ملف الحجاب في تونس: مناقشة هادئة لموضوع ساخن

فلسفة اللباس

العدد التاسع عشر
السنة الخامسة / نوفمبر - ديسمبر 2006

 

تونس – خاص - اقلام أون لاين – محمد الحمروني

لا تزال قضية الحجاب تتفاعل إعلاميا وسياسيا وذلك رغم مرور أكثر من شهر على انطلاق الحملة التي شنها النظام ضد المحجّبات في تونس. وبعيدا عن التشنج الذي رافق هذه الحملة وما صاحبها من ردود فعل مختلفة نطرح في هذه الورقة مناقشة هادئة لهذه القضية الساخنة. ونتناول فيها عرضا سريعا لقضية انثروبولوجيا اللباس وعلاقة اللباس بالهوية. ثم نتعرض من خلال بعض الحوارات للخلفيات السياسية للحملة التي تشنها السلطة التونسية على المحجّبات وننهي باستعراض مختلف الحجج التي قدمتها السلطة لتبرير حملتها.

الإنسان حيوان "لابس"

إذا كان الإنسان مدنيا بالطبع فان الفضل في ذلك يعود في جزء كبير منه إلى اللباس... كيف ذلك؟ يعرف علماء التاريخ وخاصة العاملون في مجال الحفريات الأهمية التي يشكلها اللباس في الكشف عن مختلف أوجه الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية للحضارة التى ينبشون في تاريخها. فمن خلال اللباس يمكن تحديد درجة التطور الصناعي الذي بلغته تلك الحضارة كما يمكن تحديد الرتب ومن خلالها النظم الاجتماعية والسياسية ككل لتلك الحضارة. ونعرف أهمية ما تم اكتشافه في الأهرامات وما تعلق بالمومياءات من ملابس وأدوات زينة وغيرها من ناحية الكشف عن العقائد والنظم الاجتماعية والاقتصادية التي كانت سائدة زمن الفراعنة... فعندما نعثر على هيكل بدون ملابس واكسسوارات نكون قد عثرنا على حضارة بدون اقتصاد ولا ثقافة ولا اجتماع ولا فن.. ثقافة عارية.. نكون قد حصلنا على البيولوجيا ولم نعثر على الثقافة.. عثرنا على الحيوان ولم نعثر على الإنسان.

إلى جانب علم التاريخ والحفريات يولي علم الأنثروبولوجيا -  أي علم دراسة الحضارات البشرية - أهمية خاصة للباس حتى اننا نجد الآن قسما خاصا في الأنثروبولوجيا يسمى "أنثروبولوجيا اللباس" anthropologie du vêtement

ذلك أن اللباس يعد أحد أهم العناصر المساعدة على دراسة مدى تطور مجموعة بشرية ما باعتباره يختزل مجموع الرموز الثقافية والدينية والفنية والجمالية إضافة إلى ما يمكن أن يبرزه من تطور اقتصادي وصناعي وتقني من خلال الكشف عن التقنيات والمواد والأصباغ المستعملة في صناعته. يتجاوز اللباس إذن كونه حاجة فيزيولوجية للوقاية من ظروف الطقس ليتخذ أبعادا ثقافية تحدد من خلالها كل مجموعة بشرية هويتها. فاللباس ليس فروا حيوانيا أو جلدا بهائميا أعمى جعل فقط ليقينا الحر والقر.

يقول رزفاني  Rezvani  في كتابه "المراة العارية" وهو دراسة قام  بها الكاتب حول  لباس المراة في منطقة الأمازون وصدر سنة 2005: "إنه ربما باكتشافه هذا العارض المصطنع - اللباس - دخل إنسان ما قبل التاريخ إلى إنسانيته الحقيقية." C'est peut-être en inventant cet artefact inutile - le vêtement - que l'homme préhistorique a accédé à son humanité véritable ".

فلا غرابة إذن أن نرى علماء الأنثروبولوجيا يركزون في دراستهم للتجمعات البشرية على اللباس ويعتمدونه مقياسا لمدى تحضر تلك التجمعات. فكلما ارتقى الإنسان في سلم الحضارة كلما زاد في تغطية أجزاء أوسع من جسمه... كان الإنسان، في أطواره الحيوانية الأولى، عاريا تماما ثم أخذ شيئا فشيئا في تغطية جسمه بدء من أعضائه التناسلية إلى تغطية غلب جسده. لذلك يعود علماء التاريخ الإنساني إلى قبائل أدغال أفريقيا وحوض الأمازون، التي يعيش أهلها عراة أو شبه عراة، إذا ما أرادوا دراسة أشكال التجمعات البشرية الموغلة في القدم أو البدائية.

