انخراط الإسلاميين في الانتخابات
هل يكون للمشاركة أم للمغالبة؟

العدد الثامن عشر
السنة الخامسة / جويلية - أوت 2006

بنعيسى الدمني

إن خوض التيار الإسلامي غمار العمل السياسي وفق قواعد تعدد الأحزاب بات اليوم ظاهرة لافتة تحظى باهتمام دوائر البحث، وتحيّر مراكز صناعة القرار في جميع أنحاء العالم. ولا غرو، فقد عُرف عموم هذا التيار في بداياته الأولى، منذ عشرينات القرن الماضي، بطغيان الفكر العقائدي على الفكر الاجتماعي والسياسي لديه، وبصدوفه عن التشكل الحزبي(1)؛ إلى حد أن بعض رواده الأوائل اعتبروا أن دعوتهم تسمو على السياسة، ونادوا حتى بحل الأحزاب السياسية القائمة في زمانهم(2).

 وإذا كانت ظروف القمع الداخلي والتسلط الخارجي قد دفعت ببعض مكونات التيار الإسلامي في بلدان بعينها منذ الخمسينات، إلى اعتماد خيار العنف فكرا وممارسة، دون الانخراط في المنظومة الحزبية أو في العمل الانتخابي(3)، فإن تلك الظروف قد أسهمت في الدفع بآخرين إلى تشكيل أحزاب سياسية تعتمد السرّية، وتنأى بنفسها عن خوض الانتخابات، لأنها لا تقول بالديمقراطية ولا بالنظام الجمهوري، بل تعتبرهما من المحرمات(4).

غير أن القطاع الأوسع قي التيار الإسلامي رفض الانجرار وراء غواية العنف الأعمى، وأبى تبني أسلوب العمل السري، والتورط في نهج التحريم المفضي إلى تضييق المباح، وربما إلى تكفير الناس على غير بصيرة. بل آثر قي مقابل ذلك أن يباشر العمل السياسي في كنف العلنية، وبالوسائل السلمية المشروعة. وها هو اليوم يمثل إحدى أهم القوى الانتخابية التي يُقرأ لها أكثر من حساب في معظم البلدان العربية والإسلامية.

ورغم أن الأنظمة الحاكمة والجماعات العلمانية ظلت تجادل الإسلاميين إلى اليوم حول مدى مشروعية الجمع بين الصفة الدينية والصفة السياسية(5)، فقد تجاوزت أغلب الحركات الإسلامية هذا الجدل(6)، بعد أن ترسخ لديها اقتناع بأن العمل السياسي، بما يقتضيه من انتظام حزبي، وانخراط في الانتخابات العامة، هو جزء أصيل من رسالتها الشاملة، وأنه هو المدخل الضروري إلى إصلاح المجتمعات العربية والإسلامية على جميع المستويات. وقد حصل هذا التطور في خضم تحديات نظرية وأخرى عملية مستجدة، تطلبت ولا تزال تتطلب كثيرا من النظر والاجتهاد ودقة التخطيط.

 وهذا ما حفزنا على تخصيص هذه الصفحات للنظر في مسيرة الانخراط السياسي، ومتطلباتها الإستراتيجية، والتساؤل خصوصا عن غائية التعامل الميداني مع الانتخابات، ومدى تأثير تلك الغائية على حجم ذلك التعامل وعلى كيفيته ووسائله، ضمن المرحلة التاريخية التي يتنزل فيها؛ مجتنبين التقيّد ببلد بعينه، أو بتجربة مخصوصة، ومحاولين، في نفس الوقت، عدم الوقوع في التعميم المخلّ، ما استطعنا إلى ذلك سبيلا.

السياق التاريخي للمشاركة السياسية

لقد عَرف المسلمون طيلة القرون الخوالي حقبة من الخمول الحضاري بسبب حال الانحطاط الذي زُرعت بذوره السياسية الأولى بانتصاب نظام المُلك الوراثي غصبا وعدوانا على أيدي الأمويين (سنة 41 للهجرة)، وظهرت بوادره الفكرية في القرن الخامس الهجري بفعل تعطل حركة الاجتهاد، وغلبة تيار التصوف. ثم استتب ذلك الانحطاط في الأمّة بشكل شامل في أواخر القرن الثامن الهجري الموافق للقرن الرابع عشر الميلادي: قرن عبد الرحمان بن خلدون، وتقي الدين المقريزي، وأبي إسحاق الشاطبي. وثلاثتهم قد مثلوا تقريبا آخر من أنتجتهم الحضارة الإسلامية في العصر الوسيط من مجددين في علوم الدين، وفي علوم الإنسان والمجتمع، لم يتوافر في الأمة آنذاك مَن واصل مشاريعهم التجديدية من بعدهم، لنضوب المعين، واكتفاء المسلمين بتقليد مذاهب السلف وعكوف علمائهم في الغالب على شرح المتون والحواشي.

وقد استمرت حالة الخمول قرونا، عمّ فيها الجهل على أوسع نطاق، واستحكم الاستبداد بالشعوب، واستشرى الفقر، وضعف كيان الأمة العام. فكان من نتائج ذلك أن توافرت في المسلمين قابلية للاستعمار، استغلتها القوى الأوروبية، التي بنت نهضتها في تلك الأثناء، فغزت أغلبَ البلدان الإسلامية في القرن التاسع عشر الميلادي، بدعوى أنها جاءت تحمل إليها "رسالة تمدينية" (7). غير أن تلك "الرسالة" لم تكن في حقيقة الأمر سوى جريمة احتلال بغيض، جثم على صدر البلدان الإسلامية طيلة حقبة زادت على القرن ونصف القرن، وظل ينهب ثرواتها، ويستغل شعوبها في أعمال اقتصادية وحربية أملتها مصالح الأوروبيين وأطماعهم التوسعية. مما زاد البلدان الإسلامية تخلفا وهوانا.

ولئن اجتهدت حركات النهضة والإصلاح المعاصرة في طرح الأسئلة الجوهرية من أجل فهم أسباب "تأخر المسلمين وتقدم غيرهم"(8)، وحاولت بلورة إشكاليات النهضة ورسم سبلها، فإن ما قدمته من إجابات ومقاربات غالبا ما كان نظريا، وذهب في تصور الإصلاح مذاهب شتى: فقد تفرق روادها بين مُطالِب بإعطاء الأولوية للتربية والتعليم (مثل محمد عبده)، وقائل بضرورة مقاومة المحتل وإصلاح النظم السياسية (مثل جمال الدين الأفغاني وعبد الرحمان الكواكبي)، وداع إلى الإصلاح الديني (مثل محمد رشيد رضا) ومناد بالإصلاح الاجتماعي (مثل الطاهر الحداد وقاسم أمين).

