في العلاقة بين القوميين والإسلاميين عربيا ومغاربيا

العدد التاسع عشر
السنة الخامسة / نوفمبر - ديسمبر 2006

 

الطاهر الأسود (*)

”إن أخطر ما يمكن أن تتوقعه إسرائيل من العرب أن يتوحد الدين مع التوجهات القومية. إن ما نعيشه حالياً يمكن أن يكون نكتة لما قد نعيشه في المستقبل في حال تواصل المد الإسلامي المقاتل في مواجهة الدولة العبرية. إن هذا هو الذي يتوجب أن يقلقنا بشكل كبير، وللأسف إننا لا نحرك ساكناً في سبيل قطع الطريق على تعاظم هذا الخطر عن طريق رفضنا إبداء تنازلات ولو شكلية. لقد سكرنا من شدة الفرح عندما أعلن شارون بتبجح في العام 1982 أنه طرد منظمة التحرير من لبنان، لنبكي بعد ذلك عندما فوجئنا أن من حل مكان منظمة التحرير هو حزب الله، العدو الأكثر خطراً، الذي مرغ أنف دولة بأكملها في التراب“.

إفرايم هاليفي (Ephraim Halevy) الرئيس السابق لجهاز "الموساد" (القناة الأولى في التلفزيون الإسرائيلي، 15/7/2006)

ربما يبدو للبعض أن التمحيص في مسألة العلاقة بين التيارات القومية والاسلامية غير ذات معنى في الظرفية الراهنة. حيث سيشير هؤلاء إلى أن المرحلة القادمة ستشهد استقطابا غير مسبوق لصالح التيارات الاسلامية بكل تلويناتها مقابل استمرار تراجع نفوذ التيارات القومية وانسحابها القسري (العراق) أو الطوعي (ليبيا) من معاقل السلطة السياسية والنفوذ السياسي بشكل عام. وهو ما يعني أن التيارات الإسلامية لن تحتاج التقارب مع تيار "متهاو" في جميع الأحوال. غير أن هذه الرؤية لا تقع في خطأ التهوين المبالغ فيه للتيارات القومية فحسب، بل تهمش نقطة محورية. فالتيارات القومية لا تمثل مجرد حالة حركية بل هي أكثر من ذلك تعبير عن رؤية لطبيعة الصراع في المنطقة. ويمكن الإشارة بكل ثقة أن الكثير من ملامح هذه الرؤية لازالت تحتفظ بحيويتها. ولهذا بالذات فإن الاستقطاب الراهن لصالح التيارات الإسلامية لا يعني تحديدا فقدان مصداقية الكثير من المعاني الاستراتيجية للطرح القومي. بل على العكس من ذلك، يبدو أن ترشيد الكثير من قطاعات المشهد الاسلامي واكتسابها حسا متفاقما من الواقعية يحصل من جملة ما يحصل على أساس استكشافها وتبنيها لمحاور الاستراتيجيا القومية. ليس الوضع الراهن، كما يمكن أن يحاجج البعض، وضعا انتهت فيه التجربة القومية لتفسح فيه المجال لتجربة إسلامية مختلفة تماما. الخطأ الرئيسي في هذه الرؤية تصوير الرؤية الإسلامية بشكل يجعلها مختلفة بشكل جوهري عن الرؤية القومي - أبيض مقابل أسود. الحقيقة أن ما يجمع الرؤيتين هو ربما سر نجاحهما الممكن. فما يحتاجه كل منهما يبدو أنه يوجد في الآخر. وبهذا المعنى يجب فهم لماذا يخشى شخص مثل إفرايم هاليفي في خضم الحرب الأخيرة على لبنان من "توحد الدين مع التوجهات القومية".  

