في منتدى الجاحظ
مواجهة العنف تحتاج أوّلا إلى تفهمه

العدد العشرون
السنة الخامسة / أفريل - ماي 2007

محسن المزليني

على إثر أحداث التي جدّت بتونس نهاية العام الماضي والتي تعتبر أوّل صدام مسلّح عرفته البلاد منذ أحداث قفصة في مطلع الثمانينات، وفي غياب إرادة سياسية واضحة إلى حد ّالآن لمراجعة خيارات كثيرة اجتماعية وسياسية يرى كثير من الفاعليين السياسين والحقوقيين أنّها مسؤولة عن كلّ ما حدث، نظّم منتدى الجاحظ والذي يديره الوجه المعروف على الساحة الفكرية والحقوقيّة الأستاذ صلاح الدين الجورشي يوما دراسيا حول "العنف والتطرّف: محاولات لفهم الظاهرة".

ولأنّ العنف ظاهرة مركّبة ومتعدّدة المستويات يختلط فيها البعد النفسي الذاتي بالأبعاد الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فقد ارتأى المنتدى أن يدرس هذه الظاهرة في أبعادها المتعدّدة، علّه يتمكّن بهذا المنهج الكلّي من فهم هذه الأبعاد المستجدّة في الواقع التونسي ويستطيع أن يسلّط عليها أضواء التشريح العلمي بعيدا عن الغايات الضيّقة للتناولات التي اعتادت عليها الدراسات التونسية السابقة.

لتحقيق هذا الهدف الطّموح، جمعت المحاضرات بين التحليل النّفسي وبين تحليل المنطلقات الإيديوليجية لما يسمي في بعض الأدبيات بالعنف الديني والمقاربة الحقوقية لهذه الظاهرة وما تطرحه من تساؤلات ومفارقات.

*ـ العنف في بعده النفسي: الإنسان بين الجوهر والمظهر

إنّ العنف ليس جديدا فقد لازم الإنسان منذ البداية لأنّه أحد ميكانيزماته النفسية، بهذه المسلّمة العلميّة التي تثبتها الوقائع التاريخية والحضارية افتتح الدكتور فتحي التوزري محاضرته حول علاقة العنف بالذات الإنسانية. إنّ هذه الظاهرة ضاربة في أغوار الكائن المفرد وأحد مكوّنات شخصيته فهو ما يدفعه إلى المنافسة في أغلب ميادين الحياة وإلى تجاوز ضعفه التكويني، وهذا هو البعد الإيجابي والحيوي للعنف عند الإنسان. يبرز البعد العدواني في نفسية الطفل مع دخوله الحول الثالث، حينها يكون قد اكتمل عضويا وأصبح قادرا على الفعل والحركة. غير أنّه ولكي لا تتحوّل هذه الدينامية النفسية الحيوية إلى سلوك عنفي مدمّر، تأتي دور المؤسّسات الإجتماعية المختلفة لتوجيهه وتصعيده ليساهم في بناء الكائن والمجتمع. تقوم العائلة بداية  بدور احتواء هذه الطاقة العنفية في سلوك متكامل ومضبوط اجتماعيان أمّا في حالة غيابها أو تغييبها عن القيام به فإنّ ذلك سيؤدّي حتما إلى نموّه خارج السيطرة كسلوك مرضي تدميري. ومن شأن عمليّة التنشئة الإجتماعية أن تعلّم الفرد  تصريف انفعالاته الغضبيّة بشكل إيجابي طالما أنّ هذا الشعور هو من المشاعر الإنسانية العادية التي يؤدّي وظيفة حيويّة مثل دفع الأذى أو عدم القبول به. كما يؤكّد التوزري أنّ العنف  يصاحبه غالبا الغضب ويتمظهر عبره وهذه الدائرة المغلقة: مثير - قراءة ( إهانة) - غضب - عنف. 

