|
محمد
فوراتي
شهدت
الساحة
التونسية
في الأشهر
الأخيرة
موجة من
الاضرابات
والاعتصامات،
التي اكتست
طابعا
نقابيا
وسياسيا.
ولأول مرة
منذ سنوات
طويلة من "السلم
الاجتماعي"،
و"الهدوء
السياسي"،
تدخل
الحكومة في
معركة
مفتوحة مع
أنشط
القطاعات
الفاعلة في
المجتمع،
مما يكشف عن
حالة من
القلق
الاجتماعي
والسياسي
في الشارع
التونسي.
فقد
شملت
التحركات
الأخيرة
المحامين
والمعلمين
وأساتذة
التعليم
الثانوي
وأعوان
الصحة
والحقوقيين
والمعارضة
ممثلة في
هيئة 18
أكتوبر
للحقوق
والحريات
والمبادرة
الديمقراطية
- الائتلاف
الديمقراطي.
كما شمل
التوتر بين
الحكومة
وقطاعات
المجتمع
الرابطة
التونسية
للدفاع عن
حقوق
الإنسان،
بمنع
مؤتمرها
السادس،
وبلغ الأمر
ذروته مع
اتهام
الرابطة
لإدارة
السجون "بتدنيس
المصحف
الشريف"،
والرد
القاسي من
الحكومة،
التي اتهمت
الرابطة
باللعب
بالنار،
وإيقاف علي
بن سالم
رئيس فرع
بنزرت
للرابطة،
الذي أخضع
للتحقيق
بتهمة
ترويج
أخبار
زائفة من
شأنها
تعكير صفو
النظام
العام. كما
شمل التوتر
كذلك فرع
تونس
لمنظمة
العفو
الدولية
وجمعية
النساء
الديمقراطيات،
التي
منعتها
السلطات من
تنظيم
مؤتمرها في
فضاء عام.
التخوين
وكان
ردّ السلطة
على مختلف
هذه
التحركات
متصلبا، إذ
رفضت
الحوار،
واتهمت
مجمل هذه
الأطراف
بالعمل
خارج
القانون،
وتسييس
النقابات.
ووصلت هذه
الاتهامات
حدّ
التخوين
ونفي
الوطنية عن
الهيئات
النقابية
والأحزاب
السياسية.
واستعملت
الحكومة
الصحافة
المكتوبة
والمرئية
والمسموعة
لتشن حملة
إعلامية ضدّ
كل هذه
الأطراف،
التي هدد
بعضها علنا
بالتصعيد.
فالسيد
بشير
التكاري
وزير العدل
وحقوق
الإنسان
واجه
تحركات
الهيئة
الوطنية
للمحامين،
التي تحتج
على بعث
المعهد
الأعلى
للمحاماة
من جانب
واحد
بإجراءات
أمنية
مشددة،
ومحاصرة
قصر
العدالة.
وذهب
الوزير إلى
حد القول إن
" هيئة
المحامين
تساهم في
عودة
الاستعمار
للبلاد".
وهو الأمر
الذي
استدعى
ردّا حازما
من العميد
عبد الستار
بن موسى،
الذي عقد
ندوة صحفية
للردّ على
هذه التهم،
قائلا إن "
المحامين
هم أكثر
وطنية ممن
يحرص على
التطبيع
واستدعاء
الأعداء
إلى أرض
الوطن"، في
إشارة إلى
استدعاء
الإسرائيليين
لزيارة
تونس.
وأصبحت
علاقة
الهيئة
الوطنية
للمحامين،
التي تمثل
حوالي خمسة
آلاف محام
بوزارة
العدل شبه
مقطوعة،
وهو ما جعل
ابن موسى
يدعو
الرئيس ابن
علي إلى
التدخل
وإقامة
جلسة حوار
مع الوزير
الأول.
أما
المعلمون
والأساتذة
وعددهم
يتجاوز 120
ألفا، فقد
اتهمتهم
الصحافة
اليومية
بمختلف
التهم
الجارحة،
ووصل الأمر
أيضا إلى حد
التخوين.
ولمّحت
وزارة
التربية في
الرد على
الاضرابات
المتتالية
لرجال
التعليم،
والتي حققت
نجاحا
منقطع
النظير وصل
إلى أكثر من 80%،
إلى أن
نقابة
التعليم
الأساسي
ونقابة
التعليم
الثانوي
يمارسان
التصعيد
السياسي،
وأن
المطالب
المهنية
المرفوعة
ليست إلا
غطاء
لأهداف
سياسية غير
معلنة.
وشملت
التهم
الموجهة
للمعلمين "اتخاذ
التلاميذ
رهائن،
وتدمير
التعليم"،
وهو ما
استدعى
ردودا
حازمة من
نقابات
التعليم.
