الاستاذ أحمد الكحلاوي في حوار مع أقلام أون لاين:

 العروبة والإسلام عقيدة وعمل 

ولا يمكن لأحدهما تحقيق النصر بدون الآخر

العدد التاسع عشر
السنة الخامسة / نوفمبر - ديسمبر 2006

أجرى الحوار: أحمد قعلول 

أكد الأستاذ أحمد الكحلاوي في حواره الذي خص به مجلة "أقلام أون لاين" أن كلا من العروبة والإسلام عقيدة وعمل وأنه لا يمكن لأحدهما تحقيق النصر بدون الآخر، وبين أن حركات المقاومة في فلسطين والعراق ولبنان قد أدركت الأمر وهي تخوض معاركها على أسس واضحة معتبرة أن المسائل الدينية يتم الدفاع عنها في مناهج التعليم وبرامج الثقافة وفي القوانين والدستور. وبين الاستاذ الكحلاوي الشخصية القومية البارزة في تونس والمناضل المعروف في مجال الدفاع عن القضايا القومية في فلسطين والعراق أن التيارين العروبي والإسلامي يشتركان في العديد من المنطلقات والأهداف وأن جل الخلافات التي وقعت بينهما سببها العديد من الاختراقات الفكرية التي شككت في الكثير من المبادئ والأسس. وأكد الأستاذ الكحلاوي أن الصراعي الايديولوجي لم يخدم المصالح الوطنية للأمة خاصة وأنه بلغ حدود الاحتراب والفتنة وأصبح يمنع التركيز على إنجاز المهام الملحة للأمة. ودعا إلى ترك ذلك الصراع والاستعاضة عنه بالحوار والتفكير الإيجابي بما يقلص مسافات الاختلاف ويوسع مساحات التوافق. ولن يتحقق ذلك إلا عبر عملية تراكمية تتأثر بالأحداث وتؤثر فيها، فالممارسة الميدانية ترتقي بالأفكار وتعدل المفاهيم إلى ما هو أعلى وأنفع للأمة والإنسانية.

والأستاذ أحمد الكحلاوي قيادي نقابي سابق ومناضل قومي. كان من أبرز رموز مرحلة كاملة من النضال النقابي والسياسي طيلة مرحلة السبعينات والثمانينات قائدا لواحدة من أهم نقابات الاتحاد العام التونسي للشغل: نقابة التعليم الثانوي.

تعرض الأستاذ الكحلاوي للاعتقال والتجريد من الصفة النقابية في أكثر من مناسبة في إطار الصراع من أجل استقلالية الاتحاد العام التونسي للشغل وفي إطار الدفاع عن القضايا القومية ومناهضة التطبيع. ترأس وشارك بنشاط في هيئات تونسية مختلفة للدفاع عن العراق وفلسطين وهو عضو في المؤتمر القومي العربي، ورئيس "لجنة مقاومة التطبيع". وفي ما يلي نص الحوار:

أقلام أون لاين: كيف تعرف التيار القومي وكيف تعرف التيار الإسلامي؟

تعود نشأة التيارين القومي والإسلامي خلال العصر الحديث اإلى أصل مشترك ومرجعية عربية وإسلامية واحدة. كان ذلك منذ بدايات القرن التاسع عشر على أيدي بعض القوميين العرب والمسلمين الذين بادروا كل من جهته بمطالبة السلطنة العثمانية ببعض الإصلاحات التي تضمن للعرب الحفاظ على خصوصياتهم القومية والتمسك بتراثهم ومنحهم حق  تعلم لغتهم العربية والعمل بها في الإدارة وفي غير ذلك من المعاملات الأخرى، وحقهم في الالتحاق بالوظائف المحلية. كما طالبوا بإصلاح الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتدهورة في الولايات العربية الخاضعة للسلطنة. وقد تزامن ذلك مع تصاعد الصراع بين الدول الاستعمارية الشيء الذي أثار خشية العرب من تغلغل الاستعمار الأوروبي في بلدانهم خاصة بعد غزوة نابليون لمصر زاعما تحريرها من سلطة المماليك وحماية الإسلام فيها وإعلانه شق قناة السويس وغزوه لسورية وكذلك احتلال الجزائر بدعوى نشر الحضارة والمدنية فيها وعدم تدخل السلطنة للدفاع عنها باعتبارها ولاية عثمانية. وتمت المطالبة بالإصلاحات في البداية دون الطعن بسلطة الباب العالي. وفي تلك الظروف بدأت تظهر يقظة عربية وشعور قومي تجسد بعمليات اتصال وتنسيق بين مجاهدين عرب مصريين وسوريين وحجازيين ومغاربة أثمرت مقاومات أهلية لذلك الاستعمار المباشر خلدتها وقائع مشهورة في مصر وبلاد الشام. وإن استجابت السلطنة ونفذت بعض الإصلاحات إلا أن هذه الأخيرة لم تمنع استمرار انشغال العرب بما كان يتهددهم من احتلال.

