حوارات وراء القضبان

مع السجين السياسي السابق أحمد الذهيبي

العدد العشرون
السنة الخامسة / أفريل - ماي 2007

السجين السياسي السابق أحمد الذهيبي

هو كاتب عام نقابة أساسية للتعليم الابتدائي بمارث، كما انه من المبادرين بتكوين " جمعية أحباء المكتبة والكتاب بمارث" التي لم تمكن من الترخيص الإداري لمباشرة نشاطها رغم تواجد عدة عناصر تجمعية ضمن هيئتها التأسيسية، وقد تقدم المبادرون بمطلبين في الغرض، أحدهما قبل 7 نوفمبر 1987 وثانيهما بعده، وكان مال المحاولتين واحد. وهو من المبادرين أيضا بتأسيس " جمعية قدماء المدرسة الابتدائية بدخيلة توجان" التي لم يرخص لها في النشاط كذلك رغم وجود ثلاثة عناصر من اللجنة المركزية للتجمع وأعضاء من جامعة مارث لنفس الحزب ورؤساء شعب تجمعية ضمن هيئتها التأسيسية، وعضو لجنة" مهرجان المرقوم بدخيلة توجان" في دورة 1989، عضو لجنة ثقافية محلية بدخيلة توجان في88 ـ 89.

أما نشاطه الحزبي فنكتفي بذكر أنه كان عضو مجلس جزء دار المعلمين العليا بتونس سنة 81 ـ 82 وعضو مكتب الدراسات بمنطقة قابس من 83 ـ 86 وضمن القائمين على مشروع الاولويات في نفس المنطقة، وعضو مجلس جهة مارث منذ سنة 1986.  

ملاحظة: هذا الحوار أنجز أواخر شهر أوت 2004

 وفي ما يلي نص الحوار الذي أجراه عبد الله الزواري:

1)    هل دار بخلدك يوما أنك قد تكون وراء القضبان؟

بل كنت متـأكدا من أني سأكون من نزلائه منذ بداية مشواري في العمل السياسي لان القناعة قد استقرت بان النظام الذي أواجهه نظام دكتاتوري واستبدادي من أشرس طراز وأردئه، لايمكن أن يقبل أي منافسة جدية وأي احتكام نزيه لصندوق الاقتراع، لأن مثل هذا الاحتكام مؤذن بضرب كل المصالح الشخصية لقياداته والمتمعشين الذين يدورون في فلكه، ولأن إسناد الأمر إلى أبناء الشعب والغيورين عليه وإلى الوطنيين الصادقين والمخلصين الذين ارتفعوا شهداء في حوادث 9 أفريل 1938 مطالبين ببرلمان تونسي وقبل ذلك التاريخ مثل أحداث الجلاز والتراموي وبعده والذين قضوا في أحداث الخبز 1984 وفي إضرابات ديسمبر 1977وجانفي 1978... وكيف لا يخطر ببالي دخول السجن ، وهامش الحريات يزداد ضمورا وتقلصا مع رجال سبعة نوفمبر رغم كونهم امتدادا طبيعيا للنظام السابق بل ترسيخ له مع تراجع جلي في أبرز مكاسب الحقبة البورقيبية ومفاخرها، مثل هامش الحريات الذي كان متاحا، فأين تلك الصحف التي نشطت الحياة السياسية وكانت متنفسا لكل احتقان سياسي وكانت تنشر وتتابع أنشطة كل المكونات السياسية للمجتمع على اختلاف تصوراتها ومنطلقاتها، أين جريدة الرأي   والمغرب العربي والمجتمع والمستقبل والمعرفة وغيرها؟ أليس من المضحكات المبكيات أن تكون الأحزاب السياسية قادرة قبل عشرين سياسية على إصدار صحفها رغم الإيقافات المتعددة والخطايا المالية التي يحكم بها عليها ثم تصبح عاجزة عن فعل ذلك في عهد التغيير والحال أن لها نواب في البرلمان وتتمتع بمنحة بعشرات الآلاف من الدنانير ومساعدات أخرى مختلفة تشجيعا لها على إصدار صحفها أو القيام بدورها في مسرحية الديمقراطية وحرية الإعلام في العهد السعيد، بل إن الصحف اليومية لم تكن تتردد في نشر بيانات الحركات المختلفة المتواجدة على الساحة بقطع النظر عن قانونيتها من عدمها. هذا بالنسبة للإعلام، كما وقع ضرب بعض المكاسب النقابية مثل حق الاجتماع في مواقع العمل بل وقعت محاولة تدجين الإتحاد، وهو من أبرز مفاخر الشعب التونسي، وكان النجاح في ذلك إلى حد بعيد بفعل تواطأ بعض قياداته، فرغم تدهور المقدرة الشرائية للمواطن وارتفاع المعيشة واستفحال ظاهرة الطرد التعسفي نتيجة لسياسات الخوصصة والتأهيل... فإن عملية إحصائية بسيطة قد تثبت إن عدد الإضرابات التي شنها العمال منذ "التغيير"إلى الآن لا يتجاوز عدد الإضرابات التي كان يشنها العمال في سنة واحدة قبل ذلك التاريخ، ومغالط لنفسه ولغيره من يزعم أن مرد ذلك راجع إلى التفاعل الإيجابي بين الأعراف والسلطة من جهة والكادحين من جهة أخرى، ولعله من نافلة القول هنا الإشارة إلى أن حرية الصحافة أصبحت مقتصرة بل إن حق التونسي في الإعلام اختزل في إعلامه عن التراجع عن الإضراب أو في أحسن الحالات في إعلامه عنه بعد وقوعه، مع فسح المجال لسلطة الإشراف فسيحا لتشويهه وتشويه المضربين وقلة المنخرطين فيه، وإن كلفت وسائل الإعلام العمومية أو الرسمية مشقة تغطية أنشطة الإتحاد فإن ذلك يقتصر على إحياء المناسبات( اغتيال حشاد...) أو بعض استقبالات تجديد الولاء، أما الهيئات الإدارية الساخنة وتجمعات ساحة محمد علي.... فلا يجدر بالتونسي الإطلاع عليها. وانظر كذلك إلى مجانية التعليم وإجباريته...

