الحصاد المر: 
عندما يتحول الخلاف السياسي إلى صراع هوية

العدد الثامن عشر
السنة الخامسة / جويلية - أوت 2006

عارف المعالج (*)

إن أخطر ما آل إليه واقع الصراع السياسي بين الحركة الإسلامية والسلطة الحاكمة في تونس، والذي كان يمكن أن يكون مصدر إثراء للتجربة الديمقراطية الموعودة، أن انزلق هذا الخلاف إلى ممارسات خاطئة لا تحكمها أخلاقيات التعامل الديمقراطي. ومردّ هذا الانزلاق الخلط، الذي طبع تقويم الأطراف المعنية للظاهرة الإسلامية، والذي وقع في نفس المآخذ، التي رفعت في وجه المعارضة الإسلامية المتهمة بعدم الفصل بين ما هو ديني مشترك وسياسي خاص..

فمجرد تبني سياسة تجفيف منابع التدين في حملة الاستئصال خلال عشرية ونصف من الفعل القسري جعل السلطة تظهر وكأنها تقر أو قد سلمتّ بأن الدين هو خاص بالحركة الإسلامية، وأن استئصالها يتطلب استئصالا لمظاهر التدين، واستهدافا للفكر الذي ترتوي منه في المجتمع، أي اجتثاث الأرضية التي ترتكز عليها الحركة الإسلامية، مما يحول دون ولادة جيل قابل للانخراط في توجهاتها الفكرية والتربوية.

وهكذا كاد أن يحصل مسخ كامل لجيل تعرض إلى حملة تغريبية رهيبة، شملت تغييرا متعمدا في المناهج التربوية، وخاصة فيما يتعلق ببرامج التربية الإسلامية، بحجة فرض الفكر الحداثي والنقدي، وكذلك في السياسة الإعلامية، حيث غابت البرامج التوعوية والتربوية وحتى الدرامية، التي تنمي القيم الإسلامية، وتمجد التاريخ الإسلامي، والتي تربط جيل الشباب بالفترات المضيئة من تاريخ أجداده.. حتى ولو كان ذلك في المناسبات التقليدية مثل رمضان والأعياد، التي تعود فيها المواطن تذكيرا بهويته وتاريخه، وتجديدا لنفسه الإيماني، فإذا به يواجه بكمّ هائل غير معهود ببرامج استفزازية مخلة بالآداب ومعادية للذوق السليم والفطرة..

إلا أن المنهج المعتمد لم يحقق أهدافه المنتظرة، نتيجة تزامنها مع ازدهار الإعلام المرئي الفضائي، الذي لعب دورا هاما في إحباط عملية التغريب، وإفشال خطط تجفيف المنابع، بل ونبّه فئات عديدة إلى خطورة المنهج الاستئصالي غير المبرر، الذي تم اعتماده لمواجهة الحركة الإسلامية، والذي استهدف في الواقع فئات واسعة من الشعب التونسي، باعتباره شعبا مسلما غيورا على قيمه وهويته ودينه، ككل شعوب الدنيا، ولم تؤد هذه الممارسات المجحفة والغريبة إلا إلى تعميق القطيعة، والتشكيك في المبررات المقدمة لرفض واستئصال الحركة الإسلامية.

إن استعادة ثقة الجماهير، وتبديد ما علق في أذهانها من شكوك حول أبعاد وأهداف خطة تجفيف المنابع يتطلب مراجعة جذرية للسياسة المتبعة، وللموقف من حق المواطن في ممارسة شعائر دينه بدون تدخل من السلطة، التي تؤكد في إطار حملتها أن الدين أمر شخصي، ولا يجوز إقحامه في الأمر العام، وفي الصراع السياسي، وهي بممارستها تلك كسلطة سياسية وحزب حاكم تناقض نفسها، وتدفع أي متابع لخططها وممارستها المقيدة للحريات الدينية كمنع اللباس الإسلامي، والتضييق على ممارسة الشعائر التعبدية، مثل غلق المساجد في وجه من يرغب في التعبد في غير أوقات الصلاة المفروضة، تدفع للشك حول خلفية وأهداف تلك الممارسات، التي تضررت منها شريحة كبيرة من المجتمع، أغلبها لا تفهم في السياسة، ولكنها تفهم أن لها حق تاريخي في ممارسة عقيدتها، بالشكل الذي ترتضيه لنفسها.