وقد شهدت بلاد العرب منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر بداية نهضة فكرية ودينية وثقافية وانتشرت المدارس ودور الطباعة والنشر وتعددت الجمعيات الأدبية والعلمية والثقافية. ونتج عن ذلك قيام سجالات بين علماء ومفكرين وأدباء وسياسيين تناولت قراءات مختلة للوضع العربي والإسلامي وما كان قائما من قضايا وسبل حلها. ونظم عدد من القوميين العرب أول مؤتمر لهم في باريس سنة 1913 كما برزت عدة نزعات دينية وإصلاحية وقومية واجتماعية عملت على تعزيز الرابطة القومية دون أن تتخلى عن الرابطة الإسلامية، ونشرت التراث العربي والإسلامي، وعملت على توعية الجماهير العربية بما كان مطروحا من قضايا ومطلوبا من حلول وغير ذلك. وقد برز في قيادة ذلك الحراك السياسي والثقافي والاجتماعي والفكري رواد من أمثال عبد الرحمان الكواكبي ومحمد عبده وجمال الدين الأفغاني وعبد العزيز الثعالبي وناصيف اليازجي وقاسم أمين والطاهر الحداد وساطع الحصري ونجيب عازوري وبطرس البستاني وغيرهم كثير. وأسس هؤلاء الجمعيات الفكرية والسياسية التي بدأت تطرح علانية أفكارها السياسية وتطالب باستقلال البلاد العربية عن السلطنة العثمانية.

إن ذلك الزخم الكبير من المكاسب المتراكمة والإنتاجات المختلفة والأعمال الجليلة التي حل على رأسها الجهاد ضد الاستعمار والصهيونية الذي انطلق منذ الثلث الأول للقرن 19 كما حدث في الجزائر سيمثل بالنسبة لأجيال حركة التحرير العربية طيلة النصف الأول من القرن العشرين مصدرا للإلهام وأرضية للكفاح التحرري العربي الذي رغم كونه لم يستكمل إنجاز مهامه التاريخية المتمثلة في التحرير والوحدة فإنه نجح في تصفية الاحتلال الأوروبي المباشر خلال فترة الأربعينات والخمسينات، ذلك الاستعمار الذي كان من بين أهدافه تحطيم جميع محاولات إنشاء دولة عربية حديثة تكون في قلب الشرق الإسلامي وتقع على تخوم أوروبا. لذلك بادر الإنجليز منذ 1664 بإصدار نداء بإنشاء دولة لليهود على أرض العرب في فلسطين وأصدروا بشأنها "وعد بلفور" سنة 1917 وهيأوا لتنفيذها خطة "سايكس- بيكو" لتفتيت بلاد العرب وإضعاف الأمة وطرد الفلسطينيين من بلدهم وتشريدهم وجلب اليهود من بلاد الخزر ومن روسيا وأوروبا والولايات الأمريكية ليحلوا محلهم ويرتكبوا بذلك جريمة العصر باغتصاب فلسطين واستيطانها بالحديد والنار ومنع قيام الدولة العربية.