2 ) الصورة التي كانت منطبعة في ذهنك عن السجن: هل وجدت في الواقع ألسجني ما يرسخها أو ما يناقضها؟

كنت أحسب إنه سيكون أفضل مما هو عليه لأن الذين عاشوا تجربة السجن في العهد السابق وبقطع النظر عن خلفياتهم الفكرية من ماركسيين أو قوميين أو إسلاميين تحدثوا عن ظروف إقامة ومعاملة أحسن مما عايشنا الآن بكثير وأستطيع أن أقول إن ذلك التراجع أو بالأحرى ذلك التردي إنما هو متوافق مع ما شهدته البلاد عموما بعد 7/11 من ترد وتدهور في العمل السياسي وفي مجال الحريات وحقوق الإنسان جملة وتفصيلا، مع التأكيد هنا على أن هذا الكلام لا يعد تزكية للنظام في نسخته الأولى لكن المقارنة بين النسختين تبرز أن النسخة الأولى أقل سوءا وفظاعة من الثانية. كما أستطيع أن أسحب ما يقال عن السجن  والمعاملة فيه وظروف الإقامة على ما يقع في مراكز الإيقاف... وقد كانت لي تجربة أولى حين أوقفت في شتاء1981( يوم الأربعاء 18 جانفي تحديدا) إثر الأحداث التلمذية والطالبية التي عمت البلاد ورغم انتقالي من فرقة إلى أخرى ( الفرقة السابعة – أمن الدولة – فرقة العمران) فلا وجه للمقارنة بين أساليب التحقيق التي كانت مستعملة آنذاك مع ما حد ث في التسعينات.    ولا بد هنا من الإشارة إلى أن شأن السجون كان أفضل بكثير مما هي عليه الآن رغم عدم وجود نصوص قانونية تنظم حياة السجين داخلها وتثبت حقوقه وواجباته... وهذا ما يؤكد أن تلك النصوص إنما وجدت للديكور والدعاية لا غير...

3)    السجون بين ما تسمعه في الإعلام الرسمي والواقع ؟

"شتان بين الثرى والثريا" واستئناسا بالمثل الشعبي الذي يقول"كل حلاف كذاب" فإني أضيف أن كل من يكثر الحديث في موضوع ما بمناسبة وبغير مناسبة فإنه يعلم أن المستمعين غير مصدقين له لكن شأن الإعلام شأن عظيم في قلب الحقائق وتزيين البشائع، ألم يقل أجدادنا" كلمة الصباح وكلمة العشية ترد المسلمة يهودية"

4)    هل تشعر انك أهنت في مرة من المرات؟

الإهانة هي الخبز اليومي للسجين والإذلال هو الماء الأجاج الذي يجرعه السجين كل حين، وأجزم أن أي سجين في تونس مهما كانت قضيته ومهما علا شأنه يكون كاذبا إن زعم أنه لم يتعرض للإهانة     و الإذلال، ويكفي أن نعلم أن تلفزتنا الموقرة لم تجد في الأربعين ألف سجين الذين يملؤون سجون التغيير من يمكن الاطمئنان إلى محاورته في ملف تلفزي غير شاب تونسي قضى كامل عقوبته في السجون الفرنسية( نعم الفرنسية) حيث لا مجال للمقارنة بين السجون هنا والسجون هناك ولا بين السجانين هنا والسجانين هناك... ومن مظاهر الإهانة   ما يقع في مختلف السجون من تجريد السجين من ثيابه كلها قبل مقابلة المحامي وبعدها رغم أن هذه المقابلة تقع تحت المراقبة اليقظة للأعوان، كما يتم نفس الشيء قبل الذهاب إلى المحكمة وبعدها وقبل زيارة العائلة وبعدها رغم وجود حاجزين يفصلان بين السجين وذويه، ألا يعتبر الخضوع إلى هذا الإجراء البشع المعروف ب"طبس كح "         وحرص الإدارة على ممارسته نهاية الإذلال والإهانة؟

