انخراط الإسلاميين في الانتخابات
هل يكون للمشاركة أم للمغالبة؟

العدد الثامن عشر
السنة الخامسة / جويلية - أوت 2006

بنعيسى الدمني

إن خوض التيار الإسلامي غمار العمل السياسي وفق قواعد تعدد الأحزاب بات اليوم ظاهرة لافتة تحظى باهتمام دوائر البحث، وتحيّر مراكز صناعة القرار في جميع أنحاء العالم. ولا غرو، فقد عُرف عموم هذا التيار في بداياته الأولى، منذ عشرينات القرن الماضي، بطغيان الفكر العقائدي على الفكر الاجتماعي والسياسي لديه، وبصدوفه عن التشكل الحزبي(1)؛ إلى حد أن بعض رواده الأوائل اعتبروا أن دعوتهم تسمو على السياسة، ونادوا حتى بحل الأحزاب السياسية القائمة في زمانهم(2).

 وإذا كانت ظروف القمع الداخلي والتسلط الخارجي قد دفعت ببعض مكونات التيار الإسلامي في بلدان بعينها منذ الخمسينات، إلى اعتماد خيار العنف فكرا وممارسة، دون الانخراط في المنظومة الحزبية أو في العمل الانتخابي(3)، فإن تلك الظروف قد أسهمت في الدفع بآخرين إلى تشكيل أحزاب سياسية تعتمد السرّية، وتنأى بنفسها عن خوض الانتخابات، لأنها لا تقول بالديمقراطية ولا بالنظام الجمهوري، بل تعتبرهما من المحرمات(4).

غير أن القطاع الأوسع قي التيار الإسلامي رفض الانجرار وراء غواية العنف الأعمى، وأبى تبني أسلوب العمل السري، والتورط في نهج التحريم المفضي إلى تضييق المباح، وربما إلى تكفير الناس على غير بصيرة. بل آثر قي مقابل ذلك أن يباشر العمل السياسي في كنف العلنية، وبالوسائل السلمية المشروعة. وها هو اليوم يمثل إحدى أهم القوى الانتخابية التي يُقرأ لها أكثر من حساب في معظم البلدان العربية والإسلامية.

ورغم أن الأنظمة الحاكمة والجماعات العلمانية ظلت تجادل الإسلاميين إلى اليوم حول مدى مشروعية الجمع بين الصفة الدينية والصفة السياسية(5)، فقد تجاوزت أغلب الحركات الإسلامية هذا الجدل(6)، بعد أن ترسخ لديها اقتناع بأن العمل السياسي، بما يقتضيه من انتظام حزبي، وانخراط في الانتخابات العامة، هو جزء أصيل من رسالتها الشاملة، وأنه هو المدخل الضروري إلى إصلاح المجتمعات العربية والإسلامية على جميع المستويات. وقد حصل هذا التطور في خضم تحديات نظرية وأخرى عملية مستجدة، تطلبت ولا تزال تتطلب كثيرا من النظر والاجتهاد ودقة التخطيط.

 وهذا ما حفزنا على تخصيص هذه الصفحات للنظر في مسيرة الانخراط السياسي، ومتطلباتها الإستراتيجية، والتساؤل خصوصا عن غائية التعامل الميداني مع الانتخابات، ومدى تأثير تلك الغائية على حجم ذلك التعامل وعلى كيفيته ووسائله، ضمن المرحلة التاريخية التي يتنزل فيها؛ مجتنبين التقيّد ببلد بعينه، أو بتجربة مخصوصة، ومحاولين، في نفس الوقت، عدم الوقوع في التعميم المخلّ، ما استطعنا إلى ذلك سبيلا.