غير أنّ هذا المسار السلوكي ليس حتميّا ولا يجب أن يكون، فإذا حضرت المستحضرات الذهنيّة وهي جملة الضوابط السلوكيّة التي يتشرّبها الفرد في أوّل مؤسّسة يتعامل معها وهي الأسرة لتعزّزها بعد ذلك بقيّة مؤسسات التنشئة الإجتماعية. ثمّ عدّد المثيرات التي تدفع الشاب لممارسة السلوك العنفي:

 ـ أوّلا: السلوكات التي  يتعرّض لها الشاب ويعتبر أنّ القصد منها إهانته، فإذا كان تقدير الذات أعلى هرم الحاجات الإنسانية حسب النفساني ماسلو فإنّ أيّ مساس بهذه المنطقة النفسية الحيوية تستوجب ردّ فعل، وفي كثير من الأحيان يكون الإحساس بالإهانة أحد أهمّ أسباب الفشل المدرسي، لذلك فإنّه كلّما انقصنا من مصادر هذا الإحساس إلاّ وانخفض الميل إلى العدوان.

ـ ثانيا: ارتباط العنف بصورة سيئة يستبطنها الإنسان عن نفسه وذلك نتيجة فشل فعل أو تجربة سابقة، لذلك فإنّ البرامج التربوية يجب أن تكون الوسيلة لتربية الطفل والشاب على الثقة بالنّفس وتعزيزها بما يمكّنه من تجاوز الصعوبات التي تعترضه وتنمّي رصيد الثقة فتتحوّل بذلك من عقبات إلى فرص لتنمية الذات وتطوير قدراتها.

ـ ثالثا: الشعور بالفشل والتي تنشأ من تكرار التجارب غير الناجحة فيتولّد عن ذلك شعورا بالإهانة تسهّل الغضب وتفعّل الطاقة العنفية. لذلك فإنّ استحداث فضاءات للمشاركة وتجربة النجاح هما من أهمّ الشروط لخلق بيئة ضدّ العنف.

وبناء على ما قدّمه من تحليل للديناميات النفسية التي تتحكّم في السلوك العدواني، اقترح الدكتور فتحي التوزري جملة من الحلول العملية التي رآها تساعد على محاصرة هذه الظاهرة وإبقائها ضمن المعايير العادية ولخّصها في:

ـ تقوية ما سمّاه بمستحضرات السلوك العنفي وذلك بتقوية قدرة الفرد على السيطرة على انفعالاته وخاصّة الغضبية منها ويرى أنّ البرامج التعليمية في تونس لا تعطي الأولوية لتنمية هذه المؤهّلات، على عكس ما هو قائم في العديد من البلدان، كما أنّ المجتمع المدني المحتضر أصلا غير قادر في ظلّ غياب الحرية الضرورية على القيام بهذا الدور الخطير.

ـ تمكين الشباب من فرص الفعل والتجريب فبالمشاركة والنجاح المتكرّر يستطيع الشاب أن ينمّي قدراته على حلّ ما يستشكل عليه ممّا يزيد في رصيد ثقته بنفسه وبمن حوله وبالحياة بصفة عامّة، أمّا استراتيجيات الضغط والضبط  فعاقبتها الإحباط وتنمية سلوك عدواني مدمّر لا يمكن السيطرة عليه سواء وجّه إلى الآخرين في إلى الذات في شكل إدمان على ما يغيّب عن الوعي.

ردّ الإعتبار: يؤكّد التوزري على ضرورة رد الإعتبارّ للشّاب وتثمين ما يفعله لأنّ في ذلك تعزيز للشعور بالرضى والتي هي ضروريّة للإنسان عامّة والشباب خاصّة وبدونها سيبحث الشاب عن تعويض في مكان آخر ولو كان رمزيّا.

وفي ردّه على أسئلة الحاضرين أكّد أنّ الدين مدرسة لتربية النّفس وهو ضروري لكن الإشكال هو إقصاؤه عن الفضاء العام بعد اعتباره شرطا تخلفيا لدى فئة مهمّة من النخبة التي تولّت مقاليد دولة الإستقلال، فعودة الدين كانت من باب الإحتجاج على هذه الدولة. بل لقد تحوّ ل إلى حامل رئيسي لعمليّة المعارضة السياسية للدّولة وللهيمنة الغربية.

