المرأة بين العلمانية والإسلام

العدد العشرون
السنة الخامسة / أفريل - ماي 2007

علي كردي

مقدمة

يقول الدكتور حسن حنفي -أستاذ الفلسفة في جامعة القاهرة-: "العولمة هي ليست فقط تغريب العالم، بمعنى أن ينتشر الغرب من المركز إلى المحيط، إلى الأطراف، وليست فقط أمركة، لأن أمريكا هي التي تتصدر العالم الآن باعتبارها القطب الوحيد الموجود، ولكنها أخطر من ذلك، فهي سيطرة اتجاه واحد، رأي واحد، فكر واحد، قانون واحد".

ظهور التيار النسوي في الغرب: الإطار التاريخي 

برز التيار النسوي تاريخياً في المجتمع الغربي  الرأسمالي  في القرن التاسع عشر باعتباره ردة فعل على تردي أوضاع المرأة أثناء الثورة الصناعية وما تلاها.

لقد جاء التيار النسوي في الغرب ثورة على تعاليم دينية محرفة وأقوال وسلوكيات بشرية تحكم فيها الجهل والأثرة، وقد اتسم هذا التيار منذ بداية نشأته باتهام الدين بتكريسه لفكرة الأبوية، كما قام بدور مضاد للكنيسة ورجالاتها على اعتبار أن الكنيسة كانت وراء تردي أوضاع المرأة وتخلفها عبر التاريخ الأوروبي، فقد تفجرت العديد من الممارسات الممقوتة تجاه المرأة الغربية بناءً على قواعد راسخة في الذهنية الغربية وطدت دعائمها جذور الأساطير اليونانية والتقاليد الرومانية، وتراكمت تلك العوامل لتشكل في الذهنية الغربية تصوراً سلبياً عن المرأة ودورها في الحياة والمجتمع. وتعد حملات القمع التي وقعت في نهاية القرن الخامس عشر حلقة في سلسلة الاضطهاد التي تعرضت لها المرأة في المجتمع الأوروبي، واستمرت تلك الحملات إلى عام 1680م تحت دعوى محاربة الساحرات والمتشيطنات التي راح ضحيتها من النساء بقدر ما راح في حروب أوروبا قاطبة حتى عام 1914.

وعلى هذا قامت الحركات النسوية بمحاولات عدة للانفكاك من مختلف الموروثات الدينية والاجتماعية المتراكمة؛ ما أدى في النهاية إلى اتساع البون والشقة بين هذه الحركات من جهة، وبين الدين والكنيسة من جهة أخرى.(1)

انتشار التيار النسوي في المجتمعات الإسلامية

إمتدّ التيار النسوي إلى عدد من البلدان الإسلامية وبخاصة تلك التي وقعت تحت الاحتلال الغربي في منتصف القرن التاسع عشر وما بعده، وقد إنتشرّ الإتجاه النسوي في أوساط التيار العلماني في ظلّ دعم واسع النطاق من قبل منظمة الأمم المتحدة التي أعلنت في عام 1945م أول وثيقة عالمية معاصرة تبنت فيها حقوق المساواة بين المرأة والرجل.

المرأة في رؤية التيارات العلمانية

لقد تميزت رؤية التيارات العلمانية في عالمنا الإسلامي بإغفال الوعي بالخلفية التاريخية والظروف الاجتماعية التي رافقت ظهور التيار النسوي في المجتمع الغربي مما أوقع هذه التيارات  في عمليات تقمص الآخر والسير على طريقه دون إدراك كافٍ لما يمكن أن ينجم عن ذلك من مغالطات وثغرات.

ولم تفرق تلك التيارات بين البيئة التي تمخض عنها التيار النسوي في الغرب وما واجهته المرأة في الغرب من ممارسات عنيفة، وبين موقع المرأة وظروفها المغايرة في مجتمعاتهم المحتضنة لتلك التيارات، فقد قام أصحاب هذا الاتجاه ببناء تصورات واهمة حول المجتمع الغربي تعبر عن الحرية الظاهرية التي تتمتع بها النساء هناك، إلا أنهم في الواقع لم يدركوا حجم الانتهاكات التي تعاني منها النساء في أوروبا، كما لم يدركوا جسامة تورط النساء هناك.