وإذا تجاوزنا الوقوف على ما وجهه بعض الدارسين ومؤرخي الأفكار من نقد إلى بعض هذه الحركات فيما يخص أصولها الفكرية وصفاء رؤاها الحضارية، فإنه يمكن القول إن جملة أفكارها قد شكلت إضافة مهمة في رصيد نهضة المسلمين وتقدمهم. لكن تلك الأفكار الإصلاحية لم تكن كافية وحدها لزحزحة الاستعمار عن بلاد المسلمين. بل تطلب الأمر قيام حركات التحرر الوطني التي، لئن أفادت من تلك الأفكار كثيرا أو قليلا، فإنها قد اعتمدت أسلوب الجهاد المسلح المسنود بالنضال السياسي لتحرير كل البلدان الإسلامية من الاستعمار، عدا فلسطين التي انتقلت مباشرة من حكم الانتداب البريطاني إلى حكم الاحتلال الصهيوني بتواطؤ غربي سوفييتي غادر، أتاح للبريطانيين تحديدا وللأوروبيين بشكل عام ضرب عصفورين بحجر واحدد:

 - فهم قد وفروا لليهود أرضا يهاجرون إليها، وتمكنوا بذلك من خفض كثافة الحضور العبري الذي طالما أزعجهم على أراضيهم، ونجحوا موضوعيا في تحقيق ذات الهدف العنصري الذي ابتغاه هتلر حين قام باضطهاد اليهود وترحيلهم قسرا عن بلاده وعن مجال نفوذه الأوسع.

- وهم، منذ وعد بلفور سيء الذكر، قد تصرفوا في أرض فلسطين تصرف المالك، بدون وجه حق، فوهبوها ظلما لليهود، وأصابوا الجسم الإسلامي الكبير بجرح مفتوح، ظل يستنزف قوى الأمة، ويعطل نهضتها إلى اليوم. لكن ذلك الجرح أضحى بمرور الزمن حافزا على إذكاء جذوة المقاومة، وتوقد روح التحرر لدى جميع المسلمين، وجلب تضامن كل أحرار العالم مع الشعب الفلسطيني المظلوم.

 وإذا استثنينا الحالة الفلسطينية، التي لم تزل بعدُ في مرحلة نضال وطني من أجل الاستقلال، يجوز القول إن سلسلة الاستقلالات، التي تحققت في البلاد العربية والإسلامية فيما بين ثلاثينات القرن العشرين وستيناته تقريبا، قد آلت إلى نشأة دول وطنية سرعان ما طوت صفحة الماضي، واستبدلت المهام التحررية بمهام تنموية، رغم أنها لم تستكمل بعدُ شروط التحرر الوطني التام من الوصاية الاستعمارية التي أصبحت، بعد إمضاء وثائق الاستقلال، تتخذ أشكالا غير مباشرة. وغنيّ عن القول إن تلك الدول الفتية لم تستوف كذلك شروط النهضة الشاملة من باب أولى. لذلك فإنها غالبا ما أخفقت في النهوض ببلدانها إخفاقا ذريعا، وعجزت عن تلبية مطالب شعوبها في ترسيخ هويتها الحضارية، وتأسيس الحكم على الشرعية الانتخابية، وإقرار الحريات، وكفالة العدالة والعيش الكريم لجميع فئات المجتمع في كنف الاكتفاء الذاتي وبعيدا عن التبعية للخارج.

 ويجد هذا العجز تفسيره تاريخيا في كون دول الاستقلال في العالم الإسلامي لم تتأسس على رؤى دستورية راسخة في الديمقراطية، ولم تنهض لتنفيذ خياراتٍ وبرامج سياسية اختارتها شعوبها بحرية، بل تأسست على مقاسات أفكار زعمائها ومصالحهم، وحتى أمزجتهم الخاصة أحيانا. كما عملت تلك الدول على فرض برامج منبتة، وسمحت بأن تكون الأحزاب الحاكمة أدوات لانفراد زعمائها بالسلطة: ولئن اتسمت تلك البرامج بعدم الاستقرار في جوانبها الاقتصادية والاجتماعية - لأنها غالبا ما كانت تعكس أصداء تقلبات الفكر التنموي في العالم الثالث طوال النصف الثاني من القرن العشرين - فإنها كانت، في جوانبها السياسية، ثابتة عموما في ترسيخ أنظمة حكم سلطوية غالبا ما كان قادتها يستعيضون عن الشرعية الانتخابية بشرعية تاريخية أو نضالية مزعومة، كانوا يوظفونها من أجل البقاء في السلطة مدى الحياة.

لقد رفض جيل الاستقلال هذه الأوضاع. ولم تنطل عليه مزاعم خطاب الأنظمة الرسمي الذي دأب على تصوير الحكام على أنهم أبطال وطنيون. ورغم إمعان أغلب الأنظمة العربية والإسلامية في قمع الحريات، وتأجيل الديمقراطية، بذريعة التفرغ لإنجاز مهام التنمية الاقتصادية والاجتماعية حينا – وهو الحال الغالب – أو بدعوى إعطاء الأولوية لمقاومة الاحتلال الصهيوني حينا آخر – على غرار ما فعلت ولم تزل تفعل بعض أنظمة المشرق العربي، التي اعتاشت على القضية الفلسطينية طوال عقود – فإن كل ذلك لم يفلح في إثناء جيل الاستقلال عن التطلع إلى التغيير والحرية.

فقد رأيناه عبّر عن ذلك التطلع في أكثر من بلاد، وأثناء أكثر من انتفاضة، وبأكثر من أسلوب؛ وخاض في سبيله عدة مواجهات ضد أنظمة سياسية، لم تدرك جيدا أنها بإزاء جيل مستعص، حنكته التجارب، وتراكم لديه إلى جانب رصيد المقاومة والكفاح الوطني، الذي ورثه عن آبائه وأجداده، تراثٌ وفير من فكر النهضة والإصلاح، وتفتحَ ذهنه على مبادئ وقيم تحررية، تعلم بعضها في المدارس الحديثة، ونهل البعض الآخر من معين الفكر الإسلامي المعاصر، ومن معين الفكر الإنساني الحر.

 وإذا كان الرعيل الأول من التيار الإسلامي المعاصر قد اضطلع، بالتوازي مع كفاحه ضد الاستعمار، بمهام التأسيس التنظيمي، وإعادة الاعتبار لعقائد الإسلام وقيمه الثقافية والاجتماعية، مستلهما ذلك من فكر حركة الإصلاح، التي هو امتداد لها؛ فإن جيل الإسلاميين الثاني، الذي نشأ معظمه في مرحلة الاستقلال، قد تجاوز المتطلبات التأسيسية، ولم يكتف بالأنشطة الدعوية والاجتماعية، بل انخرط في العمل السياسي الرافض للهيمنة الخارجية والاستبداد الداخلي، والمناضل من أجل التحرر والإصلاح. فأمكنه أن يسهم بمعية المخضرمين من جيل التأسيس الأوائل، في تطوير الحركات الإسلامية على هذين الصعيدين المتوازيين:

1- فعلى صعيد التحرر الوطني، أحيى التيار الإسلامي في النفوس روح المقاومة، وكرسها عمليا في جبهات التماس مع المعتدين. وناضل من أجل كسر روابط التبعية للغرب بكل أشكالها الثقافية والاقتصادية وغيرها. فكان بذلك قوة ممانعة في وجه ممارسات الهيمنة والتهديدات الأجنبية؛ وحال بالتالي دون انسلاخ الأمة عن مهام التحرر التي تعاظمت إلحاحيتها الإستراتيجية، في ظل أوضاع العولمة، وبعد عودة ظاهرة الاستعمار من جديد، بوجه أقبح مما كانت عليه في الماضي، إلى كل من أفغانستان والعراق إضافة إلى فلسطين.