وقد
أطلق السيد
منصف
الزاهي
الكاتب
العام
لنقابة
المعلمين
النار على
الوزارة
قائلا إن "المعلمين
هم آخر من
يُتهم في
وطنيته. فهم
أول من حارب
الاستعمار،
ومنهم من
سقط شهيدا.
وهم من بنى
الدولة
الوطنية،
وتخرّج على
يدهم كل
رجالات
الدولة.
ولكنهم
وجدوا
أنفسهم في
أسفل السلم".
وأضاف
الزاهي أن
الوزارة
بهذه
الحملة
السخيفة لا
تؤكد إلا
رفضها
للحوار،
ومعاداتها
لرجال
التعليم.
وهو
نفس الموقف
الذي اتخذه
الأستاذ
الشاذلي
قاري،
الكاتب
العام
لنقابة
التعليم
الثانوي،
الذي هاجم
بدوره
وزارة
التربية
ومن ورائها
الحكومة،
طالبا
بإجراء
مناظرة
تلفزية مع
الوزير
للرد على
هذه التهم
الخطيرة.
وقال قاري
إن التخوين
والتشكيك
في وطنية
الأساتذة
والمعلمين
أتى بنتيجة
عكسية، حيث
حقق
الإضراب
الثاني
للمعلمين
وكذلك
الأساتذة
نجاحا أكثر
من الإضراب
الأول.
فالإضراب
الأول
للمعلمين
في 11 أيار/مايو
نجح بنسبة 75%،
أما
الإضراب
الثاني
الذي خاضه
المعلمون
في 7 حزيران/جوان
فقد نجح
بأكثر من 88%.
أما أساتذة
التعليم
الثانوي
فقد حقق
إضرابهم
يوم 19 ابريل
نسبة نجاح
وصلت إلى 80%،
وارتفعت
النسبة إلى
أكثر من 85%
في الإضراب
الثاني
ليوم 18 أيار/مايو.
وتكشف
نسب ارتفاع
الإضراب
الثاني عن
فشل ذريع
لوزارة
التربية في
حملتها
الإعلامية،
التي أتت
بنتائج
عكسية. وجاء
قرار نقابة
الثانوي
بالاعتصام
أمام
الإدارات
الجهوية
للتعليم
ليؤكد غضب
هذا القطاع
من تصرفات
وزارة
التربية،
ومحاولتها
التسويف
والمماطلة
والاستهانة
بالمطالب
النقابية
لرجال
التعليم.
ولأول مرة
يتوجه مئات
المدرسين
للاعتصام،
وتبليغ
رسائل
احتجاج في
مختلف
ولايات
الجمهورية،
وهو ما
استدعى
تدخلا
أمنيا
كبيرا، تم
بموجبه
محاصرة
مختلف
إدارات
التعليم.
ولم
يستبعد
المعلمون
خوض أشكال
جديدة من
الاحتجاجات،
إذا واصلت
وزارة
التربية صم
أذنها عن
مطالبهم.
وآخر ما ورد
من ردود
الحكومة
على هذه
الموجة من
الإضرابات
قول السيد
عبد العزيز
بن ضياء في "منبر
حوار" في
لجنة
التنسيق
التابعة
للحزب
الحاكم في
باردو "إن
الإضرابات
التي نفذت
لم تتجاوز
الأربعة
الأيام
طيلة السنة،
وهو أمر لا
يمكن له أن
يخل
بالتدريس،
كما إن كل
البرامج
الدراسية
تم استكمال
تدريسها في
الموعد
المحدد لها".
وقال
إن عدد
ساعات
الإضرابات
لم يتجاوز
عدد ساعات
الإضراب في
السنوات
السابقة".
(صحيفة
الشروق
الصادرة في 10
جوان 2006). ولم
يتضمن رد
السيد ابن
ضياء على
المعلمين
والأساتذة
أي حديث عن
مطالبهم
ومشروعيتها.
وهو ما جعل
البعض يصف
هذا الرد
بتحقير
رجال
التعليم،
فمادام عدد
ساعات
الإضراب لا
يخل
بالتدريس،
فالأمر
بسيط ولا
يستدعي
الاستماع
إلى مطالب
أهم
القطاعات
المهنية
التونسية،
متسائلين
هل يجب على
رجال
التعليم أن
يضربوا نصف
سنة حتى يقع
الاستماع
إلى
مشاغلهم؟
أما
أعوان
الصحة
العمومية
وعددهم
حوالي 50 ألف
عون، فقد
حقق
إضرابهم
ليوم 31 أيار/مايو
نجاحا
منقطع
النظير بلغ 95%.
ولم يكن ردّ
الحكومة
مقنعا، حيث
وقع
الاعتداء
بالعنف على
لابسي الزي
الأبيض في
العديد من
الولايات
من قبل
الأمن
وأعضاء
الشعب
الدستورية.