في معنى الطرح القومي في الظرف الراهن

يجب التفكير في المسألة القومية بالأساس على أنها واقع راهن تشمل سلطته الجميع بما في ذلك الذين لا ينظرون إلى أنفسهم كقوميين. يبدو مثال الرئيس جمال عبد الناصر بالغ الأهمية في استكشاف السلطة البالغة للطرح القومي على الواقع السياسي العربي، حيث انطلق الزعيم المصري في البداية كصاحب مشروع متركز في القطر المصري ولم تكن له رؤية دقيقة في علاقة بالمشروع القومي على الشاكلة العملية التي أصبح عليها المشروع الناصري خاصة إثر العدوان الثلاثي. واكتشف الرئيس المصري بعد كثير من الصراع أن مشروعه الوطني المصري لا يمكن أن يتحقق خارج الوعي الدقيق بإطار قومي عربي وبمفهوم استراتيجي مثل الأمن القومي العربي. وبمعنى آخر أصبح الزعيم المصري زعيما قوميا تحت ضغط الواقع. لقد أصبح عبد الناصر قوميا ليس لشعاراتية متأصلة فيه، كما يحاول الإشارة بعض المتوترين من "الليبراليين العرب الجدد"، بل لأنه كان واقعيا. لا يجب أن يكون ذلك مفاجأة بأي شكل من الأشكال: جوهر الرؤية القومية ليس عقيدة إيمانية بمشروع مستقبلي بل هي قبل ذلك إدراك دقيق لهوية المنطقة وطبيعة الصراع القائم فيها.

وبهذا المعنى ليس الأمن القومي العربي مشروعا للتحقيق بقدر ما هو واقع قائم. وسواء كان ذلك الأمن منتهكا أو مخترقا فإن ذلك لا يعني البتة عدم إدراك الأطراف العربية في جملتها، بما في ذلك النظام الرسمي القائم، لأهمية ارتباط أمنهم بالأمن القومي. ولهذا حتى تلك الأطراف العربية التي تموقع نفسها لأسباب عديدة ضمن استراتيجيا الأمن القومي الأمريكي فهي تعرف جيدا أهمية الحفاظ على حد أدنى من الأمن القومي العربي. غير أن طبيعة الالتزامات التي انخرطت فيها تكبح الامتداد الطبيعي لمعاني أمنها القطري الى الحد الذي تتفادي فيه حتى النظر لأمن القطر المجاور كأي طرف مجاور لا يجمع بينهما الرابط القومي. وهكذا تنظر دولة مثل تركيا بجدية أكبر إلى طبيعة الوضع في العراق أو سوريا ولتأثير ذلك على مصالحها القومية مقارنة بما تقوم به مثلا أنظمة مثل الأردن والذي يبدو أحيانا كثيرة مهتما بالمصلحة الأمريكية أكثر حتى من مصالحه القطرية عند تعامله مع الوضع في القطرين المذكورين. 

ورغم ذلك فإن تهور الاستراتيجيا الأمريكية خاصة في مرحلتها النيومحافظة دفع الكثير من المتموقعين ضمنها الى الاحتراز والتخوف حيث فهموا أنه لا يوجد ما يكفي من الضمانات لعدم امتداد آثار الحروب الأمريكية إلى الداخل القطري الذي اعتقدوه محصنا بعيداعن تهديد "القومجيين". وفي هذا السياق يعيد من تبقى فيهم بعض الحكمة من الراهن العربي الرسمي اكتشاف مزايا الحفاظ على حد أدنى من الأمن القومي العربي ولو أن ذلك يتم الآن من خلال تكتلات عربية إقليمية موضعية وظرفية ومن خلال تمثل هذا الحد الأدنى ضمن معايير غير دقيقة تحور طبيعة الأمن القومي لتصل ضمنيا حتى إلى مستوى الحديث عن أمن عربي سني في مواجهة "هلال فارسي شيعي".

 وبشكل عام وبالرغم من كل هذا القصور في التصور والممارسة فإن الحقائق الأكثر بداهة للرؤية القومية، أي أساسا تلك المتمحورة حول مفهوم الأمن القومي العربي، لا زالت حقائق شديدة العناد وتجاهلها بالتحديد وما ينشأ عن ذلك من فراغات هو الذي يوفر الأرضية لانفلاتات التنظيمات القاعدية والتي تقدم مفاهيم واستراتيجيات بديلة مقوضة للأمن القومي. 