 2- وعلى صعيد الإصلاح الداخلي، عمل التيار الإسلامي في كل الأقطار التي يتحرك فيها، على دخول مرحلة جديدة من العمل السياسي بالوسائل السلمية والقانونية وفق قواعد تعدد الأحزاب، من أجل تنشيط المجتمع المدني، والإسهام بمعية بقية الأطراف المؤمنة بضرورة التغيير الديمقراطي، في إصلاح ما فسد من أوضاع الحكم، وانتزاع ما أمكن من مكاسب لفائدة الحريات العامة وحقوق الإنسان. وقد مثل ذلك تطورا تاريخيا مهما، استدعى إنجازه جهودا محمودة بذلها المجددون من أهل العلم، بتقحّمهم مجالات من البحث نادرا ما ولجوها من قبل - رغم أن لها أصولا ثابتة في النصوص والمقاصد الشرعية - وبحسمهم إشكاليات نظرية أفرزتها تحديات المرحلة الجديدة.

من التجديد الفكري إلى التخطيط الاستراتيجي

لقد استند هذا التطور في مسار التيار الإسلامي بالفعل إلى رصيد من التجديد الفكري الذي نهض به جمهرة من العلماء المجتهدين والمفكرين الأكاديميين والقادة التنظيميين الذين نمَوْا داخل الحركات الإسلامية أو قريبا منها، والذين أفادوا من تجاربها الفائتة كثيرا من العبر والقرائح التجديدية. ولئن تحققت على هدا الصعيد النظري مكاسب لا بأس بها، من أبرزها الاستعاضة عن فكرة المفاصلة مع الواقع بفكرة المشاركة فيه، فإن جهودا إضافية من الاجتهاد ما زالت تنتظر من ينهض بها حتى يزداد العقل الإسلامي تشبعا بهذه الفكرة وفهما لأبعادها ومتطلباتها النظرية والعملية. وعلى أية حال، فإن البحث الفكري لم ينقطع يوما داخل الإسلاميين - بالتزامن مع مشاركتهم الفعلية في العملية السياسية- حول كثير من القضايا والإشكاليات النظرية ذات الصلة بالشأن السياسي من قبيل: الديموقراطية، والمواطنة، والمجتمع المدني، وسلطة الشعب، وحرية الضمير، والحق في المغايرة إلخ... وهو ما من شأنه أن يساعد كثيرا على تأصيل الخيارات، وتوضيح الرؤى، وتسديد المسيرة.

 وتزامنا مع سياقيْ التجديد النظري والنضال السياسي، تبدّت إشكاليات من جنس استراتيجي آخر، نحسب أنها لا تقل أهمية عن القضايا النظرية، وأنها جديرة بكل عناية. إذ لا يكفي أن يكون للإسلاميين رؤى فكرية واضحة ومتطورة لكي تكلل مشاركاتهم السياسية بالنجاح مبدانيا، بل يحتاج الأمر فوق ذلك إلى تخطيط استراتيجي محكم وكفيل بأن ينزّل تلك الرؤى في الواقع. ويتعين على هذا التخطيط أن يأخذ بعين الاعتبار جميع المعطيات الميدانية، الذاتية والموضوعية، التي لا يجوز إغفالها في أيّ عمل سياسي. ذلك أن المخططات هي التي تترجم الأفكار النظرية إلى برامج مفصلة قابلة للتطبيق، وتجيب على جميع الأسئلة العملية المرتبطة بالممارسة. وهي التي تحُول بالتالي دون تورط الإسلاميين في الاندفاع الأرعن الذي قد يحوّل عملهم السياسي ومشاركاتهم الانتخابية إلى منازلات تعبوية مبهمة المقاصد ومشوّشة المضامين والوسائل.

 ونحسب أن أهم سؤال عملي يتعين على الاستراتيجيين الإسلاميين اليوم أن يجيبوا عليه هو: كيف يتم ضبط هدف واضح لكل مشاركة في الانتخابات تعتزم حركاتهم خوضها مستقبلا؟ لأن وضوح الهدف يعد شرطا لازما لتحديد حجم المشاركة وضبط كيفيتها ووسائلها.

 وإذا أردنا مزيدا من الدقة، فلنقل إن المطلوب هو الاختيار، في حدود كل ظرف سياسي وضمن كل مرحلة تاريخية، بين أحد هذين الخيارين:

 * إما أن تكون مشاركة الإسلاميين في الانتخابات مشاركة قوية وكاسحة، تحدو أصحابها إرادة المغالبة من أجل اعتلاء سدة الحكم بتفويض شعبي، واستبدال رئيس برئيس أو حزب حاكم بآخر،

 * وإما أن تكون مشاركةً محسوبة، غايتها ترسيخ التقاليد الانتخابية، والتدرب عليها، وتحصين المجتمع بمؤسسات ديموقراطية وبدفاعات مدنية قوية، والانخراط في مشروع تغيير تدريجي يشترك في تبنيه وإنجازه أكثر ما يمكن من أطراف سياسية فاعلة في المجتمع.

 ومن المعلوم أن لكل واحد من هذين الخيارين خلفيات تصورية سياسية محددة، وأن له كذلك شروطا ظرفية تمليه، ومستلزمات على مستوى الوسائل والاحتياطات، مما يعَد من مشمولات التخطيط المسبق. وإذن فإن حسن الاختيار يحتم على الاستراتيجيين توخي الدقة في قراءة الشروط الظرفية لكل استحقاق انتخابي، وفهم خصائص المرحلة التي يتنزل فيها، سواء على مستوى قدرات قوى التغيير، أو على مستوى محيطها الموضوعي وما يتحمله من تغيرات.

 ولا مندوحة، في هذا السياق، عن الاتعاظ بتجارب الماضي القريب: فبعد حصيلة وفيرة من المشاركات التي خاضها الإسلاميون في كثير من البلدان ترشيحا وتصويتا، طيلة العقدين الأخيرين على وجه الخصوص، وفي ضوء تباين نتائج تلك المشاركات واختلاف تداعياتها من بلد إلى آخر، يتحتم القيام بنقد ذاتي، ينتهي إلى تقويم شامل لتلك التجارب، من أجل الإفادة بجوانبها الإيجابية، وتلافي الوقوع في نقائصها أو تكرار أخطائها.

