في ظل ضعف الأحزاب السياسية في المغرب
الملك والصحافة المستقلة يتقاسمان أدوار الحكومة والمعارضة

العدد الثامن عشر
السنة الخامسة / جويلية - أوت 2006

مريم التيجي

يجمع عدد من المتتبعين للشأن السياسي المغربي أن الأدوار السياسية في هذا البلد اختلت بشكل يربك أية محاولة لقراءة وفهم بعض الأحداث أو المواقف، دون فهم الاختلالات القائمة. ففي الوقت الذي تتضح فيه المعادلة بشكل جلي وواضح في أغلب الدول، التي تعتمد على أصول اللعبة الديمقراطية، حيث توجد حكومة ذات برنامج تنفذه وتحاسب عليه، وتكون منبثقة من الأغلبية التي تفرزها الانتخابات، وفي المقابل تحتل الأحزاب ذات الأقلية موقع المعارضة. تصبح هذه المعادلة بدون معنى في مغرب اليوم.

وما يؤكد هذه الملاحظة التي أصبحت حديث المجالس، أن الملك محمد السادس هو الفاعل الأساسي، والبرنامج الذي تنفذه الحكومة المغربية حاليا، ما هو إلا برنامج الملك الشاب الذي أطلق عليه اسم "المبادرة الوطنية للتنمية البشرية"

معلوم أن الوزير الأول لم يأت من رحم أحد الأحزاب السياسية المغربية، ولم يخض معارك انتخابية ضارية للفوز بهذا المنصب، بل جاء من إحدى أكبر شركات الأحذية ليرأس الحكومة بقرار ملكي، بعد انتخابات وصفت بأنها الأكثر نزاهة في تاريخ المغرب، إلا أن صراع الأحزاب الكبرى على الفوز بمنصب الوزير الأول، واستعمالها لكل الوسائل المشروعة سياسيا وغير المشروعة، أياما قبل الإعلان عن الحكومة التي أفرزتها انتخابات سبتمبر 2003ن جعل العاهل المغربي يقطع عليها الطريق ويفاجئها بقائد من خارج دائرة اللعبة الانتخابية.

ويتذكر المواطن المغربي جيدا أن المشاريع الكبرى، والقوانين المهمة، لم تخرج من رحم الأحزاب ولا من رحم الحكومة، ولكنها خرجت من ثنايا خطابات ملكية، كما هو الشأن بالنسبة لـ"قانون الأحزاب" و"قانون الجنسية"، الذي طالب الملك بتعديله، ولا تزال الأحزاب عبر الهيئة التشريعية تماطل في ذلك، وغيرها من القوانين.

ولتنفيذ البرامج الكبرى، التي عادة ما يسطرها الملك، تتم الاستعانة بهياكل يتم إنشاؤها بقرار ملكي، كما هو الشأن بالنسبة لـ"المجلس الاستشاري لشؤون الصحراء"، وهو مجلس من المنتظر أن يلعب دورا في تنزيل مقترح الحكم الذاتي للصحراء الغربية على أرض الواقع، و"المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري"، الذي يشرف على تحرير هذا القطاع، و"وكالة تنمية أقاليم الشمال"، التي تهتم بفك العزلة عن الشمال المغربي، ومساعدته على تحقيق تنميته التي تأخرت لعقود، بسبب اختيارات الملك الراحل الحسن الثاني، و"هيئة الإنصاف والمصالحة"، التي تكلفت بمعالجة ملفات حقوق الإنسان خلال النصف الثاني من القرن الماضي، و"المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان"، الذي يواصل مهمة الهيئة، و"ديوان المظالم"، الذي يتكفل بمتابعة قضايا المواطنين، الذين تعرضوا لظلم من قبل الدولة أو إحدى مؤسساتها.. واللائحة تطول وتتنوع بين الحقوقي والاجتماعي والاقتصادي، مما يطرح التساؤل حول وظيفة الحكومة المغربية.

يعتبر المتتبعون أن سبب إصرار الملك المغربي على القيام بأدوار تنفيذية غاية في الأهمية، مما يجعله حاكما فعليا ووحيدا في بعض الأحيان للمغرب، يتمثل أساسا في عدم ثقته بالأحزاب السياسية، التي أصابها وهن شديد، تؤشر عليه أكثر من حادثة وأكثر من موقف.