كما تميزت الرؤية العلمانية بالنظر إلى حركة تحرير المرأة في الغرب على أنها جعلت أوضاع المرأة الغربية أفضل حالاً من المرأة العربية و المسلمة وهي  مسلّمة  يدرك كل من عاش في الغرب  أنها  تحتاج إلى البرهنة والإثبات. ومما يؤكد ذلك الدراسة التي قامت بها الباحثة في حقوق المرأة "سمر الزين" التي أكدت فيها من واقع المصادر الغربية بؤس أحوال المرأة الغربية.

 فعلى سبيل المثال تشير الدراسة إلى أن الشرطة الفيدرالية الأمريكية أصدرت تقارير عن العنف ضد المرأة الأمريكية تشير إلى أن 79% من الرجال في أمريكا يضربون زوجاتهم ضربًا يؤدي إلى عاهة، وأن 17% منهن تستدعي حالاتهن العناية المركزة، وهناك زوجة يضربها زوجها كل (18) ثانية في أمريكا، إلى جانب ذلك فإنه يتم اغتصاب (1900) فتاة يوميًا في أمريكا!". أما عن قتل النساء في أمريكا فإنه يقتل كل يوم عشر نساء من قبل الزوج أو الصديق. بلغت نسبة الطلاق في أمريكا 60% من عدد الزيجات .
 
المرأة في فرنسا: هناك مليونا امرأة معرضة للضرب سنوياً. 95% من ضحايا العنف في فرنسا هن من النساء ، 51% منهن تعرضن للضرب من قبل أزواجهن. أمينة سر الدولة لحقوق المرأة (ميشيل أندريه) تقول: "حتى الحيوانات تعامل أحيانًا أفضل من النساء، فلو أن رجلاً ضرب كلبًا في الشارع سيتقدم شخص ما يشكو لجمعية الرفق بالحيوان ، ولكن لو ضرب رجل زوجته في الشارع فلن يتحرك أحد". نشرت جريدة السفير اللبنانية نتائج التحقيق الوطني في فرنسا عام 2001: أن امرأة فرنسية من أصل 5 كانت عام 2000 تتعرض لضغوط أو عنف جسدي أو كلامي في الأماكن العامة. وأن 48 ألف امرأة تعرضت للاغتصاب عام 1999، وأن أماكن العمل هي المجال الأول للضغوط النفسية. أكثر من 40% من الولادات تسجل خارج مؤسسة الزواج. وصلت نسبة المراهقات الحوامل إلى 30 فتاة من كل 1000 أعمارهن بين 15 – 19 سنة.

تشير الإحصائيات أن معدل الزواج في تراجع مستمر ولا تسجل فروق في هذا بين فرنسا والسويد والنرويج. أما في بريطانيا فالحال أسوأ. إذ تشير الأرقام الصادرة عن مكتب الإحصاء الوطني البريطاني أن نصف الأطفال في بريطانيا تحمل بهم أمهاتهم خارج العلاقة الزوجية ، بينما كانت النسبة تصل إلى الثلث فقط قبل عشر سنوات. 77% من الأزواج يضربون زوجاتِهم دون سبب. أكثر من 50% من القتيلات هن ضحايا الأزواج أو الشريك. ارتفع العنف في البيت بنسبة 46% خلال عام واحد إلى نهاية آذار 1992. أحياناً يصل الأمر ببعضهم إلى حدّ إطفاء السجائر على جسد زوجته أو شريكته أو تكبيلها بالسلاسل والأغلال، ثم إغلاق الباب عليها وتركها على هذه الحال ساعات.(2) لقد أدت هذه النظرة القائمة على جملة من الأوهام والمغالطات إلى محاولة التيارات العلمانية فرض الرؤية الغربية للعلاقة بين الرجل والمرأة.. تلك الرؤية التي تنطلق من نظرة ترى أن الرجل والمرأة متماثلان تمام التماثل، ولا تعترف حتى بالفروق النفسية والبيولوجية، وترتكز على مفهوم للحرية المطلقة المنفلتة من أي قيود دينية أو خلقية والمنفكة من أي التزامات اجتماعية.