القاعديون والتهديد بالحروب الطائفية والأهلية: التقويض الآخر للأمن القومي

حسب الاستراتيجيا العملية والمعلنة للتنظيمات القاعدية فإن مسألة "حاكمية الشريعة" تتبوأ مكانة مركزية. وبمعنى آخر فإن "أمن الشريعة"، بما يتضمن ذلك من المعاني الطائفية الضيقة للـ"سلفية الجهادية"، يحتل المكانة العليا التي يتم على أساسها الفرز العام لقائمة "المؤمنين" و"المرتدين". وتستبدل هذه المنظومة ذلك المعطى الواقعي المتمثل في الأمن القومي.

إن جوهرالتنظيمات القاعدية هو استرجاع لمقولة إسلامية سابقة مفادها رفض الواقع الراهن القائم بالأساس على رئيسية المرجعيتين الوطنية والقومية للعمل السياسي من خلال اعتبار هذه المعايير ببساطة معايير "جاهلية". لكن الوضع العراقي، على سبيل المثال، يؤكد، من جهة أخرى، معطى غير قابل للتجاهل: أن الحفاظ على شعبية التنظيم المسلح المناهض للاحتلال غير ممكن خارج شروط التركيبة العراقية شديدة الحساسية تجاه نعرات الحرب الطائفية وهكذا فإن هذا الشرط الأساسي للحل المسلح الناجع، أي العلاقة المتينة بين المسلح ومحيطه الشعبي، سيفرض على التنظيم القاعدي الانقسام ومن ثمة تخلي البعض عن جوهر الرؤية القاعدية أي التخلي عن القول بعلوية ماهو سني سلفي على ما هو وطني.[i]

وفي الواقع فإن هذا التهديد للصيغة الوطنية والمغامرة بتفتيتها بدعوى "جاهلية العصبية الوطنية" (يقع تمثيلها بالعصبية القبلية) لا يتجه إلى تقويض الدول القطرية في مصلحة دولة جامعة بقدر ما يسعى لإقامة دولة جامعة تحت النفوذ الاستبدادي للطائفة "السنية" في محيطها العقائدي الأقل انفتاحا. وهو ما يؤدي إلى إشعال سلسلة من الصراعات الأهلية على أساس "الهوية" ليس فقط بين الفصيل "السني" والآخر الشيعي أو حتى الطوائف النصرانية العربية بل حتى في خضم المحيط "السني". فلا يجب الوقوع هنا في المغالطة القاعدية التي تدعي الدفاع عن "أهل السنة والجماعة" حيث يقع الدفاع عن فصيل أقلي ضمن الساحة الشاملة للسنة العرب. إن المؤشر الآخر الباعث على الاهتمام هو الالتقاء على مستوى الرؤية الاستراتيجية بين التنظيمات القاعدية المؤججة للصراع "السني-الشيعي" وبعض الأطراف العربية الرسمية التي تتحدث عن تهديد "الهلال الشيعي". فتقييم الجانبين يتجه عمليا للالتقاء حول استهداف "غير السني" العربي بوصفه تهديدا ضروريا. إن ذلك يؤكد مقولة أساسية في علاقة ببداهة الطرح القومي من جهة الواقع القائم: تفتيت الصيغ الوطنية القائمة في إطارها القطري الراهن تهديد مباشر للأمن القومي العربي. وهنا، ورغم ما يبدو لذلك من مفارقة بالنسبة للخطاب القومي الحركي، فإن الدفاع ضد تفتيت الدولة القطرية على أساس الصراعات الطائفية والأهلية يصب مباشرة في إطار الدفاع عن الأمن القومي العربي.

الإسلام المعتدل والرؤية القومية

شاب تعبير "الإسلام المعتدل" المعرب عادة من رديفه الإنجليزي (moderate Islam) الكثير من الجدل إلى الحد الذي يتهم فيه البعض كل من يستعمله بأنه "يلوك الخطاب الأمريكي". وسواء أكان أصل المصطلح ضمن القاموس السياسي الأمريكي أم لا فإنه تعبير يحتاج الاهتمام لمعانيه الفعلية والتي تفلت بالتأكيد من الضوابط الأمريكية. فمن جهة هناك استعمال شديد الضبابية وغير نزيه يدفع في اتجاه إضفاء تسمية "الإسلام المعتدل" على كل من يجاهر في الأساس بالعداء لأساسيات في الدين الاسلامي. وبالنسبة لشخص غير متوازن مثل دانيال بايبس فهناك ضرورة لدعم "المسلم المعتدل" وهو ذلك الطرف المعادي بالأساس لأي طرف إسلامي والذي يمكن أن نطلق عليه بدون مبالغة طرفا استئصاليا. غير أن هناك "إسلاميين معتدلين" وهنا يرفض شخص استئصالي مثل بايبس المصطلح أصلا معتبرا أنه من الاستحالة أن يكون طرف إسلامي معتدلا بالأساس.

