حوارات وراء القضبان

مع مبروك شنيتر السجين السياسي السابق

العدد التاسع عشر
السنة الخامسة / نوفمبر - ديسمبر 2006

 

صاحبنا تقلد أبرز المهام التنظيمية في حركة النهضة في أدق الأوقات وأحرجها، وهي الإشراف على منطقة تضم كلا من ولايتي مدنين وتطاوين، ولايتين حدوديتين شاسعتين، وكان ذلك بعد إيقاف السيد أحمد العماري الوجه الإسلامي والنقابي والحقوقي المعروف جهويا ووطنيا... وقد التحق صاحبنا بمكتب المنطقة إثر نقلته إلى مدنين قادما من جندوبة حيث شملته حملة 1987 على الإسلاميين.. وكان له من العمر اثنان وثلاثون سنة وهو متزوج وله من الأبناء وسام وياسين وكان لوسام من العمر سبع سنوات أما ياسين فكان له ست سنوات.

مبروك شنيتر بعد خروجه من 
السجن في 25 فيفري 2006


1- هل دار بخلدك يوما
أنك قد تكون وراء القضبان؟

نعم، لقد خطر ببالي عدة مرات أني قد أسجن يوما وكنت متهيئا لذلك بل كنت محدثا نفسي بالشهادة والحمدلله لأن المرء في ظل مثل هذه الأنظمة لا يأمن على نفسه ولا على ماله ولا على أي شيء مما عظمته شرائع السماء أو على ما اتفق أحرار العالم على تقديسه واحترامه وعدم انتهاكه، بل إن المرء ليتوقع منها ما يخطر على البال وما لا يخطر عليه لأنها تفتقر إلى أي شرعية غير شرعية التعذيب والعنف والإرهاب، إن كان لمثل هذه المفاهيم شرعية ما...

2- الصورة التي كانت منطبعة في ذهنك عن السجن: هل وجدت في الواقع السجني ما يرسخها أو ما يناقضها؟

الصورة التي كانت في ذهني قبل دخولي السجن كانت مغايرة تماما للواقع، كنت أظن أن السجين يوضع في غرفة وينسى تماما، يقضي عقوبته ويخرج، غير أني عندما دخلت السجن وجدته عالما آخر، مجتمعا كاملا يعكس واقع البلاد اجتماعيا واقتصاديا وأخلاقيا بما في المجتمع من أمراض وتفاوت وصراع واستغلال وابتزاز...

3- السجون بين ما تسمعه في الإعلام الرسمي والواقع ؟

الإعلام الرسمي لا يعطيك شيئا عن واقع السجون سوى كونه مؤسسة عقابية، أما الواقع الذي يعيشه المساجين لا يحدثك عنه إلا من دخله وعاش وراء القضبان حينا من الدهر، لذلك تختلف الأحاديث عنه باختلاف الأشخاص  وجاهة وثروة وعلاقات...إن كل من يدخل السجن لأول مرة يصطدم ولا شك بواقع مزر ووضع مستراب...علما بأن الإعلام الرسمي  في ذلك لا يخالف ما تعود عليه في حديثه عن مختلف ما يهم المجتمع        والمواطن من تقديس وإجلال وتعظيم لكل ما تتخذ السلطة السياسية من إجراءات أو ما تقدمه من مشاريع...

4- هل تشعر انك أهنت في مرة من المرات؟

الإهانة هي السمة الأساسية التي يشعر بها كل سجين خاصة في الفترة الأولى وأول ما تطأ قدماه السجن يكون الاستقبال ب" هز يدك يا كازي ( وهي من ألطف العبارات في قاموس السجانين) إلى غير ذلك من الألفاظ البذيئة إضافة إلى السب والشتم... وفي أغلب الأحيان يقف السجين جوار الحائط رافعا يديه إلى أعلى وجاثيا على ركبتيه...

وإني لأذكر اليوم الأول الذي دخلت فيه السجن...كان في استقبالي مجموعة من الحراس- حراس السجون         والإصلاح- في جناح العزلة بسحن 9 أفريل بالعاصمة يقودهم التعيس بلقاسم شهر ملوخية...وكان معي أحد الإخوة ( وهو البشير بن عمر)... وعندما صاح ملوخية مزمجرا : " هز يديك"...رفع البشير يديه وقد تسللت من بين شفتيه ابتسامة خفيفة فانهال عليه ملوخية ضربا بالمفاتيح الكبيرة على رأسه وكال له من أقذع السب       والشتائم ما أترفع عن ذكره، وكما قيل كل إناء بما فيه يرشح...

