|
نورالدين
العويديدي
لا
يكاد يخلو
مجتمع بشري،
في عالمنا
المعاصر،
من تيارات
فكرية
وسياسية
ودينية
مختلفة، بل
متباينة
ومتصارعة
في كثير من
الأحيان..
فقد شاء
الله أن
يخلق الناس
مختلفين،
إذ جعلهم
شعوبا
وقبائل،
وجعل
الغاية من
ذلك
الاختلاف
الواقع بين
البشر،
بسبب الخلق
والتكوين،
التعارف
بينهم، بما
هو تفهم
أحدهم
للآخر،
وقبوله به،
واعتبار
اختلافه عن
الذات
مصدرا من
مصادر
إثراء
الحياة
البشرية
وإغنائها.
لكن
الكثير من
الناس
جعلوا
الاختلاف
سببا
للصراع
والتقاتل،
بدلا من
التعارف
والتعاون،
حين أرادوا
أن يلغوا
الاختلاف،
ويفرضوا
التماثل
والتشابه،
ولو باتخاذ
القوة إلى
ذلك سبيلا.
فالرغبة "الطاغوتية"،
من أي أحد
جاءت، في
منع
الاختلاف،
وفرض
التماثل،
عادة ما
تصطدم
بطبيعة
الأشياء،
أي
بالاختلاف
المغروس
عميقا في
الذوات
البشرية،
ومن هنا
تنشأ
الصراعات
والحروب
والتقاتل
بين الناس.
***
***
***
هذا
على صعيد
الناس
جميعا.. أما
في تونس،
ذلك البلد
الصغير في
شمال
إفريقيا،
غير بعيد من
أوروبا،
فثمة إرادة
في السلطة
وفي صفوف
المعارضة،
باستثناء
مجموعة 18
أكتوبر،
راسخة لمنع
التعدد
ومقاومة
الاختلاف.
وإذا ما سمح
بشيء من
الاختلاف
فبشرط أن
يكون مجرد
تنويعة
بسيطة على "الأصل"..
أي مجرد
أشباه
ونظائر:
-
فالسلطة
التونسية
لا تقبل أي
معارضة
جادة.
وتزداد
شراسة
الحكم ضد
المعارضة
كلما كانت
أكثر حضورا
في الشارع،
وأكثر قربا
من قلوب
الناس،
وتمثل
بديلا عن
الحكم
القائم.
وهذا الأمر
ليس جديدا
على النظام
التونسي،
فقد ذاق
الاضطهاد
ومر
بالسجون
التونسية،
خلال نصف
القرن
الماضي،
عشرات
الآلاف من
المعارضين،
من
الزواتنة
والمقاومين
للاستعمار،
الذين أطلق
عليهم
الراحل
بورقيبة
اسم "الفلاقة"،
إلى
اليوسفيين
وباقي
فصائل
التيار
القومي،
مرورا
بالقوى
اليسارية
المختلفة،
وانتهاء
بالتيار
الإسلامي،
الذي شن
النظام ضده
حملات "إبادة"
واستئصال
عاتية،
انتهى بها
حكم الرئيس
السابق
بورقيبة،
وتفاقمت
بقوة في عهد
الرئيس
الحالي زين
العابدين
بن علي، ولا
تزال نارها
مستعرة حتى
اليوم، عبر
الإبقاء
على المئات
من
المساجين
يرزحون في
سجون الموت،
واستمرار
التضييق
على الآلاف
من
المساجين
السابقين،
وحرمان
التيار
الإسلامي
عامة من
العمل
والوجود
القانوني،
على الرغم
من سعي هذا
التيار
للقانونية
منذ دخوله
الساحة
السياسية،
قبل أكثر من
ربع قرن.
-
أما في
المعارضة
فثمة إرادة
لدى بعض
القوى لمنع
الاختلاف
على صعيد
المرجعيات
الفكرية
والسياسية،
وللحجر على
الاجتهادات
المختلفة،
والحرص على
أن يكون
التنافس
محصورا بين
الأشباه
والنظائر،
ممن يطلق
عليهم اسم
القوى "الديمقراطية"،
وهو الاسم
البديل
للعلمانية،
بعد أن ترذل
هذا
المصطلح في
أوساط
الرأي
العام
التونسي،
والعربي
والإسلامي
عامة. هؤلاء
"الديمقراطيون"
يستندون
للديمقراطية
في إقصاء
أطراف
تختلف معهم
في
المرجعية
الفكرية
والسياسية..
وبذلك
تنقلب
الموازين،
وتتخذ
المبادئ
القائمة
على
الاعتراف
بالاختلاف
والتعدد
سبيلا
للإقصاء
والحجر على
الآراء
والاجتهادات.
***
***
***
يلاحظ
المرء
بحيرة وقلق،
وهو يقلب
المشهد
العربي من
مغربه إلى
مشرقه، أن
تونس التي
سبقت
الكثير من
الدول
العربية
والإسلامية
في
الانفتاح
على العصر،
وعرفت قبل
غيرها
الثقافة
الحديثة،
بحكم قربها
من أوروبا،
وانفتاح
مجتمعها،
وحيوية
نخبها،
وسبقت
غيرها في
إقامة
دستور يقيد
سلطات
الحاكم.. هي
للأسف
واحدة من
أكثر الدول
العربية
والإسلامية
استبدادا
وانغلاقا
وتطرفا في
الممارسة
السياسية،
وضيقا
بالاختلاف
وبالرأي
المغاير،
وكبتا
للحريات
العامة
والخاصة،
حتى عدتها
الكثير من
منظمات
الدفاع عن
الصحافة من
أكبر أعداء
الحرية
عامة
والحرية
الصحافية
خاصة.