وإن أهم فائدة عملية يؤمل أن يخرج بها الإسلاميون من هذا العمل النقدي، هي عدم تحول مشاركتهم الانتخابية في المستقبل إلى عمل صِدامي يخرج عن القواعد المدنية ويصب موضوعيا في خدمة سياسات كثير من الأنظمة التي تتبنى الديمقراطية شعارا للمزايدة وتلميع الصورة، لكنها لا تتردد في تزييف الانتخابات والسطو "سلميا"، أو بوسائل القرصنة السياسية العنيفة، على اختيارات شعوبها، كلما أحست بخطر قلب موازين القوى لغير صالحها بواسطة صناديق الاقتراع.

في سبيل إستراتيجية للمشاركة

لم يعد خافيا على أحد أن أنظمة الحكم التي تعمد إلى تزييف الانتخابات وتعطيل الديمقراطية في العالم الإسلامي، عادة ما تبرر صنيعها "بمقاومة المد الأصولي" وحماية المجتمع من مخاطره، في محاولة منها لتحييد الأطراف العلمانية أو لاستمالتها في الداخل، ولاسترضاء القوى الدولية في الخارج. وهي كثيرا ما تستند في ذلك التبرير، علاوة على ضخامة المشاركة الإسلامية وطابعها الاندفاعي المثير، إلى تفرد الإسلاميين أحيانا بمطالب وشعارات عامة لا تشاركهم فيها أطراف حزبية أخرى، ولا تحظى بأي تفهم غربي: من قبيل"المطالبة بتطبيق الشريعة" وإعلان أن "الإسلام هو الحل".

 إن تبني هذا النوع من المطالب السياسية في الحملات الانتخابية لهو في حاجة أكيدة إلى مراجعة حكيمة تستند إلى تصور جديد للعمل الانتخابي قوامه الاعتماد على البرامج العملية أكثر من الاعتماد على الشعارات النظرية التي، لئن كانت لا اعتراض على مضامينها من الناحية المبدئية، إلا أنها لا يمكن بحال أن تقوم مقام البرامج من حيث الوضوح والتفصيل والفاعلية السياسية. فضلا عن كونها شعارات قد تسببت في كثير من سوء التفاهم بين الإسلاميين وبين أحزاب أخرى ليست كلها معادية للدين، وساهمت أيضا، في أكثر من بلاد، في الحيلولة دون قيام عمل مشترك لفائدة الحريات والمصلحة العامة، رغم أن ما يجمع بين أبناء البلد الواحد على هذا الصعيد هو عمليا أكثر مما يفرّق.

إن واقع المسلمين الذين يواجهون اليوم تحديات مصيرية على جميع المستويات، لا يتحمل مزيدا من التفرقة السياسية وتشتت جهود العاملين من أجل الإصلاح. لذلك فإن المسؤولية ملقاة على الإسلاميين بشكل خاص لكي يسعوا إلى توحيد الجهود والإرادات الخيّرة داخل مجتمعاتهم لمواجهة تلك التحديات بأنجع الوسائل الجماعية. ونحسب أن ذلك لا يتسنى لهم إلا بوضع إستراتيجية مشاركة تجنبهم التحرك الانفرادي العقيم، الذي قد تدفع إليه الثقة المفرطة في النفس أو الرغبةً في إبراز التميز والخصوصية.

 فلا مراء في أن الإسلاميين، أيا كانت أحجام حضورهم الشعبي أو قوتهم الانتخابية، لا يمثلون إلا مكونا واحدا من مكونات مجتمعاتهم وطرفا من أطرافها السياسية الفاعلة؛ وأن ثمة إلى جانبهم أطرافا أخرى تطمح إلى ذات ما يطمحون إليه في مجال الإصلاح السياسي. وبالتالي فإن عليهم أن يضعوا أيديهم في أيدي تلك الأطراف، وأن يقبلوا بها شريكة في عملية التغيير، لأن اشتراك أبناء المجتمع الواحد في الانتماء وفي المصير يفرض أن يكون مشروع التغيير والإصلاح مشروعا جماعيا ينهض بإنجازه كافة أبناء المجتمع ولا يتحمل أعباءه طرف واحد بمعزل عن الآخرين. ففي ذلك ضمان لنجاح المشروع وتماسك المجتمع.

إن هذه الإستراتيجية التي ترفض النزعة الاحتكارية في مجال العمل السياسي، تقتضي تربية الفرد على روح الانتماء الوطني وتنشئته على عقلية المشاركة. وهي عقلية يتم اكتسابها عندما تترسخ قيم السماحة واحترام الآخرين في النفوس، ويقع الإقرار للجميع بالحق في المغايرة والاختلاف، أيا كان المعتقد أو الرأي أو الانتماء الحزبي. عندئذ يلتقي كافة المواطنين على التعاون فيما اتفقوا فيه من مبادئ ومصالح مشركة، ويعذر بعضهم بعضا فيما اختلفوا فيه، تاركين للشعب كلمة الفصل في حل خلافاتهم بواسطة صناديق الاقتراع.

إن المدخل العملي إلى إدخال هذه الإستراتيجية حيز التنفيذ هو وصل جسور الحوار بين أبناء الوطن الواحد، الذين يرون في الديمقراطية سبيلا إلى الإصلاح أو هم يعلنون ذلك في خطابهم، أيا كانت مرجعياتهم الإيديولوجية ومواقعهم داخل المجتمع وحتى داخل السلطة.

إن الهدف الأول من هذا الحوار هو التعارف وتوفير مناخ من الثقة المتبادلة التي يمكن أن تأخذ شكل ميثاق شرف سياسي يلتزم به الجميع. أما الهدف الموالي منطقيا، فهو البحث الجماعي عن أرضية سياسية مشتركة، وإيجاد صيغ من التعاون للوصول إلى هدف استراتيجي أبعد هو التغيير السلمي والمدني الذي لا يستهدف استبدال الحكام بقدر ما يرمي إلى إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية والسياسية على أسس تعاقدية جديدة تكفل تماسك المجتمع وتضمن الحرية والعيش الكريم لجميع أفراده.

 ومن الطبيعي أن ينتج أي سعي في هذا الاتجاه فرزا للصفوف. فيتمايز العاملون بصدق من أجل الإصلاح عن أولئك الذين يتحذلقون بالخطاب الإصلاحي ويتخذونه وسيلة للمزايدة ومغالطة الرأي العام، بينما تراهم لا يعملون في الواقع إلا على وضع العصي في عجلات الإصلاح، من أجل البقاء في مواقعهم وضمان مصالحهم الخاصة تحت لافتة "المحافظة على الأمن والاستقرار".

 ولا حاجة إلى بيان أن الذين يتبنون هذا الخطاب المزدوج ويتمسكون بهذا الموقف المحافظ في أكثر البلاد الإسلامية غالبا ما يفعلون ذلك من مواقع السلطة. وإذن فإن من مصلحة أنصار الإصلاح أيا كانت مشاربهم الفكرية، أن تتوحد جهودهم ليشكلوا سلطة مضادة تعمل على فرض التغيير بواسطة الاحتجاج والضغط بالوسائل الشعبية والمدنية، وإلزام السلطة الحاكمة بأن تكفل نزاهة أي انتخابات عامة. وبذلك ينشأ في المجتمع حراك تدافعي هو من شروط حيويته وتقدمه.