الإهانات عديدة وعديدة جدا، فهي لا تحصى ولا تعد، وأكبر إهانة هي أن تطلب حقا صريحا لك- لا يختلف عليه اثنان ولا يتناطح فيه عنزان- ومع ذلك تحرم من ذلك الحق ومع ذلك تراهم يتبجحون به في أدبياتهم        ( مجلة السجون والإصلاح المعروفة بمجلة الأمل التي كانت  الإدارة تبيعها غصبا للمساجين ولعائلاتهم عدة سنوات...)

أي إهانة أعظم من هذه التي تهد كيان الإنسان عندما يرى عونا يفترض أن يتوفر على قدر من الأخلاق والأدب والعلم ليقوم بواجبه الوظيفي فإذا هو في الحضيض أخلاقا وأدبا وسلوكا وسيرة ومنطقا ومع ذلك عندما تطالب بحق وتدخل معه في نقاش وأخذ ورد يكون مآلك السجن المضيق والضرب والإهانة والأغلال وما يصحب ذلك من برد وجوع وعري وقمل...لكن المرء ليكبر في كثير من المساجين تصديهم لمثل هذه الممارسات المشينة فكلفهم ذلك ما كلفهم وإن المرء ليكبر أكثر أولائك الإخوة الذين ردوا الصاع بمثله غير آبهين بما يؤول إليه الأمر من بعد...

وقعت إهانتي العديد من المرات لكن المرء يحتسب  ذلك عند رب الأرباب سبحانه وتعالى، أهنت على أداء الصلاة جماعة، ثم أهنت عندما فرض علينا أداء صلاة العشاء قبل الساعة الثامنة مساء بقطع النظر عن وقتها الشرعي، كما أهنت عندما فرض علينا أداء صلاة الصبح بعد الثامنة صباحا ( نعم فرض علينا أداء صلاة الصبح بعد طلوع الشمس بنحو ساعتين أو ثلاث)...كما أهنت عندما تصديت لمن سب الجلالة وسب الرسول صلى الله عليه وسلم دون أن تحرك الإدارة ساكنا إن لم يكن ذلك بإيعاز منها...

5- ألا يوجد في السجن ما نال إعجابك أو أثار حفيظتك؟

كان سب الجلالة أكثر ما يثير غضبي ويستفزني، وتسامح الإدارة مع من يتعاطى الفاحشة.....وكم ينشرح صدري وتقر عيني عندما نتمكن من تحقيق مكسب من المكاسب...

6- ما هي أبرز الظواهر السلبية في الحياة السجنية؟

الظواهر السلبية داخل السجن عديدة وعديدة جدا: الأوساخ ( القمل، بوفراش، البق..)، الاكتظاظ، التدخين، انتشار الفاحشة، وإني لا أبالغ إن قلت إن السجن في بلادنا على ما هو عليه ليس بمؤسسة أصلاحية بل هو مؤسسة تدميرية بامتياز......

7 - ما هي أقسى اللحظات عليك في السجن؟

أقسى اللحظات علي عندما أذكرها هي تلك التي افتك فيها مصحفي مني وتلك التي  أكرهت فيها على أداء الصلاة في غير وقتها ( الصبح والعشاء)، لأني اعتبرتها خطا أحمر لا يجوز لي تخطيه ولا أن أسكت عنه ولو سكت الآخرون... والحمد لله وفقت في ذلك...

8- هل تمكنت من تنمية قدراتك المهنية أو العلمية طيلة إقامتك في السجن؟

لم أتمكن من تنمية قدراتي المهنية نظرا لعدم وجود مراجع...فالكتب ممنوعة سواء كانت علمية أكاديمية أو لغوية أو دينية أو حتى أدبية... واكتفينا طيلة أكثر من عقد من الزمن ببعض الكتب الضحلة المدعومة من وزارة الثقافة و التي توجد في مكتبات السجون... 

9- ألآن وقد عرفت السجن وقضيت به ربيع عمرك وزهرة شبابك هل يمكنك أن تعود إليه؟

وإن عادوا عدنا والحمدلله...بل إني لأتساءل هل فعلا خرجنا من السجن؟؟؟ كلا ما زلنا في السجن لكن دون "حبات الإسبرين" التي كنا نتسلمها بعد جهد جهيد لمعالجة صداع أو زكام أو.....

