ما الذي يمكن أن يضيفه التيار الإسلامي للحياة السياسية؟

العدد التاسع عشر
السنة الخامسة / نوفمبر - ديسمبر 2006

 

علي كردي

إن المتتبع للمشهد السياسي العام في الوطن العربي والإسلامي لا يمكن ان يخطئ مدى الحضور المتميز للتيار الإسلامي الذي بات يتمتع بشعبية متنامية تخوله التقدم في كل منافسة سياسية نزيهة. وهو ما بات يمثل مأزقا حقيقيا لخصوم هذا التيار المحليين والدوليين. إلا أن هذه المكانة والحظوة التي يتمتع بها التيار الإسلامي ليست قدرا محتوما وإنما هي مكانة مشروطة بمدى قدرة هذا التيار على تحقيق مصالح الفئات التى أولته ثقتها. فهذه المكانة قبل أن تؤول إلى التيار الإسلامي كانت قد تبوأتها تيارات أخرى وطنية وقومية ويسارية غير أنها جميعا أخفقت في  تحقيق مصالح شعوبها مما جعل هذه الأخيرة تغير قبلتها مرة تلوى الأخرى. فهل يكون حظ الإسلاميين أوفر من غيرهم؟ وما الجديد الذي يمكن أن يضيفه  التيار الإسلامي للحياة السياسية؟

يبدو من خلال استقراء تجارب الحركات الإسلامية في التعاطي مع مسألة الدولة أن التيار الإسلامي لم يكن واعيا بما فيه الكفاية بتعقيدات الدولة الحديثة بأجهزتها الأمنية والعسكرية الضاربة، وتنظيمها الإداري الضخم، وما تتمتع به من قدرة هائلة على الرقابة والضبط، وهو ما عكسته بوضوح تجربة الحركة الإسلامية في السودان وأفغانستان ثمّ أخيرا فلسطين. ذلك أن الخطاب الإسلامي لا يعكس وعيا بالقطيعة التاريخية الحاصلة بين النموذج التاريخي للدولة / الخلافة ونظام الدولة الحديثة التي تأسست على ادعاءات شمولية واسعة النطاق إلى جانب احتكار أدوات العنف بيدها، والانفراد باستخدام هذا "العنف المشروع" بحسب تعبير ماكس فيبر. "الدولة الحديثة هي أشبه ما يكون بالآلة الصماء التي لها معقوليتها الإكراهية الخاصة التي لا تعبأ كثيرا بنوعية الايديولوجيا أو المطالب الأخلاقية والدينية أو نوعية الأشخاص القائمين عليها" في حين أن النموذج التاريخي للدولة الإسلامية قد تميز بما كان يتيحه للمجتمع من هامش واسع لحرّية التصرّف في الشؤون العامّة، ومن المسؤولية في البناء الحضاري، إذ لم تكن الدولة الإسلامية تمسك من السلطات بصفة قويّة مباشرة إلاّ على سلطة الأمن، بالمعنى الموسّع، الذي يشمل دفع العدوان الخارجي، وإقامة العدل بين الناس، وإشاعة الطمأنينة فيهم، وذلك من خلال مؤسّسات الجيش والشرطة والحسبة والقضاء وما يدخل في حكمها. أمّا المهامّ البنائيّة فهي في مجملها تركت في إنجازها للأمّة، ولم يكن للدولة إلاّ دور الإشراف العامّ، وتوفير الشروط الممكّنة من الابتكار ومن الإنجاز. أما الدولة الحديثة فهي كيان أو تركيب اصطناعي أبدعه الأفراد الهدف منه خدمة المجتمع، وهي قد  تأسست على النظام الذي يعني اكتشاف أسهل الطرق وأقربها إلى تحقيق الأهداف المنشودة والمصالح المرغوبة. والدولة الحديثة من جهة أخرى نتيجة لوعي قومي أو عصبية قومية حسب المفهوم الخلدوني، قامت على أساس توحيد وتركيز وسائل السلطة ومراكزها من جيش وإدارة، واقتصاد، ويمكن القول بأنها عكست علاقة الوعي القومي بنظام الإنتاج الرأسمالي الصاعد فهي لم تكن مجرد انتقال من "الديني" إلى "السياسي" كما يبدو في الظاهر. فكل دولة إلا ولها ميولات طبيعية نحو التمدد والسيطرة بغض النظر عن نوعية القائمين عليها ومدى التزامهم الأخلاقي والديني. ولهذا السبب لم تختلف تجربة الإسلاميين في السلطة كثيرا عن تجارب غيرهم. بل أن الدولة التي أريد لها أن تكون الأداة الناجعة لحل مشكلات المجتمع وتجاوز حالة العطالة التاريخية التي ألمت بالوجود الإسلامي تحولت بدورها إلى عبء ثقيل على المشروع الإسلامي نفسه. لقد ترافق بناء الدولة الحديثة مع تغيير جذري في بنية العقل السياسي، بحيث تم تهميش البعد الأخلاقي للسياسة، وبالتالي تحولت السياسة بصورة أساسية إلى شأن "علمي" يمكن اختزالها أو حصرها في مسألة تقنية محددة. أضف إلى ذلك أن المجال الاقتصادي قد اجتاح بدوره المجال السياسي، وفرض عليه مفهوم النموذج الاقتصادي فتحولت السياسة إلى مجرد سوق تتم فيه المبادلات وتقضى فيه المصالح وفقا لما تقتضيه قوانين السوق وموازين القوة التي تتحكم فيه.