السياق التاريخي للمشاركة السياسية

لقد عَرف المسلمون طيلة القرون الخوالي حقبة من الخمول الحضاري بسبب حال الانحطاط الذي زُرعت بذوره السياسية الأولى بانتصاب نظام المُلك الوراثي غصبا وعدوانا على أيدي الأمويين (سنة 41 للهجرة)، وظهرت بوادره الفكرية في القرن الخامس الهجري بفعل تعطل حركة الاجتهاد، وغلبة تيار التصوف. ثم استتب ذلك الانحطاط في الأمّة بشكل شامل في أواخر القرن الثامن الهجري الموافق للقرن الرابع عشر الميلادي: قرن عبد الرحمان بن خلدون، وتقي الدين المقريزي، وأبي إسحاق الشاطبي. وثلاثتهم قد مثلوا تقريبا آخر من أنتجتهم الحضارة الإسلامية في العصر الوسيط من مجددين في علوم الدين، وفي علوم الإنسان والمجتمع، لم يتوافر في الأمة آنذاك مَن واصل مشاريعهم التجديدية من بعدهم، لنضوب المعين، واكتفاء المسلمين بتقليد مذاهب السلف وعكوف علمائهم في الغالب على شرح المتون والحواشي.

وقد استمرت حالة الخمول قرونا، عمّ فيها الجهل على أوسع نطاق، واستحكم الاستبداد بالشعوب، واستشرى الفقر، وضعف كيان الأمة العام. فكان من نتائج ذلك أن توافرت في المسلمين قابلية للاستعمار، استغلتها القوى الأوروبية، التي بنت نهضتها في تلك الأثناء، فغزت أغلبَ البلدان الإسلامية في القرن التاسع عشر الميلادي، بدعوى أنها جاءت تحمل إليها "رسالة تمدينية" (7). غير أن تلك "الرسالة" لم تكن في حقيقة الأمر سوى جريمة احتلال بغيض، جثم على صدر البلدان الإسلامية طيلة حقبة زادت على القرن ونصف القرن، وظل ينهب ثرواتها، ويستغل شعوبها في أعمال اقتصادية وحربية أملتها مصالح الأوروبيين وأطماعهم التوسعية. مما زاد البلدان الإسلامية تخلفا وهوانا.

ولئن اجتهدت حركات النهضة والإصلاح المعاصرة في طرح الأسئلة الجوهرية من أجل فهم أسباب "تأخر المسلمين وتقدم غيرهم"(8)، وحاولت بلورة إشكاليات النهضة ورسم سبلها، فإن ما قدمته من إجابات ومقاربات غالبا ما كان نظريا، وذهب في تصور الإصلاح مذاهب شتى: فقد تفرق روادها بين مُطالِب بإعطاء الأولوية للتربية والتعليم (مثل محمد عبده)، وقائل بضرورة مقاومة المحتل وإصلاح النظم السياسية (مثل جمال الدين الأفغاني وعبد الرحمان الكواكبي)، وداع إلى الإصلاح الديني (مثل محمد رشيد رضا) ومناد بالإصلاح الاجتماعي (مثل الطاهر الحداد وقاسم أمين).

وإذا تجاوزنا الوقوف على ما وجهه بعض الدارسين ومؤرخي الأفكار من نقد إلى بعض هذه الحركات فيما يخص أصولها الفكرية وصفاء رؤاها الحضارية، فإنه يمكن القول إن جملة أفكارها قد شكلت إضافة مهمة في رصيد نهضة المسلمين وتقدمهم. لكن تلك الأفكار الإصلاحية لم تكن كافية وحدها لزحزحة الاستعمار عن بلاد المسلمين. بل تطلب الأمر قيام حركات التحرر الوطني التي، لئن أفادت من تلك الأفكار كثيرا أو قليلا، فإنها قد اعتمدت أسلوب الجهاد المسلح المسنود بالنضال السياسي لتحرير كل البلدان الإسلامية من الاستعمار، عدا فلسطين التي انتقلت مباشرة من حكم الانتداب البريطاني إلى حكم الاحتلال الصهيوني بتواطؤ غربي سوفييتي غادر، أتاح للبريطانيين تحديدا وللأوروبيين بشكل عام ضرب عصفورين بحجر واحدد:

 - فهم قد وفروا لليهود أرضا يهاجرون إليها، وتمكنوا بذلك من خفض كثافة الحضور العبري الذي طالما أزعجهم على أراضيهم، ونجحوا موضوعيا في تحقيق ذات الهدف العنصري الذي ابتغاه هتلر حين قام باضطهاد اليهود وترحيلهم قسرا عن بلاده وعن مجال نفوذه الأوسع.

