تجريد لبنان من أسلحته

العدد التاسع عشر
السنة الخامسة / نوفمبر - ديسمبر 2006

أحمد قعلول

لا تزال تداعايلت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على لبنان جارية كما أنها، وإن انتهت على ساحة الصراع العسكري، فانها لا تزال متواصلة على ساحة الصراع السياسي، إذ من المعلوم أن الحروب لا تحسم بالسلاح فقط بل هي تحسم أساسا بالاستثمار السياسي لما يفعله السلاح، وكذلك بمحاولة تحقيق خطوات عجز عنها السلاح. وفي هذا الإطار تأتي المساعي الأمريكية الإسرائيلية المدعومة أوروبيا لفرض تويل  للقرار 1701 يحفظ ماء الوجه الأمريكي-الإسرائيلي مع اختلاف في الحدة بين القراءة الأمريكية الإسرائيلية للقرار وبين القراءة الأوروبية، على أن كلا القراءتين تتفقان في الدعوة إلى نزع سلاح حزب الله.

سأحاول في هذا المقال تناول هذه القراءة وشرح مخاطرها على لبنان، كل لبنان، ذلك أنه قد تبين عمليا أن سلاح حزب الله هو سلاح لبناني وعربي وأن نزعه سيؤدي في النهاية إلى نزع سلاح لبنان وأحد أهم الأسلحة العربية.

أصبح معروفا لدى المهتمين بالشؤون العسكرية أن قوانين الصراع العسكري مختلفة في تعلقها بالمعارك التي تخاض بين الجيوش ضد بعضها البعض عن تلك التي تتم فيها المواجهة بين الجيوش النظامية وبين مجموعات مقاتلة تستعمل أساليب حرب العصابات أو ما يسميه بعض المختصين في علم الحرب بالحرب الثورية اتباعا لتعريفات ماو تسيتونغ لها.

وقد تمكنت إسرائيل في حربها ضد الجيوش العربية من تحقيق انتصارات عديدة وإلحاق هزائم مهينة بالعرب، خاصة بسبب ما تتوفر عليه من تفوق عسكري في العدد والعتاد. إلا أن أسباب النصر العسكري لا ترتبط فقط بالقدرات الحربية، بل هي في جانب كبير منها مرتبطة بإرادة الحرب أولا والقدرة على استثمار الانتصار الحربي من أجل تحويله إلى انتصار سياسي. وفي غياب هذه الإرادة فإنه من الممكن تحويل الانتصار العسكري إلى هزيمة سياسية من مثل تلك التي وقع إلحاقها بمصر بعد انتصارها العسكري الباهر في حرب أكتوبر التي أدت في النهاية إلى فتح الباب أمام التطبيع مع الكيان الصهيوني وبالتالي سد الباب أمام إرادة الحرب العربية ضد الكيان الصهيوني. وكذلك كا الأمر مع بعض المعارك الجزئية ضد العصابات الصهيونية في ثمان وأربعين وسبع وستين في ما يتعلق بالمعارك التي كانت تخوضها بعض المجموعات العسكرية من المتطوعين العرب أو حتى بعض الفيالق النظامية التي كانت قادرة على تحقيق انتصارات عسكرية على العدو. ولكن تلك الانتصارات كانت تحدث في غياب إرادة سياسية للقتال، وأكثر من ذلك في إطار عقلية سياسية منهزمة أو خادمة لأجندة العدو. ما أود الانتهاء إليه هو أن الهزائم التي لحقت بالعرب لم تكن تقع أساسا وفقط بسبب التفوق العسكري الصهيوني بل أساسا بسبب غياب الإرادة السياسية المقاتلة من لدن الدول العربية.

وبغض النظر عن الخلفيات التي قادت إسرائيل إلى شن حربها على لبنان، فإنه من البين أنها ومن خلال الطرق العسكرية لم تنجح في تحقيق أهدافها العسكرية والمتمثلة أساسا وبحسب الإعلان الإسرائيلي في نزع سلاح حزب الله.

وأمام هذا الإخفاق الإسرائيلي فإن القرار 1701 بما يحتمله من تأويلات رغم أنه بدا خادما للمصلحة اللنانية العربية ومستجيبا للبنود السبعة التي قدمها السنيورة فإنه جاء خادما لإسرائيل من حيث التوقيت والمضمون ذ قدم لإسرائيل خدمات تغطي على فشلها العسكري وتمكنها من الحفاظ على مواقعها داخل التراب اللبناني بينما كانت عاجزة عسكريا على المحافظة عليها عسكريا. وقد فتح هذا القرار المجال للديبلوماسية الأمريكية الصهيونية كي تسعى لفرض قراءتها للقرار، هذه القراءة التي تنص بصراحة على ضرورة نزع سلاح حزب الله وفرض حصار على لبنان من خلال القوة الدولية وذلك بمراقبة حدوده ومناطق العبور فيه بما في ذلك مطاراته. وهذا إن تحقق فإنه سيؤدي إلى تحقيق ما عجزت الآلة العسكرية عنه، الأمر الذي سيصدق ادعاء النصر الذي رفعه الإسرائيليون والأمريكان.