5) ألا يوجد في السجن ما نال إعجابك أو أثار حفيظتك؟

إن كان معنى الإعجاب هو الاستحسان فلا شيء يستحسن داخل السجن حتى وجود العدو فيه، وإن كان الإعجاب من الغرابة فالغرائب كثيرة مثل أنواع العقوبات وأسبابها وأنواع العلاقات بين النزلاء بعضهم بعضا وبين النزلاء والسجانين...فالعلاقة بين المساجين مؤسسة على المصلحة الآنية لا غير، لذلك قد يقع الانقلاب عليها في أي وقت ولأتفه الأسباب، ويعلل ذلك بخصوصية السجن الذي تقتضي، حسب هؤلاء، تصرفات لا تخضع لا للمنطق ولا للمبادئ ولا للقيم ولا حتى الشهامة ولا حديث هنا عن الشرائع...ومن الصنف الثاني فإن العون في العموم لا يتردد في ابتزاز السجين ليقدم له أي خدمة، ولا غرابة أن يسمح بعضهم لنفسه أن يختلس من قفة السجين أو حتى من الوجبة الني تقدم إليه خصوصا عندما تكون "مزهمة" أي فيها شيء من اللحم أو السمك... ويكفي أن أذكر هنا من اشتهر باسم كسكروت وآخر بملوخية وآخر ببسيسة... وحدث في هذا المجال ولا حرج عن ابتزاز المديرين للمساجين وكمثال على ذلك سليم غنية الذي أوهم سجينا بإدراج اسمه في قائمة التأهيل مقابل 2000 دينار، ولعل مدير السجن الذي وافاه الأجل سجينا يمثل النموذج لمديري السجون في بلادنا، ولو سئل هؤلاء ذلك السؤال الخالد" من أين لك هذا" لأدين الكثير منهم.

6) ما هي أقسى اللحظات عليك في السجن؟

أقسى اللحظات فيه هي وقت التعداد لأنه دليل كاف على استحالة ألذات البشرية إلى مجرد رقم ولعل مقارنة بسيطة بين الراعي الذي يتفقد أغنامه أو أبقاره وبين العون الذي يقوم بعملية التعداد تبرز مدى فقدان الآدمي لكرامته، فالراعي يتفقد أبقاره وقبل أن بغلق عليها الإصطبل تراه يتثبت من جوعها      وعطشها ومرضها أو شبعها وارتوائها وصحتها، كما يتثبت من نظافة الإصطبل وحرارته، ولا شك أبدا أنه لن يغادر المكان حتى يطمئن على حالها ويتدارك النقص إن كان هناك، أما العون فإنه يعتبر مجرد توفر العدد المطلوب كافيا ليرجع إلى بيته مرتاح الضمير خالي البال وإن ترك المساجين جياعا عطاشا مرضى....

7) ما هي أبرز الظواهر السلبية في الحياة السجنية؟

أبرزها الشذوذ الجنسي ولعل التراتيب السجنية الحالية هي التي تعمل على تكريس هذه الظاهرة المرضية، مثل عدم وجود غرفة خاصة بالشواذ في كل السجون( باستثناء سجن العاصمة وسجن الهوارب)، الاكتظاظ المهول في كل السجون وما اصطلح عليه "بالنوم في الاثنين" أو "النوم راس       وذنب"في فراش فردي واحد، عدم التصنيف الصارم للمساجين، تكليف من اشتهر بهذه الممارسة بمهام داخل السجن (مثل ناظر غرفة وناظر الدوش) وهو ما ييسر لهم ابتزاز المساجين والاعتداء عليهم...   وبذلك تستقر الحلقة المرعبة لهذا المرض، فإن المساجين كبار السن والمعيدين منهم يستغلون عوامل مختلفة ( تجربتهم السجنية، معرفتهم بالأعوان، صيتهم وغطرستهم...) لابتزاز صغار المساجين       والمبتدئين منهم والاعتداء عليهم وما يلبث هؤلاء أن يعتدوا على الأصغر منهم وهكذا دواليك...     وهنا تجدر الإشارة إلى كثرة الجعجعة عن حقوق الإنسان عموما وحقوق السجين خصوصا مع تجاهل جلي لأبرز الحاجات البشرية وهي غريزة الجنس وهي مكبوتة تماما في إطار القانون مما فسح المجال واسعا لتصريفها في الممارسات الشاذة مثل العلاقات المثلية والاستمناء والفحش اللغوي... ورغم أن دولا عربية وإسلامية، نحسب أنفسنا أفضل منها في هذا المجال، مثل ليبيا والسعودية وإيران قد أقرت تمكين السجين من إشباع هذه الغريزة الإنسانية بالسماح بالزيارات العائلية كما أقرت دول أخرى غرف الحب في سجونها حيث تزور الزوجة زوجها ويمكنان من الاختلاء ببعضهما لمدة معينة...      وإن كان ذلك لا يعتبر حقا أو حاجة للسجين في المقاربة التونسية أفلا يكون من حقوق الزوجة(المرأة) إشباع تلك الحاجة مع زوجها السجين أم نشجعها على إشباعها على الأرصفة وفي أوكار البغاء... وليعلم من لا بعلم أنه يوجد في بلادنا من لم يلمس يد زوجته منذ أكثر من عشرين سنة وتقع الزيارة تحت سمع الأعوان وبصرهم، يراقبون كل الحركات والإشارات ويستمعون إلى كل الكلمات رغم وجود حاجزين يفصلان السجين عن زواره وفي ذلك ما فيه من تجريد للسجين من أبسط ما تبقى له من إنسانية متمثلة في المشاعر الحميمية والتعبير عنها لزوجته... ومع ذلك وبكل وقاحة يتحدث قانون السجون عن المحافظة على الروابط العائلية...

