|
فريد خدومة (*)
مازالت
الشخصيّة
التونسيّة
اليوم
تتجرع
مرارة
تعليمات "الأب"
بورقيبة..
الزعيم
الأوحد
والمجاهد
الأكبر. فقد
استلم
بورقيبة
شعبا لتوه
قد خرج من
مرارة
تجربة
استعماريّة
استئصاليّه
استهدفت "بالفَرنسة"
صلب شخصيته،
إلاّ أنها
لم تفلح في
ذلك،
ولكنها
خلفت له
جراحات
قاتلة. ومن
تلك
الجراحات
الجهل
والأميّة
والفقر
والفرنسة
التي كانت
الأخطر.
فقد استطاعت
فرنسا
استمالة
نفر من
أبناء هذا
البلد كي
يفكروا
بعقلها
الغربي،
وينطقوا لا
بالفرنسيّة
ولكن بلسان
عربي مبين.
وكان من
أبرز هؤلاء
الحبيب
بورقيبة
المحامي
الشاب،
الذي برز
طموحه في
القيادة في
أكثر من
مناسبة،
وبرزت مع
الطموح
قدرة خلاقة
على
الاستقطاب
والخروج من
المآزق.
كان الرجل
يملك ألف
وجه كما
يقال،
فقدمت
شخصيّته
الفريدة
لفرنسا
مبتغاها
على طبق من
ذهب.
استطاعت
فرنسا، وهي
الراحلة عن
تونس لا
محالة، أن
تترك خلفها
رجلا يحفظ
لها
مصالحها
الماديّة
والثقافيّة،
بل ويبرر
غزوها
لتونس كي
تبقى
صورتها
ناصعة أمام
الأجيال
القادمة
ليستمرّ
حبل الودّ
موصولا.
يقول
بورقيبة في
أحد خطبه "إنّ
فرنسا دخلت
هذه البلاد
عندما وجدت
بها أناسا
متأخرين،
وبقطع
النظر عن
الصراع
والكفاح،
كانت نتيجة
وجود
الفرنسيين
بهذا البلد
تفتح
الأدمغة،
وظهور رجال
قادرين على
تسيير تونس
في طريق
التقدّم
والرقيّ،
بعد أن خرجت
منه فرنسا،
واختفى منه
الحلم
الفرنسي،
فهو أمر
يعتزّ به
الفرنسيون
ويفتخرون[1].
كان بورقيبة
يبرر
استعمار
فرنسا
لتونس،
ويعتبره
مجرّد دخول
لابدّ من
خروج بعده،
وكان سبب
ذلك الدخول
جهلنا
وضعفنا
وحاجتنا
إلى من يأخذ
بأيدينا
إلى
الحضارة
والمدنيّة.
ويصوّر
بورقيبة
استعمار
فرنسا
لتونس على
أنه مشروع
إصلاحيّ
يفتخر به
الفرنسيون،
وقد ضحّوا
بأرواح
أبنائهم من
أجل رفع
المظلمة عن
هذا الشعب
المتخلف،
وكان من
نتاج هذا
المشروع
بروز
رجالات "مفرنسين"
أكثر من
الفرنسيين،
وهو يعتبر
بروز هذه
النخبة من "مفاخر"
هذا "الدخول"
كيف لا
وبورقيبة
زعيم
الفرنسيين
التونسيين.
الأب
القوّي
عندما استلم
بورقيبة
سنة 1956 الحكم
كان يعي
جيّدا ماذا
يريد من
التونسيّ،
أو كيف يريد
أن تكون
شخصيته،
ولكن
التونسي لم
يكن يعي
جيّدا ماذا
يريد من
بورقيبة،
وذلك لأنّ
بورقيبة
مارس دور
الأب، الذي
عزز به
صلاحيات
رئيس
الجمهوريّة،
إذ لا يمكن
للأخير أن
يتعامل مع
المواطن
إلاّ من
خلال
المراسيم
والقوانين
واللوائح.
أمّا الأب
فإنّه:
- يأمر وينهي
- يتدخل في
العموميات
- يتدخّل في
الخصوصيات
- يتدخل في
الإستراتيجي
- يتدخل في
التكتيكي
- يتدخل في
الواقع
- يتدخل في
الأحلام
- يتدخل في
التفكير
وفي نسق
التفكير.