كما يكشف تعامل الملك محمد السادس مع أعضاء حكومته عن طبيعة نظرته للأحزاب، حيث تسربت أخبار للصحافة تتحدث عن غضبه على الوزراء وخصوصا الحزبيين. وحسب ما نشرته أسبوعية /الأيام/ في عددها الصادر بتاريخ 27/05/2004 فقد خاطب الملك وزراءه بلهجة حادة قائلا :"إن أغلب وزراء هذه الحكومة لا يصلحون لشيء، ولا يفعلون شيئا.. سأصارح الرأي العام الذي التزمت أمامه بعدة التزامات بهذه الحقيقة". وأضاف حسب مصادر الصحيفة، خلال أحد الاجتماعات الوزارية: "من هنا فصاعدا سنعقد المجلس الوزاري كل أسبوع، وسنرى ماذا يحضر الوزراء من قوانين ومشاريع وأفكار..".

وحتى لدى الرأي العام المحلي تتعرض الأحزاب المغربية للسخرية في الغالب، نتيجة لمواقفها، ولضعفها الذي لم يعد سرا من أسرارها الداخلية، وعادة ما تسخر بعض الأقلام الصحفية المستقلة من زعماء الأحزاب، الذين قبلوا بحقائب وزارية في الحكومة الحالية، دون أن تكون لها أية أهمية.

فقد قبل الأمين العام لحزب الاستقلال (يمين) بتسلم حقيبة وزارية فارغة، فمهمته في الحكومة الحالية هي "وزير بدون حقيبة" أو كما يفضل الخطاب الرسمي وصفه بـ"وزير مكلف بمهمة" غير محددة، مما يجعله مجرد وزير شرفي، رغم أن حزبه حصل على المرتبة الأولى في الانتخابات. كما إن نفس الحزب قبل أن يعين الملك وزراء يمثلونه لا علاقة لهم به، رغم احتجاج القواعد.

أما حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فقد قبل أمينه العام بأن يكون وزيرا شرفيا، رغم أنه يحمل حقيبة وزارة "الماء والبيئة"، مما جعل الكاتب المغربي الساخر رشيد نيني يعلق على ذلك بقوله: "يكفي الاتحاد الاشتراكي أن على رأسه وزير مكلف بالماء والزغاريد...".

ولا تتوقف السخرية في الشارع المغربي من بقية الأحزاب، التي لا تلقي بالا لهذا الوضع، الذي تعرفه لأول مرة في تاريخها، إذ إنها منشغلة بانشقاقاتها، التي تفرخ مزيدا من الأحزاب، وبمحاولة البعض توحيد الصفوف، في حين اختار عدد من قيادييها نشر مزيد من الغسيل على الأسطح، وهذا ما عكسته المعركة الشرسة، التي تدور رحاها على صفحات الصحافة المستقلة بين قياديين من حزب الاستقلال، ينتمي الأول للزعامات القديمة ويتعلق الأمر بمحمد الخليفة الوزير السابق ورئيس مجلس النواب السابق، وينتمي الثاني لقطاع الشباب مترئسا شبيبة الحزب، دون أن يمنع ذلك من تبادل الشتائم والاتهامات أمام الرأي العام، مما يعمق الهوة بين الشعب وبين هذه الأحزاب.

ويتذكر الشارع الرباطي (نسبة لمدينة الرباط) تلك الوقفات الاحتجاجية، التي نظمت أمام إقامتي وزيرين أحدهما من اليسار، وطالما دافع عندما كان حزبه في موقع المعارضة عن "البروليتاريا"، والثاني من اليمين، فرقهما انتماؤهما السياسي ووحدهما اتهام المجتمع المدني لهما بـ"الترامي على الأملاك العمومية واستغلال النفوذ".

كما أن لائحة بأسماء "المناضلين" والزعماء الحزبيين، الذين فوت لهم وزير الفلاحة مئات الهكتارات من أجود الأراضي الزراعية، لا تزال تنتقل من يد إلى يد، دون أن تدفع المعنيين بالأمر إلى إبداء أي ردة فعل.

ورغم أن حزب العدالة والتنمية الإسلامي، يحاول أن يقدم صورة مختلفة للحزب السياسي المغربي، إلا أن المتتبعين للشأن السياسي المحلي يؤكدون أنه لم يستطع أن يلعب دور المعارضة القوية، ولم يقدم خلال تجربته في كراسي المعارضة أي جديد يمكن من خلاله التأكيد على أنه تمكن من تحريك الواقع الحزبي المغربي، مما جعل الصحافة تصف تجربته بـ"المعارضة الوديعة".

معارضة جديدة

وأمام الفراغ الكبير، الذي خلفته الأحزاب المغربية، التي كانت إلى وقت قريب تحرك الشارع، وتهدد بانتفاضات شعبية عارمة، بمجرد خطاب في مهرجان شعبي، أخذت أطراف أخرى موقع المعارضة.