 وخلافا لما يدعي المناهضون للإصلاح، فإن هذا التدافع السياسي لا يؤدي بالضرورة إلى انخرام أمن المجتمع وزعزعة استقراره، ولا يتعارض مع أسس المجتمع المدني من باب أولى. بل إن التدافع الذي نقصد يحترم تلك الأسس ويقويها. فهو بتم في إطار القانون وبالوسائل السلمية والشعبية. وإن غايته هي تشريك كافة أفراد الشعب في إقامة الأمن والاستقرار على أسس تعاقدية رضائية صلبة ودائمة، لا دخل في إرسائها لوسائل القمع والترهيب... فلا يأتي بعد ذلك من يجرؤ على وصف الركود الاجتماعي والسياسي بأنه علامة على استتباب الأمن، أو من يتخذ من اللامبالاة السائدة في أوساط الشعب دليلا على رسوخ الاستقرار؛ والحال أنه ليس أخطر على الأمن والاستقرار وأدعى لاستشراء الفساد وعموم البلوى في المجتمعات من مناخ الركود السياسي واللامبالاة الشعبية.

الإصلاح رهان تاريخي ومجتمعي

للمرء أن يتساءل: ما المانع من أن يشارك الإسلاميون بما أوتوا من قوة وكثافة في أي انتخابات وأن يكتسحوا البرلمانات، ومن ثم مواقع السلطة، بقطع النظر عن الظروف الموضوعية، ودون اشتراط التنسيق أو المشاركة في ذلك مع بقية مكونات المجتمع المدني، ما دام ذلك حقا مشروعا تمارسه كل الأحزاب، وما دام الإسلاميون يمتلكون القاعدة الشعبية التي تخوّل لهم الفوز، وما دام التغيير وفق المنهج الديمقراطي يكفيهم شر الانقلابات والثورات وسفك الدماء؟

لا مناص من التوضيح، بادئ ذي بدء، وبكامل الاختصار، أن الإشكال الذي نحن بصدده ليس متعلقا بالمفاضلة بين أسلوبين في العمل السياسي، أحدهما سلمي والآخر عنيف. لأن هذا الأمر محسوم لدينا مبدئيا بناء على اقتناع بأن العنف ما دخل على شيء إلا شانه(9)، وأن مفهوم الجهاد ليس مقصورا على القتال، بل يعَد العمل السياسي القائم بالقسط من أفضله(10)، وأن المؤمن ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرَهما ما لم يكن إثما(11).

كما أن الإشكال ليس متعلقا بالاختيار بين منهجين في التغيير أحدهما ثوري والآخر ديمقراطي. لا بل إن النظر إلى الموضوع من هذا المنظور المانوي هو أمر مغلوط من الأساس: فإذا كان المقصود بالصفة الثورية لأي تغيير سياسي هو طابعه الجذري، وما ينتج عنه من تحولات وانعطافات نوعية، فإنه ليس ثمة من ثورية تفوق ما قد ينتج عن أيّ انتخابات ديمقراطية نزيهة من تغييرات جوهرية في بنية الدولة، وفي اختياراتها العامة وبرامجها التفصيلية. وإذن فإن العبرة ليست بأسلوب التغيير السياسي، وإنما العبرة بنتائجه: أي بنوع الاختيارات والبرامج السياسية الجديدة التي يأتي بها.

ومن المهم التأكيد على أن الانتخابات ليست غاية في ذاتها، بل هي وسيلة لتأسيس مشروعية السلطة السياسية على اختيار الكافة ورضاهم. وبناء على ذلك، فإن أسّ أي عمل إصلاحي هو تربية الفرد على روح التحرر والكرامة، والترقي بوعي الشعب إلى عدم التنازل عن حقوقه المشروعة في اختيار حكامه، وفي محاسبتهم، وفي عزلهم إذا ما أخطأوا. فإذا ما كفلت الانتخابية الحرة تحقيق ذلك، فذاك ما كنا نبغي، وإلا فلا خلاص إلا بإشاعة ثقافة نضالية على أوسع نطاق ممكن، والانطلاق بمعية كل القوى المؤمنة بضرورة التغيير، في كفاح مستمر يرمي إلى افتكاك ما أمكن من حقوق وحريات، وفرض الإصلاح فرضا.

 وإذا علمنا أن الحكم الصالح في أي بلد لا ينشأ بين يوم وليلة، بل هو حصيلة تراكم تاريخي من التجارب والمنجزات والتقاليد الديمقراطية المتتابعة، فإن الإشكال المطروح على المسلمين اليوم هو: كيف يتم بناء ذلك التراكم في العالم الإسلامي المعاصر بعد أن انقطعت إنجازاتهم في مجال الشورى وانتخاب أولي الأمر والتداول السلمي على السلطة منذ ما يناهز الأربعة عشر قرنا من الزمن، أي منذ انقلاب بني أمية على المشروع السياسي الإسلامي الذي أسسه الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام؟

 بهذه الصيغة من القول، يتضح أن التحدي الإصلاحي هو تحد تاريخي، وأن التعامل مع الانتخابات في ظروف المسلمين الراهنة، ينبغي أن لا يبقى حبيس الحسابات الآنية، وأن لا يظل هدفه هو غنم أكبر عدد من المقاعد البرلمانية وحسب، بل ينبغي أن يتجاوز هذا الأفق الضيّق، وأن يرنو إلى النتائج المجتمعية والحضارية البعيدة المرجوة منه.

 وإذن فإن المطلوب في المرحلة الراهنة - ليس من الإسلاميين وحدهم، بل من كافة قوى المعارضة والتغيير في العالم الإسلامي – أن يعملوا على توفير أكثر ما يمكن من تراكمات إصلاحية. وهذا ما لا يتأتى إلا بضمان نزاهة الانتخابات وصدقيتها، أعني بتقليص احتمالات تزييفها من قبل الأنظمة القائمة، والتضييق على فرص تمرير ذلك التزييف أو تضليلِ الرأي العام عنه. فبذلك وحده يتم بناء تراث سياسي بديل، يقطع تدريجيا مع تراث الاستبداد.

 وعلى هذا المستوى، تكون المسؤولية ملقاة على عاتق الإسلاميين أكثر من غيرهم: فباعتبارهم يشكلون الطرف الأقوى حضورا في الأوساط الشعبية، والأشد إثارة لمخاوف ذوي المصالح والنفوذ وطنيا ودوليا، فإنه يحسن بهم عدم تعجل أمرهم، والعمل بقاعدة "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، وتجنب كل ما من شأنه أن يصورهم لدى أولئك المتخوفين ولدى الرأي العام عموما على أنهم طلاب سلطة لا طلاب إصلاح. ولعل أضمن سبيل لنجاح مشروع التغيير كما سبقت الإشارة إلى ذلك، هو عدم التفرد بتحمل أعبائه، بل ربطه بمجمل الهيئة الاجتماعية، وجعله هما يوميا لكل فرد في المجتمع.

