تونس
-
خاص - أقلام
اون لاين
(محمد حمروني)
كان من
الطبيعي أن
يجلب
الديوان
الأخير
للشاعر
بحري
العرفاي
انتباه
الكثيرين،
وخاصة من
محبّي
الشاعر
وأصدقائه
ومن النقاد
والصحفيين.
إذ مثل ديون
"اختلف"
غيثا بعد
طول انقطاع،
وعودة بعد
طول انتظار،
وشدو بعد أن
فقدت
الأنغام
ألحانها
والطيور
شداها.
وبقدر ما
افرح هذا
الغيث كل
ارض سقاها،
وكل نبتة
رواها، فقد
وضع عن كاهل
الشاعر
حملا ثقيلا
وهمّا
كبيرا.
فسماؤه
كانت حبلى،
وكانت
تزداد
امتلاء،
وكان لابد
لها أن "تضع"
قبل أن
تتبعثر
أركانها،
وتنخرم
موازينها،
وتقع على
الأرض. هي
رحلة الهمّ
والأحزان،
وخلاصة
خمسة عشر
سنة من "الإلجام"،
يبلغ معها
شاعر "الإنسان"
حدّ تمني
الموت،
عندما تصبح
"الحياة هي
المشكلة"،
كما يقول في
قصيدة "صمت".
حول ديوانه
الأخير وما
تمثله
بالنسبة
إليه هذه
العودة،
وحول
معاناته
خلال سنوات
الصمت
وغيرها،
كانت لنا مع
هذا الشاعر
الكبير،
صاحب القلب
الكبير هذه
الدردشة.
ولأني اعرف
عن صديقي
عشقه
للحرية،
خاصة إذا
تعلق الأمر
بالكلمة،
وهو الذي
تربى مع
صقور جبل "ريحان"،
وركض خلف
طيوره،
وعشق
رحابته
واتساعه،
لم أشأ أن
أضيّق عليه
بالأسئلة،
وخيرت أن
يكون
الحديث معه
"في مقام"
الإمتاع
والمؤانسة.
وإني اشكر
له صدقه
الكبير
وشجاعته،
خاصة عند
حديثه عن
معاناته "أيام
الدخان"،
كما يحلو له
أن يسميها،
وعند
استعراضه
لأوجاعه
وتقلباته
على فراش "الصمت
والإلجام"،
بعد أن كان
طائرا حرا "يشدو
بما شاء وحي
الإله"،
بعد أن تشتت
الجمع،
ونأى كل
بجانبه
يردد بشفاه
مرتجفة "لو
أن لي بقوة
أو آوي إلى
ركن شديد".
اختلف هو
صرخة "الإنسان"
"أختلف"
يقول "الإنسان
" الكامن
فينا، لم
يكنه أحد
ولن يكونه.. "أختلف"
تعبير عن
الهوة
الفاصلة
بين ما هو
كائن وبين
ما يجب أن
يكون.. بين
الموجود
والمنشود.
بين "الإنسان"
بما هو كائن
مجرّد،
وبين ما هو
كائن بشري
تحكمه
الغريزة
والشهوة،
خاضع
لسلطات
متعددة.
سلطة الجسد،
وسلطة رأس
المال
وسلطة
الاستبداد
وسلطة
التقليد.
اختلف هي
صرخة "الإنسان"
الكامن في
كل فرد،
يحتج على ما
يرتكب في
حقه من
تشويه
وتحريف،
وتفريغ من
معاني
الحياة
والإنسانية،
وتجفيف من
ينابيع
المحبة
والغيرية
والصفاء. "اختلف"
هي إجابة "الممكن"
على "الواقع"،
وتعبير عن
فشل الرحلة
البشرية،
حين لم تنته
إلى سعادة
الإنسان،
وتحقيق
الأمن
المدني
والأمان
النفسي،
وبناء
علاقات مع
الطبيعة
ومع
التاريخ
ومع
المكونات
الحضارية
والثقافية
في نسيج
إبداعي
متحرك
ومتدافع،
بما يجعل لـ"الحياة"
معنى يختلف
عن حالة
العيش،
التي يشترك
فيها البشر
مع الحيوان.
اختلف
حتى مع نفسي
فمع من
سأتفق؟
نحن نتمنى ما
نريد، أو
نريد ما
نشاء ... ولكن
لا نكون ولا
نفعل إلا ما
نقدر. فـ"أنا"
الفكرة
والمبدأ
والحلم،
تختلف عن "أنا"
الواقع
المتحرك، "أنا"
النص
والسّخنة
الشعورية
والرؤية
الفكرية
والمواعيد
البعيدة مع
التاريخ
تختلف عن "أنا"
المحكوم
بمعوقات
شتى.