وهكذا تحولت الصحافة المستقلة، وبعض الجمعيات، وبعض الأشخاص من المجتمع المدني إلى معارضة حقيقة ليس للحكومة ولكن للملك محمد السادس باعتباره هو الحاكم الفعلي.

وما يعكس هذا التوجه، أن الصحافة المستقلة اتخذت من صور الملك ومن حياته الشخصية واجهة لأكثر من نصف أغلفتها الصادرة خلال السنوات الأخيرة، كما إنها اتخذت في الغالب من قرارات الملك مادة للمتابعة والتحليل والانتقاد في بعض الأحيان. ولم تتوقف معارضتها الشرسة عند تلك الحدود، بل تخطتها لانتقاد البروتوكولات الملكية، والمطالبة بتحديث الملكية المغربية، وإلغاء عدد من الطقوس، كما كانت في عدد من افتتاحياتها واضحة في المطالبة بتحديد صلاحيات الملك، وبتعديل الدستور ليسود الملك ولا يحكم.

ورغم أن هذه الصحافة "المشاغبة" دخلت إلى غرفة نوم الملك، فإن نورالدين عيوش، الذي يوصف بأنه أحد أقرب أصدقاء محمد السادس أكد في أكثر من حوار أن "الملك لا يقف وراء محاكمة الصحافة المستقلة، بل أشخاص آخرون". كما إنه ورغم الغرامات المالية، التي أثقل بها كاهل الصحافة المستقلة في إطار معركتها مع الدولة المغربية، فإنها لم تصل إلى حد السجن.

وإلى جانب الصحافة المستقلة، لمع نجم بعض المعارضين الجدد، الذين طالبوا صراحة باستبدال الملكية في المغرب بنظام جمهوري، وكان أول الجمهوريين المغاربة المعتقل السياسي السابق عبد الله زعزاع، والمحامي عبد الرحيم برادة، قبل أن تلتحق بهم ابنة الشيخ عبد السلام ياسين زعيم جماعة العدل والإحسان، التي أعلنت قيادة جماعتها أن مواقفها تعبر عن وجهة نظرها الخاصة، ولا تلزم الجماعة.

وتحول المجتمع المدني المغربي إلى محرك حقيقي للشارع، حيث أطر عدد من الاحتجاجات في عدة مناطق، بما فيها تلك البعيدة والمهمشة، وأصبحت هيئات مثل الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، والهيئة الوطنية لحماية المال العام، تقوم بالأدوار التي كانت تقوم بها الأحزاب المغربية إلى وقت قريب، وتعكس نبض الشارع، وتتكلم لغته في غالب الأحيان.

ويضيف بعض المراقبين ابن عم الملك الأمير مولاي هشام إلى طابور المعارضين الجدد، فمواقفه من طريقة الحكم جلبت له الكثير من المتاعب، وجعلته يختار العيش في الولايات المتحدة الأمريكية، دون أن تختفي صوره ومواقفه من الصحف المحلية. وفي بدايات خروجه السياسي لم يتردد في إعلان أن "التطور يقتضي انسحابا (للملكية) من تسيير شؤون الحكم، يترك في شموليته لحكومة مسؤولة أمام البرلمان المنبثق من الاقتراع العام المباشر"، كما صرح بذلك في محاضرة ألقاها بالمعهد الفرنسي للأبحاث الدولية.

ويفسر أبو بكر الجامعي رئيس تحرير أسبوعية /لوجورنال/ المستقلة سبب هذا الوضع السياسي المغربي الاستثنائي بقوله "أن لا يكون للملك كمعارضة حقيقية سوى جزء من الصحافة وسوى جزء من المجتمع المدني، فذلك ناتج عن ضعف المجتمع السياسي. وهذا من أعراض مرض يطلق عليه داء الاستبداد. وهو استبداد تخضع له العديد من الأحزاب السياسية، ومما يزيد من هذا الخضوع كونها ضعيفة، ومما يزيد في ضعفها كونها خاضعة، وهذا ما يسمى بالدائرة الجهنمية..".

وأمام وضع سياسي بهذا الاستثناء يتوقع المراقبون أن ترتفع نسبة الإحجام عن المشاركة في الانتخابات السياسية، التي ستشهدها البلاد في خريف العام المقبل، وأن تذهب أكبر نسبة من الأصوات إلى حزب الرافضين، الذي يتسع يوما بعد يوم، كلما توسعت دائرة الأخطاء، التي ترتكبها الأحزاب السياسية المغربية، مما قد يهدد الاستقرار السياسي والاجتماعي إذا ظل الفراغ سيد الموقف في الساحة السياسية والحزبية.

© aqlamonline 2006