـاركـة" على حـسـاب خـيـار "الـمعـارضـة الـمقـاطعـة" كمـا أن سـفـينـة حـركـة الـنهضـة في حـاجـة إلـى إعـادة تـسـميـك الأشـرعـة على بـعـد أمـتـار قـليلـة من انـعقـاد الـمـؤتـمـر الـثـامن لـلحـركـة، ممـا يـوحي بـكـون هـذه الأطيـاف الـسيـاسيـة تـعيـش تـحـت سـقـف واحـد وكـل طـرف يـصـرخ انـطـلاقـا من أجـنـدتـه الـخـاصـة.

أمـا أهـم الـمعـوقـات الـداخـليـة الـمـرتبطـة بـمكـونـات الـحـركـة، فـهـي الـتـبـايـن الإيـديـولـوجي الـعميـق والإرث الـمبني على الـريـبـة والـشـك ومـحـاكمـة الـنـوايـا الـسيـاسيـة، وطـرح مـلفـات يـعتبـر الـخـوض فـيهـا إشـعـالا لـنـار الـفـتـنـة الـفكـريـة، فـرغـم الــتهـليـل لـقبـول حـزب الـعمـال الـشيـوعي الـعمـل مـع الإسـلامـيـيـن ضـمـن إطـار تـنسيقـي واحـد فـإن  نـظـرة الـحـزب لـطبيعـة الـحـركـة الإسـلاميـة لـم تـتـغيـر، ولا يـعـدو الـقبـول بـالـعمـل الـمشتـرك مـع الإسـلامـيـيـن سـوى مـحـاولـة لـلـخـروج من سـيـاسـة "مـعـارضة الـمعـارضـة" الـتي أدت إلـى اسـتـفـراد الـسلطـة بـحلفـائهـا بـعـد سـقـوط أكبـر حـصـون الـمعـارضة.

2. الـصـنـف الـثـاني يـتعـلـق بـوسـائـل الـتحـرك الـمعـتمـدة من طـرف حـركـة 18 أكـتـوبـر، ذلـك أن سـقـف الـشعـارات الـمـرفـوعـة يـتطلـب حـركـيـة وضـغـط مـرتـفـع وفـعـل مـتـواتـر ومـتصـاعـد لإجـبـار الـسلطـة عـلى تــقــديـم بـعـض الــتـنـازلات، في حـيـن أن الـتـحــركـات كــانــت مــنـاسـبــاتـيـة ومـقتصرة على بـعض الاجـتمـاعـات والـبيـانـات ولا تـوحي بـوجـود عـمـل مـشتـرك وكـيـان اسـمـه "هـيئـة 18 أكـتـوبـر" وحـتى الـتـحــركـات الـتـي قــامـت بـهـا الـلـجـان بـالـخـارج من اجـتـمــاعــات واعتصـامـات أمـام الـسفـارات الـتـونسيـة مـا كـان لـيـكتـب لـهـا الـنجـاح لـولا الـحضـور الـمكثـف لأبـنـاء حـركـة الـنهضـة في شـبـه غـيـاب لـمـنـاضلي بـقيـة مـكونـات الـهيئـة، كمـا أن الـشعـارات الـتي تـرفـع خـلال الـتجمعـات الـبـاريـسـيـة تـعـبـر بـشكـل واضـح على الـسعـي لـمحـاصصـة حـزبيـة أكبـر، أمـا على مـستـوى الـهيـاكـل الـمنـبـثـقـة بـشكـل غـيـر مـبـاشـر عن حـركـة 18 أكـتـوبـر، وأعـنـي هـيئـة 18 أكـتـوبـر بـألـمـانـيـا وهـيـئـة 18 أكـتـوبـر بــبــاريـس، فـالـهـيـئـة الأولـى شـهـدت نـشـاطـا مـسـتـمـرا وتـحـركـات نـاجـحـة وقـد يـعـود الـسـبـب في ذلـك إلـى كـون الـهيئـة تـتشـكـل من طـيـف سـيـاسي واحـد، أمـا الـهـيئـة الـبـاريـسيـة الـتي اعـتبـرت نـفسهـا امـتـدادا لـمبـادرة 18 أكـتـوبـر فـقـد أكـدت على عـلاقـة الـشـراكــة مـع هــيـئــة 18 أكـتـوبـر لـلـحـقـوق والـحـريـات بـتـونـس مـع الـمحـافـظـة على الاسـتـقــلالـيـة ولــكـن الأهــداف الــمــرفــوعـة كــانـت تــتــجــاوز حــجـم الـهـيـئـة وتـعـد ضـربـا من "الـطـوبـاويـة الـسيـاسيـة".