جاء في تقرير لجنة كامبل بنرمان الإنجليزي منذ مطلع القرن العشرين ما يلي: إن الخطر على كيان الإمبراطوريات الاستعمارية يكمن بالدرجة الأولى في هذه المنطقة ـ يقصد المنطقة العربية ـ وذلك في تحررها وفي تثقيف شعبها وفي تطورها وتوحيد اتجاهات سكانها وفي تجميعها واتحادها حول عقيدة واحدة وهدف واحد. فعلى كافة الدول ذات المصالح المشتركة أن تعمل على استمرار وضع هذه المنطقة مجزأة ومتأخرة وعلى إبقاء شعبها على ما هو عليه من التفكك والجهل والتناحر.

وقد أوصى التقرير كوسيلة لدرء الخطر بضرورة أن تعمل تلك "الدول ذات المصالح المشتركة" على فصل الجزء العربي الإفريقي عن الجزء العربي الآسيوي واقترح إقامة حاجز بشري قوي وغريب عن المنطقة على هذا الجسر بحيث تكون في هذه المنطقة على مقربة من قناة السويس قوة صديقة للاستعمار وعدوة لسكان المنطقة الأصليين.. ثم قاموا بزرع  الكيان الصهيوني على أرض فلسطين بقوة الحديد والنار.

وهذا ما أكد عليه الرئيس الأمريكي أيزنهاور سنة1951 بعد قيام الكيان الصهيوني سنة 1948 بقوله "ليس هناك في ما يتعلق بالقيمة الخالصة للأرض منطقة في العالم أكثر أهمية إستراتيجية من الشرق الأوسط.." فرأينا انتشارا واسعا للقواعد العسكرية الأمريكية في منطقة الخليج العربية.

إن العروبة هي روابط تاريخية قومية ودينية ولغوية وثقافية ويشكل الإسلام جوهر الانتماء القومي وقد عاشت العروبة في التحام أبدي مع الإسلام باستثناء فترة الاستعمار الحديث ولقد وحد الإسلام بين القبائل العربية في المشرق والمغرب التي كانت تجمعها روابط اللغة والحضارة القديمة وشكل دولة عربية مسلمة امتدت من جبال الهملايا إلى جبال البيريني وأنجزت في غضون ثمانين سنة ما قضت حضارة الغرب الرومانية والإغريقية ثمانمائة سنة لتحقيقه. وقد انتشرت حضارة العرب المسلمين عدلا وحرية وأنوار معارف وعلوم في أوروبا التي كانت وقتها غارقة في غياهب الجهل والتخلف والوحشية واليوم يبدو أن قدر أمة رسالة الإسلام الخالدة أن تعود بقيادة التيار القومي الإسلامي لتتحمل مسؤولية وقف هذا الدمار الإمبريالي والطاعون الصهيوني الذي يهدد العرب وأمم العالم قاطبة في وجودها وفي مستقبلها.

أقلام أون لاين: ما هي من حيث الجانب النظري أولا ثم الواقعي نقاط الالتقاء بين التيارين ونقاط الاختلاف؟

يلتقي التياران في الدعوة للوحدة وحماية الإسلام وأهله ودياره  من رجس الاستعمار والصهيونية وأداء فريضة الجهاد لتحقيق ذلك الهدف باعتباره واجبا دينيا وقوميا.

ولئن ركز الفكر القومي العربي في دعوته للوحدة العربية على مفهوم الهوية العربية للأمة العربية والانطلاق من أن العرب في جميع أقطارهم يتماثلون في اللغة والثقافة والتاريخ ونمط الحياة ويشتركون في المصالح ويجمعهم نفس المصير، فإن التيار الإسلامي اعتمد في مجمله في الدعوة للأمة الإسلامية على مفهوم الهوية القائمة على العقيدة الإسلامية فهو يرى أن عامل الدين كاف لقيام وحدة إسلامية.