وفعلا فقد
مارس
بورقيبة كلّ
ذلك، لأنّه
كان أبا
قويّا
حكيما
ذكيّا،
والأخطر
والأدهى
أنّه كان
يعي جيّدا
ماذا يفعل.
إنّ بورقيبة
الأب "الزعيم"
غرس في
الأذهان من
خلال خطبه "الديماغوجيّة"
المتتاليّة،،
وقراراته
وسيطرة
الحزب
الحاكم
والمتحكم
في كلّ شيء،
أنّه
الزعيم
الأوحد،
والزعامة
تمنحه
العصمة
المطلقة، و"البطاقة
البيضاء"
في أن يفكّر
بدلا من
الشعب، وأن
يقرر بدلا
من "مجلس
الأمّة"،
وأن ينفذ
بدلا من
السلطة
التنفيذيّة.
فقد كان
الوزراء في
عهد
بورقيبة،
كما هو
معلوم
للجميع،
مجرّد سعاة
"بسطاجيّة".
يقول
الأستاذ
عدنان
المنصر "أوّل
سمات
الزعامة
الحضور
القويّ
لصورة الأب،
ويعتبر ذلك
في الوقت
نفسه
تواصلا مع
مرحلة
الكفاح من
أجل التحرر،
الذي جعل من
بورقيبة أب
الأمّة
التونسيّة[2].
ونستنتج من
خطب
بورقيبة
تضخّم
الأنا، مع
تغيّب واضح
لصورة الأب،
ما عدا خطاب 25
جويلية (تموز)
1957، الذي
أفرده
بورقيبة
للحديث عن
والده. ويرى
البعض أنّ
تقديم
بورقيبة
لشخصه على
كونه
المعلم،
منحه الحقّ
في السيطرة
على
الشخصية
التونسية
وتوجيهها،
فبورقيبة "لا
يعتبر نفسه
مسؤولا عن
حاضر هذه
الأمّة فقط
بل عن
مستقبلها،
وفيما عسى
أن تصطدم به
أو تعترضها
من محن
الدهر أو "بلاياه"
[3].
هنا نسأل هل
أفلح
بورقيبة في
إعادة
صياغة
الشخصيّة
التونسيّة
على الشكل
الذي يجعل
التونسي
فرنسيّا،
يتكلّم
بالفرنسيّة
ويفكّر بها،
ويدين
بالولاء
للغرب لا
لأمّة
الإسلام
كما كان
بورقيبة
وأتباعه؟
وقبل ذلك
علينا أن
نسأل عن أهمّ
مقومات
الخطّة
التي
انتهجها
بورقيبة
لخلق تونسي
جديد كادت
تعصف به
رياح فرنسا،
لولا تدخل
العديد من
العوامل
لإنقاذه،
وقد أشرنا
سابقا إلى
بعضها.
وقبل أن
نتطرق إلى
هذه النقاط
نشير إلى
الخيط
الرفيع
الرابط بين
الشخصيّة
التونسيّة
في
التسعينيات
والمشروع
البورقيبي،
الذي انطلق
رسميّا سنة
1956. ونؤكّد أنّ
المشروع
البورقيبي
لا يمكن أن
نقومه
تقويما
صحيحا إلاّ
برحيل
صاحبه،
فبرحيله
أغلقت دفتا
الكتاب،
وأصبح
المشروع
قابلا
للنقاش. إذا
فشخصيّة
التسعينيات
هي بالأساس
من نتاج
المشروع
البورقيبي،
وإن كانت
أزمة
التسعينيات
تعتبر
امتدادا له.
على
صهوة
الجواد
دخل بورقيبة
تونس على
صهوة جواد،
أعدّ له منذ
سنوات،
وسبق
الجموع
يلوح بيديه
إلى
المتعطشين
من أبناء
هذا الشعب
الذي عانى
من ويلات
الاستعمار.
أجمع الكلّ
على ألاّ
بديل عن
بورقيبة
حتّى
الرافضين
من
اليوسفيين
والزيتونيين،
لأنّ
بورقيبة
بيده الحلّ
والربط..
بورقيبة
بيده الحزب،
حزب
التحرير
والنضال،
الذي
أوجدته
المؤسسة
الدينيّة
حاميّة
هويّة
البلد أقصد
"الزيتونة"،
وسرعان ما
انقلب
بورقيبة
العلماني
على الشيخ
المؤسس عبد
العزيز
الثعالبي.
