|
نور
الدين
العويديدي
تشرط
بعض النخب
والتنظيمات
السياسية
العلمانية،
في تونس
ومصر
والجزائر
وبلاد
الشام وبعض
البلاد
العربية
الأخرى،
اشتراك
التيارات
الإسلامية
في العملية
الديمقراطية،
بإقدام تلك
التيارات
على الدخول
في مراجعات
فكرية
عميقة،
تنتهي
بتبني
التصور
العلماني
للعلاقة
بين الدين
والدولة،
والفهم
الليبرالي
للسياسة
وللمجتمع
وللإنسان.
وتشدد
تلك القوى
والتنظيمات،
التي تصف
نفسها
بالديمقراطية،
دون دليل
على ذلك من
فكرها أو من
سيرتها
وتاريخها
وممارساتها
السياسية،
على أن
القبول
بالخيار
الديمقراطي،
بما هو
تداول سلمي
على السلطة،
من خلال
صناديق
الاقتراع،
ورفض
الوصول إلى
الحكم أو
البقاء فيه،
من خلال
العنف.. لا
يكفي وحده
لإعطاء أي
قوة أحقية
المشاركة
في الحياة
السياسية
وفي
العملية
الديمقراطية.
فلا
يكفي لدى
هؤلاء، أن
يقبل
التيار
الإسلامي
بالاشتراك
في العملية
الانتخابية،
وبالتداول
السلمي على
الحكم،
وإعلان رفض
العنف، لأن
يكون جزء من
الحياة
السياسية..
فهناك شروط
أخرى أهم
لابد من
توفرها، في
تصورهم، هي
القبول
بالرؤية
العلمانية
لعلاقة
الدين
بالدولة،
والفهم
الليبرالي
للسياسة
وللإنسان
ولحقوقه
بما فيها "حقه"
في الشذوذ
الجنسي،
واعتبار
جسم
الإنسان
ملكا خاصا
له، يتصرف
فيه كيفما
شاء، ولا
دخل لدين
ولا لمجتمع
في تصرفه،
وأن تعاد
صياغة
علاقة
المرأة
بالرجل
وشكل "السلطة"
في الأسرة
عموما، بما
ينسجم مع
الثقافة
الليبرالية،
بما قد يؤول
إلى إلغاء
الأسرة
جملة.. فإذا
ما قبل
التيار
الإسلامي
بهذه
الشروط
يصير ممكنا
عندئذ
قبوله ضمن
المنتظم
السياسي
الرسمي
والقانوني.
وبالنظر
لكونه
معلوما أن
التيار
الإسلامي
لا يمكنه أن
يسلم بهذه
الشروط
والمطالب،
من دون أن
يحدث تحولا
جوهريا في
عقيدته
ومبادئه،
بما يكسبه
هوية غير
هويته
الأصلية،
وهو أمر
مرفوض جملة
وتفصيلا من
هذا التيار،
الآن وفي
المستقبل،
فإن تلك
الشروط لا
تستهدف إذن
دفع التيار
الإسلامي
إلى القبول
بالنظام
الديمقراطي،
وأن يكون
رافدا من
روافد
عملية
الدمقرطة،
وإنما
تستهدف
إقصاءه من
العملية
السياسية،
وجعل
التنافس
الانتخابي
والسياسي
محتكرا بين
قوى
علمانية
مجهرية
صغرى،
تحتكر
تمثيل
المجتمعات
العربية
والإسلامية
والتداول
على حكمها،
على الرغم
من غربة بعض
تلك القوى
الفكرية
والسياسية
وحتى
النفسية عن
المجتمعات،
التي تريد
تمثيلها.
إشكالات
ومؤاخذات
تثير
الشروط
الآنفة
الذكر
للقبول
بالتيار
الإسلامي
في الحياة
السياسية
الكثير من
الإشكالات
والاعتراضات
والمؤاخذات:
1- فمن
أعطى
للتيارات
العلمانية
العربية
الحق في أن
تفرض فهمها
الخاص
للديمقراطية
على
الآخرين.
فحتى في
الغرب
الليبرالي
هناك أفهام
عديدة
للمسألة
الديمقراطية،
بين من يشرط
التسليم
بالعلمانية
و"العقيدة"
الليبرالية
كثقافة
تشتغل في
إطارها
العملية
الديمقراطية،
وبين من
يعتبر
الديمقراطية
نظاما يقوم
على
المساومة
والتوافق
على الأسس
المنظمة
للعملية
السياسية.