دروس من بعض التجارب الانتخابية

إذا كان مما لا ريب فيه، في ضوء كل ما تقدم، أن توخي الإسلاميين منهج تخطيط محكم هو، من الناحية المبدئية، من أوكد مستلزمات نجاحهم في الإصلاح السياسي عموما، وفي كسب الاستحقاقات الانتخابية على وجه الخصوص، فإن أي تخطيط لا يستوفي شروط الإحكام والنجاعة، من حيث المضمون، إلا إذا كان منطلقا من قراءة دقيقة للواقع ومستشرفا لأقصى ما يمكن من احتمالات المستقبل.

وأنى له ذلك إذا هو لم يأخذ بنظر الاعتبار قدرات الإسلاميين الذاتية، وقدرات خصومهم ومنافسيهم، ولم يراع خصائص المرحلة التاريخية التي يتنزل فيها ومعادلاتها الوطنية والإقليمية والدولية، وما تقتضيه من ترتيب أولويات وتقديم تنازلات وعقد تحالفات واجتناب منزلقات وتحديد أساليب عمل وخطاب؟

وإن من أخطر ما تقع فيه الخطط السياسية من أخطاء، التقصير في إدراك مدى قبول القوى الداخلية والخارجية بمستلزمات الإصلاح عموما، وبوجود الإسلاميين في مواقع السلطة تحديدا، ومدى سماحها بوصولهم إلى تلك المواقع عن طريق صناديق الاقتراع.

 وقد لاحظ الجميع أن في المناسبات الانتخابية التي شارك فيها الإسلاميون بدون تخطيط يقضي بأن يكون حجم المشاركة متناسبا مع متطلبات المرحلة - وهذا ما حصل مثلا في تونس سنة 1989، وفي الجزائر سنة 1991- كانت مشاركتهم عبارة عن منازلة ميدانية أو قُلْ اختبار قوة موكول إلى الاعتباط ومحكوم بخلفيات وطموحات تعوزها الرويّة.

إن تلك المشاركة لم تكن بالفعل صادرة عن منهج تغيير تدريجي - رغم أن لذلك المنهج مستنداته الثابتة في الكتاب والسنة - ولم تكن مندرجة ضمن مسعى لترسيخ مبادئ الإصلاح في الضمائر ومراكمة تطبيقاتها في الواقع؛ بقدر ما كانت نابعة من رغبة ظاهرة في مغالبة السلطة، وقلب موازين القوى رأسا على عقب، و"خلط أوراق اللعبة" السياسية بشكل كامل (12). فكانت النتيجة أن قُطعت الطريق أمام التعبير الحر عن إرادة الشعبين، وفُقدت السيطرة على مسار الأحداث فيما بعد، فدخل أحد هذين البلدين مرحلة من الملاحقات الأمنية والمحاكمات السياسية التي استنزفت الجميع، ودخل البلد الآخر مرحلة أسوأ، تخللتها حرب أهلية دامية ذهب ضحيتها، مع الأسف الشديد، زهاء مائة وخمسين ألف قتيل.

والظاهر أن حركة الإخوان المسلمين في مصر قد وعت الدرس. فهي قد أحجمت - بخاصة في الانتخابات التشريعية الأخيرة لعام 2006 - عن المشاركة بكل ثقلها، ورفضت استغلال المناسبة لاستفزاز السلطة وقلب موازين القوى بشكل كامل، بل آثرت أن تكون مشاركتها بحجم محسوب وفي دوائر محدودة ومدروسة، وسعت في سبيل ذلك إلى نوع من التنسيق مع بعض أحزاب المعارضة، مما عبر عن نضج في التخطيط وعن حكمة أغنت البرلمان المصري بمعارضة فاعلة، وزادت بلاد الكنانة دعما للحريات، وحركية سياسية، وتقدما مرحليا ثابتا على طريق الإصلاح الفعلي إن شاء الله. إن المعترضين على هذا التقويم قد يردّون إخفاق التجربتين الأوليين إلى أسباب تتعلق بطبيعة النظامين السياسيين في كل من تونس والجزائر وبممارساتهما غير الديمقراطية، لا إلى خلل في تخطيط الإسلاميين. وقد يستشهدون، في المقابل، بالانتخابات البلدية ثم البرلمانية التي جرت في تركيا في السنوات القليلة الماضية، وبتلك التي تمت في فلسطين المحتلة مطلع عام 2006، للتأكيد على أن مغالبة الأحزاب الحاكمة عن طريق صناديق الاقتراع هو أمر ممكن واقعيا رغم الصعوبات والعراقيل، فضلا عن كونه أمرا مشروعا من الناحية المبدئية: ألم تتح الانتخابات فعلا في تركيا، لحزب العدالة والتنمية أن يمسك بزمام الحكم، وأن يضطلع – وهو ذو التوجه الإسلامي الواضح – بقيادة هذا البلد لأول مرة منذ الإطاحة بنظام الخلافة وقيام نظام أتاتورك سنة 1924، مما يعَد ثورة بيضاء فرضت نفسها على سلطة العسكر المستأمَن على حماية العلمانية في تركيا؟..

ألم تتح الانتخابات في فلسطين لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) كذلك أن تشكل حكومة تستند إلى أغلبية برلمانية مريحة، وأن تقود السلطة الوطنية إلى تبني خطاب سياسي وقواعد عمل مغايرة لما دأبت عليه في السابق؟..

ليس بإمكان أحد أن ينكر أن التجربتين سالفتي الذكر قد تكللتا فعلا بالنجاح على مستوى المنافسة الانتخابية. لكن الحكم على حصيلتيهما السياسيتين بالنجاح أو بالفشل على المدى الأبعد، ببقى أمرا سابقا لأوانه في الوقت الراهن، خصوصا بالنسبة إلى فلسطين، نظرا إلى قصر عمر التجربة، وإلى تسارع المضاعفات والتطورات الخطيرة الناجمة عنها. ومهما يكن من أمر، فإن كل تقويم يقتضي أخذ الأفكار والمعطيات التالية بعبن الاعتبار:

أولا- رغم أن البلدان الإسلامية تشترك في أغلب الخصائص الحضارية العامة، فإن لكل تجربة سياسية داخلها خصوصياتها الجغراسياسية التي لا يجوز تعميمها أو القياس عليها في جميع الأحوال.

 ثانيا- وإذا كانت تجربة حزب العدالة والتنمية التركي تجربة مغالبة موفقة بكل المقاييس. فإن توفقها لم يكن محض مصادفة، بل هي قد استمدته من اهتراء تركيبة الأحزاب العلمانية في ذلك البلد، ومن إخفاق أقطاب تلك التركيبة في تحقيق التنمية وفي رفع التحديات الحضارية التي تواجهها تركيا. كما استمدتها أيضا مما ورثه حزب أردوغان الفتي عن حزبه الأصلي الذي انشق عنه ( أي حزب السلامة الذي حمل اسم الفضيلة ثم الرفاه، بقيادة المهندس نجم الدين أربكان) من رصيد مشاركات متكررة في البرلمان وفي الحكومة، تولى بمقتضاها أربكان منصب نائب الوزير الأول في عهد حكومة حليفه الأسبق سليمان ديميريل منذ سبعينات القرن الماضي. ومن البديهي أن نجاح المغالبة بواسطة الانتخابات يكون أوفر حظا داخل بلد تراكمت فيه المنجزات الديمقراطية عبر تاريخه القريب، وتمرّس مجتمعه السياسي على تقاليد التعددية والانتخابات، منها في بلد لم يزل بَعدُ يخطو خطواته الأولى والمتعثرة على هذه الطريق.