وقد مثلت العلمانية في تونس نموذجا في هذا الاتجاه. إذ تمكن الرئيس الراحل بورقيبة من إحداث جملة من التعديلات التشريعية التي يعتبرها التيار لعلماني مفخرة تونس الحديثة والتي يتباها بها في كل المحافل. ومن أهم هذه التعديلات منع تعدد الزوجات وحرمان الرجل من حقه في الطلاق وجعل ذلك من إختصاص القاضي وحده بالإضافة إلى تقنين البغاء إذ تعتبر تونس الدولة العربية الوحيدة التي يوجد بها محلات لممارسة الدعارة بشكل قانوني. ولا يزال التيار العلماني التونسي يسعى جاهدا في سبيل إحداث مزيد من التعديلات القانونية والدستورية في إتجاه فرض الرؤية الغربية. وقد مثل البيان الذي صدر عن هيأة 18 أكتوبر بمناسبة عيد المرأة 2007 مثالا واضحا لهذا الإتجاه التغريبي. ولا يستبعد أن يكون البيان التالي لهذه الهيئة مناديا بتعميم بقية بنود اتفاقية (السيداو) بجميع آلياتهما وفعاليتهما ،من إباحة الشذوذ الجنسي والاعتراف بحقوق الشاذين (المثليين)، والتأكيد على حرية المراهقين الجنسية ، وتوفير الإجهاض الآمن لهم..

 

أهمية طرح رؤية بديلة

انقسم التيار الإسلامي تجاه هذه الهجمة العلمانية إلى فريق قبل بمجارات التيارات العلمانية حفاظا على بعض المكاسب السياسية الهزيلة وحاله كحال من أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان. وفريق آخر إنبرى للدقاع عن أوضاع فاسدة. وبات يمثل عائقا أمام إحداث النقلة المطلوية للأحكام والمقاصد الشرعية المتعلقة بالأسرة التي وجدت في الأزمنة السابقة إلى العصر الحالي الذي لا شك أنه يختلف تمامًا عن تلك الأزمنة.

لا أحد يمكنه الادعاء بأن أوضاع المرأة في العالم العربي والإسلامي مثالية إذ أن أوضاع المواطن أيا كان جنسه هي مدعاة للقلق والإنشغال. ولا يختلف إثنان أن أوضاع المرأة في بلادنا تحتاج إلى كثير من التقويم والإصلاح. ولكن هذا الإصلاح لا يكون بالضرورة من خلال فرض النموذج الغربي. ومن هنا تأتي أهمية طرح رؤية بديلة تجسد المنظور الإسلامي للعلاقة بين الرجل والمرأة التي تقوم على التكامل وليس التماثل كما هو الحال في النموذج الغربي، وتعطي الفروق بينهما قيمتها ومعناها، و تعكس تلك الفروق في ترتيب المهام والوظائف التي يقوم بها كل منهما فلو تناولنا على سبيل المثال الموقف الإسلامي بصدد عمل المرأة لوجدناه ممتميزا إذ يقوم على السمات التالية:

أنه لا يرى في عمل المرأة واجبا مفروضا عليها في كافة الأحوال والظروف.
أنه لا يعتبر العمل محظورا على المرأة في كافة الأحوال والظروف.
أنه يدعو إلى تأمين الشروط المناسبة للعمل عموما، أي ليس باعتبار هذا الهدف مقتصرا على مسألة "عمل النساء"، وإنما لأن كل فئة من فئات المجتمع العاملة تختلف عن الأخرى من حيث الظروف الملائمة لها والتي تحتاج إليها؛ فالحرص على شروط مناسبة للمرأة حيثما وُجدت في ميادين العمل شبيه -أو ينبغي أن يكون شبيها- بالحرص على شروط عمل وظروف خاصة لفئة العاملين في المناجم من الناحية الصحية مثلا، ولفئة الموظفين في مؤسسات مالية من حيث الاحتياطات الأمنية، وكذلك الظروف الخاصة لعمل المتقدمين في السن حيثما عملوا، وللمتدربين في مطلع الشباب حيثما تدربوا، وهكذا مع سائر فئات المجتمع.