إن إدعاء إسرائيل وأمريكا النصر في الحرب رغم أجواء الهزيمة الطاغية على الإدارة الأمريكية والمجتمع الإسرائيلي هو مطالبة بحق فرض شروط السلم، ومن حسن حظ لبنان أن جماهيره الشعبية سارعت إلى فرض أجواء الانتصار من خلال العودة الطوعية للمشردين اإلى أراضيهم ورفع أعلام لبنان وحزب الله في كل المنطقة وملء الفراغ الذي صنعته الحرب. وقد سهل هذا على حزب الله استثمار نصره العسكري سياسيا ماعقد المهمة الأمريكية الصهيونية. على أن الخطر في الموقف لا يكمن فقط في القراءة الأمريكية الإسرائيلية بل كذلك في القراءة الفرنسية التي تجد دعما عربيا ولبنانيا تبدى خاصة في التصريحات والتصريحات المضادة التي ظهرت بعد الحرب.

ما نريد أن نبينه يتمثل في أن تفاصيل هذا البند تحمل الهزيمة كما تحمل النصر بمعنى أن هذا البند يمكن أن يحمل النصر الذي يسعى وراءه الأمريكان والإسرائيليون وبشراكة فرنسية وهذا النصر سيتمثل في نزع سلاح حزب الله (من المهم التنبيه أن نزع السلاح لا يجب أن يكون نزعا فعليا بمعنى تجريد الحزب من أسلحته وإنما - وهذا هو الاهم - تعطيل فاعليته وتحويله إلى عبء على حزب الله عوض أن يكون أداة قوة وسلطة). بينما يتمثل النصر العربي في الحفاظ على سلاح حزب الله كسلاح مقاوم قادر على تحقيق انتصارات عربية إسلامية.

إن حدود الهزيمة والنصر تتحقق تناسبا بين هذين البعدين فأي طرف مالت إليه الموازنة كانت إليه الهزيمة أو النصر أقرب. وما سأحاول تبيانه في هذا المقال يقوم على القول بأن شعار نشر الجيش اللبناني وبسط هيبة وسلطة الدولة اللبنانية هو طريق للهزيمة لا طريق للنصر، هذا حتى مع القول بأن هذا الجيش الذي سينتشر هو جيش وطني ممثل لحكومة ديمقراطية مستعدة للدفاع عن حدودها وهيبتها ضد اأي تدخل أجنبي، وأزيد حتى مع القول بتوفر هذا الجيش على العتاد المناسب للقيام بهذه المهمة.

إذا افترضنا توفر دولة لبنان وحكومته على إرادة الحرب والمقاومة فإنه لا يمكننا القول بأن لبنان كدولة قادرة على مقاومة المعادلة الدولية التي تحكم الدولة في أجندتها السياسية، ولذلك فإن الدعوة إلى بسط سلطة الدولة اللبنانية على جميع أراضيها إذا ما فهم منه تحقيق أهم مفهموم تعرف به الدولة الحديثة والذي يتمثل في شرعية احتكار ممارسة العنف فإن هذا سيؤدي في النهاية إلى إدخال لبنان إلى بيت الطاعة الأمريكي الصهيوني والفرنسي. فلبنان لا يستطيع كدولة مقاومة الضغوط الدولية التي عجزت عنها دول أكبر منه تملك جيوشا أكثر عددا وعتاد، فاذا كانت إيران وهي الدولة الإقليمية ذات الثروات تسترق الزمن من أجل تحقيق هدف يعتبر من المكتسبات البديهية لدول أقل ثراء وأهمية إلا أنها تابعة لمعادلة سياسية وإقليمية مختلفة، فكيف سيكون الحال بالنسبة للبنان، أو لغيره من الدول العربية.

إن التشبث بالمفهوم التقليدي للدولة ليس في الحقيقة إلا وقوعا في فخ اللعبة الدولية وإخضاعا للإرادة العربية الإسلامية لصالح القوى المهيمنة في العالم.