وليس خافيا أن المجتمعات الإسلامية ليست متماثلة من هذا الوجه بتاتا. فإذا كان بعضها، مثل المجتمع التركي والمجتمع الماليزي، والمجتمع الأندونيسي، قد ترسخت فيه تقاليد التداول السلمي على السلطة، بحكم عوامل تاريخية ليس هذا مجال بحثها، فإن بعضها الآخر - خصوصا في العالم العربي - لا يعرف للأحزاب وللجمعيات المستقلة وجودا، أو إن لديه أحزابا وجمعيات ونقابات عريقة، لكنه يعيش تحت حالة الطوارئ منذ عقود. لذا يجدر الانتباه وعدم استنساخ التجارب.

فوز حماس حالة استثنائية

وإذا اعتبر البعض أن تجربة حركة حماس في فلسطين هي نموذج يحتذى في مجال المغالبة الانتخابية الناجحة، فما ينبغي الغفلة أبدا عن أن لتلك التجربة من الخصوصية ما يجعلها ذات طابع استثنائي لأكثر من وجه:

1- الوجه الأول يتمثل في كونها قد جرت موضوعيا تحت ظروف الاحتلال الصهيوني، مما يجعل القياس عليها متعذرا منطقيا إلا في حال البلدان الخاضعة للاحتلال.

2- أما الوجه الثاني، فيتمثل في أن مشاركة حماس في الانتخابات كانت مندرجة، فيما نفهم، ضمن إستراتيجية مقاومة هدفها تحقيق التحرر الوطني ونيل الاستقلال. ولم تكن قط واردة ضمن إستراتيجية إصلاح مدني وحسب. لذلك فإن النتائج المبتغاة منها قد تختلف كثيرا عن تلك التي تبتغيها أي حركة تخوض انتخابات عامة في إطار دولة مستقلة ومجتمع مدني حر.

3- وأما الوجه الثالث، فلا بد، إحقاقا للحق، من الإقرار بأنه رغم كل المناورات التي مارستها سلطة الاحتلال الصهيوني لتعطيل الحياة السياسية في فلسطين عامة، ولمنع الإسلاميين من المشاركة في الانتخابات بخاصة، فقد حظيت حركة حماس بما لم يحظ به إلا قليل من الأحزاب الإسلامية قي العالم، من ظروف مشاركة انتخابية مواتية، وذلك بفضل النزاهة التي أبانت عنها السلطة الوطنية بقيادة حركة فتح:

فبدافع إثبات جدارة الشعب الفلسطيني بدولة مستقلة وبحياة سياسية حرة، وتحت وطأة الخشية من استمرار أكذوبة أن "الدولة الصهيونية هي الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة"، اختارت السلطة الوطنية الفلسطينية أن تكفل شفافية الانتخابات ونزاهتها، مما يُعد إنجازا سيحفظه التاريخ للأحرار من أبناء حركة فتح، لأنهم جعلوا خدمة شعبهم ونصرة قضيتهم فوق المحافظة على مواقعهم في السلطة، وأثبتوا للمرة الثانية في التاريخ العربي المعاصر، بعد سابقة عبد الرحمان سوار الذهب التي شهدها السودان في الثمانينات، أن التداول السلمي على السلطة ليس حكرا على غير العرب.

وليت بقية الأنظمة الحاكمة في العالم العربي والإسلامي تتأسى بهذه الشهامة الوطنية..

وليت الفتحاويين خصوصا يثبتون على هذا الموقف التاريخي المشرف، ولا يفكروا أبدا في أن يسترجعوا باليد اليسرى ما قدموه باليد اليمنى، لا سمح الله. فهم أدرى الناس بأن تنكبا من هذا القبيل قمين بأن يثير فتنة داخلية لن يعلم مداها إلا الله، ولن تكون في نهاية المطاف إلا في خدمة المحتل الصهيوني وحلفائه أعداء الشعب الفلسطيني.

على أنه من غير الممكن الحكم على اعتلاء حركة حماس سدة الحكم في هذا الظرف بالذات، بدون إجراء موازنة دقيقة بين منافعه ومحاذيره، في ظل الواقع المحلي والإقليمي والدولي الراهن. ولأن هذه الموازنة تتطلب دراسة مستقلة ليست من مقاصد هذه الصفحات، فحسبنا في هذا المقام أن نوجز المعاني التالية:

من الثابت أن هذا الاعتلاء يعد إنجازا تاريخيا للحركة الإسلامية المعاصرة، وأنه قد حظي بمباركة كل المناضلين الحقيقيين من أجل الحق والحرية في العالم. لكنه في المقابل قد ألقى على كاهل الحركة مسؤولية ضخمة، ووضعها أمام تحديات لا تحسَد عليها، ليس أهونها تحدي: تصريف خيار المقاومة مع مقتضى السلطة. وهو تحد لم تسبَق إلى مواجهته أيّ حركة تحرر في العالم المعاصر حسب علمنا. مما يتطلب روح إبداع وابتكار عالية، ندعو الله أن يوفق إليها الحماسيين وأن تسندهم في ذلك كافة قوى الشعب الفلسطيني المناضل.

ولولا أن هذا الاعتلاء قد فتح أبواب الأمل عريضة لإيقاف مسلسل الخسائر السياسية والميدانية المنجرة عن التزام السلطة الوطنية الفلسطينية بقيادة حركة فتح بمسار أوسلو،، ولولا أنه فضح نفاق أغلب الدول الغربية، ولا سيما أمريكا، التي طالما بشرت المنطقة بالديمقراطية المعلبة، ثم ما لبثت أن رفضت الاعتراف باستحقاقاتها في فلسطين،، ولولا أنه أسقط ورقة التوت عن أنظمة عربية كانت تتظاهر بدعم الكفاح الفلسطيني لكنها سرعان ما أبانت عن حقيقة سياساتها الرامية إلى ممالأة القوى العظمى وجر الفلسطينيين إلى تطبيع مخز مع الكيان الصهيوني المحتل،، لولا ذلك لقلنا إنه لا قِبَل لحركة حماس بتحمل مسؤولية الحكم، ولا قدرة لها على رفع تلكم التحديات في المرحلة الراهنة، لِقلة الظهير الرسمي في ظل حالة العجز والانهيار التي يشهدها العالمان العربي والإسلامي، والتي لا يقابلها إلا تنمّر أمريكي وصلف صهيوني منقطعا النظير.