في حين أن الواقع القائم في الغرب يشهد على نشوء مشكلة مستعصية على الحل، هي أن المرأة التي قيل إنها امتلكت "حق العمل"، وجدت نفسها واقعيا قد "حصلت" على واجب أصبح مفروضا عليها فرضا، شاءت أم أبت، تحت تأثير معطيات وظروف قاهرة اقتصاديا واجتماعيا، ويعلم مَن عايش المجتمع الغربي معايشة مباشرة لفترة زمنية كافية أنه لم يعد يسهل على النساء الراغبات في الاكتفاء اجتماعيا بدور الأم أو دور ربة البيت أن يصنعن ذلك فعلا. فالمرأة في الغرب صارت تعاني من الظلم الناجم عن إلزامها بالعمل خارج البيت إلى جانب تحميلها أعباء العمل المنزلي وتربية الأولاد. وهذا الوضع أدى إلى حدوث تشققات كبيرة في مؤسسة الأسرة، ومن مظاهر ذلك بروز ظاهرة الأطفال الذين يولدون سفاحًا، والأطفال اليتامى الذين يعيشون مع أمهاتهم بسبب انفصال الآباء عن هؤلاء الأمهات، وتزايد معدلات الطلاق والعنف الأسري والعلاقات الجنسية خارج نطاق الزواج. لذلك تشير الاستطلاعات في الدول المتقدمة والنامية على السواء إلى أن حوالي 77% من النساء يفضلن البقاء في المنزل وعدم العمل إذا ما توفرت لهن الإمكانيات المادية، بسبب الضغوط الشديدة التي تتعرض لها المرأة في عملها وفي منزلها.

ومن هنا لا ينبعي أن نسلّم بكلّ النتائج التي توصلت إليها العلوم الاجتماعية والإنسانية الغربية من نظريات سلوكية وتربوية وغيرها؛ لأنها انطلقت من رؤية ونسق خاص بالغرب وحضارته المادية العلمانية التي تخالف النسق والرؤية الإسلامية، صحيح قد يكون هناك مناطق التقاء في الفروع والجزئيات، وهو ما يسمى بالمشترك الإنساني العام، ولكن الأصول والجذور والمنطلقات تظل مختلفة بيننا وبينهم.

هذا ما ينبغي أن يدركه فرقاؤنا العلمانيون في العالم العربي والاسلامي. وعليهم أن يفقهوا أن  النزعة النسوية في الغرب قد أصبحت 'موضة قديمة' وغدا عقلاؤهم يتندرون على جهالات وسخافات الخطاب النسوي عندهم في الستينات الذي كان مهووسًا بمسألة المساواة، فبدأنا نسمع عن دعوات لعودة المرأة إلى البيت، وفصل الأولاد عن البنات في المدارس وغيرها من الأمور الفطرية التي ضربوا بها عرض الحائط ثم عادوا إليها بعد أن دفعوا الثمن غاليًا، فهل ينبغي أن ندفع الثمن نفسه قبل أن نعود؟

"إن للإسلام رؤيته التي تقوم على عدد من الأسس، وهي التوافق والتكامل والأخلاقية والتناسق والغائية، وهذه كلها هي ملامح الفطرة السوية؛ وليس العشوائية والمادية والعرقية والتظالم والحيوانية، وهي الأسس التي تقوم عليها الرؤية الغربية"(3). إن وجود نسق حضاري خاص بنا ينبغي النظر إليه على أنه إضافة للبشرية ككلّ. باعتبار أن الاختلاف ثراء، ومحاولة نفيه هي إلغاء للإبداع البشري.

التعدد التشريعي بدل فرض التغريب:

 أما على المستوى القانوني و التشريعي فإنه يسع مجتمعاتنا تبني نظامين إثنين- كما كانت زمن الإحتلال- أحدهما ذو مرجعية إسلامية والثاني ذو مرجعية لائكية. ثم يترك بعد ذلك الإختيار للناس فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. وهكذا سيتحول الإختلاف إلى تنافس يخدم مصالح المرأة والرجل على حد سواء. وعندها لن يكون للعلمانيين حجة، إلا أن يعتبروا أن الشعوب الإسلامية قاصرة وبالتالي ينبغي محاصرتها من خلال القوانين والتشريعات من أجل إدخالها إلى حضيرة التقدم والمدنية-وهو ما يحاولون جاهدين فعله-، وهذا قطعا أمر مرفوض لأنه يتعارض مع مستلزمات الديمقراطية التي يدّعي الجميع أنه يحمل رايتها وينافح عنها. إن من حقهم أن يكفروا بالنموذج الإسلامي ونظامه التشريعي ولكن قطعا ليس من حقهم أن يلزمونا بكفرهم.     


هوامش

1) مجلة البيان

2) د. نبيل شبيب

3) د. نبيل شبيب

© aqlamonline 2007