ولكشف بعض مظاهر هذه الممارسات الخاطئة، التي تتطلب مراجعة عاجلة، يكفى العودة إلى بعض المحطات، التي عكست توترا وارتجالية في مقاومة بعض مظاهر التدين في المجتمع، وكأنها ظواهر دخيلة عنه، لم ترسخ في وجدانه منذ قرون خلت. أولى هذه الظواهر وأكثرها إسالة للدموع والحبر هي مقاومة الحجاب الإسلامي، وكل ما يوحي للهيئة الإسلامية من إطلاق للحى، اقتداء بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، بعد أن تمت تسميتها بسلوكيات طائفية، وملاحقة ومنع كل من يلتزم بها من حقوقه المدنية كحق استخراج بطاقة الهوية الوطنية، أو جواز سفر، إلا بعد التخلي عن تلك الهيئة..

ولم يحصل في التاريخ الإسلامي أن قاومت سلطة حاكمة هذه الظواهر بهذه الشدة، وبأسلوب ينم على الرغبة في ردع كل من تحدثه نفسه بالالتزام بها، أو الإصرار عليها، حتى أصبح المواطن يشاهد حجاب المرأة ينزع عنوة في الشوارع والأسواق، وتساق النساء والفتيات إلى مراكز الشرطة لتوقيع التزامات بعدم العودة إلى مثل هذا الصنيع الشنيع، وتتكرر هذه الحملات بصفة دورية كلما عادت الظاهرة للبروز والشيوع في المجتمع، كما تحولت عدوى محاصرة الظاهرة إلى الإدارات والمؤسسات التربوية والاستشفائية، حتى أصبحت شريحة كبيرة من المجتمع مستهدفة في سلامة قريبة لها، سواء كانت أما أو أختا أو زوجة أو عمة أو خالة.

وقد خلق هذا الواقع جوا من الاحتقان الاجتماعي، وزاد من النفور والريبة، التي أصبحت تطبع علاقة المجتمع بالسلطة. إن هذا المنهج الشاذ يشكل خطأ سياسيا يزيد من هوّة القطيعة السياسة غير مفهومة وغير مبرّرة، لم تصل في الواقع حتى إلى مستوى الصد والرفض للمظاهر الإسلامية، الذي تبنّاه اللائكيون الأتراك ورثة اتاتورك، الذين لم يتجرؤوا على مقاومة ظاهرة الحجاب في الشوارع والأسواق، وقد ترتب عن تبني هذه السياسة تجاوزات فظيعة سوف لن ينساها التاريخ، من قبيل حصول حالات منع المتحجبات من التدواي في المستشفيات، حتى ولو كان ذلك لوضع مولود، أو أخذ دورة تعليمية للطالبات، ومنعهن من دخول قاعات الامتحان.

وأما الظاهرة الثانية التي تعكس خلطا وخطئا في مواجهة التيار الإسلامي السياسي هو الحصار المضروب على المساجد، إذ إن الأوامر المسقطة والداعية إلى فتح المساجد حسب توقيت صارم، والمراقبة المستمرة لروادها، وخاصة لمن يترددون على صلاة الصبح، بشكل لم يحصل مثيل له في التاريخ، تجعل المواطن يتساءل عن خلفية وأهداف تلك الممارسات، التي من شأنها إفراغ المسجد من دوره الروحي، فضلا عن دوره التربوي والاجتماعي، هذا زيادة عن منع حلقات تحفيظ القرآن، حتى ولو كان ذلك في شهر رمضان.