بـمـوازاة مـع الـمعـوقـات الـمشـار إلـيهـا شـكلـت دعـوات الـيسـار الاسـتئصـالي ورمـوز الـحـزب الـحـاكـم لـلـتشـكيـك في مـصـداقيـة الالـتقـاء بـيـن مـكـونـات حـركـة 18 أكـتـوبـر مـعتبـريـن هـذا الالـتقـاء نـوعـا من الـشـذوذ والـخـروج عن قـوانيـن الـطبـيعـة، شـكلـت هـذه الـدعـوات نـوعـا من الـتشـويـش على مـصداقيـة هـذه الـحـركـة، بـل أن ردة الـفـعـل لـم تـقـف عـنـد حـدود الـتشـكيـك والـرفـض بـل تـجـاوزتـه إلـى مـحـاولـة خـلـق تـحـالـفـات مـوازيـة تـشتـرط إقـصـاء الإسـلامـيـيـن كـخيـار مـبـدئي واسـتـراتـيجي، ومن الـمضحكـات الـمبـكيـات أن الـتحـالـف الإقصـائي الاسـتئـصـالي اخـتـار لـنـفسـه اسـم "الـشـيـوعـيـون الـديـمقـراطـيـون" وكـأن الـديـمقـراطيـة لا تـتـحـقـق إلا بـإقـصـاء الإسـلامـيـيـن!

قـد تـبـدو مـقـاربـتي لـتجـربـة هـيـئـة 18 أكـتـوبـر لـلحقـوق والـحـريـات مـتشحـة بـالـسـواد، وكمـا قـلـت سـابـقـا ومـبـاشـرة بـعـد تـعـلـيـق إضـراب الـجـوع في مـقـال منشـور بتـونـس نـيـوز  بـتـاريـخ 21 نـوفمبـر2005 تحـت عـنـوان "مـاذا بـعـد إضـراب الـجـوع؟" يـجـب أن لا يـفهـم من كـلامي أنـنـي أحـمـل بـيـمـنــاي قـلـمـا وبـيـسـراي حـجـرا، فـقـد كنـت أتـمنـى أن تـعيـد حـركـة 18 أكـتـوبـر الاعـتبـار الـمنشـود لـلمعـارضة داخـل الـبـلاد وخـارجهـا خـاصـة وأن الـظـروف كـانـت مـواتـيـة ولـكـن لـم يـتـم اسـتثمـار الـتـجـاوب الـشعبي والـخـارجي مـع هـذه الـحـركـة.

وحـتـى لا أكـون عـدمـيـا أشـيـر إلـى أن الـمـرحـلـة الـحـالـيـة تـسـتـوجـب الـعمـل في اتـجـاهيـن يـهـدف الأول إلـى بـنـاء جـسـور الـثـقـة بـيـن مـكـونـات الـمعـارضة عـبـر إيـجـاد أرضـيـة لـلـتوافـق ولا يـكـون ذلـك إلا بـالـتـوافـق على الـثـوابـت الـوطنيـة بـكـل وضـوح وشـفـافـيـة وتـحـديـد مـاهـيـة هـذه الـثـوابـت، فـالـحـريـة والـديـمـقـراطيـة والـتـداول الـسلمي ونـبـذ الـعنـف تحـت أي مـسـوغ هي أهـم ثـوابـت الـشـراكـة الـسيـاسيـة بيـن أطـيـاف الـمعـارضـة، كمـا أن الـتـوافـق على أن الـهـويـة والـسيـادة وعـدم الاحـتمـاء بـالـخـارج صـمـام أمـان لإزالـة وإذابـة جـليـد الـشـك ومـحـاسبـة الـنـوايـا، فـإذا اسـتطـاعـت مـكـونـات هـيئـة 18 أكـتـوبـر الـتـأسـيـس لـمفهـوم "الـمـواطنـة الـحـقـة" بـمـا هـي احـتـرام لـحقـوق الإنـسـان والـعيـش الـمشتـرك والـقبـول بـالـتعـدديـة الـسـيـاسيـة والـفكـريـة واسـتيـعـاب ثـقـافـة الـتسـامـح- فـإنـهـا تـصبـح قـادرة على تـحـقيـق الأهـداف الـمـرسـومـة، أمـا إثـارة بـعـض الـقضـايـا الـخـلافـيـة لـلـنقـاش والـتـداول الإعـلامي انـطـلاقـا من الـخـلفيـة الإيـديـولـوجـيـة مـثـل قـضيـة مـيـراث الـمـرأة والـمسـاواة بـيـن الـجـنسيـن فـإن ذلـك لـن يـزيـد إلا فـي تـعميـق الـهـوة بـيـن الـمشـارب الـفكـريـة الـمكـونـة لـلهيـئـة، لـذلـك يـجـب تـأجـيـل الـمسـائـل الـخـلافـيـة والـجـدل الإيـديـولـوجي إلـى حـيـن تـوفـر الـشـروط الـمـوضـوعـيـة والـذاتيـة لـلفـصـل فيهـا عـبـر الاحـتكـام لـلـشعـب، ولـن يـتـأتـى الـوصـول إلـى مـنـاخ سـيـاسي يـسمـح لـلجميـع وبـدون إقـصـاء بـالـحـركـة والـتـواصـل والـفـرز الـديـمقـراطي إلا عـبـر خـوض مـعـركـة الـحـريـات أولا، لـذلـك "فـمعـركـة الـحـريـات" مـسبقـة على "الـمـعـركـة الإيـديـولـوجيـة" ومـطلـوب من الـجميـع الـعمـل وفـق الـمعـالـم الـكبـرى الـمتـفـق عليهـا لإدارة مـعـركـة تـحقيـق الـشعـارات الـثـلاث الـمـرفـوعـة بـكـل واقـعيـة، فـلا أحـد يـملـك مـشـروعـا مـتكـامـلا لـذلـك وجـب الـتعـاون بيـن الـجميـع وكمـا قـال الـدكتـور عـبـد الـمجيـد الـنجـار "مـا عـدا حـقـوق الـمـواطنـة كـل شـيء يـمكـن أن يـكـون بـنـدا من بـنـود الـحـوار من أجـل الـمصـالـحـة".