كان بورقيبة
يشكّل
الإجماع
الحقيقي
بدون ريب،
لأنّه لم
يتردد لحظة
في نزع سلاح
المقاومة،
ولم يتردد
لحظة واحدة
في محاربة
من شقّ عصا
الطاعة من
اليوسفيين،
ولم يتردد
لحظة واحدة
في الولاء
لفرنسا. لم
يتردد لحظة
واحدة في
الجزم على
أنّه
المجاهد
الأكبر، لم
يتردد لحظة
واحدة في
محاربة
اليسار ثمّ
الإسلاميين.
غرس بورقيبة
في الأذهان
أنّه بطل
التحرير،
وأنّه بطل
الجلاء،
ففرنسا
كانت ستخرج
من بنزرت لا
محالة وفي
أسرع وقت
ممكن.
بطل
الجلاء
قرر بورقيبة
المجاهد
الأكبر أن
تتحرر
بنزرت
ليحتفل بعد
ذلك بعيد
الجلاء،
فهل كان
الشعب فعلا
في حاجة إلى
تلك
المعركة،
أم أنّ
بورقيبة
كان في حاجة
أكثر لها.
فمن أهمّ
الأسباب
الدافعة
لمعركة
بنزرت:
- دحض حجّة من
قال إنّ
بورقيبة
مجاهد قلم
وخطب.
- التخلص من
الذين
رفضوا
تسليم
أسلحتهم
بحجّة أنّ
المعركة لم
تنته بعد صدّ
فرنسا وفتح
جبهة لهم
تقدم لهم
الشهادة،
التي حرمهم
منها
بورقيبة
بالتفاوض
مع فرنسا
على الخروج
السلمي من
تونس.
- بعث رسالة
إلى الجميع
مفادها أنّ
بورقيبة "الأب"
الذي يجازي
ولده
المحسن
يعاقب ولده
المسيء
بدون رحمة.
ومع ما ذكرنا
من أسباب
وجيهة يمكن
أن نشير إلى
أنّ الظرف
كان كذلك
وراء
الحادثة
وداعما
لتلك
الأسباب
ولاعبا
أساسيّا في
أبعادها،
ومن نقاط
هذا الظرف:
- تصلب
المعارضة
اليوسفيّة
بالخارج
بمساعدة
مصر
الناصريّة.
- تلويح منظمة
عدم
الانحياز
برفت تونس
من عضويتها
بسبب
سياستها
الخارجيّة
التي
اعتبرت
كثيرة
الانحياز
للمعسكر
الغربي.
- التطورات
المتفاعلة
لحرب
التحرير
الجزائريّة
من جهة،
وللساحة
السياسيّة
الفرنسيّة
من جهة أخرى[4].
المدرسة
لم يكن
بورقيبة
رئيسا
لجمهوريّة
فتيّة فقط،
ولم يكن
كذلك زعيما
حربيّا
تقليديّا،
ولم يكن
مجرّد
محامي
ألمعي
استهلكت
نجوميته
ساحات
المحاكم.
لقد أكدت
التجربة
البورقيبيّة
الطويلة أنّ
الرجل
مفكّر بأتمّ
معنى
الكلمة.
وكان صاحب
مشروع
متكامل
يستهدف
الشخصيّة
التونسيّة،
ولا يمكن
التأكيد
على ذلك
تاريخيا
إلاّ من
خلال خطبه
العديدة،
وأعماله
المشهورة،
فالرجل كان
مدرسة.
التماهي
إنّك إذا
حاولت
استقراء
بورقيبة من
خلال فترة
حكمه، أو
استقراء
الدولة
الفتيّة
فكريّا
وعلميّا من
خلال
بورقيبة،
نجد أنّ
بورقيبة
كان يريد
التماهي
بينه وبين
الوطن
والشعب،
ولا مجال في
تونس
للزيتونيين
ولليوسفيين
ولليسار،
ولا مجال
بعد ذلك
للإسلاميين.
كان بورقيبة
يعي جيّدا
أنّ مشروعه
الأساس "التونسي"،
فعليه ركّز،
وإليه اتجه،
وبالحديد
والنار
قاوم كلّ من
أراد أن يقف
بينه وبين
هذا
المشروع.