وبالرغم من أن البعض يمكن أن يرى في بعض التنظيمات الإسلامية العراقية اعتدالا لأنها متعاونة مع الاحتلال القائم فإن ذلك لا يعني أن هذا التعبير خاطئ في ذاته. في الحقيقة يوجد إسلاميون معتدلون وهؤلاء يمكن التعرف عليهم ليس على أساس تعاونهم مع الاستراتيجيا الأمريكية بل من خلال تمايزهم الجذري مع التنظيمات القاعدية وهو ما ينطبق على أطراف إسلامية تعتبرها الإدراة الأمريكية "إرهابية". وهكذا فإن تنظيمات لا يشك في ممانعتها للاستراتيجيا الأمريكية مثل "حركة حماس" أو "حزب الله" هي في الأساس نماذج للتيارات الإسلامية المعتدلة. ولا يتعلق الاعتدال هنا بدرجة الحرص على تنفيذ أحكام فقهية لا تتردد القاعدة في العمل بها بل يشمل مسائل أهم مثل الاعتراف بالواقع الوطني والقومي كأطر للعمل السياسي في المشهد العربي. وهكذا فإن اعتدال الحركتين المذكورتين يتمثل خاصة في وعيهم الكبير بمفهوم استراتيجي مثل الأمن القومي العربي. ينطبق ذلك أيضا على بقية التيارات الإسلامية المعتدلة (والتي تعرف نفسها على هذا الأساس) والتي تتصرف بشكل مسؤول تجاه هذا المفهوم الاستراتيجي.

إن المثير هنا أن مقابل الالتقاء العملي بين التنظيمات القاعدية وبعض الأطراف العربية الرسمية حول استثارة الصراع الطائفي السني الشيعي هناك في المقابل تشكيل لم يظهر إلى السطح السياس العربي بعد لو أن مكانه يبدو مهيئا: الالتقاء بين التيارات الإسلامية المعتدلة والطيف العربي السياسي الغالب غير المؤطر في كثير من الأحيان والمتمسك بالدفاع عن مفهوم الأمن القومي العربي. وفي الحقيقة في نقطة الالتقاء هذه تكمن الحالة التي تذوب فيها الأطراف الإسلامية المعتدلة ببنيتها ومفهومها التقليدي مع التيارات القومية في بنيتها ومفهومها التقليدي. إن الالتقاء الاستراتيجي يعني نهاية الطرفين، كما اعتادا أن يكونا. يبقى أن هذه الحالة من الذوبان المتبادل تبدو أكثر رجاحة في بعض الظرفيات الإقليمية العربية منها مقارنة بأخرى.

أفق الحوار القومي-الاسلامي مغاربيا

هناك ملمح جديد في الوضع المغاربي سيساهم بشكل بالغ في إعادة تشكل الواقع السياسي: "قاعدة الجهاد في بلاد المغرب". فمنذ البيعة الرسمية مؤخرا لتنظيم "الجماعة السلفية للدعوة والقتال" تجاه تنظيم القاعدة وحسم مسألة القيادة التي سيتم إحالة "أمر بلاد المغرب" اليها من قبل الإمارة القاعدية والتقارير الصحفية عن تدريب عدد من المواطنين المغاربيين من قبل التنظيم الجزائري بهدف توسيع دائرة الصراع الأهلي إلى بقية الأقطار المغاربية فإن مسألة بروز تهديد التنظيمات القاعدية للسلم الأهلي مغاربيا سيصبح مجرد مسألة وقت. إن ذلك سيدفع إلى الواجهة الحاجة التاريخية لعقد اجتماعي جديد يجبّ العقد الاجتماعي المرتجل في ما بعد مرحلة الاستقلال ويحظى بالقبول والاقناع وهو ما لم يتحقق حتى الآن. وليس العقد الاجتماعي في هذه الحالة وبالتعابير السياسية الراهنة سوى مشروع المصالحة الوطنية. 