هذا إذا افترضنا أن الدول العربية بما في ذلك دولة لبنان دول تمتلك إرادة الحرب والمقاومة، فكيف يكون الحال إذا ما قررنا حالها المتناقض مع المأمول، ذلك أن الدول العربية في أغلبها إما فاقدة للقدرة على إرادة الحرب خشية من اختلال التوازن لصالح العدو الصهيوني وشركائه أو لأنها تحولت إلى عميل موضوعي لأجندة القوى الأجنبية، ذلك أن أكثر أنظمة الحكم العربي وبسبب فقدانها للشرعية وسعيها الذي لا يمل لإطالة بقائها ونسلها على كرسي الحكم باتت مستعدة لبيع كل شيء ومقاومة كل ما يمكن أن يدفعها للتخلي عن الكرسي. وزاد على حالها رفع الولايات المتحدة شعار إصلاح الشرق الأوسط الكبير وتحقيق الديمقراطية ما زاد في ارتماء هذه الأنظمة في أحضان وعلى أعتاب الورم الصهيوني في المنطقة من أجل تقديم نفسها كخادم لمصالحه وراعيها الأمريكي. وبكلمة فإنه يمكن، ودون خشية المبالغة، القول إن شرعية الأنظمة العربية لم تعد قائمة على شعوبها بقدر ما باتت مؤسسة على خدمة مصالح الولايات المتحدة وبعض شركائها من الدول الأوروبية التي تريد أن تقتات من بعض الفتات الأمريكي ومن تلك الدول فرنسا وبريطانيا.

عند هذا الحد يمكن الخلوص إلى أن الدولة العربية مع عدد غير هين من الدول الإسلامية إما عاجزة عن القيام بدورها في الحفاظ والدفاع عن مصالح شعوبها أو أنها تحولت إلى الضفة الأخرى بحيث أصبحت أداة للهيمنة والمراقبة على هذه الشعوب من أجل الحفاظ والدفاع على مصالح القوى الراعية القادرة على حفظ سلطة الفئات الحاكمة على كرسي الحكم والترف في هذه الدول. ولذلك فإن الدعوة إلى بسط نفوذ أي من هذه الدول هو في النهاية إما تجريد لشعوبها من قدرتها على الدفاع عن نفسها وعن الاحتجاج والغضب بله المقاومة، أو هي بسط لسلطة قوى أجنبية على إرادة هذه الشعوب. بل أكثر من ذلك، هي تجريد لهذه الشعوب من أسلحتها.

وقد كشفت الحرب الأخيرة التي شنتها إسرائيل بالوكالة عن الولايات المتحدة، مجموعة من المعادلات في الساحة العربية. إذ بالاضافة إلى تعرية الأنظمة العربية وبيان عجزها حتى عن التبني الشفوي لمطالب شعوبها فإن هذه الحرب كشفت معادلة مهمة متعلقة بالشعوب ألا وهي قدرة المكونات الأهلية للشعوب العربية والإسلامية على التصدي للمهمات التي تخلت عنها الأنظمة ومن ذلك مهمة الدفاع عن الحمى وبنجاعة وفعالية مقارنة بقدرات الدولة في حال امتلكت هذه الدولة إرادة وطنية مثلما هو حال دولة لبنان. ومن المهم في هذا السياق أن نبين أن هذه القدرة لم تبرز فقط في لبنان ولكنها تعمل وبنجاعة في العراق الذي تكفل فيه المجتمع بالدفاع عن نفسه حالما زال حاجز الدولة وكذلك في الصومال وفي أفغانستان.

لذلك فإن شعار بسط سلطة وهيبة الدولة اللبنانية على جميع الأراضي اللبنانية شعار ليس في مصلحة لبنان كما أنه ليس من مصلحة العراق ولا فلسطين ولا الصومال ولا اليمن ولا أفغانستان. وهو في النهاية ليس من مصلحة أي من الشعوب العربية المسلمة ولا شعوب العالم المستضعف. فتجريد هذه الشعوب من أسلحتها سيكون من أجل بسط سلطة وهمية دول وإن كانت وطنية فهي إما ضعيفة أو محاصرة دوليا وانظر مثال كوريا الشمالية وإيران وكوبا وفينزويلا بل إن الدول التي تمتلك ترسانة نووية وجيشا قويا انتهت إلى أن أصبحت تلك الأسلحة والجيش عبئا عليها خاصة في ظل غياب الإرادة السياسية المقاومة وانظر مثال باكستان، التي لم تمنعها أسلحتها النووية من أن تندرج رغما عنها في الأجندة الأمريكية ومن أن توشك على الدخول في حرب ضد المجتمع من أجل أن تثبت أنها تعمل على مقاومة إرهاب لا تعاني منه ولا جيرانها.