 *ـ العنف في منطلقاته الإيديولوجيّة:

بناء على ما تقدّم من عرض للآليات النفسية التي تتحكّم في السلوك العنيف، فإنّ السؤال الذي يطرح هو كيف تتحوّل هذه القوّة العنفية الكامنة إلى سلوك عنيف؟ هنا يأتي المستوى الثاني في إدراك هذه الظاهرة وهو مستوى التبرير العقلي أو التأسيس النّظري الذي يجعله سلوكا مشروعا ومبرّرا أخلاقيا لمن يمارسه وهو التبرير الإيديولوجي أو الأسباب السوسيو ثقافية المحدّدة والمؤثّرة فيها وهو ما كان محور الجلسة الثانية وضمّت مداخلتين، تعلّقت الأولى ببحث المرتكزات النظريّة لما سمي بالتيار الجهادي في مصر من خلال قراءة لكتاب "الفريضة الغائبة" لعبد السلام فرج وقدّما الباحث سامي براهم.   

أكّد المحاضر أوّلا على أنّ العنف لم يرتبط تاريخيا بإيديولوجية دون غيرها إذ لم يخل سجلّ أيّ قبيلة فكرية أو رؤية تغييرية في الوطن العربي من استعمال "مذهب ابن آدم الأوّل"، ممّا يعني أنّ العنف قوّة كامنة في الذات الإنسانية تبحث دائما عن غطاء شرعي قد يتغيّر بين الفترة والأخرى حسب سوق العرض الإيديولوجي.

ثمّ أشار إلى أنّ هذه الظاهرة نشأت تاريخيا في ظروف استثنائيّة أي داخل السجون والمعتقلات في مصر حيث مثّل الفكر القطبي بداية التأسيس لمعالم الطريق النظريّة الحديثة لممارسة العنف الثوري بغطاء ديني،وهو ما يفسّر الطبيعة الانعزالية لهذا الفكر وعلى سرعة تدحرجه من قضيّة إلى أخرى  وخلطه بين المستويات المتعدّدة لأنّ غرضه ليس منطقيا وعلميا وإنّما بحثه عن مسوّغات عمليّة، لذلك فإنّ استعماله للمفاهيم الدينية سيعتمد على الانتقائية وفصل الحكم أو الفتوى عن تاريخيتها والخلط بينهما دائما.