كان
بورقيبة
يعتبر كلّ
التونسيين
أبناء
للحزب، وهو
الحزب، وهو
تونس، ومن
ينتمي إلى
الحزب فهو
ينتمي إلى
بورقيبة
رأسا. قال
بورقيبة: "لقد
أردت أن
تكون هذه
المعركة
مثل
المعارك
الأخرى
التي
سبقتها... وأن
يكون
المذهب
الذي نتخذه
شعارا فيها
هوّ ما أحب
أن أسميه
مذهب الحزب
الدستوري
الجديد،
والذي سمي
في الخارج
بالمذهب
البورقيبي
تماشيّا
ونزعة حبّ
الأشخاص،
والتسميتان
لا تختلفان
مع بعضهما
لأنّي
والحزب
واحد[5] .
معالم
البورقيبيّة
ترتكز
البورقيبيّة
بعد
الاستقراء
النسبي على
المعالم
التاليّة:
1- نظريّة
الأمّة
التونسيّة:
لقد اتجه
بورقيبة
رأسا إلى
التونسي في
صلب
انتمائه
العربي
والإسلامي،
وألقى به في
زنزانة
العزلة،
بدعوى
التميّز.
وأخرج
مصطلح
الأمّة
الجامع
المانع من
مدلوله
المتعارف
عليه،
وأسقطه على
الشخصيّة
التونسيّة،
ليزيد في
عزلتها، كي
لا تتأثّر
ولا تؤثّر
فيما حولها.
إنّ
الشخصيّة
الوطنيّة
وإن تميزت
فهي لا تعدو
أن تكون جزء
فعّالا من
الأمّة
الأم، وهي
لا يمكن أن
تكون أمّة
على الأقلّ
من المنظور
الفكري
العربي
الإسلامي.
أمّا الذين
تربّوا في
الغرب فهم
تشبعوا
بروح فرنسا
الأمّة
وإنجلترا
الأمّة.
لقد كان
مشروع
الدولة
الوطنيّة
يسير جنبا
إلى جنب مع
مشروع
الأمّة
التونسيّة،
ولقد أوجد
الحزب
منظرين
لهذه
الإيديولوجيا،
وشراح
لفلسفة
بورقيبة،
كان من
أبرزهم
محمد مزالي
والبشير بن
سلامة [6].
وكان من أكثر
طروحاتهم
خطورة
اعتبار
الزعيم
حافظا
لكيان "الأمّة"،
لا مجرّد
رئيس
جمهوريّة،
تنتهي
ولايته بعد
خمس سنوات،
وربما
ينتخب
لولاية
أخرى فقط ثم
يكرّم
ويرحل،
ويحفظ حقّه
التاريخي
في الكتب
والصدور
ومتحف
باردو. يقول
البشير بن
سلامة "من
هنا فإنّ
الزعيم هو
الذي يحفظ
كيان
الأمّة
وليس
الدولة"[7] .
2- اعتبار
المعارضة
السياسيّة
خارجة عن
الأمّة،
وبالتالي
يحقّ
للزعيم
حامي "الأمّة"
التصدّي
لها
بالحديد
والنار.
يقول عدنان
المنصر "يتضح
لنا بُعد
هام من
أبعاد
نظريّة
الأمّة
التونسيّة
في علاقتها
ببرامج
الدولة
الوطنيّة،
كما اتضحت
لدى منظري
ذلك
المفهوم،
فالدولة
الوطنيّة
إنما تضع
نفسها في
مسار
البناء
والإنشاء
والمدنيّة
والحضارة،
في حين أنّ
جميع
الأخطار
الداخليّة
التي تسعى
لتقويض
مجهودها لا
يمكن إلاّ
أن تكون من
إحياءات
روح
التهديم
والتخريب[8].
3- اعتبار
تونس أمّة
قائمة
الذات
كباقي
الأمم،
وبالتالي
فصلها عن
الأمّة
العربيّة
والإسلاميّة،
وهذا الفصل
يدفعها
مختارة إلى
أحضان
فرنسا،
بدعوى
البعد
المتوسطي.
ولقد نظر
للمتوسطيّة
كثيرا
ولكنها ما
تلبث أن
تفشل أمام
عدم
استيعاب
التونسي
لهذا الفصل
العنيف عن
كيانه
العاطفي
والروحي
والديني،
والزجّ به
في كيان لا
تربطه به
إلاّ
المصلحة،
بل يربطه به
تاريخ من
العداء،
آخره
الاستعمار
المباشر.