إن ما يحتاجه لبنان لبسط نفوذ دولته على أراضيه لا يتحقق في أي حال من خلال نزع سلاح حزب الله. إن ما تحتاجه لبنان ليس تجريد حزب الله من أسلحته بقدر ما يحتاج إلى نشر الأسلحة على جميع فئات اللبنانيين. وليس هناك خشية على لبنان من انتشار الأسلحة بين أحزابه وطوائفه وذلك أن غياب السلاح لا يعني عدم استعماله وإن كان هذا الاستعمال بأياد غير لبنانية وتلك مصيبة أعظم وليس مثال العراق عنا ببعيد.

إن من شروط النصر في لبنان إكساء الشرعية على سلاح حزب الله كي يصبح سلاحا وطنيا، ومن شروط اكتمال النصر أن يصبح ذلك السلاح سلاح مقاومة وطنية لا تنتسب إلى حزب بعينه. إن إحساس الأطراف الوطنية أن لهم سهما حقيقيا في المقاومة وإن كان بقيادة حزب الله هو الذي سيدعم المقاومة وسيقوي لبنان في النهاية. إن المطلوب لبنانيا وعربيا ليس كما تقول بعض القوى السياسية اللبنانية منها والعربية وحتى الدولية، ليس المطلوب إدخال المقاومة في الدولة وليس المطلوب أن يصبح المقاوم اللبناني رقما جديدا في الجيش اللبناني بل المطلوب إدخال الدولة في المقاومة. ويتم ذلك من خلال تغيير مفهومنا للدولة ذاته من حيث هي دولة مركزية محتكرة لكل أدوات العنف ويكفي للدولة أن تكون الجهة المنظمة والمراقبة لأدوات العنف. ولا أعلم لماذا يطلب من لبنان نزع سلاح حزب الله بينما تمتلئ الأراضي المحتلة في ظل الدولة الصهيونية بمستوطنات سكانها مسلحون ومنظمة تنظيما عسكريا، كما أن تكوين المليشيات المسلحة منصوص عليه في الدستور الأمريكي، أما في سويسرا فإن المجند السويسري يحتفظ بأسلتحه في بيته بعد أدائه الخدمة العسكرية. فلماذا يفرض المثال النابليوني للدولة على شعوب أمتنا بينما هي تواجه دولا تقنن وتشرع لشعوبها امتلاك أدوات العنف (الولايات المتحدة وإسرائيل).

إن نشر السلاح في الوضع اللبناني كفيل بتحقيق هيبة حقيقية للدولة اللبنانية وبسط حقيقي لسلطتها على كامل ترابها ودون حاجة لقوى دولية تقتطع كيلومترات من الأرض اللبنانية من أجل حماية الكيان الصهيوني. وفي انتظار أن يتحقق هذا الشعار فإن حماية لبنان وهيبة دولته تتم من خلال وجود قوة تخشاها إسرائيل وهذه القوة تتمثل اليوم في حزب الله، وإن اضعاف سلاح هذا الحزب وفعاليته هو إضعاف للبنان.

وختاما

أولا: قبل انتهاء الحرب ثارت أسئلة متعلقة بالخشية من انتصار حزب الله وبعد الحرب ثارت أصوات تعبر عن هذه الخشية بينما سارع الراعي الفرنسي إلى التاكيد على ضرورة نزع هذا السلاح وعلى ضروة الانتشار عند الحدود السورية من أجل منع تدفق الأسلحة كما يدعون.

ومن المهم التاكيد هنا أنه إذا كان هناك مجال للحديث عن ولاءات خارجية فلا شك أن الولاء لسوريا وإيران أو أية عاصمة عربية وإسلامية خير للعرب والمسلمين من الولاء لباريس وواشنطن أو أية عاصمة أوروبية.

ثانيا: إن من مصلحة لبنان أن يمتلك مقاومة وطنية ومن مصلحة حزب الله أن لا يكون الطرف الذي تميل كل معادلات السلطة والشرعية لصالحه. فالعدل لا يتحقق في ظل غياب توازن القوة وأن وجود طرف اأقوى بشكل غير متوازن يؤدي لا محالة إلى الاستبداد كما يؤدي إلى إثارة مخاوف ومشاعر الأطراف السياسية الأخرى مهما سعى الحزب وقادته ورموزه اإلى تطمين الآخرين بحسن نواياهم، فالسياسة لا تعمل بالنوايا وإنما تعمل بحسب المعادلة على الأرض. وهذا يعني أن على حزب الله أن يعمل على إبراز بعض الأطراف الأخرى التي تعمل معه في المقاومة وأن يشجع غيرها على الالتحاق بها كي ينتهي الأمر اإلى تحقيق معادلة جديدة على الأرض ويصبح السلاح سلاح لبنان لا سلاح حزب الله وكي يصبح نزع سلاح حزب الله عند الجميع نزع لسلاح لبنان كل لبنان.

© aqlamonline 2006