مفهوم الحاكميّة: هو أحد المفاهيم ـ المفتاح (براديغم) في الفكر الجهادي، كما يرى الباحث، وهو ذو شحنة عالية نظرا لبعده المتعلّق بالذات الإلهيّة ولخلطه المقصود بين مستويات الإلهي المتنزّه والبشري النّسبي، وهذا المفهوم ابتدعه العالم الباكستاني أبوالأعلى المودودي وذلك قبل أن تستقلّ باكستان عن الهند وذلك حرصا منه على تميّز الأقلية المسلمة هناك ووعيها بذاتها و لذلك رفض أيضا مفهوم الديمقراطيّة واعتبرها كفرا لأنّها ستؤدّي عمليّا إلى ذوبان الأقلية داخل حزب المؤتمر الهندي الذي كان يقود معركة الاستقلال، أمّا هذه التيارات فتعني به وجوب أن يشمل الإسلام كلّ العالم، فالحاكميّه يجب أن تعمّ وهو تصوّر تبسيطي يحاول أن ينفي المختلف، ثمّ يتدرّج بشكل خطير من المفهوم إلى إنفاذه والذي هو بنظر مسؤولية المسلم. وكلّ تقصير في آداء هذه المهمّة هو عدم استيفاء  لواجب، كما يقوم هذا التصوّر على مطابقة بين الفهم البشري للنصّ ومراد الله، لذلك فليس غريبا أن تمتح هذه الأفكار من معين فكر ابن تيميّة طالما أنّه ينفي عن النصّ أيّ بعد مجازي ويجعل حقيقته في منطوقه الظاهر. وهذا خطير برأي الباحث لأنّ العلاقة ليست آلية، فالخطاب ليس هو نصّ الحكم وإنّما ما يفهم منه وهذا الفهم هو فهم بشري وبالتالي نسبي. كما أنّ الخلفيّة التي تتكوّن جرّاء هذا المفهوم تتبنّى آليا عمليّة فرز للمجتمع على قاعدة الولاء والبراء والتي على أساسها يتمّ  تحديد الأعداء. والملاحظ أنّ هذا الفهم يؤدّي إلى توسيع قاعدتهم (الأعداء) بالتوازي مع استعمال منهج متدحرج يزيد يوميا من الفرز وإعادة الفرز، بحيث يغدو المنطلق: الأصل في الحكم على النّاس الاتهام والبراءة تحتاج إلى دليل. وهذا الدليل يٌشدّد مع كلّ موجة عنف جديدة. وهكذا تسرّب مفهوم الجرح والتعديل من ميدان علوم الحديث حين كان يعتبر مقياسا للتأكّد من صحّة الراوي  ودرجة صدقيته في  نقل الحديث النبوي إلى مجال محاسبة النّاس في دينها وأخلاقها. وهذا ما يؤدّي إلى كثير من الحيف إذ تبدأ سلسلة من التكفير وتكفير من لا يكفّر فتنغلق الدائرة بذلك على نواة صغيرة حديديّة هي النواة المؤمنة يتّخذون لها أسماء موحية بعقلية الفرز والإقصاء ووهم التميّز "الجماعة المسلمة" أو "جماعة الإسلام" أو "أهل السنّة والجماعة". ثمّ يتمّ استغلال مفهوم الجهاد بإعطائه شحنة وثوقيّة جديدة تختزله في البعد القتالي الهجومي يستمدّونها من فهم تبسيطي لما سمّوه ب"آية السيف" والتي نسخت عندهم ما يزيد عن 164 آية تتحدّث عن الحريات وتؤسّسها. كما أنّ حالة الجهاد بنظرتهم الوسائليّة الضيّقة تجيز لهم استحلال كلّ ما يمتلكه خصومهم، وبذلك يُفقدون الحضارة الإسلاميّة  أحد أعظم ما قدّمته للبشريّة وهي أخلاق الحرب والتي نجدها في الوصايا النبويّة لكلّ سريّة أو جيش بضرورة تجنّب قتل الشيخ والصبي والنساء والجرحى وهو نفس السلوك الذي بقي مرعيا في غالب التاريخ الإسلامي. أمّا الخصوم فيحدّده عندهم نمط الجهاد والذي يقصّم إلى "جهاد دفع" ويقصدون به مقارعة العدوّ الأجنبي و"جهاد طلب" ومداره فعل هجومي لمقاتلة من يعتبرونه عدوّا ليصلون في النهاية إلى ما يسمّونه ب"جهاد الردّة" ومهمّته مقارعة المجتمع المحلّي وسلطته باعتبارهما مرتدّين عبر منهج تبسيطي يذكرنا بطريقة بعض غلاة الفرق الهامشية في تاريخنا الإسلامي.

كما أنّهم يختزلون الدعوة بما هي رسالة يومية للمسلم إلى مستوى واحد أو وحيد وهو الجهاد بمعناه القتالي الصرف.

يتشكّل هذا الفكر إذن من خلال نظرة مبسّطة للذات والعالم تنفر من الوسطيات وتبحث عن الحسم وتهفّ إلى أحكام حديّة إمّا أسود أو أبيض. وهو بلا شكّ فكر مفوّت غير أنّه سهل القبول في الكثير من الأوساط لسبب بسيط هو أنّ الأزمة التي بات عليها المجتمع تدفع الإنسان إلى الهروب من قلقه حتّى بالاحتماء بيقينيات تبسيطيّة تمنحه الاطمئنان ولو كان موهوما.

أمّا المحاضرة الثانية في هذا المحور فكانت للمحامي والناشط الحقوقي يوسف الرزقي وتناولت "مراجعات الجماعة الإسلامية بمصر: قراءة في النصوص".