إن مسار المصالحة الوطنية مغاربيا هو المسألة الجوهرية في المستقبل السياسي المنظور. لا يتعلق ذلك بمجرد تمنيات بل هو ما سيشكل جوهر الصراع السياسي بالذات وحوله سيتم حسم طبيعة المرحلة المقبلة. وليست مسألة الدمقرطة بمعزل عن هذا المسار. إن التفاعلات والتجاذبات المتصاعدة مغاربيا تبين أن الدمقرطة لا يمكن أن تتم بمعزل عن واقع معقد فيه الكثير من التوازنات المحلية والإقليمية والدولية. ومثلما كان الحال دائما، بما في ذلك في النماذج الغربية، فإن الدمقرطة ستتحدد مسارا وتوقيتا وسرعة حسب توافقات موضوعية معقدة. والتوافقات وحدها وليس عقلية الفرض والإملاء أو التوتر والصراخ هي التي ستحل المعضلات القائمة. ومن هذا المنظور يجب النظر إلى مسألة المصالحة الوطنية. فهي، بمعنى آخر، البعد الواقعي والعملي التي ستشكل القاعدة التوافقية الممكنة لإرساء مسار دمقرطة حقيقي ومن ثمة تحقيق المثال الديمقراطي. إن مسار المصالحة الوطنية الذي هو في وضع تشكل في بعض الأقطار وفي حالة ما قبل الولادة في أقطار أخرى سيصبح مسارا حتميا للبقاء بمجرد أن يسترجع التهديد القاعدي للسلم الأهلي حيويته (في المثال الجزائري) أو يصبح أمرا واقعا (في بقية الأقطار)، وهي للأسف وكما أشرت ليست إلا مسألة وقت. إن استمرار البعض في إنكار هذه الآفاق بدعوى نجاح ما هو قائم لن يغير في الأمر شيئا إلا في اتجاه تعقيد الحلول وتأجيل التوافق.

إن لمعادلة المصالحة الوطنية مغاربيا علاقة قوية بل مشروطة بطبيعة العلاقة بين الأطراف القومية والاسلامية. من الضروري التأكيد هنا على الطبيعة الخاصة للمحيط المغاربي. حيث يبدو التواجد المهيمن للإسلام مغاربيا وبمدرسته السنية المغاربية العريقة (المالكية) عاملا أساسيا شكل ويشكل قاعدة للتوافق يجمع الغالبية العربية مع الأقليات البربرية. أكثر من ذلك فإن الخصوصية العربية البديهية للإسلام جعلت من مفهوم العروبة مفهوما متضمنا حتى ضمن الظرفية البربرية. ومن ثمة فإن التماهي بين الظاهرة الإسلامية والقومية في الواقع المادي والثقافي المغاربي جعل من الصعوبة بمكان حصول استقطاب سياسي متبادل بين التيارات السياسية التي تتصدر الدفاع عن الظاهرتين مثلما حدث بشكل مبكر وبارز في المشرق العربي. وهكذا كانت الحركات الوطنية التي قادت مسيرة الاستقلال هي حركات قومية - إسلامية بالفطرة (حزب الاستقلال، جبهة التحرير، حزبي الدستور القديم والجديد). وبالرغم من السلبيات المرتبطة بتقاليد استبدادية لم يكن سهلا تجاوزها فإن من المثير أن مختلف هذه الحركات الوطنية قد احتوت إلى هذه الدرجة أو تلك نزعات عملية وفكرية نحو الانتماء القومي الإسلامي. وربما من العثرات التي يمكن حسابها على التيارات القومية والإسلامية المغاربية المشابهة للحالة الحركية المشرقية بشكل متفاوت هو عدم إدراكها الكافي لأهمية الكتل القومية والإسلامية في البنى القطرية المغاربية بما في ذلك داخل الأحزاب المهيمنة. وربما من عوامل اللخبطة تصرفات هذه الكتل نفسها والتي تذهب في أحيان كثيرة إلى تصور غير دقيق يقول بضرورة تمييز "الأمة القطرية" ("الأمة المغربية"، "الأمة الجزائرية"، "الأمة التونسية") والتأكيد عليها بشكل يستفز الأطراف الحركية القومية والإسلامية.[ii]