8) هل تمكنت من تنمية قدراتك المهنية أو العلمية طيلة إقامتك في السجن؟

لا أبدا. بل القدرات العلمية والمهنية قد تراجعت وتقلصت بفعل عملية التجهيل المطبقة بحزم حيث حرمت الإدارة كل الكتب العلمية والأدبية والمدرسية بل إن المصاحف في حد ذاتها ممنوعة، وهذا لم يقع في أي بلد في العالم، هل سمعت أن نظام حكم منع الكتاب المقدس عن السجناء في بلده؟ أنا شخصيا انتزع مني مصحفي يوم 30 أفريل 1994 بالقصرين تحت إدارة سليمان حسنون ولم أتحصل على مصحف آخر إلا بعد إضراب عن الطعام دام تسعة أيام وكان ذلك في جوان 1995 بسجن برج الرومي تحت إدارة بلحسن الكيلاني، فقد بعثت لي عائلتي مصحفا في طرد بريدي لكن الإدارة رفضت تسليمه لي فاضطررت إلى الإضراب، كما أني لم أتحصل إلى حد الآن على مصحفي الذي حجز في القصرين رغم مطالبتي به مرارا وتكرارا، لكن لا حياة لمن تنادي، علما كذلك بأنه لم يوضع ضمن أشيائي المؤمنة لدى الإدارة، ومن المضحكات المبكيات أنه في بلد يرفع ساسته شعار التعليم مدى الحياة ومجتمع المعرفة   والجامعة المفتوحة والجامعة الافتراضية وفتح الأفاق وهلم جرا من هذه الشعارات الجوفاء أجد نفسي مضطرا إلى شن إضراب جوع تواصل أربعين يوما(من يوم 10نوفمبر 2000 إلى يوم 20 ديسمبر2000) من أجل الحصول على كتاب مدرسي في مادة الإنكليزية، وهذا غيض من فيض...

9)             ألآن وقد عرفت السجن وقضيت به ربيع عمرك وزهرة شبابك هل يمكنك أن تعود إليه؟

ما دام هذا النظام قائما فالعودة إليه واردة في كل حين لأني لن أتخلى عن معركة الإنعتاق والحرية التي انطلقت منذ زمان، كما لا يمكنني أن ألعب دور بيدق لا مشيئة له، ولا يمكنني أن أجامل على حساب المبادئ الخالدة لديننا مثل حق التعبير والتنظم والتعليم والصحة والعمل...ودعنا نتحدث بصراحة أكبر، ألا يعتبر الشعب التونسي كله سجينا مع تأجيل التنفيذ، فأهل السياسة أمام خيارات ثلاث لا رابع لها، أولها: السير في ركاب النظام وتزكية خياراته مهما كانت( الاستفتاء الدستوري أكبر دليل على ذلك...)، ثانيها: الهجرة، وثالثها السجن، انظر ماذا حصل للتليلي ومواعدة والسحباني وهم الذين أيدوا النظام الحاكم طويلا بل منهم من نفذ سياساته، وما كان للنظام أن يحقق ما حقق بدونهم ومع ذلك لم يشفع لهم ذلك "فشرفوا" بالسجن المدني، ولا غرابة بعد ذلك أن يسجن المرزوقي وقسيلة           والشماري ، ولم يتردد بعض هؤلاء عن التعبير عن ندمهم على مباركتهم ضرب حركة النهضة لأنهم أدركوا أن النظام قد قدم لهم ما قدم من أجل حشد التأييد على ضرب حركة النهضة ومحاصرتها لا غير من أجل التخلص من خصم سياسي جدي وعنيد والاستفراد بعدها بالساحة ولذلك وبمجرد أن حقق هدفه قلب لهم ظهر المجن، ولعل الأيام القادمة تأتينا بأسماء جديدة. أما المواطن العادي، أي العياش، فهو تحت وطأة الكمبيالات والصكوك المؤجلة والأقساط المخصومة مباشرة من مرتبه بحيث يكون مجبرا على الاشتغال بأعمال ثانوية في أوقات الفراغ وأيام العطل... أو الانزلاق، إن كان في موقع يسمح له بذلك، إلى الارتشاء...عساه يستطيع الوفاء بما في ذمته من ديون متخلدة، وكل نشاط سياسي غير مرضي عنه يعرض صاحبه إلى ما لا تحمد عقباه، هذا إن لم تدفعه حاجته إلى الانخراط في لجان اليقظة أو خلايا التجمع لا حبا فيه ولا اقتناعا بأفكاره إنما بحثا عن نوع من الحصانة من شأنها أن تحميه من التتبع العدلي عند ممارسة بعض الأنشطة الممنوعة قانونا...