اعتبر المحاضر أنّ أدبيات المراجعة في الفكر العربي قليلة إن لم تكن نادرة عند كلّ التيارات وأيا كان مرجعها ديني أو علماني وأيّا كان موقعها في السلطة أو المعارضة ويرجع ذلك إلى وثوقية تصيب الجميع تمنعهم من تبنّي مسألة النقد الذاتي كما ارتبط ذلك أيضا بطغيان عبادة الشخصية. ثمّ عرض لأهمّ المراحل التي مرّت بها الجماعة والعوامل التي أدّت إلى تبنيّ فكرة المراجعات عندهم. أمّا النقاط التي ركّز عليها الأستاذ الرزقي فهي أدبياتهم حول مراجعة:

أوّلا: فكرة التكفير، إذ اعتبرها المراجعون آفة أهدرت الكثير من الدماء رغم أنّها بداية كانت من أجل الإصلاح. ذلك لأنّها كانت ردّ فعل ضدّ الظلم الذي مارسته الدولة منذ عبد الناصر. ويرى أنّ المراجعين قاموا بقراءة عكسية لما كانوا يتداولونه حيث صار نقض فكرة التكفير يؤسس على قراءة تعتبر الحكمة والموعظة الحسنة استراتيجيا الدعوة إلى الإسلام وليست مجرّد منهج تكتيكي ارتبط بحالة الضعف المؤقتة التي كان عليها المسلمون قبل الفتح الأعظم، كما أنّ الغلوّ صار ينظر إليه على أنّه دليل على ضعف البصيرة.

أمّا عمليّا فقد رأى المراجعون أنّ التكفير لا يؤدّي إلاّ إلى مفاسد عظيمة، ورجعوا إلى ذات الفكر (كتب ابن تيمية وابن القيم...) ليبرزوا أنّ التكفير بناء على نظريات هؤلاء لم يكن إلا باتباع قراءة انتقائية لما كتبوه. كما أكّدوا على أنّ موالاة العدوّ التي تخرج من الملّة هي الموالاة القلبية وهو شأن لا يمكن الاستدلال عليه.

ثانيا: فكرة الجهاد. أكّد المراجعون أنّ الجهاد ليس غاية بل هو وسيلة، منطلقين من نظريّة ابن تيمية في ذلك ومؤدّاها "أنّ  الأمر بالمعروف لا يجب أن يؤدّي إلى منكر أكبر منه"، وهكذا فقد صاروا إلى التذكير بحرميّة استهداف المدنيين والمستأمنين. ولاحظ المحاضر أنّ المراجعات استندت إلى مصادر دينية واسعة ومن بينها كتب للشيخ يوسف القرضاوي الذي لم يتعوّد فكر الجماعة الإسلامية التقليدي على الاعتماد عليه.

*ـ العنف والمقاربة الحقوقية: المفارقات و الرهانات

تناولت الجلسة الختاميّة لهذا اليوم الدراسي مسألة نظرة جمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان إلى هذه الظاهرة،و قدّم ورقة في ذلك الأستاذ صلاح الدين الجورشي الوجه التونسي المعروف في الساحة الحقوقية نظرا لتقلّده ولسنوات عديدة مسؤوليات قيادية في الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان.

حاول الجورشي أوّلا تعريف العنف من وجهة نظر الأدبيات الحقوقية التي تحدّده باعتباره "نشاطا خارج القانون يقصد به الفرض أو الرّدع أو تغيير واقع ما باستعمال وسائل الإكراه"، فالعنف حسب هذا التعريف متعدّد الوجوه والأشكال: اجتماعي (العنف تجاه النساء أو الأطفال)، اقتصادي (العنف الطبقي)، سياسي (لا يحتاج إلى تعريف في عالمنا العربي والإسلامي فمن الفاضحات إيضاح الواضحات)، إيديولوجي وثقافي الذي يتجسّد في محاولة فرض قيم خصوصية على الآخر.