وهذا يعني
أنه كما
يمكن
للديمقراطية
أن تشتغل في
الإطار
العلماني
الليبرالي،
يمكنها أن
تشتغل في
أطر ثقافية
وعقدية
أخرى، بما
فيها
الإطار
الإسلامي،
شرط
التسليم
بجملة من
القواعد
العامة،
مثل
الاعتراف
بأحزاب أو
قوى
متباينة
تتنافس
انتخابيا،
وتحتكم إلى
صناديق
الاقتراع،
ولا تسلك
سبل العنف
للوصول إلى
السلطة،
ولا تتمسك
بالحكم من
خلال العنف
أيضا.
ولعله
لا يجهل أحد
أن الأنظمة
السياسية
الديمقراطية
في الغرب لم
تولد نتيجة
تطبيق
نظرية
محددة في
الديمقراطية،
ابتدعها
كتاب
وفلاسفة
ومفكرون،
وإنما هي
ثمرة صراع
طويل،
ونزاعات
عمرت عقودا
بل قرونا،
تخللتها
ونتجت عنها
توافقات
على شكل نمط
الحكم،
وعلى
الآليات
التي تنظم
الصراع على
السلطة. ومن
ثمرة تلك
الصراعات
ومساراتها
المتعرجة
جردت
نظريات في
المسألة
الديمقراطية،
وفي
العلاقة
بين الدين
والدولة،
نرى كيف
تؤخذ اليوم
جاهزة من
قبل بعض
النخب
العربية،
حتى صارت
بالنسبة
إليها
عقائد
وثوابت لا
تقبل
النقاش
والجدل،
تريد أن
تفرضها
فرضا على
الساحة
العربية
والإسلامية،
على الرغم
من حاجة هذه
الساحة
لابتداع
مسارها
الديمقراطي
الخاص، على
ضوء
ثقافتها
وخصوصياتها
التكوينية
والبنيوية،
وما يميزها
عن سواها من
ركائز وأسس.
2 - يعلم
الجميع أن
من يتبنى
الخيار
العلماني
والليبرالي
أقلية
محدودة في
الوسط
العربي
والإسلامي.
المشكل أن
هذه
الأقلية
النشطة
تريد أن
تفرض
توجهها على
الأغلبية
الساحقة من
العرب
والمسلمين،
الذين يرون
في الإسلام
روحهم
العامة،
وفي
العربية
الآلة
الحاملة
لثقافتهم.
فباسم
الديمقراطية
المرتجاة،
والحداثة
المزعومة،
تسعى
الأقلية
إلى فرض
تغيير
جوهري على
هوية العرب
والمسلمين،
وعلى
نظرتهم
للوجود
وللإنسان
وللإله
وللدين
والدولة
والسياسة،
وتستمد روح
هذا
التغيير
وتصوره
العام من
التجربة
والثقافة
الغربيتين.
وهكذا
فبدلا من أن
تكون
الهوية
والثقافة
العربية
والإسلامية
لشعوبنا هي
الروح التي
يتوجب على
النخب
والقوى
السياسية
أن تتمثلها
في سلوكها
وتصرفها،
وأن تستنبط
منها نظم
الحياة،
كما هو حاصل
لدى مختلف
شعوب
العالم،
تسعى النخب
العربية
المعلمنة،
عبر
استخدام
أجهزة
الدولة،
إلى فرض
تغييرات
قسرية
عنيفة في
كثير من
الأحيان
على شعوبنا،
حتى تغير من
الهوية
والثقافة
والروح
العامة،
بما يجعلها
تتطابق مع
تصور هذه
النخب
المعزولة
لما يجب أن
تكون عليه
الشعوب..
وهكذا إذا
جاز لنا
التقريب
بضرب
الأمثال
فإنه بدلا
من أن يتغير
الطربوش،
إذا لم
يناسب
الرأس
وينسجم معه،
باعتبار
الرأس هو
الأصل
والطربوش
عرض زائل،
يكون
المطلوب
تغيير
الرأس حتى
يصبح
مناسبا
للطربوش..
وبذلك
تنقلب
المفاهيم
فيصبح
الجوهر
عرضا
والعرض
جوهرا.. تصبح
النخب
المتغربة
حكما
ومرجعا لما
يجب أن تكون
عليه
الشعوب،
وتصير
الشعوب
مجرد ورق
أبيض يتوجب
عليه أن
يكون
مطواعا
لكتابة ما
تريد النخب
كتابته
عليه..