10)         هل حظيت بأي إحاطة من الإدارة أو من إحدى مصالحها طيلة هذه المدة؟

لا توجد أية إحاطة، بل كان السعي دؤوبا في سنوات 1992 ـ 1995 على الأقل لتأبيد المكث بالسجن أطول مدة ممكنة، لذلك حرم الإسلاميون من إجراءات العفو لسنوات طويلة ولا زالت نفس الممارسة متواصلة بصيغ أخرى مما أدى ببعض أخواننا إلى رفض العفو الصادر لفائدتهم، فالمحكوم عليهم بالمؤبد كانت تحط أحكامهم إلى عشرين سنة في أول عفو يسند إليهم، أما الإسلاميون فتحط أحكامهم إلى ثلاثين سنة. ولا عجب كذلك أن نجد كثيرا من المساجين يقضون مدة عقوبتهم كاملة وأنه لمن المهازل أن يتمتع أحدهم بالعفو عن بضعة أيام وهو المحكوم بأكثر من عشر سنوات، بل أن أحد شهدائنا أسند له العفو وهو في حالة موت سريري، وكأن الإدارة تريد تحميل عائلته مصاريف نقلته من مستشفى سهلول إلى بيته في حي التضامن...

11)         هل وقع إطلاعك على قانون السجون؟ وهل تمتعت بما ورد فيه من حقوق؟

لم يقع إطلاعي على أي قانون أو حقوق أو تراتيب، بل اطلعت عليها عرضا عندما كان يفرض علينا اشتراء مجلة الأمل عند التزود من مغازة السجن وكان ضمن أحد أعدادها سنة 1993 كتاب ضم جملة القوانين المتعلقة بالسجون والإيقاف التحفظي.. وعمليا فإن التراتيب يضعها ناظر الغرفة ويبلغها للمساجين بتزكية من المشرف على الجناح ومباركته... اما إجراءات التأديب فكثيرة وتجنبا للإطالة فإني اذكر بعضها فقط: إثر تبادلي الحديث مع سجين حق عام أصيل غار الدماء في غرفة 1 جناح     ـ أ ـ وكان تبادل الحديث ممنوعا، وقعت نقلتي إلى غرفة 2 من نفس الجناح الذي كان يشرف عليه بوبكر الدريدي الذي أصدر تعليماته بمنع محادثتي ومآكلتي من قبل جميع المساجين بما فيهم سجناء الرأي كما حرمني من الفراش، وكان ذلك في ديسمبر 1993، فدخلت في إضراب عن الطعام، وعند تفطن الإدارة لذلك وقع إيداعي بالسجن المضيق بعد تعنيفي رغم أني طالبت بتسوية وضعيتي عدة مرات، ولم أتمكن من مقابلة المدير، وفي اليوم التاسع من الإضراب أرجعوني إلى الغرفة وأعلمني الناظر أنه بإمكاني تناول الطعام مع أحد السجناء الرأي، وتبين بعد ذلك أن كل سجناء الرأي أصبحوا يأكلون أزواجا بحيث بقيت أكل بمفردي لأن عددنا كان فرديا،  ومكثت كذلك إلى أن قدم معاقب جديد وهو فريد الخد يمي وأصبحنا نأكل معا. وبالمناسبة أجد من المفيد الحديث عن عقوبة أخرى لأن أسبابها غريبة وعجيبة والعقوبة أغرب وأعجب، كان المدير سيء الذكر سليم غنية يستعد لاستقبال رشيد إدريس في إطار زيارة " فجئية"، ذلك الفضل العظيم الذي امتن به على رئيس هذه الجمعية دون غيرها، وسعيا لتجنب كل مفاجأة غير سارة وكل ما من شأنه أن ينغص هذه الزيارة وكل من يمكن أن يفضح تجاوزاته وممارساته أللإنسانية، عمد مدير السجن، بالتنسيق مع القاضي عبدالستار بنور المدير العام للسجون والإصلاح، إلى نقلة بعض المساجين، نقلة وقتية إلى سجن قابس ( محيي الدين الفرجاني ووحيد السرايري )، حيث مكثا هناك أسبوعا واحدا ثم أعيدا إلى سجن المهدية، ولمزيد إحكام سير هذه الزيارة، تفتقت قريحة المدير على حيلة أخرى تتمثل في إخراج أربعة مساجين ووضعهم في سيارة السجن بدعوى حملهم إلى المستشفى دون أي داع صحي ومكثت السيارة تتجول في طرقات مدينة المهدية وضواحيها إلى أن انتهت الزيارة الفجئية الميمونة، وقبل ذلك بيومين (يوم الخميس) قابل المدير كل مساجين الصبغة الخاصة، أي سجناء الرأي، وحل بعض الإشكاليات العالقة منذ أشهر،      ومكنهم من طرودهم البريدية ومحجوزاتهم، ورفع بعض التضييقات مثل منعهم دون غيرهم من ممارسة الرياضة، واستمرت المقابلات إلى ساعة متأخرة من الليل وهو الذي كان برفض مقابلة أي سجين منهم، وفي حديثي معه اختلفنا... فما كان منه إلا أن عنفني في مكتبه. و في صبيحة يوم الجمعة، نقلني من غرفة 6 إلى غرفة " الشباب" بالمصحة، التي أخليت منهم بالمناسبة، وهذه غرفة معزولة تماما لا يمكن أن يتفطن لها الزائر، كما نقل إليها سبعا آخرين من سجناء الرأي، أذكر من بينهم الأسعد ط. وهشام ب. وحاتم بن ر.، وذلك في محاولة منه لإبعادنا، قدر المستطاع، عن المسلك الذي يمكن أن يسلكه رشيد إدريس في زيارته "الفجئية"، لكن المدير لم يهدأ بالا مع ذلك، فقرر إخراج أربعة منا في سيارة السجن قبل حلول رئيس الهيئة العليا لحقوق الإنسان، لنمكث داخلها وهي تتجول بنا في شوارع مدينة المهدية وضواحيها إلى أن تمت الزيارة، ثم أعادونا إلى السجن بعد قضاء حاجتهم، وقد تعللوا عند إخراجنا بالذهاب إلى المستشفى رغم انعدام أي سبب لذلك، وعند عودتنا من "جولتنا" القسرية في المهدية، أرجعونا إلى الغرف التي كنا بها قبل تجميعنا في بيت " الشباب"، لكن مع حرماننا جميعا من فرشنا، فرفضنا هذا التعسف، فوقع إيداعنا بالسجن المضيق، وتداهمنا الحراسة الليلية وتقيد أيدينا وبدأت تعنيفنا واحدا واحدا لإجبارنا على قبول الإقامة في تلك الغرف دون أسرة، فكان لهم ما أرادوا بفعل الهراوات والسياط والأغلال، وكان المدير نفسه مشرفا على عملية التعنيف، وباشرها الوكيل صدقي ب. وأعوانه، وكان ذلك عند غروب الشمس من نفس اليوم الذي أدى رشيد إدريس زيارته، وهو يوم الأحد 29 ديسمبر 1997، علما بأن "الملوخية" طبخت لأول مرة يومها. وفي هذه الغرفة (6) بدأت إضرابي عن الطعام دون الإعلام عنه، وفي اليوم الخامس منه، وكنا في شهر رمضان، وأثناء مشاهدة المساجين للكاميرا الخفية، تناولت خليطا متركبا من كيس اومو (350غرام)    وكيس صغير من السعوط ( نفة) و4 علب كبريت(الجزء القابل للاشتعال)....وحملت إلى المستشفى الجامعي بالمهدية حيث أقمت به يومين لتنظيف المعدة والمثانة، أعادوني بعدها مباشرة إلى السيلون، ومكثت به خمسا وعشرين يوما دون مثول أمام لجنة التأديب، ولم أخرج منه إلا بمناسبة عيد الفطر،     وقد تظاهر المدير بتجاهل أمري تماما، ونقلني إلى غرفة19، وهي غرفة تعرفها جيدا، لكن مع الفراش هذه المرة...

