بين يدي العدد الثامن عشر

العدد الثامن عشر
السنة الخامسة / جويلية - أوت 2006

جيش العصابات

آخر الفضائح الأمريكية في العراق "المحرر"، ولا يتوقع لها أن تكون الأخيرة، ما كشفه تقرير صحفي من أن الجيش الأمريكي يعتمد على عدد من أفراد العصابات الخطيرة في عملياته العسكرية في العراق، يقر المسؤولون العسكريون أن عددهم يتجاوز 200 عنصرا على الأقل. هذه الفضيحة لا تضيف شيئا جديدا ذا بال يمكن أن يشوه أكثر سمعة جيش الولايات المتحدة، فالجيش الأمريكي يوظف في العراق شركات أمنية متعددة الجنسيات، تضم عشرات الآلاف من المنتسبين، وهي شركات أشبه بالعصابات "القانونية" الضخمة، التي تحترف القتل، ويؤجر عناصرها عليه أموالا طائلة، تصل أكثر من 7 آلاف دولار في الأسبوع الواحد.

الجيش الأمريكي ذاته لم يعد سلوكه العسكري يبعد كثيرا عن سلوك العصابات، فأعمال الاختطاف واعتقال عشرات الآلاف من العراقيين، وأعمال التعذيب، التي تفجرت فضائحها الواحدة تلو الأخرى في سجن أبو غريب وباقي سجون العراق الكثيرة المتكاثرة، فضلا عن معتقل غوانتنامو، تكشف عن أن الجيش "الأخلاقي" قد تردى إلى ما هو شبيه بعمل العصابات، وآخر ما في الجعبة اغتصاب جنود أمريكيين عراقية وقتلها وعائلتها.. تماما كما يفعل عناصر العصابات..

كذلك الحال في القواعد العملية، لا النظرية، لإطلاق النار، وأعمال القصف للقرى والمدن العراقية والأفغانية، والفلوجة خير مثال على ذلك، باتت تثبت أن الجيش الأمريكي لا يلقي بالا للحياة الإنسانية للعراقيين، تماما مثل ما تفعل العصابات.

ليس غريبا أن يؤول حال الجيش الأمريكي في العراق وفي أفغانستان إلى حال شبيه بحال العصابات، فالتاريخ الأمريكي حافل بثقافة عنف أهوج أدت إلى إبادة الملايين من الهنود الحمر، حتى إن مؤرخين يؤكدون أن العاصمة الأمريكية واشنطن مقامة على مقبرة جماعية ضخمة للآلاف من الهنود الحمر.

بقايا التاريخ الأمريكي الدموي لم تضمحل بعد، فالرئيس الأمريكي جورج بوش كان يغترف من معين تلك الثقافة "الكوباوية" العتيدة حين أعلن أن زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن مطلوب حيا أو ميتا.. كذلك حين أعلن أن من لم يكن معنا فهو ضدنا.

حاول الجيش الأمريكي أن يصبغ عمله في العراق وأفغانستان في بداية احتلاله للبلدين بصبغة أخلاقية، لكن هذه الصبغة سرعان ما تكشفت عن حقيقة أخلاقية مفزعة.. فكلما تنامت المقاومة في البلدين تدهورت سمعة الجيش الأمريكي، وكثرت "أخطاؤه".. ففي الكثير من الحالات كان الجنود الأمريكيون يردون بإطلاق النار على المدنيين العزل، كلما تعرض أولئك الجنود لعبوة ناسفة، أو تفجير سيارة مفخخة في إحدى قوافلهم العسكرية، فيسقط العديد من المدنيين في كل حالة بين قتيل وجريح.

وفي حالات أخرى كثيرة يتعذر حصرها، كلما نجح المقاومون في الصمود في قراهم ومدنهم، أو كبدوا قوات الاحتلال خسائر موجعة، كلما زاد الجيش الأمريكي من وزن القنابل، التي كان يلقيها على مدن وقرى آهلة بالسكان المدنيين، مثلما كان يزيد من كثافة نيران صواريخه ومدافعه العملاقة، وليس مهما حياة الأبرياء المدنيين المحاصرين في تلك المدن والقرى.. ما هو أهم منه هو تحقيق الانتصار، أيا كان ثمنه، وأيا كانت النتائج في صفوف المدنيين.

منذ أن دخل الأمريكيون العراق تحول هذا البلد إلى مذبحة.. آخر الإحصائيات تقول إن مشرحة بغداد وحدها تسلمت في شهر جوان/حزيران الماضي أكثر من 1500 قتيل، وأقل منها قليلا في شهر مايو. قبل الاحتلال كان العراق خاضعا لنظام دكتاتوري، لكن العراقيين كانوا ينعمون بالأمن الشخصي، أو على الأقل يعرفون كيف يحمون حياتهم، بمجاملة عناصر النظام السابق.. أما تحت الاحتلال الأمريكي فصار الموت يتربص بالعراقي في كل مكان، وانتشرت عصابات الجريمة والخطف والقتل على الهوية، وليس هذا غريبا طالما كان العراق خاضعا لجيش احتلال يتحول يوما بعد آخر إلى جيش من العصابات.  


© aqlamonline 2006