فاللباس بما هو تغطية لأجزاء من الجسد واحد من أهم المحددات لبدائية أو تقدم مجموعة بشرية ما. ومن هنا يتجاوز اللباس كونه أحد أهم الرموز الثقافية المحددة للهوية ليكون محددا مفصليا بين الحيوانية والإنسانية يقول رزفاني:

En effet, l'homme-bête était velu, et pour lui le vêtement ne répondait à nulle nécessité physiologique. C'est même par l'usage de ce second épiderme (protecteur, décoratif, ritualisé) qu'à la longue il est devenu ce "singe glabre" toujours plus préoccupé de s'éloigner de l'animal qu'il se sait être, dont les fonctions excrétoires et les pulsions sexuelles n'ont de cesse de le rapprocher

فبقدر ما يعبُر الإنسان إلى اللباس يبتعد عن حيوانيته ويرتقي في سلم إنسانيته، وبقدر ما يغطي أجزاء من جسده يعبّر عن رقيه الحضاري. وبهذا المعنى أيضا تصبح الدعوة إلى "الستر" والاحتشام دعوة "إنسانية" حضارية قبل أن تكون دعوة عقائدية أو فرضا دينيا.

اللباس محدد للهوية

عرفت  أشكال اللباس اختلافا كبيرا وتنوعا مثيرا للدهشة، وإن لعبت الظروف المناخية والمواد المتوفرة ودرجة التطور الصناعي وغيرها دورا في تحديد شكل اللباس بالنسبة لمختلف التجمعات البشرية، فإن الرموز الثقافية والمعتقدات الدينية والمراتب الاجتماعية وحتى التوجهات الإيديولوجية لعبت دورا كبيرا في تحديد أشكال اللباس لمختلف التجمعات.

فنجد قبائل إفريقيا الوسطى مثلا وهي قبائل تعيش نفس الظروف المناخية والاقتصادية ولها نفس الدرجة من التطور الاقتصادي والصناعي وتكاد تكون المواد الأولوية المتوفرة لديها لصناعة اللباس هي نفسها إلا أننا نجد مع ذلك من التنوع والثراء في أشكال اللباس وطرائق صنعه وألوانه في هذه المنقطة من العالم ما لا يمكن أن نجده في غيرها. وهذا يدل على أن محددات أشكال اللباس ليست المناخ والاقتصاد والمواد الأولية فقط بل هي أيضا معطيات الثقافة والدين والانتماء.

ولكونه يختزل أو هو انعاكس لكل هذه المعطيات (ثقافية دينية، رتب اجتماعية، ظروف مناخية، تطور صناعي وتقني، إضافة إلى التعبيرات الجمالية والفنية) يكون اللباس الخزان الذي يختصر مختلف المكونات الحضارية لمجتمع ما، وهو ما يجعله أيضا محددا أساسيا لهوية مجموعة ما. وهذا لا يعني مطلقا أنه لم تكن هناك عبر التاريخ عمليات تأثر وتأثير، تعرضت لها أشكال اللباس بين مختلف المجموعات البشرية، وعرف حوض المتوسط أوسع عمليات التبادل الثقافي، وأكبر عملية تأثر وتأثير بين ظفتيه مع محافظة كل مجموعة على العناصر الأساسية للباسها.

وتونس لم تكن عبر تاريخها الطويل استثناء في هذا المجال فالجبة التونسية والشاشية والسفساري والفوطة والبلوزة لم تكن كلها تونسية خالصة ولم تكن في منأى عن التأثيرات العثمانية والأندلسية. وأول ما يصادفك وأنت تفتح أي كتاب عن الجبة – اللباس التقليدي الرسمي التونسي- هي العناصر التي أدخلت عليها. بل أن الشاشية مفخرة اللباس التقليدي التونسي لم تكن تونسية أصلا ومعروف أنها دخلت بلادنا مع قدوم الأندلسيين، وعبرت من تونس وشمال أفريقيا إلى وسط القارة وغربها بل وأصبحت تونس أحد أهم المصدرين لهذه السلعة إلى كل من السنغال والنيجر ونيجيريا وغيرها...


الأستاذ زياد الدولاتلي لأقلام أون لاين: 
معركة الحجاب هي معركة المجتمع دفاعا عن الحريات العامة

أقلام أون لاين: مرحبا بك أستاذ زياد في حوار مع أقلام أون لاين.

مرحبا بك أنت أيضا وأنا سعيد بأن أنزل ضيفا على اقلام أون لاين وإني أوجه بالمناسبة تحية إلى كل العاملين فيها والقائمين عليها.

أقلام أون لاين: ماذا عن الخلفية السياسية للحملة التي تشنها السلطات في تونس على الحجاب .