12)          متى مكنت من فراش فردي؟ ومتى عرضت على الفحص الطبي؟ ومتى زارتك عائلتك أول مرة؟

مكنت من فراش فردي بعد عام وثمانية أشهر، فقد سجنت في أفريل/......1991 وجاء دوري في الحصول على فراش في ديسمبر/... 1992، أما ما يعنيه ذلك من فضاء وكم الهواء النقي واستعمال دورة المياه و الفسحة فإن ذلك لم يحصل إلى حد الآن، وعرضت على الفحص الطبي بعد عام كامل من إيقافي، وذلك عندما أعادتني فرقة الإرشاد في قابس إلى السجن في حالة يرثى لها من جراء التعذيب الذي مارسوه علي وكانت آثاره ظاهرة للعيان(كدمات، بقع زرقاء في أماكن مختلفة من جسدي...) ونظرا لتدهور صحتي أشفق علي رفاقي في الغرفة، فأعلموا عني ممرض السجن الذي خشي مزيد تعكر صحتي، فأسرع إلى المدير لإعلامه بالأمر، والمدير وقتها هو سليمان حسنون، الذي فزع بدوره عندما رأى آثار التعذيب بارزة جلية واكتفى بالقول" لا أستطيع الآن فعل أي شيء أكثر من عرضك على الطبيب وتوفير الدواء لكن في المستقبل سأنبه على الشرطة، إن قدموا لأخذك ثانية، بأني لن أقبلك في السجن إن وقع تعذيبك بهذه الطريقة ".

أما عائلتي فقد زارتني بعد إيداعي بالسجن ببضع أيام، خاصة وان العائلة كانت تتابع الأمر عن كثب إذ وقع إيقاف أختي(شؤون المنزل) وصهري( زوج أختي الثانية) جديد...

13) الزيارة الأولى؟ مشاعر الزوار؟

كانت والدتي تغالب البكاء، أما الوالد فلم يزرني إلا بعد عام وأربعة أشهر، وهو أشد الناس تأثرا، ولم يستطع إتمام وقت الزيارة- على قصره- في أي مرة طيلة أربعة عشر سنة، فسريعا ما تغالبه الدموع فلا يستطع كتمانها، ويغادر قاعة الزيارة متسللا لواذا...

14) لماذا تجلب العائلة القفة؟ هل تفتش بحضورك؟ هل حدث أن فقدت بعض محتوياتها؟ ماذا فعلت؟