- وهم، منذ وعد بلفور سيء الذكر، قد تصرفوا في أرض فلسطين تصرف المالك، بدون وجه حق، فوهبوها ظلما لليهود، وأصابوا الجسم الإسلامي الكبير بجرح مفتوح، ظل يستنزف قوى الأمة، ويعطل نهضتها إلى اليوم. لكن ذلك الجرح أضحى بمرور الزمن حافزا على إذكاء جذوة المقاومة، وتوقد روح التحرر لدى جميع المسلمين، وجلب تضامن كل أحرار العالم مع الشعب الفلسطيني المظلوم.

 وإذا استثنينا الحالة الفلسطينية، التي لم تزل بعدُ في مرحلة نضال وطني من أجل الاستقلال، يجوز القول إن سلسلة الاستقلالات، التي تحققت في البلاد العربية والإسلامية فيما بين ثلاثينات القرن العشرين وستيناته تقريبا، قد آلت إلى نشأة دول وطنية سرعان ما طوت صفحة الماضي، واستبدلت المهام التحررية بمهام تنموية، رغم أنها لم تستكمل بعدُ شروط التحرر الوطني التام من الوصاية الاستعمارية التي أصبحت، بعد إمضاء وثائق الاستقلال، تتخذ أشكالا غير مباشرة. وغنيّ عن القول إن تلك الدول الفتية لم تستوف كذلك شروط النهضة الشاملة من باب أولى. لذلك فإنها غالبا ما أخفقت في النهوض ببلدانها إخفاقا ذريعا، وعجزت عن تلبية مطالب شعوبها في ترسيخ هويتها الحضارية، وتأسيس الحكم على الشرعية الانتخابية، وإقرار الحريات، وكفالة العدالة والعيش الكريم لجميع فئات المجتمع في كنف الاكتفاء الذاتي وبعيدا عن التبعية للخارج.

 ويجد هذا العجز تفسيره تاريخيا في كون دول الاستقلال في العالم الإسلامي لم تتأسس على رؤى دستورية راسخة في الديمقراطية، ولم تنهض لتنفيذ خياراتٍ وبرامج سياسية اختارتها شعوبها بحرية، بل تأسست على مقاسات أفكار زعمائها ومصالحهم، وحتى أمزجتهم الخاصة أحيانا. كما عملت تلك الدول على فرض برامج منبتة، وسمحت بأن تكون الأحزاب الحاكمة أدوات لانفراد زعمائها بالسلطة: ولئن اتسمت تلك البرامج بعدم الاستقرار في جوانبها الاقتصادية والاجتماعية - لأنها غالبا ما كانت تعكس أصداء تقلبات الفكر التنموي في العالم الثالث طوال النصف الثاني من القرن العشرين - فإنها كانت، في جوانبها السياسية، ثابتة عموما في ترسيخ أنظمة حكم سلطوية غالبا ما كان قادتها يستعيضون عن الشرعية الانتخابية بشرعية تاريخية أو نضالية مزعومة، كانوا يوظفونها من أجل البقاء في السلطة مدى الحياة.

لقد رفض جيل الاستقلال هذه الأوضاع. ولم تنطل عليه مزاعم خطاب الأنظمة الرسمي الذي دأب على تصوير الحكام على أنهم أبطال وطنيون. ورغم إمعان أغلب الأنظمة العربية والإسلامية في قمع الحريات، وتأجيل الديمقراطية، بذريعة التفرغ لإنجاز مهام التنمية الاقتصادية والاجتماعية حينا – وهو الحال الغالب – أو بدعوى إعطاء الأولوية لمقاومة الاحتلال الصهيوني حينا آخر – على غرار ما فعلت ولم تزل تفعل بعض أنظمة المشرق العربي، التي اعتاشت على القضية الفلسطينية طوال عقود – فإن كل ذلك لم يفلح في إثناء جيل الاستقلال عن التطلع إلى التغيير والحرية.