أما وقد أنتج فوز حماس فرزا غدا اليوم مطلوبا أكثر من أي وقت مضى، في الساحات الفلسطينية والعربية والدولية، فانكشف الأصيل من الزائف؛ وأحيى في الأمة روح البذل والنصرة رغما عن اعتراض المعترضين؛ وسخّف تهمة "الإرهاب" التي ظلت الإدارة الأمريكية المتصهينة تلاحق بها حركات المقاومة وطلاب الحرية؛ وألزم الجميع بتغيير قواعد اللعبة فيما يتعلق بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وإحلال السلام في المشرق العربي، فإنه لا مجال لتقويم هذا الفوز بمقاييس الربح والخسارة، ولا حتى بمقاييس الإصلاح السياسي. بل الأجدر أن يُنظر إليه بحسب آثاره التصحيحية على مسار المقاومة، وضمن مشروع التحرر الوطني الفلسطيني والإسلامي الأشمل.

الخلاصة

فليس المطلوب إذن، هو تحريم استغلال الانتخابات العامة لمغالبة الأنظمة الحاكمة. ذلك أنه قد يجوز، من الناحية النظرية الصرف، فمن المؤكد أن القارئ اللبيب قد أدرك جيدا أن مقصد هذا البحث ليس تعميم صورة نمطية للعمل السياسي وللتعامل مع الانتخابات باعتبارها أهم آلية للإصلاح، بل إن مقصده الأساسي هو بيان أهمية مراعاة خصوصيات الواقع الميداني في هذا المجال.

 ليس المطلوب إذن تجريم فكرة المغالبة بالوسائل الانتخابية. فمن الناحية النظرية الصرف، قد يجوز أن يكون الهدف من خوض انتخابات ما، في مرحلة بعينها، هو إثبات حضور سياسي قوي لتحقيق مقاصد تكتيكية محددة، أو الدخول في اختبار قوة من أجل الإطاحة بطاغية مستبد أو بحزب حاكم ما عن طريق صناديق الاقتراع. لكن ذلك الهدف لا يجوز أن يتم تبنيه في أي مرحلة اتفق، فضلا عن أن يكون المضي في إنجازه متروكا للارتجال والعرضية. بل يلزم أن يتم اختياره في التوقيت المناسب وفي الظرف الذي يتيح تحقيقه وفق تصور استراتيجي محكم.

 وفي جميع الأحوال، فإن الحكمة تقتضي من الإسلاميين ومن كل قوى التغيير قي العالم الإسلامي أن لا يجعلوا تعاملهم مع الانتخابات محكوما بحسابات النتائج الآنية، بل الأجدر أن يؤسسوه على تصور أعمق للعمل السياسي، يأخذ في الاعتبار أبعاده المجتمعية والحضارية والتاريخية، حتى لا تنحصر همتهم في المنازلات الانتخابية الموسمية من أجل الظفر بمواقع في أجهزة السلطة، بل تنصرف إلى النهوض بالوعي العام، وإصلاح العلاقات الاجتماعية، وتقوية إرادة التغيير والإصلاح لدى أوسع القطاعات الشعبية. آنذاك تأخذ الانتخابات حجمها المناسب ضمن مشروع الإصلاح الشامل، ولا تغدو هي بداية العمل السياسي ومنتهاه، بل يكون خوضها تتويجا لمسار من الكدح اليومي الدائب في سبيل تغيير ما بالأنفس.


الهوامش:

 (1)- يقول الإمام حسن البنا في هذا المعنى: "أيها الإخوان: أنتم لستم جمعية خيرية ولا حزبا سياسيا ولا هيئة موضعية لأغراض محدودة المقاصد، ولكنكم روح جديد يسري في قلب هذه الأمة..." انظر: الإمام حسن البنا، بين الأمس واليوم، ص31، طبعة عويدات، بيروت، بدون تاريخ.

 (2)- انظر: الإمام حسن البنا، رسالة المؤتمر الخامس، ص56، طبعة عويدات، بيروت، بدون تاريخ.

 (3)- ينطبق هذا القول على أغلب التنظيمات التي توصف اليوم بالجهادية في جميع أنحاء العالم.

 (4)- يقول تقي الدين النبهاني مؤسس حزب التحرير الإسلامي: "فلا يجوز مطلقا أن يقال الجمهورية الإسلامية، ولا يجوز أن يقال إن الإسلام نظام جمهوري؛ لوجود التناقض بينهما في الأساس الذي يقوم عليه كل منهما؛ إذ أساس النظام الجمهوري أن السيادة للشعب، والنظام الإسلامي يجعل السيادة للشرع لا للشعب ولوجود الخلاف بينهما في التفاصيل". النبهاني، نظام الحكم في الإسلام، ص 106، دار الكشاف، ط 2، بيروت 1953.

 (5)- انظر فصل: "حول الصفة الإسلامية لحركة الاتجاه الإسلامي" في كتاب: الذكرى الثالثة، ص 16، بدون دار نشر، تونس 1984.

 (6)- لقد ظهر هذا الجدل مع نشأة الحركات الإسلامية المعاصرة، لكنه اتخذ صبغة نظرية أعمق منذ سبعينات القرن الماضي، حيث حفلت به الأدبيات المتنوعة. وقد انعكس ذلك في مجلة "المسلم المعاصر" التي دار على صفحاتها، على امتداد أعداد متتالية ، حوار حول: حق المسلم في الانتماء السياسي. انظر مجلة "المسلم المعاصر"، العدد، 14( أبريل - مايو - يونيو 1978) وما بعده.

 (7)- لقد ظل كثير من قادة الفكر والساسة الفرنسيين يروّجون لهذا الزعم الاستعماري على الدوام. لا بل ظلت الدولة الفرنسية ذاتها تتبناه رسميا إلى اليوم: فقد صادقت الجمعية الوطنية الفرنسية ( البرلمان) مؤخرا ( في فبراير/ شباط 2006) على قانون استفزازي يعتبر أن الاستعمار الفرنسي كان ظاهرة

إيجابية.

 (8)- هذا السؤال مقتبس من كتاب ألفه المفكر المصلح شكيب أرسلان تحت عنوان: "لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟".

 (9)- عن عائشة رضي الله عتها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا عائشة عليك بالرفق فإنه لا يدخل في شيء إلا زانه ولا يُنزع من شيء إلا شانه" رواه مسلم.

 (10)- ورد في الحديث النبوي الشريف: "إن من أعظم الجهاد عند الله كلمة عدل عند سلطان جائر" رواه أبو داود والترمذي.

 (11)- عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله ما خُير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما" رواه البخاري.

 (12)- لقد وضعت حركة النهضة التونسية إبان انتخابات 2 أبريل/ نيسان 1989 خطة انتخابية صادق عليها مجلس شوراها، قررت فيها المشاركة الرمزية بصيغ مختلفة في خمس دوائر انتخابية على أقصى تقدير، أي في أقل من ربع جملة الدوائر الموجودة في كامل البلاد وقتها. لكن اندفاع أبنائها وبعض قيادييها كرس على الأرض واقعا آخر، وجعل الحركة تنزلق إلى المشاركة المدوية في جميع الدوائر الانتخابية، مما أزعج خصومها في داخل البلاد وخارجها.

© aqlamonline 2006