أمـا الاتـجـاه الـثـاني فـيـتعـلـق بـوسـائــل الـعمـل وقـد كـنـت اقـتـرحـت سـابـقـا في كتـابـــاتي تـكـويــن "جـبهـة عـمـل وطنـيـة" تـنـضـوي تـحتهـا جميـع مـكونـات الـمشهـد الـسيـاسي الـمعـارض وأطـيـاف الـمجتمـع الـمدني تـكـون نـواتهـا الـصلبـة بـالـداخـل وذراعـهـا الـفعـال بـالـمهجـر بـحكـم مـسـاحـة الـحـريـة الـمـتـاحـة لـلتـحـرك الـميـداني والإعـلامي، مـع انـبثـاق "لـجنـة عـليـا" تـكـون مـمثـلـة لـمكـونـات الـجبهـة تـتـولى تـمثيـل الـجبهـة سـيـاسيـا وإعـلامـيـا داخـليـا وخـارجـيـا، مـع تـكـويـن لـجـان عمـل مـشتـركة لـتحـقيـق الأهـداف الـمـرسـومـة، وبـذلـك تـكـون جميـع الـتحـركـات سـواء داخـليـا أوخـارجـيـا تـتـم تحـت يـافـطـة وطنـيـة مـعـارضة ذات ثـقـل سـيـاسي، ضـمـانـا لـتقـليـص إمـكـانـيـة تـوالـد الـمبـادرات الـمشـتـتة لـلفعـل الـمعـارض، فـضـلا عن أن الـجـبهـة الـمقـترحـة سـتكـون قـادرة على خـلـق اسـتقطـاب ثـنـائي جـديـد طـرفـاه الـسلطـة من نـاحـيـة والـمعـارضة مـجتمعـة من نـاحـيـة أخـرى، أمـا الـتحـركـات الـحـاليـة الـمحـدودة فـإنهـا لا تـشـكـل ضـغـطـا على صـانـعي الـقـرار الـسيـاسي وسـكـان قـصـر قـرطـاج، فـالـسلطـة الـتـونـسيـة مـازالـت مـاسـكـة بـخيـوط الـلـعبـة الـسيـاسيـة ومـازالـت قـادرة على تـجـاوز أخـطـائـهـا و تـحـويـل الأزمـات إلـى سـنـدات اسـتثـمـار سـيـاسي و اقـتصـادي، و أهـم دلـيـل على ذلـك مـا حـدث نـهـايـة الـسـنـة الـمـاضـيـة من تـبـادل لإطـلاق الـنـار وظـهـور مـجمـوعـة تـتـبـنـى الـعمـل الـمسلـح كـخيـار لـمجـابـهـة عـنـف الـسـلـطـة، فـقـد اسـتطـاع الـنظـام الـتـونسي كـسـب الـجـولـة و تـحـويـل الـقضيـة إلـى مـحـاربـة الإمـدادات الـخلفيـة "لـلمجمـوعـات الإرهـابـيـة" الـقـادمـة من الـحـدود الـغـربـيـة، و هـذا يـدل على عـجـز الـمعـارضـة على مـواكـبـة الـنـسـق الـمـتـسـارع لـلـتطـورات