ولم يعد النظام السياسي هو المحرك للحياة الاجتماعية بالدرجة الأولى فقد تقلص دوره، وحلت محله مجموعة من المفاهيم المجردة مثل "المجتمع، والبنية الاجتماعية والثقافة، والسوق. ولاشك بأن إفراغ السياسة من غاياتها ومثلها النبيلة سيؤدي لا محالة إلى فراغ مهول، ومخيف قد يدخل الإنسانية في عصر التوحش التكنولوجي.

هذه الإشكالية الخطيرة هي التحدي الحقيقي أمام التيار الإسلامي. فالتحولات الكبرى التي شهدها العالم في العقد الأخير من القرن الماضي والمتمثلة في انهيار المنظومات الفكرية، وما رافق ذلك من ثورة الاتصالات وتسارع العولمة الاقتصادية، وما سيترتب عن ذلك من تغيرات جوهرية على مختلف الأصعدة والنشاطات البشرية.

كل هذا يجعل من الضروري التعامل مع الدولة بإعتبارها شراّ لا بدّ منه ومن ثم العمل على الحد من غلوائها وكف يدها عن التمدد والسيطرة على المجتمع والاستيلاء على مقدّراته. أي العمل على التخفيف من وطأة الدولة وتجريدها من ادعاءاتها الشمولية، مع العمل على تحويل ما أمكن من صلاحياتها إلى المجتمع الأهلي، بحيث لا يبقى منها إلا ما كان ضروريا لإدارة الاجتماع السياسي وليس أكثر.

هل ينجح التيارالإسلامي في هذه المهمة ومن ثمّ إعادة الاعتبار للمجتمع الأهلي؟

هناك عدة مؤشرات تدل على أن هذا الهدف ممكن التحقيق. من بينها وجود النموذج التاريخي والذي كانت فيه الدولة لا تمسك من السلطات إلا بما اعتبر ضروريا لتحقيق مهمة الجباية وحماية التخوم في حين يحتفظ المجتمع الأهلي بما دون ذلك من السلطات. وهو ما أفسح مجالا واسعا من حرّية الإنجاز الحضاري للأمّة. ولمّا كانت هذه المهامّ ذات البعد الاستراتيجي في البناء الحضاري قد تكفّلت بها الأمّة، فإنّه رغم ما تعرّضت له الدولة من اضطرابات سياسية، وانكسارات عسكرية مدمّرة، فقد ضلّت الحضارة الإسلامية تنمو في شتّى المجالات.

المؤشر الثاني فيتمثل في توفر الأمّة العربية والإسلامية على مقدّرات مادّية وثروة ضخمة، فمن الإمكانيات الزراعية، إلى المعادن، إلى المناخ الطبيعي الملائم للبناء الحضاري، والموقع الجغرافي الاستراتيجي. وهي تتوفّر على مقدّرات بشرية ضخمة تستند إلى قوّة شبابية متنامية، بالإضافة  إلى قوّة ترابط اجتماعي بين خلايا الأمّة ومكوّناتها الاجتماعية.

وهي تتوفّر أيضا على مقدّرات قيمية من شأنها الدفع إلى النهوض، تلك القيم الدينية التي تقوم على مبدأ الاستخلاف الذي يجعل من التعمير في الأرض أفضل أنواع العلم والعمل المهمّة الأكبر للإنسان، بل الغاية من وجوده أساسا.

المؤشر الثالث فهو ما يمكن رصده من ظواهر وأحداث كلها شواهد على أنه كلما خفت قبضة الدولة على المجتمع الأهلي وأُفسح له المجال ليأخذ المبادرة ظهرت إنجازات أعلى كفاءة في الأداء، وأرقى نوعا في النتائج، مثلما هو الحال في مجال الأعمال الاجتماعية من صحة وتعليم ورعاية اجتماعية حتى أصبحت المؤسسات الحكومية عنوانا للرداءة والفوضى وتدني المستوى. المؤشر الرابع يتمثل في القدرات الهائلة التي أبانت عنها الشعوب في مقاومة الظلم الخارجي الذي تتعرض له الأمة سواء في فلسطين أو لبنان أو العراق أو أفانستان أو القوقاز، وذلك في مقابل عجز فظيع وفشل ذريع للدولة. كل هذه المؤشرات تدل على أن تحرير قوّة الفعل الحضاري الكامن في الأمة أمر ممكن، وأن السبيل إليه يمر بالضرورة عبر إعادة صياغه الدولة والعمل على التخفيف من وطأتها والعمل على تحويل ما أمكن من صلاحياتها إلى المجتمع الأهلي بما يسمح بإعادة الفعالية الحضارية إلى جسم الأمّة، لتكون هي صاحبة الحقّ المطلق في تدبير شؤونها. ذلك هو التحدي الحقيقي المطروح على التيار الإسلامي. فإذا أفلح فلن يضيره بعد ذلك إن لم يكن على رأس السلطة.

© aqlamonline 2006