والغريب أنّ
شراح فلسفة
بورقيبة
يعتبرون أنّ
"الأمّة"
هي من نتاج
الحزب
الدستوري
الجديد،
تأسست يوم
تأسس، على
حدّ تعبير
البشير بن
سلامة [9].
ويتساءل
محمد مزالي
"إذا كانت
أمتنا
التونسيّة
أمّة بأتمّ
معنى
الكلمة فما
هي خصائصها
وما هي
مقوماتها" [10].
ويقول أيضا:
"إنّ
وحدتنا
القوميّة
تقتضي منّا
الإيمان
بأننا أمّة
قبل كل شيء [11].
ويضيف: "هذا
هوّ الأهمّ
إنّي أعتقد
أنّ تونس
كبلاد لها
كيانها منذ
زمن طويل،
رغم أنّ وعي
شعبها بأنه
أمّة يختلف
حدّة
ووضوحا عبر
العصور [12].
2-
الزعامة
والإمامة
كان بورقيبة
زعيما،
وكانت كلّ
مقومات
الزعامة
حاضرة في
شخصيّته،
دون كبير
عناء، فقد
كان الرجل
ذكيّا إلى
أبعد
الحدود،
ومازال
يذكر بقايا
"الزيتونيين"
كيف كان
يتلاعب
بأفكارهم
وآرائهم
متى شاء،
ومن الأبيض
إلى الأسود،
ولم يكن
الزيتونيون
أغبياء،
ولكن الرجل
كان من دهاة
العرب.. لقد
قابله "
الزيتونيون"
مرّة في
بيته
ليحتجوا
عليه إثر
تصريحه
لجريدة
فرنسيّة
بأنّه يريد
إنشاء دولة
لائكيّة في
تونس، فخرج
لهم
بورقيبة
تقطر
أطرافه من
ماء الوضوء،
فتهامس
القوم بأنّ
الرجل مسلم،
وربما نكون
قد ظلمناه،
وبعد أن
استمع إلى
احتجاجهم
أخبرهم
بأنّه كان
من العبث
وعدم
الحنكة
السياسيّة
أن يصرّح
للجمهور
الفرنسي
وللحكومة
الاستعمارية
بأنّه يريد
إقامة دولة
إسلاميّة
في تونس،
تهدد أمن
واستقرار
ولائكيّة
ومسيحيّة
فرنسا،
وبعد أن
قرّعهم
ولامهم عن
شكّهم في
إخلاصه
ووطنيته
ودينه طلب
منهم وهم
علماء
البلد "أهل
الحلّ
والعقد" أن
يعفوه من
مهمّة
تمثيل تونس
أمام فرنسا
وباقي
المحافل
الدوليّة،
فكان أن ضجّ
القوم
وصدموا
وعزموا
عليه أن
يتولّى
الصدارة،
وبالتالي
أمر
التفاوض[13].
كان الرجل
يواصل شحن
التونسي
المرّة تلو
المرّة
ببطولاته،
حتّى لا
يتجرأ
التونسي
مرّة بدعوى
النسيان
على الزعيم
البطل،
فخطبه لا
تخلو من ذكر
المعتقلات
والسجون
والمنافي.
وممّا ذكر: "وكان
أوّل هجوم
عليّ
بواسطة
القوّة
الغاشمة في
المنستير
يوم 03 سبتمبر
1934، وكان
منفاي في
برج
القصيرة،
ووقع بعد
ذلك ما وقع
في أشهر
سبتمبر
وأكتوبر
ونوفمبر،
وغدونا
نتنقل من
منفى إلى
منفى ومن
قرية إلى
أخرى في قلب
الصحراء[14].
كان للرجل
قدرة عجيبة
على مسك
العصا من
الوسط. ففي
حين قرّب
الكثير من "الدستوريين"
قاد العديد
من
المنشقين "اليوسفيين"
إلى الموت
والسجون
بعصا من
حديد. وحين
انقلب عليه
الشعب في
ثورة "الخبز"
في
الثمانينيات
استطاع
الرجل
بخطاب وجيز
أن يرجع
الشعب إلى
الشوارع
ليهتفوا
باسمه "يحيا
بورقيبة".