وقللت
وزارة
الصحة من
نجاح
الإضراب،
وقالت في
بلاغ رسمي
إن
المستشفيات
شهدت يوم
الإضراب
سيرا
طبيعيا. كما
رفع
الأطباء
الجامعيون
الشارة
الحمراء
منبهين إلى
خطورة
تدهور
الأوضاع
بالقطاع
الصحي.
ولم
يكن نصيب
الرابطة
وهيئة 18
أكتوبر
للحقوق
والحريات
هينا من
الحملات
الإعلامية،
حيث كانت
تهمة
الاستقواء
بالأجنبي
جاهزة.
فتحالف 18
أكتوبر
الذي يضم
خمسة أحزاب
سياسية (الديمقراطي
التقدمي
والتكتل
والمؤتمر
والنهضة
وحزب
العمال)
بالإضافة
إلى تيار
الوحدويين
الناصريين
والمستقلين
والنقابيين
رمت بهم
السلطة
بجرة قلم في
أتون
التخوين.
وهذه
التهمة
السهلة على
الأقلام
الموالية
فقدت
بتكرارها
كل مصداقية
لدى
الملاحظين،
لأنها وجهت
إلى أكثر
النقابات
والأحزاب
شعبية، في
الوقت الذي
يخسر فيه
الحزب
الحاكم كل
يوم
منخرطيه.
وليس خافيا
أن بعض شعب
الحزب
الحاكم
عجزت السنة
الماضية عن
عقد
مؤتمراتها
بسبب إحجام
المنخرطين
السابقين
عن تجديد
انخراطاتهم.
وتفقد هذه
التهم
مصداقيتها
أيضا لأن
هذه
الأطراف هي
من قام
بالاحتجاجات،
ونظم
المسيرات،
احتجاجا
على دعوة
رئيس
الوزراء
الإسرائيلي
السابق
آرائيل
شارون إلى
قمة
المعلومات،
ثم مشاركة
الوفد
الصهيوني
في هذه
القمة،
وكذلك مسار
التطبيع
السري
والعلني.
وللتذكير
فإن
الأحزاب
المكونة
لتحالف 18
أكتوبر هي
أكثر
الأطراف،
التي مارست
الاحتجاج
ضد التطبيع.
كما أن رجال
التعليم
نظموا
إضرابا
ناجحا يوم 10
نوفمبر 2005
قبل القمة.
ودعت هيئة
المحامين
إلى إضراب
مماث،ل
فقررت
الحكومة
يومها غلق
المحاكم،
ومنحت جهاز
القضاء
عطلة
إجبارية،
لإفشال
إضراب
المحامين.
فكيف يمكن
تصديق تهم
التخوين
لقطاعات
بهذا
النشاط
والوطنية؟
مطالب
مهنية
وسياسية
انحصرت
مطالب
القطاعين
السياسي
والنقابي
في مطالب
مهنية
وسياسية لم
تتجاوز
حدود
المعقول.
وقد عبرت
هيئة 18
أكتوبر
للحقوق
والحريات
باختزال عن
مجمل ما
يختلج في
المجتمع
بمطالبتها
بالعفو
التشريعي
العام
وحرية
التنظم
وحرية
الإعلام.
ولا يمكن
لعاقل أن
يقول إن هذه
المطالب
تعجيزية أو
دعوة
للأجنبي
للتدخل في
الشؤون
التونسية؟
وكان يمكن
للحكومة أن
تحقق بعضها
أو مجملها
بقرار
سياسي ينهي
كل هذا
الجدل.
أما
المطالب
النقابية،
التي ألقى
بها
الموظفون
والعمال
فهي لا
تتعدى
تحقيق
مكاسب
مادية،
تناسب غلاء
الأسعار،
وتدهور
المقدرة
الشرائية،
واحترام
الحق
النقابي،
وعدم تهميش
قطاعات
المجتمع،
وتشريكها
في
القرارات
المصيرية؟
وكان ردّ
الحكومة
على
المطالب
المادية
واحدا وهو
أن البلاد
تمر بمرحلة
اقتصادية
حرجة، وهو
الردّ الذي
صار مصدر
تهكّم،
مثلما قالت
بذلك نقابة
المعلمين،
التي تساءل
كاتبها
العام في
اجتماع
شعبي أين
نصيبنا من
المعجزة
الاقتصادية
التي ظلت
الحكومة
تفاخر بها
طيلة سنوات؟
لا
يمكن بحال
من الأحوال
أن يستهين
أحد
بالحركات
الاحتجاجية
الأخيرة،
التي شملت
أهم
القطاعات
المهنية،
وألتفت
حولها أهم
القوى
السياسية
بالبلاد.