وقد
يعترض
معترض على
القول
بضرورة
احترام
الهوية
العربية
والإسلامية
لشعوبنا،
وأن تستخلص
أنظمة
الحياة من
عقيدتها
وتصوراتها
وتجربتها
التاريخية،
بأن الهوية
ليست معطى
ناجزا
ومنتهيا،
وإنما هي
وليدة
صيرورة تتم
في التاريخ..
ونحن لا
نجادل في
كون الهوية
ثمرة
للسيرورة
والتطور
وحاكم لهما،
إلا أن
المقصود أن
التطور يجب
أن يكون
طبيعيا،
وأن يجري
على مدى
زمني كاف،
وأن لا يتم
بالقسر
والإجبار
والعنف
والإكراه،
عبر
استخدام
أجهزة
الدولة
العنيفة،
وإنما
بالإقناع
والثقافة
والتربية،
ثم أن لا
يكون
التطور
نسفا
للقديم
وإلغاء له،
وأن لا يحكم
على
التاريخ
بأن يسير في
مسار محدد
بشكل مسبق،
لا يمكن أن
يحيد عنه..
وأن لا يفرض
على أمة أن
تستنسخ
تاريخ أمة
أو أمم أخرى
وعاداتها
وثقافتها،
وهذا للأسف
ما تفعله أو
تسعى لفعله
أكثر
الأنظمة
والنخب
العربية
المسحورة
ببريق
التجربة
الغربية.
3- مما
سبق نلاحظ
أن النخب
والقوى
المشار
إليها آنفا
تضع نفسها
في موضع
الخصم
والحكم..
تفرض
الشروط
وتقدم
المطالب،
وتقبل
وترفض،
وترضى عن
البعض
وتغضب عن
آخرين.
لكنها لم
تطرح يوما
على نفسها
أسئلة
محددة: فمن
أعطاها كل
هذه الحقوق؟
ومن أين
أعطت
لنفسها
شرعية
الحكم على
الآخرين؟
هل لأنها
الأكثر
تمثيلا
للروح
العامة
للشعوب؟
وهل بوسعها
أن تثبت لنا
ذلك؟ أم
لأنها ترى
نفسها
صاحبة
رسالة
تغيير
شاملة؟ وهل
تسمح لها
تلك
الرسالة
بأن تفرض
التغيير
فرضا؟ وهل
سألت تلك
النخب
نفسها هل
تتقدم في
تحقيق
رسالتها أم
تتراجع؟
هذه أسئلة
يجدر
بالنخب
العربية أن
تطرحها على
نفسها، حتى
تبصر جيدا
طريقها،
وتعرف إلى
أين تسير،
وإلى أين
تحاول
قيادة
شعوبنا.
4- ومما
تؤاخذ عليه
النخب
العربية،
موضوع
الحديث،
أنها تقيم
تناقضا بين
الإسلام
والديمقراطية،
حين تجعل
الثقافة
العلمانية
الليبرالية
شرطا لتجسد
الديمقراطية.
فمعلوم أن
الشعوب
العربية
والإسلامية
لا تقبل عن
الإسلام
بديلا. فإذا
كان هذا
البديل
يتناقض مع
الإسلام في
جزئياته أم
في كلياته
ستختار
الشعوب
الإسلام عن
أي بديل آخر،
وهذا الطرح
لعمري خير
خادم
للاستبداد،
وأكبر معيق
للتحول
الديمقراطي
في الوضع
العربي.. إن
تلك النخب
تجعل
العلمنة
شرطا
للديمقراطية،
ويقول
قائلها إن
الديمقراطية
وجدت في
التجربة
الغربية في
علاقة
حميمية مع
العلمنة،
ومن شاء أن
يأخذ
الديمقراطية
فليأخذها
كاملة مع
العلمنة،
ومن شاء أن
يتركها
فليتركها
كاملة أيضا..
وهذا لعمري
تعجيز وطلب
محال،
وتنفير
للناس من
الديمقراطية
لا خدمة لها.
لقد
لاحظ عبد
الله
العروي
مبكرا أن
الثقافة
العربية
والإسلامية
محكومة
بروابط
متينة إلى
اللحظة
المؤسسة في
التاريخ
الإسلامي،
لحظة
النبوة
والوحي
ومرحلة
الخلافة
الراشدة.
واكتشف أن
شخصيات من
قبيل شخصية
الخليفة
الراشد عمر
بن الخطاب،
لا تزال في
الإسلام
السني مثلا
وقدوة
ونموذجا
لدى العربي
والمسلم..