وكان الرجل
مهووسا "بجنون
العظمة"
كأغلب
زعماء
القرن
العشرين،
وكان يرى في
بناء
القصور
إحدى
علاقات
الزعامة
وبهرجتها
وهيبتها،
رغم أنّ
الشعب
يعاني من
الفقر
والخصاصة.
كان الزعيم
يروّج
لفكرة أنّ
بناء
القصور
الفخمة لم
يكن لإرضاء
غروره بل
لتونس، لأنّ
بورقيبة هو
وجه تونس
أمام
الآخرين.
يقول
بورقيبة في
خطاب 18 جانفي
(يناير) 1963 إثر
المحاولة
الانقلابية،
التي كادت
تؤدّي
برأسه،
متهما
الشيوعيين
بالمشاركة
فيها "إنّهم
يستعيضون
عنها ببثّ
السموم في
الأفكار
مبتدئين
بالقصور
التي
يشيدها
بورقيبة،
فما معنى
هذا الكلام،
هل معناه
أنّي
استبحت
أموال
الشعب
والشعب
مازال جانب
منه يسكن
الأكواخ...
ويعلم الله
أنّي لم أعد
أملك ولو
شبرا من
الأرض حتّى
في
المنستير
التي هيّ
مسقط رأسي،
فقد أعطيت
كلّ ما
كسبته،
فأنا قد
أعطيت لحمي
ودمي
وعصارة
دماغي، فما
قيمة ضيعة
أو أرض أو
زيتون أو
دار،
بالقياس
لما قدمته
من تضحيات[15] .
إنّ هذه
الزعامة قد
أدخلت تحت
جبتها
المنبهرين
بها، وخوفت
وروعت
بسياطها
المتآمرين
عليها، إلاّ
أنّه ليست
لها السطوة
على القلوب
المؤمنة
بدينها
وهويتها،
فمشروع
بورقيبة
يهدف إلى
إحلال روح
لائكيّة في
الجسد
التونسي،
والزعامة
لا مكان لها
في قلب من
كان
تونسيّا
بأتمّ معنى
الكلمة
وأقصد
بالزعامة
هنا
الزعامة
المنافيّة
للروح
الدينيّة
المتأصّلة
في
الشخصيّة
التونسيّة،
لأن
التونسيّ
كان دوما
ملتصقا
بزعامته
الدينيّة
من قبل
سحنون إلى
ما بعد
الشيخ
عبدالعزيز
الثعالبي.
قدم الزعيم
بورقيبة
نفسه كذلك
إماما
شرعيّا
يأمر فيطاع،
ويجوز له
كذلك
الإفتاء
الشرعي.
يقول
بوقيبة: "وللإمام
في الإسلام
منزلة
عظيمة، تجب
طاعته
فتقرن
بطاعة الله
ورسوله"[16].
ولقد رأينا
كيف أنّ
بورقيبة
استغلّ
الإمامة
لضرب
الإسلام في
الصميم يوم
أعلن دعوته
الصريحة
للإفطار في
رمضان،
وترك
الأضحيّة
والحجّ [17].
لقد استفزّ
بورقيبة
مشاعر
التونسيين،
حين عمد إلى
شرب كأس
عصير في شهر
رمضان
أثناء
خطابه [18]
لقد شاع في
أوساط
كثيرة
خطورة هذا
الرجل
وجرأته على
الدين من
داخل جبّة
الإسلام،
إذ لم يكن
الرجل إلاّ
محاربا
للإسلام
بسيف
الإسلام
ففي مجتمع
مسلم لن
تستطيع
إخراجه من
دينه بكفرك
مهما كنت في
الزعامة
عملاقا،
لكن من داخل
الدين
فبمجرّد أن
تلقى
الشكوك في
قلوب
أبنائك
والمنبهرين
بك وبخطابك،
فقد حققت
غرضك ووفيت
الكيل.
لقد كانت
النخبة
كذلك على
قلق كبير،
فكيف يمكن
أن يقود هذا
البلد
المسلم رجل
مشكوك في
إيمانه،
مطعون في
دينه. قال
وزير
الخارجيّة
الأسبق
محمد
المصمودي
لبورقيبة
بينما كانا
على متن
الطائرة في
اتجاه
المملكة
العربيّة
السعوديّة
لملاقاة
الملك عبد
العزيز آل
سعود سنة 1951
قصد
التحسيس
بالقضيّة
التونسيّة،
قال له
سيّدي
الرئيس. "إنّ
الناس
يتساءلون
إن كنت
مؤمنا
بالله أم لا،
ونحن لم
نفهم حقيقة
اعتقادك
وموقفك".