وكما في
قانون
الطبيعة
تتحدّد مدى
خصوبة
البذور
بالتربة
والمناخ ...
فإن
العوامل
الاقتصادية
والثقافية
والاجتماعية
والسياسية
محدّدة
لملامح
الشخصية،
لا بمعنى
التحكم
فيها
وضبطها،
وإنما
بمعنى
تعطيل أو
تأجيل أو
إبطاء
تجليها
وتبديها في
الممارسة
والفعل في
التاريخ..
إنها علامة
صحيّة أن "يظل
الفرد"
مدركا
لاختلافه
مع نفسه، لا
يقنع بواقع،
ولا يتوقف
عن التجدد
والترقي.
مع من اتفق؟
لا اتفق مع
أيّ "شيء"،
ولا مع أيّ
واقع، ولا
مع أيّ "أحد"،
وإنما أحرص
على
التوافق مع
كل "شيء"،
ومع كل واقع،
ومع كل أحد،
بما يجعل
التحاور
والتعايش
والتعاون
ممكنا في
حالة من
التفاعل
والتدافع
الهادئ.
حول
الأغراض
الشعرية:
الشعر
تخطّف
للمعاني
السامية
إن كلمة "أغراض"
كاستعمال
تقليدي لدى
النقاد
يحيل إلى
كون الشاعر
يشتغل على
محاور
محددة،
ويرمي
لبلوغ هدف
معين،
يرسمه
مسبقا، وهو
ما لا ينسجم
مع طبيعة
الشعر، بما
هو حالة
وجودية،
وتخطّف
للمعاني
السامية،
وتمرد على
كل
التشوهات.
إن الشاعر
لا يلزم
نفسه "بأغراض"
محدّدة،
يشتغل
عليها.. إنه
ينفذ إلى كل
تفاصيل "الواقع"،
ومفاصل
العلاقات
في كل
اتجاهاتها..
ينفذ إليها
بطاقته
الروحانية
المتوهجة،
وبرؤيته
الاستشرافية،
يكشف عن
الأعطاب
ومواطن "الموت"،
ويبشر
بصورة "الإنسان"
أرقي وأنقى.
إن الشعر بما
هو "فيض"
إنساني له
قدرة –
كالماء – على
التسرب إلى
كل شقوق
ومسام
الواقع،
يغرس فيه
الأسئلة
الموجعة،
ويمسح بعضا
من أدرانه
وكآبته
وزيفه،
وينشط فيه
خلايا
الحياة.
اختلف مع
الذين
يقولون إن
الشعر
صناعة،
واختلف مع
القائلين "أصدق
الشعر
أكذبه"،
فالهوية
عندي – كغرض
إن صحت
الكلمة -
ليست مجرد
انتماء
قومي أو
قطري أو
ديني.. إنها "هوية
إنسانية"،
وهو ما يتفق
مع روح "الإسلام"
العظيم،
الذي يسوّي
بين كل
البشر في
القيمة
الإنسانية،
ويدعونا
كمسلمين
إلى معاملة
أصحاب
المعتقدات
المخالفة
على هذا
الأساس.
"المرأة"
عندي ليست
مجرد غرض
شعري!
إنها دفق
الشعر ذاته..
إنها ماء
الحياة
وروحها،
وهي أعظم من
أن
يتناولها
الشعر كجسد.
إن شعراء
الغزل لا
يختلفون في
شيء عن
مؤسّسات
الإشهار
حين
يستعملون
جسد المرأة
لتنمية
الاستعدادات
الاستهلاكية،
وتهييج
الغرائز.
إنه اعتداء
شنيع على
كرامة
المرأة
وإنسانيتها،
في عصر يزعم
فيه الساسة
والحداثيّون
التبشير "بحرية
المرأة".
إن
الفضائيات
العربية
والغربية
على
السّواء
تحولت في
غالبيتها
إلى مسالخ،
يعرض فيها
اللحم
الأنثوي
بأساليب
مهينة، وهنا
أدعو
المدافعين
عن كرامة
الإنسان
إلى تحشيد
رأي عام من
الرجال
والنساء،
وتنظيم
أشكال
احتجاجية
أمام محطات
البثّ في
مختلف
أرجاء
العالم، ضد
هذا السلخ
اليومي "للمرأة".
