|
محمد
الحمروني
لم
يثر عمل فني
وخاصة في
المسرح من
الجدل
مثلما
أثارت
مسريحة "خمسون".
فبعد منعها في
تونس
وعرضها في
فرنسا على
خشبة أحد
أهم
المسارح في
العالم "الأوديون"
عادت
المسرحية
لتجد لها في
بلدها
مكانا...
وكانت عديد
الوجوه
الديمقراطية
والتقدمية
سافرت إلى
فرنسا على
حسابها
الخاص
لتدعم
الفاضل
الجعايبي
وجليلة
بكار وشكلت
تلك القوى
لجنة وطنية
للدفاع عن
حق
القائمين
على "فاميليا"
في عرض
عملهم في
تونس. وبعد
أن سجلت
وزارة
الثقافة
احترازها
على عشرات
الصفحات ثم
تراجعها عن
ذلك
والسماح
بعرض
المسرحية،
وبعد أن هرع
"أهل
الثقافة
وأصحاب
الوجاهة"
من رموز
المجتمع
المدني إلى
العرض
الأول
وتزاحموا
للحصول على
مقعد في
المسرح
البلدي
وبعد
الإشادة
بالمستوى
الفني
الكبير
لمخرج
المسرحية
والممثلين
المشاركين
في العمل،
شنت مجموعة
من الأقلام
اليسارية
والتقدمية
حملة على
الفاضل
الجعايبي
ومسرحيته
وصورت
العمل الذي
ملأ الدنيا
وشغل الناس
لمدة شهور
بالـ"هابط
فنيا
والمهزوز
من ناحية
الحبكة
المسرحية"
ولتتهم
المسرحية
بالانحياز
للتطرف
وعدم
تعبيرها
بصدق عن
خمسين سنة
من تاريخ
تونس
المستقلة
بالأمانة
والنزاهة
المطلوبتين.
فما
الذي حدث؟
وما الذي
حصل لرفاق
الأمس
القريب حتى
ينطلقوا في
بكائية لا
تنتهي
وليشنوا
حملة على
الجعايبي
وفاميليا و"خمسون"
ولتصبح
المسرحية
التي شدوا
الرحال إلى
باريس لشد
أزرها عملا
متواضعا من
ناحية
ومهزوزا
وهابطا من
ناحية أخرى.
وقبل
محاولة
الإجابة
على مجمل
هذه
التساؤلات
نعرض
بعجالة إلى
الانتقادات
التي وجهت
للمسرحية
والتي كانت
في مجملها
سياسية
ولكنها
حاولت أن
تتخفى وراء
النقد
المسرحي
والمستوى
الفني
للعمل.
يساري
يصرخ...
خذلتنا يا
جعايبي
هكذا
جاء عنوان أحد المقالات
التى
تناولت
المسرحية
ونشرت في
جريدة "الشعب"
بداية شهر
مارس
الماضي.
والمقال
عبارة عن
بكائية
طويلة
وتحسر على
خروج
الجعايبي
عن "سرب
التقدميين"
وعلى
مسلكية
مفادها
معارضة
السلطة دون
الدخول في
صراع معها
وشن حرب
لاهوادة
فيها على
التيارات
الإسلامية
وعلى كل ما
تمثله من
مظاهر
التدين
بالبلاد.
والغريب أن
الذين "يصرخون
ويهاجمون"
الجعايبي
هم الذين
تنادوا في
الأول
لدعمه
والوقوف
معه بوجه
وزارة
الثقافة.
ويعود
هذا التحول
في الموقف
من
المسرحية
ومن
الجعايبي
إلى
الطريقة
التي تعرضت
بها
المسرحية
لحالة "اليسار
والقوى
التقدمية"
واعتبرته
يسارا
مريضا يصاب
منذ بداية
المسرحية
بسرطان في
الحنجرة -عفى
الله
الجميع -
وينتهي في
آخر
المسرحية
إلى الموت.
ورغم
أن
المسرحية
تعرضت في
جزء كبير
منها إلى
إشكالية "التطرف
الديني"
والإرهاب،
وهي موجهة
بالأساس
لمعالجة
هذه
الظاهرة،
بل إن
الجعايبي
ذهب أبعد من
ذلك حينما
اعتبر في
رسالته إلى
وزير
الثقافة أن
المسرحية
تندرج ضمن
المجهود
العام
للدولة
والقوى
والرموز
الفكرية
والسياسية
التقدمية
لمقاومة
الإرهاب
والتطرف،
رغم ذلك فإن
ما دار من
جدل حولها
لم ير في
المسرحية
إلا
إعلانها عن
وفاة
اليسار.
ويعود
هذا الموقف
المتشدد
إلى الصدمة
التي
أحدثها
الاعتراف
الصريح
والواضح
بموت تيار،
هو فعلا
يعيش هذه
الحالة، في
وقت تجاهد
فيه ما تبقت
من نخب
يسارية
للمحافظة
على ما تبقى
لها من حياة
رغم أن هذه
القوى تعلم
جيدا أنها
في حالة
تراجع شعبي
كبير منذ
الثمانينات
ولكنها لم
تكن تتوقع
أبدا أن
يذهب أحد
أبنائها
إلى حد
إعلان
موتها.