العائلة تعتبر" القفة" واجبا تسديه إلى السجين، كما أنها تعلم أن أكلة السجن رديئة، لذلك كانت تستجيب للتوجيهات التي اقترحها عليها، فكانت تزودني بما يمكن أن يدخل تحسينا على أكلة السجن مثل القديد، الهروس، المرقاز...يوم كان ذلك مسموحا به، لكنهم سريعا ما منعوها. ولم تفتش بحضوري إلا في سجن قابس وذلك اثر دخولنا في امتناع جماعي على الزيارة(جويلية 1991) مطالبين بتحسين المعاملة وظروف الإقامة ومن ضمن المطالب أذكر الجرائد وتفتيش القفة بحضور صاحبها...وجاء هذا التحرك مباشرة إثر تعدي عون(الأزهر من قفصة) على مقام الجلالة، فاحتج بعضنا على هذا السلوك الشائن والتجاوز القانوني الصارخ، فما كان من الإدارة إلا أن انتصرت لمنظورها استخفافا بالقانون   وتحديا لمشاعر السجناء، فعمدت الإدارة إلى معاقبة المحتجين بحلق أشعارهم بصفة مشوهة وإيداعهم بالسجن المضيق مع حرمانهم من الزيارة، وأذكر من هؤلاء مبروك قريرة والأسعد قرصان وألنوري النفاتي وقد كانوا ستا في الجملة، كما كان فقدان بعض محتويات القفة أمرا رائجا(مثل الغلال خاصة).

15) هل من إضافة حصلت لك في السجن؟

 "الصبر على الأذى".........

 التعرف على فئة من أبناء مجتمعنا من الصعب أن أخالطهم وأتعرف عليهم خارج القضبان، واقصد المهمشين، وهم إفراز طبيعي من إفرازات المجتمع بل من ضحاياه، وهم نتيجة حتمية للعلاقات القائمة والمنهج التربوي والنمط الثقافي السائد، اهتماماتهم لا تتعدى الجسد، ولا يرى من الأنثى إلا رشاقة القد وغنج الصوت، ولا اعتبار عنده لرجاحة عقل أو رصانة تفكير أو وجاهة رأي وموقف...لم أكن احسب أنهم بهذه الأهمية، وهذا لا ينفي أبدا وجود استعداد لدى العديد منهم للخروج من واقع التهميش،    ويبرز ذلك مثلا في استعداد بعضهم لتقديم خدماتهم نكاية في الإدارة وشعورا منهم بالظلم المسلط على سجناء الرأي وان كل ما قيل عنهم لا يعدو أن يكون دعاية مغرضة لتشويه صورتهم وتنفير من حولهم عنهم...

كما إن الإنسان عرف نفسه بصفة أدق وقد خاض تجربة تقتضي تضحيات وصبرا وحكمة، تجربة لا يمكن أن يعيشها خارج القضبان، كما عرف المرء رفاق دربه وخبرهم لأنه خالطهم مخالطة لصيقة طويلة المدى، معرفة تشمل لحظات الفرح والحزن، الأمل والبأس، والسعة والضيق... بينما كانت معرفتنا السابقة معرفة سطحية وليدة جلسات ببضع ساعات في الأسبوع، يستطيع المرء أن يتكيف فيها حسب مقتضيات الحال...

16) لنفترض أنك كلفت بإدارة هذا السجن، ماهي الإصلاحات التي تبادر بها؟

أرفض ولو افتراضا أن أكون مدير سجن، لكن كمهتم بشأن المساجين أقول: إن سجن حربوب في حاجة إلى إصلاحات ضرورية وفورية كثيرة، منها
(1)             ساحات فسحة أوسع، فهل من المعقول أن تكون الغرفة أوسع من ساحة الفسحة، لا أرى الآن تفسحا في هذه الساحة، بل أرى ضيقا وتزاحما وتدافعا واشتباكا.
(2)             فهل من المعقول أن تكون غرفة مثل هذه(غرفة3) تأوي في المعدل أكثر من ثمانين سجينا، لا تزيد المساحة الخام لشبابيكها عن خمس أمتار مربعة.
(3)            
مجموعات صحية نظيفة ومناسبة لعدد النزلاء.
(4)            
تحسين الأكلة.
(5)            
تنظيم أفضل للقنوة والمشرب، وتعامل أفض وأرقى.
(6)             إعادة رسكلة الأعوان وتحسين معاملتهم للمساجين.

بل أقول، إجمالا، كم أود أن يرتقي "حربوب العظيم" في مختلف مصالحه وخدماته إلى مستوى "أسوا" سجن في البلاد، أرأيت رسالة تصل صاحبها بعد شهرين من إيداعها في مصلحة البريد؟ أرأيت توقيت زيارة أقصر من حربوب رغم قلة سجناء الرأي فيه؟ أرأيت في سجن آخر سجينا لا يتسلم ما يقتنيه من دخان أو وصولات قنوة إلا بعد أسبوع أو أكثر؟...

17) وإن افترضنا انك أصبحت مديرا عاما للسجون والإصلاح، ماهي الإصلاحات التي تحظى بالأولوية لديك؟