حراس "المقابر
الجماعية"
اعتقد أن
المساهمين
في صنع
المشهد
الثقافي هم
شركاء إلى
حدّ ما في
صنع ملامح
الواقع
المعيش. إن
الواقع
الاجتماعي
باختلاف
تجلياته هو
ترجمة
عملية
لثقافة
وقيم ما. وإن
مثقفي
السلطان
والمرتزقة
والمخاتلين
والتافهين
هم الحزام
النظري
للتخلف
والاستبداد
والفساد..
إنهم حراس "المقابر
الجماعية"،
بما
يرتكبونه
من جرائم
ثقافية
يفسدون
الذائقة،
ويشوهون
الجمال،
ويغتالون
معاني
الحياة،
وينمقون
الفراغ،
ويسترون
الرداءة.
إنهم اخطر
من مروّجي
الأفيون،
لأنهم لا
يقعون تحت
طائلة
قوانين
مكافحة
المخدرات،
بل هم
ينشطون
بحرية
ويكافؤون!!
أنا لا
استغرب
استمامة أي
سلطة
سياسية في
الدفاع عن
ديمومتها،
وبأساليب
مختلفة،
ولكن
استغرب أن
يشتغل "مثقفون"
و"مبدعون"
في كسر "الأوعية"،
وتجريف
منابت
الحياة
والجمال،
وترويج
الفراغ
والوهم،
وحجب
الرؤية
بدخان
الزيف.
أي فرق بين
جهل يشقينا
وثقافة لا
تسعدنا؟! أي ثقافة
لا تكشف عن
معنى
الإنسان
وفلسفة
الوجود
ونبض
الحياة؟ أي
ثقافة هذه
التي لا
يجرؤ
أصحابها
على نقد،
ولا يقبلون
بفكرة
مختلفة،
ولا يقومون
لتبديد
الظلمة،
ودفع
المظالم
على "الإنسان"!؟
وإذا كان
الاستبداد
السياسي لا
ينزعج إلا
من الأغصان
"الطائلة"،
فإن صناع
ثقافة
الموت
يقتلون
الجذور،
ويجرفون
منابت
الحياة..
إنهم اخطر
من
الاستبداد.
عندما
يبغي
الشاعر "حافة
الجنون"
قد يكون من
المسلم به
أن التجارب
الإبداعية
في الغالب
تزداد نضجا
واختمارا
بفعل تجارب
أصحابها
الحياتية
ودربتهم
على
الإبداع.
هذه
المجموعة
السادسة "اختلف"
أقدر أنها
مختلفة
فعلا في
عمقها
وتفاصيلها،
وهذا ما قد
يكشف عنه
ناقد ما. أما
من حيث
الجوهر فهي
امتداد
لقضية "الإنسان"،
التي تأسست
عليها
تجربتي من
المجموعة
الأولى "النزيف"
الصادرة
منذ ربع قرن
(1981).
اختمار
التجربة
وعمقها ليس
فقط بفعل
الزمن،
وإنما بفعل
عمق الأذى،
الذي يطال
الإنسان
المعاصر
بأساليب
أكثر "حداثة"،
وأعقد
استعمالا،
وأوسع
انتشارا... إن
البشرية
اليوم على
حافة موقد
كوني يتهدد
الجميع
بالاحتراق،
وهذا الجمر
مستعر في كل
ذات وكل بيت
وكل مؤسسة
وكل قطر أو
قارة...
صمت
الشاعر
يساوي موته
آخر مجموعة
صدرت لي هي "الأبابيل"
سنة 1990 قبل
صدور "اختلف"..
سيقول أي
قارئ: كيف
يتوقف شاعر
كل هذه
المدة عن
الكتابة؟! سألني
الكثير من
أصدقائي
هذا السؤال.
وهذه
مناسبة
لأجيب
الجميع.
أولا لابد من
توضيح
الفرق بين "الحالة
الشعرية"
وكتابة
الشعر. "الحالة
الشعرية"
إذ تعتمل في
ذات الشاعر
تظلّ خميرة
لنص شعري قد
يسجله في
الإبان أو
بعد مدّة،
وهنا علينا
التمييز
بين تاريخ
الحالة
الشعرية
وتاريخ
إفراغها في
أوعية
لغوية.