أمّا مستويات العنف فيمكن اختزالها في التالي:

ـ عنف السلطة: وهو من الشواغل الرئيسية للحركة الحقوقية كما يرى المحاضر، ذلك أنّه من التعريفات التي تحدّد ماهية الدولة كمؤسسّة ما وضعه عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر حين عرّف الدولة ب "حقّ استعمال العنف الشرعي". ولكن المشكل أنّ الدولة في أغلب البلدان العربية والإسلامية تستعمل العنف ليس من أجل تأسيس فكرة المواطنة وإنّما لفرض قيم أخرى مناقضة لها وبالتالي يغدو العنف وسيلة لحفظ البقاء والوجود بعيدا عن أيّة مشروعية.

ـ عنف الأفراد والجماعات ضد السلطة: فالكثير من الفاعليين السياسيين انتهكوا في صراعهم مع السلطة بعض حقوق الإنسان أو كلّها. و يستوي في ذلك من كانت منطلقاته دينية أو دنيوية، فتاريخ الصراعات الأهلية حافل في عديد الأماكن بقائمة عريضة من الانتهاكات. كما يمكن التمييز بين السلطة الأهلية وما تقتضيه من معارضة وسلطة احتلالية وما تفرزه من مقاومة مشروعة.

وأكّد الجورشي أنّ الأدبيات الحقوقية حاولت أن تفصّل أشكال العنف وأطرافه لفهم كيفية التعامل مع النتائج، فحتّى المقاومة وهي عادة ما يغلب عليها البعد العنفي الذي تقرّه الشرائع الدولية فإنّ ذلك لا يعفيها من احترام جملة من الضوابط والمعايير التي تحفظها من السقوط في الإرهاب. فظاهرة العنف بهذا المستوى لها تداعيات متعدّدة على أوضاع حقوق الإنسان وعلى الحركة الحقوقية ذاتها وتطرح إشكاليات كثيرة منها انتهاكها لحقوق المدنيين حيث يدفعون دائما ضريبة النزاعات كما تنتهك حقاّ إنسانيا أساسيا وهو الحق في الأمن. ويلاحظ أنّ أغلب حالات العنف التي كانت تقصد إضعاف الدولة وتأنيسها انتهى بها الأمر إلى إعطاء السلطات مسوّغات لمزيد من التغوّل وتصفية الحسابات.

أمّا عن إقتراحات الحركة الحقوقية لمعالجة هذه الظاهرة فيرى أنّه وطبقا لمرجعياتها الإنسانية الدولية فإنّ أوّل شروط التخفيف من هذه الظاهرة هو بناء الدولة الحديثة التي ترتكز على القانون والمؤسسات وتحترم المواثيق الدولية.

ـ تطوير التشريعات، ذلك أنّ التشريع هو الذي يحدّد المستفيد من السلطة ومن الممارسة الاجتماعية، فكلما تلاعب طرف بالقانون إلا وأحدث خللا عاما يشجّع على ممارسة العنف.

ـ الدفاع عن الحريات  فالحرية ليست حقا إنسانيا فحسب بل هي ضرورة وشرط كاف لبناء بيئة لا تشجّع العنف. كما أنّ تأسيس الحرية يمرّ عبر التصدّي لثقافة العنف أيّا كانت مرجعيتها وخلفيتها. إنّ الحركة الحقوقية كما يرى المحاضر تدين العنف المسلّح وتعتبر حمله خروجا عن القانون فإنّ ذلك لا يمنعها من التأكيد على ضرورة احترام معتقد وحقوق الموقوفين وهي تناضل من أجل أن تتوفّر لهم محاكمة عادلة كما تعتبر المس بالحرمة الجسدية انتهاكا خطيرا يوفّر بيئة مهيأة لتوالد الظواهر العنفية.

وفي الأخير أشار إلى أنّ تنامي العنف السياسي الذي يحمل خلفية دينية في الوطن العربي دفع الحركة الحقوقية دفعها إلى التفكير في إعطاء المرجعية الدينية دورا في تفعيل المنظومة الحقوقية وعدم الاقتصار على ترديد ما جاء في المنظومة الحقوقية الدولية، وهنا الإشارة إلى الوعي بضرورة الربط بين نشر الثقافة الحقوقية ومساعي الإصلاح الديني.

© aqlamonline 2007