فقد رأيناه عبّر عن ذلك التطلع في أكثر من بلاد، وأثناء أكثر من انتفاضة، وبأكثر من أسلوب؛ وخاض في سبيله عدة مواجهات ضد أنظمة سياسية، لم تدرك جيدا أنها بإزاء جيل مستعص، حنكته التجارب، وتراكم لديه إلى جانب رصيد المقاومة والكفاح الوطني، الذي ورثه عن آبائه وأجداده، تراثٌ وفير من فكر النهضة والإصلاح، وتفتحَ ذهنه على مبادئ وقيم تحررية، تعلم بعضها في المدارس الحديثة، ونهل البعض الآخر من معين الفكر الإسلامي المعاصر، ومن معين الفكر الإنساني الحر.

 وإذا كان الرعيل الأول من التيار الإسلامي المعاصر قد اضطلع، بالتوازي مع كفاحه ضد الاستعمار، بمهام التأسيس التنظيمي، وإعادة الاعتبار لعقائد الإسلام وقيمه الثقافية والاجتماعية، مستلهما ذلك من فكر حركة الإصلاح، التي هو امتداد لها؛ فإن جيل الإسلاميين الثاني، الذي نشأ معظمه في مرحلة الاستقلال، قد تجاوز المتطلبات التأسيسية، ولم يكتف بالأنشطة الدعوية والاجتماعية، بل انخرط في العمل السياسي الرافض للهيمنة الخارجية والاستبداد الداخلي، والمناضل من أجل التحرر والإصلاح. فأمكنه أن يسهم بمعية المخضرمين من جيل التأسيس الأوائل، في تطوير الحركات الإسلامية على هذين الصعيدين المتوازيين:

1- فعلى صعيد التحرر الوطني، أحيى التيار الإسلامي في النفوس روح المقاومة، وكرسها عمليا في جبهات التماس مع المعتدين. وناضل من أجل كسر روابط التبعية للغرب بكل أشكالها الثقافية والاقتصادية وغيرها. فكان بذلك قوة ممانعة في وجه ممارسات الهيمنة والتهديدات الأجنبية؛ وحال بالتالي دون انسلاخ الأمة عن مهام التحرر التي تعاظمت إلحاحيتها الإستراتيجية، في ظل أوضاع العولمة، وبعد عودة ظاهرة الاستعمار من جديد، بوجه أقبح مما كانت عليه في الماضي، إلى كل من أفغانستان والعراق إضافة إلى فلسطين.

 2- وعلى صعيد الإصلاح الداخلي، عمل التيار الإسلامي في كل الأقطار التي يتحرك فيها، على دخول مرحلة جديدة من العمل السياسي بالوسائل السلمية والقانونية وفق قواعد تعدد الأحزاب، من أجل تنشيط المجتمع المدني، والإسهام بمعية بقية الأطراف المؤمنة بضرورة التغيير الديمقراطي، في إصلاح ما فسد من أوضاع الحكم، وانتزاع ما أمكن من مكاسب لفائدة الحريات العامة وحقوق الإنسان. وقد مثل ذلك تطورا تاريخيا مهما، استدعى إنجازه جهودا محمودة بذلها المجددون من أهل العلم، بتقحّمهم مجالات من البحث نادرا ما ولجوها من قبل - رغم أن لها أصولا ثابتة في النصوص والمقاصد الشرعية - وبحسمهم إشكاليات نظرية أفرزتها تحديات المرحلة الجديدة.