ج : باعتقادي أن الأهداف السياسية للحملة التي يشنها النظام على المحجّبات متعددة: فهي إضافة إلى كونها تستهدف الحد من مظاهر التدين التي عادت لتنتشر في الشارع التونسي، تهدف السلطة من خلال هذه الحملة إلى جملة من الغايات. وأعتقد أنه علينا أن نبحث عن الأسباب العميقة لهذه الحملة في الإضراب الذي شنته مجموعة 18 أكتوبر والذي كان من نتائجه بروز قطب معارض يضم إلى جانب التيارات اليسارية والقومية واللبرالية والمستقلين، الإسلاميين. وشكل هذا " التحالف" قوة على ارض الواقع ونعلم جميعا النجاح الذي حظي به تحرك 18 أكتوبر والذي كان من عوامل القوة فيه واحد أسرار نجاحه أنه كان موحدا لأغلب الطيف السياسي بالبلاد حول جملة من المطالب أصبحت معلومة للجميع.

ونجح هذا التحالف، إضافة إلى تكوين قوة ضاغطة تجمع أغلب مكونات المجتمع المدني، نجح في افتكاك المبادرة من بين أيدي النظام. فالسلطة كانت على مدى أكثر من عشرية كاملة هي صاحبة المبادرة في الساحة السياسية. حركة 18 أكتوبر نجحت في اعتقادي في جعل المعارضة تفتك زمام المبادرة.

وتأتي الحملة على الحجاب في تصوري حتى يستعيد النظام، كما يتصور، زمام المبادرة من خلال إطلاق حملته أمنية واسعة كما تأتي الحملة بهدف إحداث شرخ في هذا "التحالف" الذي تشكل بعد 18 أكتوبر. وكان النظام يرى أنه بإلقائه بهذه المسألة الخلافية إلى الشارع السياسي سيثير الخلافات مجددا بين التيارات الإسلامية والعلمانية واليسارية غير أن الذي حصل هو إصرار مختلف الأطراف على أن الحجاب يدخل في إطار الحرية الشخصية بل إن الحملة على الحجاب أبرزت مرة أخرى ضرورة توحد الجميع من أجل فرض الحرية الشخصية.. حرية كل فرد في ارتداء ما يريد وفقا للضوابط العامة وبما لا يتعارض مع مقاييس الحشمة والحياء.

إذن هي محاولة لاسترجاع المبادرة وضرب تحالف 18 أكتوبر إضافة إلى ذلك فان السلطة تحاول أن تتهرب من الاستحقاقات السياسية بافتعال قضية استغرب الجميع حجم الإمكانيات والمنابر التي سخرت لها.

أقلام أون لاين: قلت أن أطرافا عديدة من مكونات المجتمع المدني استنكرت الحملة على الحجاب وهذا صحيح ولكن بعض تلك المكونات استنكرت الحملة الأمنية مع أنها اعتبرت أن الحجاب يهين المرأة؟

ج: يمكن لأي طرف أن يتخذ الموقف الفكري  الذي يريد من الحجاب، ويبقى المجال مفتوحا للنقاش الفكري والجدال السياسي حول هذه المسالة ولكن ما لا يمكن قبوله هو أن يقع تبرير الاضطهاد والقمع تحت أي ذريعة كانت أو السكوت عليه.

أقلام أون لاين: نأتي الآن إلى  الحجج التي قدمتها السلطة ومنها أن الحجاب دخيل ما رأيكم؟

ج: في الواقع هذه حجة واهية ومردودة على أصحابها ونعلم نحن جميعا هنا في تونس أن اللباس الذي يرتيده أكثر من 99.99 من التونسيين والتونسيات الآن هو لباس غير تونسي بمعنى ليس أصيل فالدجين والبدلات الأنيقة وربطات العنق و(الميني والميكرو) وغيرها هل هي لباس أجدادنا وجداتنا.. هل كانت جدة أي واحد فينا تخرج على الناس وصرّتها عارية...

القول بأن الحجاب دخيل حجة لا يمكن بأي حال أن تكون مقبولة فاللباس في تونس كله تطور ولا يمكن أن نستثني لباس المرأة من هذا التطور. هم يدعون إلي العودة إلى اللباس التقليدي يعني اللحفة والسفساري والوزرة والبرنوس والقشابية... هل تعقل مثل هذه الدعاوى؟ السلطة تقول إنها ترفض الحجاب لأنها تصر على الحفاظ على مكاسب التحديث في المجتمع وخاصة ما حققته بالنسبة للمرأة فهل أن التحديث في أن تذهب الفتاة إلى المدرسة بالملية أو الفوطة وبالبلوزة؟ إن مثل هذه الدعوة هي التراجع الحقيقي عن المكاسب التي تقول السلطة إنها حققتها مع أني أفتخر بأن جدتي كانت ترتدي هذه الملابس.