نرى إذا أن كلا من الطرفين يؤمن بالوحدة ويطالب بها ويعمل على تحقيقها. ولكن الواقع يكشف أن قوى الإمبريالية في العالم تمنع الوحدة بالاحتلال وبالقوة العسكرية الغاشمة لأرض العرب وتنكل بهم وتدوس على مقدساتهم وهم الذين انتشرت بواسطتهم الدعوة الإسلامية وقامت على سواعدهم الدولة الإسلامية التي حكمت العالم بقيم العدل والحرية وبفضائل العلوم والفنون والمعارف لأكثر من ثمانية قرون. فلماذا اختلف التياران وتصارعا واستمرا لعقود طويلة في تجاهل الواقع الميداني؟  ومن استفاد من وقوعهما في تلك الخطيئة في حين ينطلق كلاهما من نفس المنطلقات وينهل من المنبع نفسه؟

من المؤكد أن أحد الأسباب في ذلك يعود لدسائس المعتدين ممن سكنت عقولهم وقلوبهم الأحقاد والأطماع  وقد وجدوا لهم أتباعا أعمت بصائرهم المواقع والمنافع. ولكن من المؤكد أيضا أن انحرافات سببتها صراعات ايديولوجية إلى جانب عدم الالتزام بالضوابط الوطنية وبالقيم العربية الإسلامية الأصيلة وقفت هي الأخرى خلف خطيئتهما المشتركة التي دفعت الأمة بسببها ثمنا باهضا لا يقاس بكنوز الدنيا.

لقد استوعبت حركة الجهاد الإسلامي وحركة حماس في فلسطين الوضع جيدا وقررتا الالتزام  بنهج وطني قومي وإسلامي يتمثل في خوض الجهاد من أجل تحرير الأرض والإنسان من عبودية الاحتلال والاستيطان اليهودي الصهيوني لفلسطين وأن المسائل الدينية يتم الدفاع عنها في مناهج التعليم وبرامج الثقافة وفي القوانين والدستور. وقد استوعب  مجاهدو العراق ولبنان الدرس نفسه  وسلكوا نهج مقاومة لا شيعي ولا سني بل وطني.  

التياران يؤمنان بالتحرير وبالوحدة وليس أمامهما إلا أن يعملا سوية لقيادة الأمة نحو تحقيق تلك الواجبات المقدسة وهما يتحملان المسؤولية أمام الله وأمام أمة تصحو من جديد ويعلن شبابها كل يوم استنفارهم الوطني للدفاع عن عروبتهم وعن إسلامهم في وجه الاعتداءات الأمريكية والصهيونية.

أقلام أون لاين: هل ترون أن الخلافات التي حكمت العلاقة التاريخية بين هذين التيارين ذات أبعاد إيديولوجية أم سياسية ظرفية يمكن أن تحكم تيارات ذات خلفية عقائدية واحدة؟

لقد أصر أعداؤنا على دق أسافين بيننا وكانوا مصدر خلافاتنا التي كانت إيديولوجية بالأساس والتي كانت لها بالطبع تبعات سياسية وكانوا من يصب الزيت ليغذيها. إنهم يعرفون السر في صمود الأمة ومكمن قوتها لذلك جندوا كل قواتهم للفصل بين ركني العروبة والإسلام - الساريتين اللتين يقوم عليهما بناء الأمة - وحاولوا ضرب العروبة بالإسلام وضرب الإسلام بالعروبة ثم شنوا حملة لاستئصال عناصر الهوية القومية صاحبتها حملات تسيء للإسلام ولنبيه ورموزه ولأهله وساعدهم على ذلك ماكان قائما من تباينات بين العروبيين والإسلاميين، وهي كلها خلافات مصطنعة وغير أصيلة ولا علاقة لها بالحياة الخاصة للعرب والمسلمين ولا تخدم قضاياهم وتلحق الضرر بمصيرهم.

إن كلا من العروبة والإسلام عقيدة وعمل ولا يمكن لأحدهما تحقيق النصر بدون الآخر. وبالنظر إلى كل الثورات والحروب التي نشبت في التاريخ البشري نرى أنها تمت باتحاد القوميات والعقائد وتحت راياتهما، وإن ما تورط فيه التياران من صراعات  إيديولوجية  أضر بالعلاقة التاريخية التي جمعت بينهما وانعكس وبالا على الأمة.