ولكن
الحكومة
التي تدرك
جيّدا
مستوى
القلق
الاجتماعي
والسياسي،
الذي سرى في
البلاد،
فضلت
التعامل
بصوت واحد
مع الجميع.
هذا الصوت
لا وجود
للحكمة فيه،
لأن كل ما
يصدر عن
المعارضة
أو
النقابات
أو
الجمعيات
المستقلة
مرفوض،
فالجميع
يصطاد في
الماء
العكر،
والحقيقة
مصدرها
واحد وهو
بيد
السلطان،
الذي لا
يخطئ. وإن
كانت هناك
أخطاء فهي
فردية ولا
تستدعي كل
هذا الصراخ.
ويكشف
رد الحكومة،
الذي جاء
بنوعين فقط
أحدهما
أمني
والآخر
إعلامي
تشويهي، عن
ضعف وقلة
ثقة وخوف من
المجهول.
فقد لاحظ
المتابعون
خلال سنة
كاملة أن
ردود فعل
الحكومة
على مطالب
المجتمع
المدني
وقواه
الحية لم
تكن سياسية،
بل كانت فقط
عبر الصحف
الصفراء
والأقلام
المسمومة
والمعالجة
الأمنية.
وكان
الأجدر،
كما يرى
مراقبون،
أن تذهب
الحكومة
للتحاور
وإيجاد
حلول
للمشاكل
المتفاقمة،
والمطالب
التي ترفع
هنا وهناك.
وحتى
المبادرة
الرئاسية
بتكليف
السيد
زكرياء بن
مصطفى
بالاستماع
إلى
الأحزاب
والمنظمات
الوطنية لم
يؤد إلى أي
نتيجة، بل
إن ما وصل
رئيس
الهيئة
العليا
لحقوق
الإنسان من
مطالب
وتشكيات لم
تجد إلى
اليوم
طريقها
للمعالجة
والاستماع،
رغم مرور
أشهر على
هذا
التكليف.
وهو ما يعمق
الاقتناع
لدى قوى
المجتمع
بأن مثل هذه
المبادرات
تولد ميتة
دائما،
لأنها لا
تؤدي إلى
نتيجة. وحتى
الأحزاب "الديكورية"
الغارقة في
صراعاتها
الداخلية
فإن بعض
مطالبها،
التي
تعلنها من
حين لآخر لا
يقع
الاستماع
لها، مما
يعمق
الاستنتاج
بأنها
أحزاب
للديكور
فقط.
ومهما
يكن رد
الحكومة
على مطالب
المجتمع
المدني،
التي تظهر
أحيانا في
شكل بلاغات
رسمية، أو
عبر مقالات
غير موقعة
في الصحف،
فإنها تبدو
غير مقنعة.
فكيف يمكن
أن نضع في
سلة
المهملات
مطالب
قطاعي
الصحة
والتعليم
وهما معا
يمثلان أهم
القطاعات
النقابية؟
وكيف يمكن
أن تقنع
الحكومة
الرأي
العام بأن
الآلاف من
رجال
التعليم
والصحة
يلقون
بمطالب
تعجيزية
وسياسية،
في الوقت
الذي يشكو
فيه هؤلاء
من تدني
مقدرتهم
الشرائية
وسيطرة
الإدارة
على حياتهم؟
وكيف يمكن
لرجال
التعليم أن
يفهموا
وجهة نظر
وزارة
التربية أو
وزارة
التعليم
العالي وهي
تستبعدهم
من برامج
إصلاح
التعليم؟
وهو ما
يعتبر
تهميشا
لدورهم.
وكيف يمكن
التعامل مع
هيئة
المحامين
المنتخبة
بهذا
التبسيط
والاختزال،
وهي التي
سلكت لسنين
طويلة مسلك
الحوار
ولكنها لم
تجد إلا
التهميش.
ولماذا تصرّ
الحكومة
على وصف كل
المطالب،
التي تصدر
عن
المعارضة
بأنها
اصطياد في
الماء
العكر، رغم
أنها لا
تتجاوز
كونها
مطالب
إصلاحية؟
إن
تواصل
التعامل مع
مطالب
المجتمع
بهذه الصيغ
التقزيمية
والاستعلائية،
وتهميش
الأحزاب
والنقابات
والجمعيات،
لن يزيد
الحكومة
إلا عزلة.
كما إنه
سيجعل
البلاد
تسير نحو
الهاوية
على
المستويين
الاقتصادي
والسياسي،
وهو أمر لن
يفيد
الحكومة في
شيء. كما إنه
سيصيب
الشعب في
مقتل، وهو
الذي لا
يطلب إلا
العيش في
حضن تونس،
التي يجب أن
تكون لكلّ
التونسيين
|