ينسحب على سؤالك هذا ما قلته عن سؤالك السابق، وأقول:
(1)             الحزم في تصنيف المساجين سنا وحكما وجريمة وحالة جزائية.
(2)             توفير تشغيل بمقابل مادي محترم يوفر للسجين عند الإفراج مبلغا ماليا يساعده على الاندماج في المجتمع.
(3)            
توفير رعاية وإرشاد ديني وأخلاقي وإحاطة يومية من أجل إنقاذ السجين من الانحراف.
(4)            
توفير عدد من المختصين في علم النفس وعلم الاجتماع والإجرام بعدد كاف للاحاطة بالسجين لان الإنسان لا يولد مجرما، وفي غياب إحصائيات دقيقة ومفصلة فإني أستطيع أن أجزم بأن نمو الإجرام يفوق بكثير النمو الديمغرافي.
(5)            
فتح الآفاق بصفة جدية ودون تمييز أو استثناء لكل من يريد مواصلة دراسته سواء في العمومي أو الخاص مع اعتبار الدراسة والنجاح فيها من المؤشرات المعتبرة في إسناد العفو أو الحط من العقاب.
(6)            
العقوبات طويلة المدى ومهما تكن الجريمة لا يمكن أن تكون حلا، ولا بد من وضع سقف للمدة التي يقضيها السجين في السجن، لماذا يقضي الزين ولد القابسية 22 سنة – ولم يفرج عنه - وهو الذي دخله ولم يبلغ العشرين؟
(7)             إيجاد معايير واضحة ومعلومة للجميع لإسناد العفو أو الحط من العقاب لقطع سبل ابتزاز المساجين وعائلاتهم.
(8)            
السماح بقضاء بعض المناسبات خارج السجن(الأعياد مثلا) لمن تتوفر فيه مقاييس دقيقة    ومعلومة للجميع.
(9)            
التخلي عن المراقد الجماعية والعمل على بناء غرف صغيرة لا يتعدى عدد نزلائها العشرة.

18) بم تنصح سجينا جديدا؟

أن يطلب من عائلته توفير كل ضرورياته لان الحاجة في السجن قد تؤدي إلى انحرافات خطيرة ذات عواقب وخيمة جدا، وأن يطالب بكل حقوقه من اليوم الأول وأن لا بتردد في إعلام عائلته بكل مضايقة أو ابتزاز سواء كان من المساجين أو السجانين وأن لا يرضخ لذلك.

19) حكمة( أية قرانية، حديث نبوي، مثل شعبي، بيت شعر..) كثيرا ما ترددها!

"الصبر مفتاح الفرج "، كما كتبت الآيات الثلاث الأخيرة من سورة الطور في أكثر من خمس عشر رسالة، وكلما تلوتها إلا وشعرت باني اقرأها لأول مرة في حياتي.

20) ممنوعات يجب مراجعتها دون تأخير؟

كل الممنوعات المتعارف عليها في التراتيب السجنية يجب أن تراجع، فهل يعقل مثلا أن لا يرى السجين وجهه في المرآة طيلة مدة حبسه وإن امتدت سنوات وسنوات، التخلي التام عن استعمال الأواني البلاستيكية لمضارها الثابتة والعودة على الأقل إلى استعمال أواني الاليمنيوم كما كان الشأن في السبعينات والثمانينات أي قبل 7 نوفمبر، تمكين المساجين من اقتناء كل الجرائد والمجلات الصادرة بالبلاد، والمزري انه إلى حـد الآن ( في سنة2004) كثيرا يقع منع الجرائد الرسمية وشبه الرسمية، عدم اقتصار قائمة الزوار على الأقارب من الدرجة الأولى، مع تطبيق مبدأ الزيارة المباشرة آليا على الأطفال،

21) مباحات يجب التصدي لها بحزم؟

منع صارم لنوم سجينين في فراش واحد، عدم التساهل في إعطاء "أدوية الأعصاب"، تحديد الفارق العمري بين نزلاء الغرفة الواحدة (عشر سنوات مثلا).

22) حادثة عالقة بذهنك؟

في نهاية 1992 أو في بداية 1993 في سجن القصرين، وأثناء الزيارة وجدت طفلا صغيرا لم يبلغ ستة عشر سنة متهما بالنشاط في حركة النهضة، فأمضيت اغلب وقت الزيارة في طمأنة والدته الملتاعة، وفي سنة 2004 في حربوب يوجد صبي لم يتعد نفس السن، ومع ذلك فهو مودع في غرفة تضم أكثر من 100 سجين منهم من دخل السجن أكثر من خمس عشر مرة، فلماذا وجدت الإصلاحيات وقضاة الأحداث ومجلة حقوق الطفل؟

23) هل تذكر اليوم الأول بالسجن؟ مشاعرك؟

هو يوم عادي، شعرت بنوع من الارتياح للابتعاد عن فرق الأمن المختلفة وأجواء التحقيق المرعبة لكنه تبين بعد ذلك انه كان سرابا خلبا، إذ يمكن إعادتك للتحقيق في أي وقت دون أدنى ضمان. لكن مع ذلك الارتياح كانت هناك نوع من الرهبة من المستقبل، فقد دخلت مرحلة جديدة لا اعرف نهايتها كيف تكون ومتى تكون؟

24) هل من نصيحة توجهها لإخوانك في المهاجر؟

احرصوا على أن لا تتحول أهم حركة سياسية وجدت في تونس إلى جمعية أجتماعية وخيرية تسعى للم شمل المهجرين...

25) رأيك في المحطات السياسية القادمة؟

المحطات السياسية لن تكون مغايرة للتي سبقتها في 94 و95 ففي التشريعية لن تتجاوز حصة المعارضة مجتمعة عدد المقاعد الممنون بها عليها مقابل ولائها...أما الرئاسية فلنترك الحالمين يحلمون، واربأ ببعض الفضلاء بان تزين بهم الصورة الانتخابية دون أدنى فائدة، فليس هناك في الواقع أي شرط من شروط الانتخابات الحرة والنزيهة وليس هناك أي مؤشر للسير في هذا الاتجاه.

© aqlamonline 2007