القسوة
التي ميزت
نقد
المسرحية
للوضعية
التي
تعيشها هذه
القوى
نابعة
برأينا من
شعور
الحسرة
والمرارة
التي يحسها
منتجو
المسرحية
أنفسهم من
الوضعية
التي آلت
إليها حالة
اليسار
بالبلاد.
وليس
عبثا أن
يختار
الجعايبي
لـ"يوسف"
الذي يرمز
لليسار أن
يصاب بمرض
مفزع جدا هو
السرطان
وينتقي له
أخطرها وهو
سرطان "الحنجرة".
كما أنّه
يقضي كامل
المسرحية
جالسا على
كرسي مديرا
ظهره إلى
المشاهدين،
وهو ما يمثل
– كما جاء في
بعض
المقالات -
حالة إدارة
الظهر
للجمهور
والانشغال
عن القضايا
العامة
للمجتمع
والاهتمام
بالقضايا
الداخلية
وهذه
إشارات
واضحة من
طرف
الجعايبي
إلى أن
أسباب "موت"
الأطراف "اليسارية
التقدمية"
هوعدم
اهتمامها
بقضايا
الناس
والتغاضي
عن المشاكل
الحقيقية
للمجتمع
ومشاغله
وهمومه
وربط نفسها
بأجندات
وأفكار
وتيارات
غريبة عن
هوية هذا
الشعب وهو
ما عبرت عنه
جليلة بكار
في إحدى
الحوارات
الصحافية
التي أجريت
معها
وتحديدا
خلال ردها
على سؤال
حول اتهام
المسرحية
بالتعاطف
مع التيار
الديني فقالت:
كلّ ما
في الأمر
أنّنا نعيش
في مجتمع
أغلبه
مسلمون.
كما
ضمت
المسرحية
مشهدا
اعتبر من
بعض وجوه
اليسار
الاستئصالي
مؤلما إلى
حد كبير...
ابنة أحد
اليساريين
التقدميين
تتحول إلى
متدينة
وتقوم
عائلتها
بالضغط
عليها حتى
تترك
الصلاة. أحد
هؤلاء رد
بقسوة على
الجعايبي
واعتبر أنه
يزيف
الحقائق.
وحسب
الكاتب فإن
التقدميين،
الديمقراطيين،
لا يمكن أن
يفرضوا على
بناتهم
وأولادهم
خيارات
معينة كما
لا يمكن أن
يغصبوهم
على تبنيها
ورأى
الكاتب أن
ذلك افتراء
وتلفيق وأن
هذا لا يليق
إلا بـ"أنصار
التيارات
الدينية
المتشددة
الذين لا
يؤمنون
بالديمقراطية.
الموقف
من التيار
الديني
المسرحية
التي حاولت
أن تكون
جردا لواقع
الأطراف
السياسية
في تونس على
مدى 52 عاما
أنصفت إلى
حد كبير
التيارات
الإسلامية
المعتدلة
في الوقت
الذي أدانت
فيه بكل شدة
الإرهاب
والتطرف
والعمليات
الانتحارية.
التيار
الإسلامي
الوسطي في
تونس تم
تقديمه في
أغلب مراحل
المسرحية
على أنه
تيار مضطهد
ومقموع
واحتلت
مشاهد
التعذيب
جزء كبيرا
من
المسرحية...
والسؤال هو
ما سر هذا
الموقف
لجليلة
بكار
والفاضل
الجعايبي؟
ما
نعرفه هو أن
جليلة بكار
كانت لها
فرصة
للتعرف عن
قرب عن
مواقف
وآراء
ونماذج من
أبناء حركة
"النهضة"
ودخلت معهم
في حوارات
عن الثقافة
والفن
والمسرح
وغيرها
والأكيد أن
ما جرى خلال
تلك
اللقاءات
ترك أثرا في
شخصية
جليلة
بكار؟ فحين
كان أبناء
حركة
النهضة في
السجن قامت
الإدارة
العامة
للسجون
والإصلاح
ببرنامج
لتأهيلهم،
يعني إعادة
تهيئتهم
للاندماج
في الحياة
من جديد عبر
غرس روح
الثقافة
والفن في
نفوسهم
وعبر
الدخول
معهم من
خلال
مجموعة من
الوجوه
الإعلامية
والفنية
ومنهم بكار
في حوارات
تهذبهم
وتبعدهم عن
التطرف. ما
وجدته بكار
هم أناس غير
الذي قيل
لها وبدل
أن تؤثر
فيهم يبدو
أن وضعهم في
السجن
ووقوفها
على ما
يعانونه،
وهي
الممثلة
والمرأة
المفعمة
بالرقة،
ترك آثاره
العميقة في
داخلها.