10- هل حظيت بأي إحاطة من الإدارة أو من إحدى مصالحها طيلة هذه المدة؟

لم أشعر ولو للحظة واحدة أني – والمساجين عموما- كنت محل رعاية ما... ولم نظفر بشيء إلا بعد تحركات مختلفة وإضرابات عن الطعام قد تطول وقد تقصر، وقد تنحصر في غرفة واحدة أو جناح واحد كما قد تمتد إلى سجن بكامله أو سجون كثيرة كما وقع سنة 1996 و2002...

11- هل وقع إطلاعك على قانون السجون؟ وهل تمتعت بما ورد فيه من حقوق؟

اطلعت على قانون السجون بوسائلي الخاصة، لكن هل تتجاوز فائدة الاطلاع عليه أكثر من مجرد ثقافة قانونية لا تمت للواقع بصلة، وإن المرء ليزداد نقمة وسخطا على سلطة تحرمه حتى مما تتباهى بأنه من إنجازاتها ومفاخرها في مجال حقوق الإنسان...لكن تسمع جعجعة ولا ترى طحينا...

12- متى مكنت من فراش فردي؟ ومتى عرضت على الفحص الطبي؟ ومتى زارتك عائلتك أول مرة؟

تحصلت على فراش فردي في شهر فيفري من سنة 1993 وكان ذلك في سجن المهدية، أي بعد سنتين وستة أشهر من إيقافي، أما الفحص الطبي فكان ذلك في سجن العاصمة بعد أسابيع من إيداعي به..وكانت الزيارة الأولى في شهر ديسمبر 1991 أي بعد ثلاثة أشهر من إيقافي....

13- الزيارة الأولى؟ مشاعر الزوار؟

أول من زارني إخوتي، وكانت زيارة عادية تماما، فقد قدموا للاطمئنان علي، أما الزيارة الثانية فكانت يوم 22 ديسمبر 1991، وزارني فيها الوالد ( رحمه الله تعالى حيث أنه توفي يوم 31 ماي 2006) كما زارتني معه الوالدة وزوجتي وابنائي... وابني الأكبر ( واسمه وسام) الذي تأثر تأثرا كبيرا بسبب غيابي،  وذهب إلى ظنه أن أباه قد توفي ومن المستحيل أن يراه مرة أخرى وقد أصيب بنوع من "البهتة" و" الغفلة"  و" السهو"،.. لذلك كانت العائلة تحاول التخفيف مما به فتزعم أن أباه  في سفر وسوف يعود بعد قليل...وقد حرصت حرصا خاصا عندما ابلغني إخوتي ما أصبح عليه على أن يقع جلبه في الزيارة القادمة... وكان ذلك...

عندما دخلت العائلة قاعة الزيارات كان وسام آخرها...كان يتفرس في الوجوه لعله يراني.. فناديته من بعيد        وعندما سمع  صوتي ذهل ثم هلّ وجهه فرحا ممزوجا بدموع انهمرت لحينها ثم صاح بأعلى صوته     " بابا، بابا، بابا،..." وكان لصراخه أن التفت جميع الزوار إليه مندهشين، فبادرته متلطفا مطمئنا وقلت له: " ألا تريد أن أحفظ القرآن؟؟ إني سأحفظ القرآن وأخرج...لآ استطيع أن أحفطه في البيت،" فانفرجت أساريره بعض الشيء، وخف ما به من كآبة وحزن...

14- لماذا تجلب العائلة القفة؟ هل تفتش بحضورك؟ هل حدث أن فقدت بعض محتوياتها؟ ماذا فعلت؟

العائلة أدركت مبكرا رداءة الأكلة التي تقدم لنا في السجون، فكانت العائلة تسعى بطريقتها إلى التخفيف عني قسوة السجن، معبرة بذلك عن مؤازرتها لي في تلك الظروف التي قل فيها النصير وافتقد الحبيب وتداعت علينا الذئاب والضباع... وكانت القفة لا تفتش بمحضر أصحابها ( رغم تنصيص القانون على ذلك) إلى حدود 1998 في بعض السجون... وكلما افتقدت شيئا من محتوياتها إلا ة سعيت إلى استرجاعه وإثارة الموضوع والمطالبة به وقد كلفني ذلك الدخول إلى السيلون عدة مرات وخاصة في السنوات الأولى 1993-1996 إذ كنا نحرم من أغلب ما تجلبه لنا عائلاتنا والبقية يذهب إلى وجهاء المساجين من " كبارن وعملة" كما يلقى بعضها في سلة الفضلات... وعبثا تحاول المطالبة بها...