صمت
بورقيبة
لحظة . ونظر
إلى
المصمودي
نظرة ثاقبة
ثمّ أجابه.
- على كلّ حال
فإنّ الله
سيدخلني
الجنّة.
ابتسم
المصمودي
ابتسامة
ساخرة لأنه
أدرك أنّ
بورقيبة لم
يجبه على
سؤاله.. ألقى
عليه
السؤال
ثانيّة
مصرّا على
اقتلاع
جواب منه
فقال له
بورقيبة: في
بعض
الأحيان
أنا مؤمن
وفي أحيان
أخرى
ينتابني
الشكّ...
وتتوالى في
ذهني
الأسئلة
الوجوديّة.
أعاد
المصمودي
طرح السؤال
على
بورقيبة
بصيغة أخرى:
- والآن هل
أنت مؤمن
سيّدي؟
فأجابه
بورقيبة.
- نعم فأنا
ذاهب إلى
مكّة
المكرمة[19]
إلاّ أنّ
الزعيم كان
كثيرا ما
يتراجع عن
مواقفه
الجريئة
كلما أحسّ
بالخطر
يداهمه. كان
الرجل
يركّز بكلّ
حنكة على
إحداث
صدمات في
شخصيّة
التونسي،
حتّى
يجعلها
مهتزّة مع
الوقت،
ولكن أمام
ثبات
الشخصيّة
التونسيّة
الضاربة
جذورها في "التربة
المحمديّة"
ما كان من
الرجل إلاّ
التراجع
بكلّ ذكاء
خرافي،
ودهاء
أسطوري،
حتّى تنتهي
العاصفة،
لأنّه يعلم
أنّ
التونسي "طيّب"
بطبع
الخلقة.
سبق الإعلان
عن مجلّة
الأحوال
الشخصيّة
في 13 أوت آب) 1956
جدل واسع في
الأوساط
السياسيّة
والدينيّة،
باعتبار ما
حوته من
بنود غير
معهودة في
ضمير
التونسي.
ولمّا رأى
شيخ
الإسلام (مفتي
الديار
التونسيّة
كما أصبح
يسمّى فيما
بعد) الشيخ
محمد عزيز
جعيط ما في
المجلّة من
جرأة لن
يتقبلها
عامّة
المسلمين
بيسر،
اقترح على
بورقيبة
الذي كان
يتحاور معه
باستمرار
حينذاك، أن -
يتولّى – أي
الشيخ
جعيّط –
إلقاء
سلسلة من
الخطب
التمهيديّة
التي تهيئ
الأذهان
لتقبّل
التشريع
الجديد،
دون ردّة
فعل عنيفة.
لم يفكّر
بورقيبة
طويلا
وأجاب
الشيخ
بقوله: دعك
من الخطب
والفتاوى
إنني أريد
الإعلان عن
المجلّة
كما هي
لأحدث
الصدمة
النفسيّة [20]
ومارس
بورقيبة
فعل الصدمة
في الرواية
قبل
السابقة،
أي إنه
تناول كوب
العصير في
رمضان،
وقصد إيقاع
الصدمة في
نفسيّة
التونسي: في
شهر فيفري (شباط)
سنة 1960 وقد
وافق ذلك
الشهر
رمضان وقف
بورقيبة
خطيبا في
قاعة
البلمريوم
بالعاصمة
تونس، ودعا
الناس إلى
إفطار
رمضان،
حتّى
يتمكّنوا
من القيام
بأعباء
الجهاد
الأكبر وهو
مقاومة
التخلّف...
فشرب كأس
عصير أمام
دهشة
الحاضرين [21].
كان بورقيبة
حريصا كلّ
الحرص على
معالجة ما
يراه
إشكالات
بطريقة
الصدمة
المباشرة،
لاعتقاده
أنّ "العلاج"
قطرة قطرة
لا يجدي في
تغيير
عقليات
وعقائد
الشعوب،
ولكن الرجل
كان من
الحنكة
بحيث كثيرا
ما سارع إلى
النكوص
والتخفيف
من الصدمة
التي تورّط
فيها.
|