من التجديد الفكري إلى التخطيط الاستراتيجي

لقد استند هذا التطور في مسار التيار الإسلامي بالفعل إلى رصيد من التجديد الفكري الذي نهض به جمهرة من العلماء المجتهدين والمفكرين الأكاديميين والقادة التنظيميين الذين نمَوْا داخل الحركات الإسلامية أو قريبا منها، والذين أفادوا من تجاربها الفائتة كثيرا من العبر والقرائح التجديدية. ولئن تحققت على هدا الصعيد النظري مكاسب لا بأس بها، من أبرزها الاستعاضة عن فكرة المفاصلة مع الواقع بفكرة المشاركة فيه، فإن جهودا إضافية من الاجتهاد ما زالت تنتظر من ينهض بها حتى يزداد العقل الإسلامي تشبعا بهذه الفكرة وفهما لأبعادها ومتطلباتها النظرية والعملية. وعلى أية حال، فإن البحث الفكري لم ينقطع يوما داخل الإسلاميين - بالتزامن مع مشاركتهم الفعلية في العملية السياسية- حول كثير من القضايا والإشكاليات النظرية ذات الصلة بالشأن السياسي من قبيل: الديموقراطية، والمواطنة، والمجتمع المدني، وسلطة الشعب، وحرية الضمير، والحق في المغايرة إلخ... وهو ما من شأنه أن يساعد كثيرا على تأصيل الخيارات، وتوضيح الرؤى، وتسديد المسيرة.

 وتزامنا مع سياقيْ التجديد النظري والنضال السياسي، تبدّت إشكاليات من جنس استراتيجي آخر، نحسب أنها لا تقل أهمية عن القضايا النظرية، وأنها جديرة بكل عناية. إذ لا يكفي أن يكون للإسلاميين رؤى فكرية واضحة ومتطورة لكي تكلل مشاركاتهم السياسية بالنجاح مبدانيا، بل يحتاج الأمر فوق ذلك إلى تخطيط استراتيجي محكم وكفيل بأن ينزّل تلك الرؤى في الواقع. ويتعين على هذا التخطيط أن يأخذ بعين الاعتبار جميع المعطيات الميدانية، الذاتية والموضوعية، التي لا يجوز إغفالها في أيّ عمل سياسي. ذلك أن المخططات هي التي تترجم الأفكار النظرية إلى برامج مفصلة قابلة للتطبيق، وتجيب على جميع الأسئلة العملية المرتبطة بالممارسة. وهي التي تحُول بالتالي دون تورط الإسلاميين في الاندفاع الأرعن الذي قد يحوّل عملهم السياسي ومشاركاتهم الانتخابية إلى منازلات تعبوية مبهمة المقاصد ومشوّشة المضامين والوسائل.

 ونحسب أن أهم سؤال عملي يتعين على الاستراتيجيين الإسلاميين اليوم أن يجيبوا عليه هو: كيف يتم ضبط هدف واضح لكل مشاركة في الانتخابات تعتزم حركاتهم خوضها مستقبلا؟ لأن وضوح الهدف يعد شرطا لازما لتحديد حجم المشاركة وضبط كيفيتها ووسائلها.

 وإذا أردنا مزيدا من الدقة، فلنقل إن المطلوب هو الاختيار، في حدود كل ظرف سياسي وضمن كل مرحلة تاريخية، بين أحد هذين الخيارين:

 * إما أن تكون مشاركة الإسلاميين في الانتخابات مشاركة قوية وكاسحة، تحدو أصحابها إرادة المغالبة من أجل اعتلاء سدة الحكم بتفويض شعبي، واستبدال رئيس برئيس أو حزب حاكم بآخر،

 * وإما أن تكون مشاركةً محسوبة، غايتها ترسيخ التقاليد الانتخابية، والتدرب عليها، وتحصين المجتمع بمؤسسات ديموقراطية وبدفاعات مدنية قوية، والانخراط في مشروع تغيير تدريجي يشترك في تبنيه وإنجازه أكثر ما يمكن من أطراف سياسية فاعلة في المجتمع.

 ومن المعلوم أن لكل واحد من هذين الخيارين خلفيات تصورية سياسية محددة، وأن له كذلك شروطا ظرفية تمليه، ومستلزمات على مستوى الوسائل والاحتياطات، مما يعَد من مشمولات التخطيط المسبق. وإذن فإن حسن الاختيار يحتم على الاستراتيجيين توخي الدقة في قراءة الشروط الظرفية لكل استحقاق انتخابي، وفهم خصائص المرحلة التي يتنزل فيها، سواء على مستوى قدرات قوى التغيير، أو على مستوى محيطها الموضوعي وما يتحمله من تغيرات.