لقد لعبت الاختراقات في مجالات الثقافة والفكر وفي ميادين الإيديولوجيا السياسة وخاصة منذ أعمال المستشرقين والمدارس التقدمية المزعومة أدوارا خبيثة أثارت الشك فيما كان يعد يقينا وثوابت وتسببت في صراعات مدمرة عبر دس السم في الدسم كطرح متاهة هل الإسلام قلب العروبة أم العروبة قلب الإسلام؟ أو ما روج له على أيدي من يقدمون على أنهم أقطاب في علوم السياسة ومنتسبون لأعتى المكاتب الدراسية في أمريكا والعالم من أن الإسلام والديمقراطية طرفان لا يلتقيان اللهم إلا إذا كان اللقاء  يتم على قاعدة المشاريع الأمريكية وغير ذلك من المزاعم الصهيونية التي تقول بعدم إمكانية إنجاز إصلاحات سياسية في بلاد العرب والمسلمين إلا من خلال إصلاح مزعوم للإسلام، نرى اليوم عينات منه وحملات تقوم على التمييز وتدنيس القرآن والإساءة للرسول الكريم وحرق المساجد وغلق المدارس ومطاردة المسلمين في أوروبا وأمريكا. ونسمع تصريحات عنصرية حول الإسلام ورسوله الأكرم كالتي صدرت عن الحبر الأكبر وهلم جرا؟ أو ما كان يثار حول أن التيار القومي تيار علماني يعادي الدين في السياسة والمجتمع أو يجب أن يكون كذلك إمعانا في التشويه، وهذا لا يشفع  لجيوب في هذا التيار ومناهضين له يصرون على أن العلمانية هي الأساس الذي يجب أن تقوم عليه الدولة القومية ما يستدعي فصل الدين عن الدولة وكأن العرب وتياراتهم المختلفة ملزمون باستيرد النموذج الغربي والعمل به بدل إحياء دينهم وتجديد ثقافتهم ودعم لغتهم واستكمال بناء وجودهم.

لقد وجد داخل المجتمع العربي ذي المكونات المختلفة خاصة في ذروة  قوة الاتحاد السوفيتي وهيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على العلاقات الدولية من كان يعتبر الإسلام – الرسالة المحمدية الخالدة ـ "دينا كهنوتيا" و"مقدسا قديما" لاعلاقة له بالعصر وبالحياة الدنيا للأمة وبأنه على التيار القومي أن يتخلى عن العقيدة الدينية للأمة وأن يكون "عصريا" ويتماثل مع النمط القومي الغربي وناقلا لأساساته الفكرية والثقافية وقيمه وحتى لنمط عيشه. وفي المقابل وعلى خلفية من الصراعات الأيديولوجية والسياسية جاء من في التيار الإسلامي يزعم أن الغرب الاستعماري زرع القومية لتدمير الإسلام بدل القول أن ذلك الغرب عمل ومازال على ضرب هذا بذاك وراح عدد من هؤلاء يركزون جهودهم لمناهضة من كان حريا بهم دعمه والمشاركة في جهوده. ولكن ليس كل ما تقدم من صراعات كان بسبب التأثيرات الأجنبية وحسب، بل إنه كان أيضا بسبب أجندات محلية لم تكن تر في مهام مقاومة الاحتلال والصهيونية واستكمال التحرير أولوية تتقدم الطموحات الداخلية كما حدث مع عبد الناصر مثلا وكما يحدث اليوم من خلال تعطيل حركة حماس بدعاوى الواقعية السياسية المزعومة أو ما يسمى بالشرعية الدولية الكاذبة وما يصاحب ذلك من دعوات باطلة تطالب بعدم عسكرة المقاومة أو سحب سلاحها وكأن الأعداء قد توقفوا عن الاحتلال أو نزعوا أسلحتهم.

إن القول بأن الصراع الأيديولوجي لم يخدم المصالح الوطنية للأمة وبلغ حدود الاحتراب والفتنة وأصبح يمنع التركيز على إنجاز المهام الملحة للأمة هو قول صحيح يستوجب ترك ذلك الصراع والاستعاضة عنه بالحوار والتفكير الإيجابي بما يقلص مسافات الاختلاف ويوسع مساحات التوافق. ويتحقق ذلك من خلال عملية تراكمية تتأثر بالأحداث وتؤثر فيها، وتلعب الممارسة الميدانية دور الارتقاء بالأفكار وتعديل المفاهيم إلى ما هو أعلى وأنفع للأمة والإنسانية.  