أقلام أون لاين: وماذا عن الطائفية؟

ج: أولا ليس لدينا في تونس طوائف وبالتالي فهذه الدعوة باطلة. ثم إن الحجاب في تونس هو من التنوع والاختلاف بحيث لا يعبر بأي شكل من الأشكال عن طائفة أو مجموعة معينة، فالحجاب اليوم يمتد من النقاب إلى مجرد غطاء للرأس مع بنطلون من الدجين. وحتى الطائفة التي وقع الغمز إلى وجودها في تونس وتمت الإشارة اليها بلون لباسها الأسود فإننا نتساءل من الذي فتح الأبواب لهذا الفكر كي يعبر إلى بلادنا؟ ألم تسمح السلطات بمرور آلاف الكتب الفكرية لهذا التيار في الوقت الذي منعت فيه حتى التفاسير وبعض كتب الحديث من الدخول إلى تونس خلال معرض الكتاب؟ ومن الذي سمح لجمعية ناطقة باسم هذا التيار أن تنشط في تونس وبصفة قانونية في الوقت الذي يعلم الجميع ما يتعرض له الناشطون في بلادنا من مختلف التوجهات من تضييق على الجمعيات والمنظمات؟ إذن حجة الطائفية حجة واهية ونحن مع أن يتمتع الجميع بحقه في ممارسة شعائره. ولا يجب أن يفهم من كلامي هذا رفضا لنشاط أي تيار فكري وسياسي. أنا مع أن يسمح للجميع بحرية النشاط.

ولنفترض أن هناك طوائف في تونس فلا وجود على حد علمي لقانون يحدد معنى الطائفة ويمنع أن ترتدي الطوائف ألبسة خاصة بها. وكما قلت من قبل فإن الحجاب اليوم لا هو تعبير عن طائفة ولا حزب، إنه تعبير عن تدين شعبي واسع تشارك فيه أغلبية الشعب التونسي، ناهيك أن بعض التقديرات تقول إن ما بين 25 و30 في المائة من التونسيات هن محجبات وأن ضعف هذا العدد يردن التدين غير أن أسبابا مختلفة منعتهن من ذلك.

أقلام أون لاين: وماذا عن أن الحجاب يمثل تهديدا لمكاسب المرأة؟

ج: ما هي تلك المكاسب؟ أليست هي بالأساس حق المرأة في التعلم والخروج إلى العمل؟ هذه المكاسب أصبحت مهددة بسبب الإجراءات التي تتخذها السلطة بحق المحجّبات. فالمنع من الدراسة بسبب الحجاب هو تهديد للمكاسب التى تحققت. ومنعها من العمل بسبب الحجاب هو كذلك. ولعلمك فإن العشرات من الفتيات والنساء فضلن أن "يقرن" في بيوتهن على أن يتركن حجابهن بما يعنيه ذلك من تخلي المرأة عن حقها في العمل والدراسة ومشاركتها في تنمية بلادها.

أقلام أون لاين: ولكن السلطة تقول أن الحجاب ليس فرضا وأنها تفضل قراءة مستنيرة لآيات الحجاب وان بعض الأطراف الإسلامية تريد أن تستغل الدين لأغراض سياسية؟

بداية نحن لا نرفض من حيث المبدأ أن تكون هناك قراءات مختلفة للنص الديني على أن تكون اجتهادات لعلماء ثقاة معروفين بعلمهم وتمكّنهم من مختلف أدوات الاجتهاد. ولكن المشكل هنا هو أن النظام يريد فرض قراءته هو للنص الديني في حين أن قراءته، وعلى فرض أنها صحيحة، فإنها مجرد اجتهاد من جملة الاجتهادات الأخرى. وماذا لو كانت تلك القراءة خاطئة أصلا؟ إذن الذي يريد أن يفرض قراءة معينة وشكلا معينا للحجاب هو السلطة وليست الأطراف الأخرى.

وأما عن استغلال الدين لأغراض سياسية فلا أظن أننا حينما ندافع عن حق فتياتنا في الاحتشام - لمن تريد ذلك منهن- نقوك باستغلال الدين، وذلك لسبب بسيط وهو أن مختلف مكونات المجتمع المدني المستقلة بما فيها العلمانية واليسارية استنكرت مثلنا الحملة على الحجاب. فهل أن حزب العمال الشيوعي التونسي الذي أصدر بيانا يستنكر فيه ما تقوم به السلطة بحق فتياتنا يستغل الدين لأغراض سياسية؟ ونفس الشيء بالنسبة للديمقراطي التقدمي أو الرابطة وغيرها؟ ونحن بهذه المناسبة نحيي كل الذين دافعوا عن حق المرأة في اختيار اللباس الذي تريد ونكبر مواقفهم المستنكرة للقمع المسلط على المحجّبات لأن معركة الحجاب اليوم هي معركة المجتمع ككل بمختلف مكوناته من أجل حريته وحقه في الاختيار والتعبير عن تلك الاختيارات بالطرق التي يريد.

© aqlamonline 2006