15- هل من إضافة حصلت لك في السجن؟

لكن السجن مع قسوته وظروفه اللإنسانية والسعي المنهجي لتدمير المساجين وتحطيمهم نفسيا ومعنويا...يعلمنا الصبر والحلم والرصانة ورحابة الصدر...وقد تعلمت منها الكثير ولا فخر...

16- لنفترض أنك كلفت بإدارة هذا السجن، ماهي الإصلاحات التي تبادر بها؟

دع ذلك حتى يقع كما يقال...لكن أريد أن أنبه إلى أمر هام هنا وهو أن الإصلاح في السجون التونسية لا بد أن يبدأ بإصلاح المسؤولين قبل غيرهم... لا بد أن يكون تغييرا جذريا وبدايتها نغيير العقلية التي تشرف على هذه المؤسسة...

17- بم تنصح سجينا جديدا؟

الحاجة أكيدة إلى ذلك.. وإني لأنصح سجينا ذا توجه إسلامي بأن يتحلى بالصبر والأناة وأن لا يسكت عن الظلم وعلى انتهاك حقوقه كلفه ذلك ما كلفه من تضحيات لأن لا شيء يأتي على طبق من ورد، أما مساجين الحق العام فتلخص في المحافظة على "الرجولية " التي قد تذهب وتتبخر في لحظة ضعف أو غفلة ولا يتم ذلك إلا بمعرفة من يصاحب ويجالس..

18- حكمة ( آية قرانية، حديث نبوي، مثل شعبي، بيت شعر..) كثيرا ما ترددها!

"إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم" إلى اآية 35 من سورة فصلت..

والحديث الذي حفظناه في بداية الطريق: عن ابن عباس رضي الله عنه قال :" كنت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال لي يا غلام إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده اتجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم إن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعونك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف.." رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح..

أما من الشعر فقول الشاعر:

                    أقبل على النفس واستكمل فضائلها  فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان

19- ممنوعات يجب مراجعتها دون تأخير؟ ومباحات يجب التصدي لها بحزم؟

إن كان المقصود هنا بالمساجين السياسيين منهم أو مساجين الرأي فلا أرى  مبررا لحرمانهم من امتلاك شفرات الحلاقة وبعض الأدوية  التي تكون في متناولهم في كل الأوقات إضافة بطبيعة الحال للكتب والجرائد والمرآة    وخصوصا أواني الأكل فلا أقل من أن لا تكون من مادة البلاستيك ( بمعنى أن تكون من بلور أو من أليمينيوم أو على الأقل من الفخار)...أما مساجين الحق العام فضروري إعادة النظر في التعامل معهم، تعامل ينبني على الثقة بهم وبإمكانية ترقيتهم لكن أن تمنع عنهم ( أو عن بعضهم على الأقل) بعض الأشياء مثل شفرات الحلاقة، الأواني البلورية...

لكن مع كل ذلك يجب أن تراجع كيفية العقاب الممثلة في مقولة كثيرا ما يرددها المشرفون على إدارة السجون والإصلاح وهي "الرحمة خاصة  والسخطة عامة"  وتعني في الواقع أن الإدارة إذا فطنت بوجود ممنوع في قفة أحد السجناء مثل "حربوشة أرتان" في "مرقة جلبانة" في قفة سجين فإنها لا تكتفي بمعاقبة ذلك السجين بل تعمد إلى حرمان كل المساجين من تلك الأكلة ( مرقة جلبانة) حيث تصبح من الممنوعات على المساجين...

20- حادثة عالقة بذهنك؟

حوادث كثيرة عايشتها مثل سجناء مرضى تفاقمت وضعيتهم الصحية ولم يجدوا إغاثة ولم استطع فعل أي شيء...آخرون عذبوا على مسمع مني ولم أرهم والحادثة التي لا تمحى من الذاكرة حادثة تفتيشنا وكنا قرابة 7 أشخاص في جناح "و" وهو الجناح المضيق وذلك سنة 1995 وحضر حوالي 40 عوناوتم تفتيش كل واحد منا أكثر من 4 مرات، قطعت ثيابنا وحجز البعض منها مثل الجلباب  والشاشية و"السروال العربي" وحتى اواني غسل الثياب( البانو والسطل) كما حجز في ذلك اليوم المشؤوم مصحفي..... ومن أشنعها كذلك إرغامي على فك إضراب خضته سنة 1995 بسجن العاصمة حيث استعملوا معي الحقنة...