أقلام أون لاين: عرفت العلاقة بين التيار القومي والإسلامي مراحل من التوتر ثم مساعي لتوحيد الجهود ما هي رؤيتكم لهذا المسار من حيث أسباب الخلاف التي حكمته ثم مساعي التعاون والتنسيق وكيف تقيمونه؟

كانت أسباب الخلاف القومي الإسلامي كما ذكرنا إيديولوجية وسياسية وتتعلق في أحد أهم وجوهها بسلم الأولويات الوطنية والقومية لدى الطرفين والتي نعتقد أنه يقع على رأس تلك الأولويات قضايا النفير العام والتعبئة الشعبية العربية بهدف تحرير الأرض المغتصبة في فلسطين وفي العراق وفي لبنان وتحرير الإنسان العربي من عبودية الاحتلال والهيمنة الإمبريالية والصهيونية على أن يتم التطرق في المستوى القطري إلى المسائل الداخلية وفي مقدمتها الدفاع عن الهوية العربية الإسلامية والثقافة الوطنية وتفعيل  دور القطر في الدفاع عن الأمن القومي العربي ومناهضة الصهـيونية وكل ما يتعلق بسلطة الحكم المحلية وتوجيهها بما يخدم شؤون المجتمع ومسائل التنمية ويدعم المشاركة في مقاومة الاحتلال ولا يعطلها ويتم ذلك في مناخ من المواطنة يمتن الوحدة الوطنية ويدعم التكافل الاجتماعي ويلبي حاجات الناس الضرورية ويخدم الكفاح القومي ويعزز التضامن العربي - الإسلامي والإنساني أفقيا وعموديا وفي كل المستويات.

 لقد استدعى الأمر نزع الألغام وتطلب أن تستمر المساعي الجارية منذ بعض الوقت  لتوحيد الجهود بين التيارين. ومعلوم أن حدوث مجرد لقاء بين التيارين كان يثير فزع الدوائر الإمبريالية التي تكن العداء نفسه لكليهما، ويدخل الارتباك على الحملة العنصرية التي شنوها على القومية العربية وضد الإسلام بدعوى محاربة الاستبداد والتطرف والأصولية الإسلامية. وهي في الحقيقة حملة تستهدف الأمة في وجودها وفي هويتها التي أصبحت مهددة بالاستئصال وتريد زعزعة إيمانها وثقتها بنفسها وإضعاف قدرتها على الصمود وإنهاء مقاومتها وتفكيك أوصالها وتأبيد احتلال أرضها ونهب ثرواتها ومصادرة مستقبلها. لقد جمعت عدة لقاءات ممثلين عن التيارين في ندوات ومؤتمرات عديدة اتفقوا خلالها على حتمية وقف صراعات الماضي وإنهاء عقود من النفي المتبادل لبعضهما البعض وتحقيق مصالحة تاريخية تحشد القوى وتتصدى للأخطار المحدقة بالجميع وتساعد على البحث عن سبل القوة وبناء المصير الواحد وتعبئة كل القوى بما يكفل تعديل موازين القوى لصالح الصمود والمقاومة. كما تطلع الجميع خلال تلك الندوات والمؤتمرات إلى أن يكون العمل بين التيارين ليس مجرد تحالف تكتيكي ومؤقت بل انخراطا واعيا في مشروع إستراتيجي طويل المدى، مشروع لبناء المستقبل وليس مجرد خط دفاع مرحلي في وجه التحديات الراهنة. كما تناولت اللقاءات أهمية اعتماد الفهم والتفاهم وتوخي الشراكة بينهما وتشكيل جبهة تجمع التيارين وأن يرى كل منهما في الآخر نصيرا له، والتفتح على قوى العدل والحرية المناهضة للعدوان والإمبريالية في العالم.

أقلام أون لاين: ما هي آفاق التعاون بين التيارين القومي والإسلامي حسب تصوركم؟

سأبدأ بالقول إنه إذا كان أبناء الأمة يشتركون في الانتماء والهوية والمصير فإنهم بالضرورة شركاء في الصمود والمقاومة وفي الدفاع عن الأرض والإنسان العربيين وليسوا ولا يجب أن يكونوا مجرد متعاونين.