 ولا مندوحة، في هذا السياق، عن الاتعاظ بتجارب الماضي القريب: فبعد حصيلة وفيرة من المشاركات التي خاضها الإسلاميون في كثير من البلدان ترشيحا وتصويتا، طيلة العقدين الأخيرين على وجه الخصوص، وفي ضوء تباين نتائج تلك المشاركات واختلاف تداعياتها من بلد إلى آخر، يتحتم القيام بنقد ذاتي، ينتهي إلى تقويم شامل لتلك التجارب، من أجل الإفادة بجوانبها الإيجابية، وتلافي الوقوع في نقائصها أو تكرار أخطائها.

وإن أهم فائدة عملية يؤمل أن يخرج بها الإسلاميون من هذا العمل النقدي، هي عدم تحول مشاركتهم الانتخابية في المستقبل إلى عمل صِدامي يخرج عن القواعد المدنية ويصب موضوعيا في خدمة سياسات كثير من الأنظمة التي تتبنى الديمقراطية شعارا للمزايدة وتلميع الصورة، لكنها لا تتردد في تزييف الانتخابات والسطو "سلميا"، أو بوسائل القرصنة السياسية العنيفة، على اختيارات شعوبها، كلما أحست بخطر قلب موازين القوى لغير صالحها بواسطة صناديق الاقتراع.

في سبيل إستراتيجية للمشاركة

لم يعد خافيا على أحد أن أنظمة الحكم التي تعمد إلى تزييف الانتخابات وتعطيل الديمقراطية في العالم الإسلامي، عادة ما تبرر صنيعها "بمقاومة المد الأصولي" وحماية المجتمع من مخاطره، في محاولة منها لتحييد الأطراف العلمانية أو لاستمالتها في الداخل، ولاسترضاء القوى الدولية في الخارج. وهي كثيرا ما تستند في ذلك التبرير، علاوة على ضخامة المشاركة الإسلامية وطابعها الاندفاعي المثير، إلى تفرد الإسلاميين أحيانا بمطالب وشعارات عامة لا تشاركهم فيها أطراف حزبية أخرى، ولا تحظى بأي تفهم غربي: من قبيل"المطالبة بتطبيق الشريعة" وإعلان أن "الإسلام هو الحل".

 إن تبني هذا النوع من المطالب السياسية في الحملات الانتخابية لهو في حاجة أكيدة إلى مراجعة حكيمة تستند إلى تصور جديد للعمل الانتخابي قوامه الاعتماد على البرامج العملية أكثر من الاعتماد على الشعارات النظرية التي، لئن كانت لا اعتراض على مضامينها من الناحية المبدئية، إلا أنها لا يمكن بحال أن تقوم مقام البرامج من حيث الوضوح والتفصيل والفاعلية السياسية. فضلا عن كونها شعارات قد تسببت في كثير من سوء التفاهم بين الإسلاميين وبين أحزاب أخرى ليست كلها معادية للدين، وساهمت أيضا، في أكثر من بلاد، في الحيلولة دون قيام عمل مشترك لفائدة الحريات والمصلحة العامة، رغم أن ما يجمع بين أبناء البلد الواحد على هذا الصعيد هو عمليا أكثر مما يفرّق.

إن واقع المسلمين الذين يواجهون اليوم تحديات مصيرية على جميع المستويات، لا يتحمل مزيدا من التفرقة السياسية وتشتت جهود العاملين من أجل الإصلاح. لذلك فإن المسؤولية ملقاة على الإسلاميين بشكل خاص لكي يسعوا إلى توحيد الجهود والإرادات الخيّرة داخل مجتمعاتهم لمواجهة تلك التحديات بأنجع الوسائل الجماعية. ونحسب أن ذلك لا يتسنى لهم إلا بوضع إستراتيجية مشاركة تجنبهم التحرك الانفرادي العقيم، الذي قد تدفع إليه الثقة المفرطة في النفس أ