ولم تقف الإجراءات عند هذا الحد، فقد تم غلق العديد من بيوت الصلاة الملحقة بمراكز الخدمات العمومية، والتي بعثها أصحابها بحثا عن الأجر، ولتيسير ممارسة الشعائر على المواطنين.. فكيف يمكن إقناع المواطن بأن إغلاق بيوت صلاة المسافرين بمحطات بيع المحروقات على الطرقات البعيدة، مثل محطة الصخيرة والغرابة، وكذلك إغلاق بيت الصلاة في منتزه سيدي بوسعيد العائلي بالمحرص، له ما يبرره في إطار حملة مقاومة التطرف والإرهاب.. وقد ساهمت هذه الممارسات بدورها في تعميق الشك لدى المواطن حول الدوافع الحقيقية لتلك السياسة، التي تنسف حقه في ممارسة شعائره الدينية، حسب ما تمليه عليه عقيدته من أداء للصلاة في أوقاتها، وذلك بالرغم من أن الخطاب الرسمي يؤكد على ضرورة تحييد المساجد عن السياسة، إلا إن مثل هذا الممارسات تقحمها في حسابات سياسوية وتوجهات يعاني من رواسبها المواطن الذي يرغب في أن لا يتدخل أي طرف في علاقته بربه، وأن لا يتعرض لأي تضييق في ممارسة شعائره الدينية، خاصّة عندما يشاهد أن ذلك الحياد ينتفي عندما يتدخل الحزب الحاكم في تسيير المساجد، وانتقاء الأئمة، وعندما يحولها إلى مراكز انتخاب ودعاية في المناسبات الدينية، حتى أصبحت العديد من المساجد في رمضان تقيم احتفالات رسمية وحزبية لختم القرآن في رمضان، بالرغم من منع رواد المساجد من حلقات القراءة لإنجاز ذلك الختم خلال الشهر الكريم‼

وأما عن حلقات تحفيظ القرآن في المساجد فقد تم منعها بصفة غير مسبوقة في تاريخ تونس، وبصورة مثيرة، وكأن تحفيظ القرآن يتطلب ترخيصا خاصا، ويمكن أن يكون مصدر إثارة أو عدم استقرار. وقد شمل المنع حتى حلقات تحفيظ الأطفال في سن الدراسة أو ما دونها، مما أدى إلى بروز ظواهر غريبة من قبيل محاولات التحفيظ في البيوت والأماكن الخفية، في حالة شبيهة بما التجأ إليه المسلمون في روسيا الستالينية، التي قاومت الثقافة الإسلامية وامتداداتها، والتي دفعتهم إلى الاختفاء في السراديب لتعليم أبنائهم دين أجدادهم، وللمحافظة على هويتهم وأخلاقهم بدون وصاية أو قيد..

وعندما تتكرر هذه الممارسات المكرّسة لتجحيم دور المساجد، يشك المرء في الدوافع الحقيقية لمثل هذا التوجه، وخاصة عندما تنفرد تونس كذلك من بين كل دول العالم الإسلامي منه وغير الإسلامي بمنع تخصيص بيوت للصلاة في أغلب الأماكن العمومية، مثل المؤسسات التربوية، مما يحول دون أداء الراغبين لواجباتهم الدينية، حسب ما تمليه عقيدتهم كأداء للصلاة في أوقاتها... وما الحادثة التي تناقلتها الصحف من تعرض مجموعة من مشاهدي مقابلة رياضية بملعب الطيب المهيري بصفاقس إلى التحقيق، بسبب إقدامهم على أداء الصلاة بين الشوطين، لتعذر أدائها في وقتها بعد انتهاء المقابلة، إلا دليل على هذا المنهج الخاطئ في التعامل مع ظاهرة التدين، والذي لا يمكن أن يقنع أحدا بأنه يدخل في إطار مقاومة الإرهاب، بل إن التاريخ يؤكد بأن مثل هذه الممارسات لا يمكن إلا أن تؤدي إلى تغذية ظاهرة التطرف، والدفع للانزلاق في ردود الأفعال، وهذا ما لا يرتضيه أحد للمجتمع التونسي.

(*) نقابي وجامعي تونسي

© aqlamonline 2006