21- هل تذكر اليوم الأول بالسجن؟ كيف تصف مشاعرك آنذاك؟

يوم اعتقالي كان يوم 5 اكتوبر 1991 عند رجوعي من العمل مع الساعة الثانية بعد الزوال، قرب المعهد الثانوي طريق بني خداش، أشار علي أعوان مدججون بالسلاح بالوقوف فامتثلت، طلبوا أوراق السيارة وبطاقة التعريف، فتشوا السيارة ثم طلبوا مني مصاحبتهم إلى منطقة الأمن لبضع دقائق فكانت بضع سنوات بل تجاوزت العشر سنوات الآن... ولا تزال الرحلة متواصلة...

22- يومك الأول بالسجن؟

تواصل إيقافي من يوم 5 أكتوبر 1991 إلى يوم 7 ديسمبر 1991 وهو أول يوم لي بالسجن، إذ أحالني يومها حاكم التحقيق إلى السجن المدني بتونس بموجب بطاقة إيداع،  وكان معي يومها الأخ البشير بن عمر، تجازونا باب السجن مع الثانية زوالا، وقع اقتيادنا بعد إتمام بعض الإجراءات الإدارية إلى الجناح المضيق، كان استقبالنا بالسب والشتم وكان ما كان مما سبق ذكره ... ثم زج بنا في غرفة /  زنزانة يوجد بها 7 أشخاص وهي لا تتسع لسجينين إلا بعسر ومشقة...

23-  كم مرة نقلت بين السجون التونسية؟

تمت نقلتي من سجن إلى آخر 17 مرة، وعرفت من السجون التونسية سجن 9 أفريل أو سجن العاصمة، حربوب،المهدية، مرناق، المنستير، قرمبالية، الكاف، صفاقس، قابس، وكلها سيئة لكن الرداءة تختلف من سجن إلى آخر...بل من مدير إلى آخر...لكن حسب تجربتي الشخصية فإن أسوأها هو سجن الكاف  وأقلها سوءا هو سجن المنستير سنة 1998..

24-  العقوبات التي سلطت عليك؟

العقوبات التي تعرضت لها كثيرة منها الحرمان من المراسلة( سواء الصادر منها والوارد) لفترات تزيد عن ستة أشهر ، فقد تعرضت لهذه العقوبة العديد من المرات في كل من سجن 9 أفريل وسجن قرمبالية تحت إدارة الهادي الزيتوني...

كما وقع تعنيفي سنة 1991 في سجن العاصمة من طرف بلقاسم ملوخية وعبد المجيد التيساوي والسبب صلاة الجماعة حيث متعنا من أداء الصلاة جماعة رغم وجودنا في جناح العزلة ( السجن المضيق) ودخلت السيلون معاقبا  في كل من 9 أفريل والكاف والمنستير وصفاقس وحربوب...من أجل اعتراضي على سب الجلالة وسب الرسول صلى الله عليه وسلم... أو مطالبة ببعض الحقوق...

كما وقعت تعريتي  تماما بل لا أذكر من لم تقع تعريته، خاصة  في سجن 9 أفريل بالعاصمة، وأذكر أننا كنا 12 شخصا تقريبا وأذر أنه كان من بيننا (م. ل.) و( م . ب.) و( م .م.) و(م. ن.) و(ح.ج.)    و(م.ن.) و(ع.خ.)   و(ع.ج.) و(ب.ب.ع.) و(ع.م.) وكان مدير السجن آنذاك التومي الصغير المرغني...

ملاحظة

كنا في نفس السجن(حربوب بمدنين) عند قضائي العقوبة المسلطة علي من أجل مخالفة تراتيب المراقبة الإدارية وقضية القذف العلني الملفقة.. وذلك سنة 2004 وقد نقل مبروك شنيتر إلى حربوب قبل مغادرتي السجن ببضعة أشهر، فكان هذا الحديث الذي لم يكن باليسر بمكان أن يتم دون صعوبات ومخاطرات...

 

أجرى الحوار عبدالله الزواري
abzouari@yahoo.fr 

© aqlamonline 2006