وعلى الرغم
من أن
العروي قد
استخلص من
ذلك خلاصات
خاطئة،
وقدم أحكام
قيمة
متسرعة،
تصف
الثقافة
والتاريخ
العربي
والإسلامي
بالسكون أو
حتى الركود،
إلا أن ما لم
يدركه
العروي
وسواه أن
الانشداد
للحظة
المؤسسة لا
يعيب أي
ثقافة أو
حضارة أو
أمة، فذلك
هو المدار
الذي تتشكل
على قاعدته
هويتها.
وإذا
سلمنا بأن
الإسلام
والعروبة
هو لحمة
الأمة
وسداها وجب
أن تستخلص
منهما
أنظمة
حياتها. وأي
تناقض
مفتعل بين
الإسلام
والديمقراطية،
حين يشترط
البعض
العلمانية
والليبرالية
كثقافة
تعمل في
إطارها
العملية
السياسية،
إنما هو
تناقض يقود
في النهاية
إلى
الإضرار
بالمطلب
الديمقراطي
أكثر مما
ينفعه. وهذا
ما لم تدركه
النخب
المتغربة،
التي راحت
ترجع فشل
المسار
الديمقراطي
العربي إلى
المعطى
الثقافي
المحلي
ممثلا في
الثقافة
الإسلامية،
باعتبارها
عاجزة، في
وهمهم، عن
استيعاب
الديمقراطية
واستنباتها
محليا، وهو
خداع وتجن
على
الحقيقة في
نفس الوقت..
فالشعوب
العربية
المشبعة
بالثقافة
الإسلامية
تتوق إلى
الديمقراطية،
لكن النخب
والأنظمة
والحكومات
تريد
ديمقراطية
معلمنة،
وهو أمر لا
يمكن أن يجد
له تربة
صالحة في
البيئة
العربية
والإسلامية
لا اليوم
ولا غدا.
5- إنه من
العجب أن
يرى المرء،
حيثما يمّم
وجه،
شعوبنا
تموج
بالإسلام،
ويملأ هذا
الدين
جوانحها،
وتعانقه
قطاعات
جديدة منها
كل يوم، وأن
يرى كل
انتخابات
عادلة
ونزيهة
يفوز بها
التيار
الإسلامي
في كل بلد
عربي ومسلم،
ثم يسمع،
وللعجب، في
ذات الوقت
قوى هامشية
تتزايد
عزلتها
يوما بعد
آخر، تفرض
الشروط
وتنصب
نفسها في
موقع
السلطة
والحجة على
الآخرين..
وتملي
عليهم كيف
يكونوا،
حتى يتم
قبولهم في
المنتظمات
الرسمية
والقانونية..
بسبب من
هذا تتردى
أوضاع
الأنظمة
والحكومات
العربية
باستمرار،
وتنكمش
مشروعيتها
ومشروعية
النخب
العلمانية
المتحالفة
معها، وحتى
المعارضة
لها، دون أن
يدق ذلك
ناقوس
الخطر
لديها، وإن
سمعت دقاته
المدوية،
فإن ذلك لا
يدفعها،
للأسف،
للمراجعة،
وللبحث عن
مواطن
الخلل
والقصور
فيها،
وإنما
يدفعها إلى
المزيد من
التطرف في
عدائها
للهوية
العربية
والإسلامية،
ويجعل تلك
النخب تقبل
التحالف مع
الأنظمة
القمعية
الفاسدة،
ويجعل تلك
الأنظمة
توغل في
فسادها وفي
قمعها، وهو
ما يزيدها
غربة عن
شعوبها،
ويعمق
القطيعة
بينها وبين
من تحكم،
حتى أضحت
الدولة ضد
الأمة،
واستحكم
سير العرب
والمسلمين
في درك
التخلف
والتراجع،
وعجزوا عن
الخروج منه.
المطلوب
من القوى
العلمانية
بدلا من أن
تنصب نفسها
في موقع من
يملي
الشروط على
التيار
الإسلامي،
لقبوله في
المنتظم
الشرعي
والقانوني،
أن تدخل في
مراجعات
عميقة
لفكرها
وتوجهاتها،
بما يجعلها
قريبة من
الروح
العامة
للشعوب،
التي تريد
تمثيلها
وقيادتها،
قبل أن تطوى
صفحتها إلى
الأبد.. إن
تلك
المراجعة
وحدها هي
السبيل
الذي يمكن
أن يجعل من
تلك القوى
قوى حقيقية
في
مجتمعاتنا،
وساعتها
يمكن
للديمقراطية
أن تنبت في
بيئة تم
التوافق
فيها على
الكليات
المنظمة
للحياة
العامة
والخاصة
للناس.
|