-
فوضع
المغرب
مثلا أفضل
بكثير من
وضع تونس في
مجال
الحريات
العامة
والخاصة،
وفي مجال
الاعتراف
بالاختلاف
والتعدد،
وبما أفرزه
المجتمع
المغربي من
قوى فكرية
وسياسية
مختلفة، من
أقصى
اليمين إلى
أقصى
اليسار.
-
ووضع
الجزائر،
على الرغم
مما عرفته
من تقاتل
داخلي،
خلال عقد
التسعينيات
من القرن
الماضي،
أفضل أيضا
من الوضع
التونسي،
والقوى
الفكرية
والسياسية
المعترف
بها في
الجزائر
أكثر
تمثيلا
للمجتمع من
القوى
المعترف
بها في تونس.
-
كما إن
الأوضاع في
مصر ولبنان
والأردن
واليمن
والكويت
وحتى
السودان
أفضل من
الوضع في
تونس، من
حيث هامش
الحريات،
ومن حيث
الاعتراف
بمكونات
المجتمعات
في تلك
الدول.
-
وكذلك
الحال في
ممالك
الخليج
وإماراته،
فالعلاقة
بين
المواطن
والسلطة لا
تعرف ما
تعرفه تونس
من احتقان
وقهر
وتصادم. إذ
الحكم في
الخليج يظل
قريبا من
الثقافة
المحلية
لسكانه،
ويجعل ذلك
الدولة أقل
توحشا في
التعامل مع
"مواطنيها"
أو رعاياها،
وهو ما يجعل
المواطن
الخليجي
يشعر أن
الدولة
دولته،
وأنها في
خدمته، في
حين يشعر
التونسي
أنه في خدمة
الدولة،
وأنه لا
يمكن له أن
يخالف لها
رأيا دون أن
يدفع ضريبة
غالية من
تعذيب أو
سجن أو نفي
وتشريد.
***
***
***
لا
شك أن هذا
الأمر
يحتاج إلى
تفسير،
فالوضع
التونسي
الشاذ
والغريب
يحتاج إلى
قراءة تفك
ألغازه.
ولعل السر
يكمن في أن
دولة
الاستقلال،
التي شكلها
الرئيس
الراحل
الحبيب
بورقيبة،
قد قامت على
أساس
القطيعة مع
الثقافة
السائدة،
وتَمَثُل
تجربة
اليعاقبة
في فرنسا،
التي كان
بورقيبة
مسحورا بها
إلى حد بعيد،
مما جعل
الدولة
التونسية "تتأله"
على شعبها،
وتلجأ إلى
الصدام
والأساليب
القهرية
لتغيير
الثقافة
السائدة،
وصناعة
هوية جديدة
للتونسيين،
على الرغم
من أنوفهم.
فالتونسيون،
كما كان
يقول
بورقيبة،
مجرد ذرات
من غبار
متناثر،
صنع منهم
الرئيس
الراحل
دولة وشعبا
وأمة من دون
الأمم، على
حد توهمه.
على
الرغم من
رحيل
بورقيبة لا
يزال الشعب
التونسي
يدفع إلى
الآن ضريبة
الروح "الثورية"
والمنطق "الرسولي"،
الذي ميز
أداء
الرئيس
السابق.
فبورقيبة
الثائر على
مرحلة
الانحطاط،
التي عرفها
العالم
العربي
والإسلامي،
الطامح
بقوة إلى
إلحاق
بالتونسيين
بـ"ركب
الحضارة"،
كما كان
يقول، قد
جعله حرصه
هذا، وجعل
الدولة
التي شكلها
على صورته،
تخلط مثلما
كان يخلط
بقوة بين
حالة
الانحطاط
وبين
مكونات
الهوية
العربية
الإسلامية،
ولذلك ورثت
الدولة
وكثير من
قطاعات
النخبة
التونسية
توترا
مازال على
أشده مع
الإسلام
والعروبة،
وهو توتر
سيظل هو
ومنطق
امتلاك حزب
أو عائلة
معينة
للدولة،
أهم سببين
لتعطيل أي
رغبة في
بناء
الديمقراطية
في البلاد،
إذ لا تجتمع
الديمقراطية
مع الفساد،
كما لا يمكن
لها أن
تجتمع مع
الإقصاء.
بقعة
ضوء في
نهاية
النفق أتاح
رؤيتها
تشكيل حركة 18
أكتوبر
للحقوق
والحريات.
فهذه
الحركة
نشأت على
قاعدة
الاعتراف
بالجميع،
وعلى أساس
اعتبار
المطلب
الديمقراطي
هو المطلب
الجامع
لمختلف
القوى
التونسية،
مهما
تباينت
رؤاها
الفكرية
والسياسية..
وإذا ما
أتيح لهذه
الحركة أن
تتطور إلى
قوة جامعة
لأكثر
التونسيين
الطامحين
إلى
التغيير،
يمكن لنا أن
نقول
ساعتها
بالفم
الملآن: إن
تونس قد آن
لها أن تصبح
أخيرا لكل
أبنائها...
|