قد يظل
الشاعر
مثقلا بتلك
الحالات
لأيام أو
سنوات، دون
التمكن من
نشرها
لأسباب
تتعلق
بتعقيدات
مرحلة ما. قد
يفرض عليك
حصارا إما
لتجفيفك من
معاني "الحياة"،
وإما
لترويضك
حتى تنسجم
مع إيقاع
الجنازة
العمومية!
ولم يكن
سهلا على
شاعر أن
يصمت لأكثر
من عقد، لا
يجد لقامته
سقفا، وهو
يرفض أن
ينحني
قليلا أو
كثيرا،
ويرفض أن
يكون شاهد
زور أو
مستكتبا..
ليس سهلا أن
تظل "عاقلا"
متزنا
ومتفائلا
في ظروف
صاخبة
ومستقرة
ومقرفة، لا
توقع إلا في
الإحباط و"الجنون"
وحتى
الانتحار!
قد تستغرب يا
صديقي إذا
أخبرتك أني
بلغت في تلك
الأيام "أيام
الدخان"
حالة نفسية
وذهنية
حرجة.. إنها
حالة "تشهي
الموت"،
ولا أجد لها
تفسيرا
عقليا، ولا
أقدر حتى
على وصفها،
ولكن فقط
أقول إني
كنت أجد "الروح"
تبلغ
الحنجرة،
وأجدني
اشتهى
مغادرتها
الجسد.
وقد تستغرب
إذا أخبرتك
أني وفي
لحظة وعي
بأني على
حافة "الجنون"،
نذرت
للحرمان
قربانا إذا
"لم أخرج من
عقلي"،
وأنا أدعوك
إلى قراءة
قصيدة "دخان"
وقصيدة "صمت"
من
المجموعة
الأخيرة.
أنا توقفت
طيلة هذه
السنوات عن
النشر ولكن
لم ينضب في
فيض الشعر.
أنا ممتن
جدّا جدّا
جدّا "
للمركز
المغاربي
للبحوث
والترجمة"
الذي أزال
الختم عن
نبع للشعر
مختمر، وفك
الحصار على
"كلمة"
تطمح أن
تكون بعض
شمعة في
ظلمة تستر
بشاعات
وتشوهات
رهيبة. كما
اشكر
لصحيفة "الموقف"
التونسية
رحابة
صفحاتها
لاحتواء
حرارة حبر
معتق من
أيام
الدخان. ولا
أنسى كل
الأصدقاء
والأحباء
المخلصين
الصادقين
بما قي ذلك
المشرفين
على عدد من
المواقع
الالكترونية
مثل أقلام
أون لاين
الذين
خيّروا
ثقافة "الإنسان"
على ثقافة
الخواء
واللامعنى.
الدخان
لا أحد
ليسمعني
سواي
وأظن بي
حينا ...
وأهزأ من
رؤاي
يا صاحبي...ذكّرني
بي
إني نسيت
ملامحي
وأضعت من
وجس خطاي
يا صاحبي ...أتقول
إنك صاحبي
فتضيئني
وتضيء لي
درب الدخان
إني أجدف
في الدخان
وأمد
كفّي فلا
أرى
وأنادي ...
يخنقني
بكاي
*
يا صاحبي
إن
المكان
يضيق بي
ويضيق بي
جسدي
ونفسي
تضيق من ضيق
مداي
افرّ
مذعورا إلى ...
لا أفق
يتسع
لأجنحتي
ولا قبسا
يضيء معارج
الروح
أنادي
ملتعجا
فتلقفني
الريح
صارمة
وتقذفني
بغابات
الدخان
*
يا صاحبي
إني
أجرجر في
الزحام
كتفاي من
ورق
ومن شمع
عصاي
يا صاحبي
يا صاحبي
قطعت
حبال الصوت
من وجع
وما نفذ
نداي
صمت
لماذا
انحنيت
قليلا
كما نخلة
مادت
الأرض من
تحتها
فتراخت
وناءت
بحمل
عراجينها
المثقلة؟
لماذا
انحنيت
قليلا
وأقفلت
صدرك
وأسدلت
جفنك
والحاجبين
وأطرقت
بالأسئلة؟
*
لماذا
انتبذت
مكانا قصيا
ووجهت
وجهك
للمستحيل
وأسدلت
صما عليك
أكنت
نبيا
وهذي
السماوات
من فوقك
مقفلة ؟
*
لماذا
انحنيت
قليلا
وأوغلت
في الصمت
حتى كأنك
تعلن
إن
الحياة هي
المشكلة
|