تحقير
العمل من
الناحية
الفنية
وحتى
يصبح "النقد"
علميا!!! حاولت
بعض
الأقلام أن
تنال من
القيمة
الفنية
للمسرحية. وركزت
الانتقادات
"الفنية
للعمل على
ما قالت إنه
اضطراب
النص
وضبابية
الرؤية..."
وهذا ما
يتجلى
بوضوح -حسب
رأيها- في
المشاهد
التي تتكرر
"بل تبدو
أحيانا
وكأنها
نسخة
مطابقة
للأصل،
وهذا ما حدث
مع المشاهد
المتعلقة
بالاستنطاق
والتي
احتلّت
الجزء
الأكبر من
المسرحية".
كما جاءت
جميع هذه
المشاهد -حسب
أحد النقاد-
سطحية في
جلّها، و"خالية
في العديد
من جوانبها
من تلك "الشاعرية
السوداء"
التي
تميّزت بها
المسرحيات
السابقة
لفاضل
الجعايبي
وجليلة
بكار. لذا
كان من
الأفضل
الاستغناء
عن بعض من
تلك
المشاهد
ذلك أن
تاريخ تونس
خلال
الخمسين
سنة
الماضية
ليس سلسلة
متواصلة من
الاستنطاقات
البوليسية
الفظة
واللاإنسانية".
كما وجه
النقد إلى
كاتبة
المسرحية،
ومما نشر في
هذا الإطار
"مع هذا
الموضوع
الفضفاض،
بدت كاتبة
النص والتي
هي الممثلة
القديرة
جليلة بكار
وكأنها غير
قادرة على
الإمساك
كما ينبغي
بخيوط
الحبكة
المسرحية،
والسيطرة
بالتالي
على
السّمات
الأساسية
في الجوانب
التي أرادت
معالجتها.
والنتيجة
أن
المسرحية
فقدت مبكرا
تسلسلها
الدرامي،
ونغمها
الداخلي،
لتتحول في
النهاية
إلى مجموعة
من المشاهد
والمواقف
المملّة
والرتيبة".
كما تم
الحديث في
هذا الخصوص
على "المباشرية"
الفجّة
التي طغت
على مسرحية
"خمسون" من
البداية
حتى
النهاية.
لذلك جاء
النص خاليا
من أية جملة
شعرية
واحدة تمتع
المتفرجين:
لا إيحاء
ولا صمت موح
هنا وهناك،
بل صراخ
وهرج كما في
شوارعنا
التونسية،
وبكاء
ونحيب حتى
عندما تتلى
الآيات
القرآنية،
وحتى
الأجساد
الأنثوية
بدت وكأنها
فقدت
أنوثتها،
ورقة
أصواتها،
وأناقة
حركاتها،
لينتهي أحد
النقاد إلى
القول "فما
تقدمه
المسرحية
سواد على
سواد في تلك
الليلة
التونسية
الجميلة
التي كانت
فيها
النجوم
تتلألأ".
وهذا
يتناقض
تماما مع
الإشادة
التي لقيها
العمل عند
عرضه في
فرنسا، وهو
العمل
الفني
العربي
الأول الذي
نال "شرف
عرضه على
مسرح
الاوديون"
بباريس. كما
لا يستقيم
هذا الكلام
في حق
مجموعة
مسرحية ظلت
تخطف
الأضواء
منذ
الثمانينات،
من "غسالة
النوادر"
إلى "جنون"
إلى "فاميليا"
وغيرها. كما
أنه يتناقض
مع رأي
الكثير من
النقاد
المسرحيين
الذين رأوا
في العمل
نواحي
تجديدية
ونقاط قوة
لم يحصل أن
وقع
تناولها
قبل "خمسون".
ومن تلك
النقاط
الفنية
قدرته على
توظيف
إبداعي
للإضاءة من
مثل رسم
قضبان
ضوئية تمثل
السجن سواء
عند عرضه
لعمليات
التعذيب أو
حتى في
المشهد
الذي يصور
عملية "الرافل".
وكذلك خلال
تصوير
المشاهد
العبادية
بشكل طقوسي
فني يحيل
المشاهد
إلى
روحانية قل
أن استعملت
من قبل.
كما لا
يمكن أن
ننسى طريقة
العرض التي
راوحت بين
الأسلوب
المباشر
واللمحات
الرمزية.
والجديد في
هذا الشأن
هو عودة
الجعايبي
إلى
استعمال
المباشرية
في طريقة
تناوله
للموضوع
المطروح
رغم ما اختص
به مسرحه من
رمزية.
ويرجع
الكثير من
النقاد ذلك
إلى أن
الفكرة
التي أراد
الجعايبي
تبليغها لم
تعد تحتمل
الرمزية أو
الإيحاء أو
استعمال
القفازات.
فالحالة
التي بلغها
اليسار
صارت تتطلب
مكاشفة
ومصارحة
تجلت خاصة
في استعمال
الراوي
الذي كثيرا
ما تدخل في
المسرحية
ليزيد في
إيضاح ما
صار واضحا.
|