وبشكل عام يبدو الوضع المغاربي كالتالي: أولا، أطراف محلية لا ترغب في المصالحة الوطنية لتداعيات الدمقرطة المتماهية معها ومن المفارقة أن هذه الأطراف تبدو متناقضة: من جهة أولى جزء من النخب الحاكمة الآتية إثر العقد الاجتماعي المرتجل والضمانات الدولية الأمريكية لعالم ما بعد الاستقلال وغير المستعدة لإدراك المتغيرات القطرية والقومية، ومن جهة ثانية التنظيمات القاعدية التي ترفض الجميع وترى في الديمقراطية والمصالحة مع "المرتدين" و"الكفار" ضلالا مبينا. ثانيا، أطراف إسلامية وقومية ووطنية اعتدالها يكمن في تفهم الواقع القطري والقومي والاستعداد للدفاع عن الأمن القومي في إطار جغراسياسي مغاربي يشكل جناحا هاما للأمن القومي العربي. 

إن أي حوار منظور بين التيارات القومية ونظيرتها الإسلامية يجب أن يأخذ بعين الاعتبار هذه الملامح العامة للوضع الراهن والتي يمكن حصرها في النقاط التالية:

-الطرح القومي بوصفه توصيفا لواقع أكثر منه مشروعا بديلا
-الإسلام القاعدي هو نتيجة للفراغات في الأمن القومي وعامل مقوض لهذا الأمن في نفس الوقت
-الإسلام المعتدل سينتهي إلى الإقرار بأن الطرح القومي هو الطرح الأكثر واقعية
-هناك قوميون وإسلاميون بالفطرة في الواقع الخصوصي للمغرب العربي

(*) باحث تونسي يقيم في أمريكا الشمالية


[i]  في الوضع العراقي هناك تموقع سياسي جديد يتمثل في ظاهرتين مفارقتين لا يمكن على المدى المنظور سوى التوافق بينهما للبقاء: من جهة هناك إعادة تشكل الخارطة السياسية على أساس التركز الطائفي والقومي ومن جهة أخرى هناك تباين طائفي وقومي حول مفهوم الوطن العراقي. وعلى سبيل المثال هناك تيارات طائفية وقومية معادية لفكرة الوطن الجامع في حين هناك تيارات طائفية وقومية تدافع بشراسة عن مبدأ الوطن العراقي. إن هذا نموذج آخر، ينضاف للنموذج اللبناني مفاده القاعدة التالية: يمكن للتركز الطائفي أن يكون مقوضا للوحدة الوطنية ولكن ذلك ليس أمرا ضروريا. حيث يمكن للتنظيم المشروط بقاعدة طائفية أن يكون قاطرة للوحدة الوطنية على أساس دوره الدقيق في معادلات و توازنات الداخل القطري و الامتداد القومي. وفي هذه الحالة يصبح الحفاظ على الوطن مصلحة طائفية.

[ii]  كان مفهوم "الامة القطرية" في الأساس مفهوما دفاعيا ضد الإلغاء الاستعماري. وهكذا مثلا كانت صرخة الشيخ عبد العزيز الثعالبي والذي لا يشك في إخلاصه للانتماء العربي-الاسلامي لتونس من خلال كتابه "تونس الشهيدة". كما يجب فهم إصرار الزعيم الوطني من الحزب الدستوري الجديد على البلهوان على نفس الصيغة كما هو معروف في مؤلفه "نحن أمة" في ذات الاطار. وفي الحالتين لم تكن "الأمة التونسية" في ذلك الاطار مفهوما مناقضا للانتماء العربي-الاسلامي بقدر ما كانت مفهوما ضروريا لاعادة استكشاف الهوية العربية الاسلامية المميزة للامة القطرية والتي تم تهميشها في ظل الهيمنة الاستعمارية. غير أن الصراعات بين القطرية في ما بعد الاستقلال وخاصة بين بعض الزعماء المغاربيين والرئيس عبد الناصر أدت الى التأثير على أصول مفهوم "الأمة القطرية" ليصبح إطارا مفهوميا للانعزال، ليس عن الانتماء العربي-الاسلامي في &