الفرنسيون لم يرحلوا غداة توقيع وثيقة الاستقلال
كتاب فرنسي يكشف قصة علاقات سرية بين المغرب وفرنسا

العدد السابع عشر
السنة الخامسة / أفريل - ماي 2006

مريم التيجي (*)

نزل إلى سوق الكتب الفرنسية، خلال الأسابيع القليلة الماضية، كتاب جديد للصحفي الفرنسي في صحيفة /لوموند/ جون بيير توكوا تحت عنوان "جلالة الملك، أنا مدين لوالدك بالكثير: المغرب وفرنسا قضية عائلية"، يكشف النقاب عن جزء خفي من العلاقات المغربية الفرنسية، ويكشف المزيد من الأسرار حول هذه العلاقة التي تعتبر متميزة إلى حد بعيد.

منذ البداية يقذف الكاتب الفرنسي في وجه القارئ بحقيقة يعرفها المغاربة أكثر من غيرهم فيقول: "إذا كنت تريد معرفة ما يجري داخل المغرب فعليك أن تقرأ ما يكتب عنه في الخارج، وبصفة خاصة في فرنسا"، وهذا ما يتأكد في الصفحات التالية للكتاب الذي يتسلق أسوار القصور، وينقل جزء من سر العلاقات المغربية الفرنسية، التي تتجاوز المصالح الاقتصادية، لتصبح قضية عائلية، تعطي نموذجا طريفا لعلاقات تماهى فيها العائلي بالسياسي بالاقتصادي.

وما يسجله الكتاب أن أغلب الزعماء الفرنسيين يفضلون قضاء عطلهم في أحضان المغرب، حيث يفضل الرئيس جاك شيراك مثلا مدينتي مراكش وتارودانت على ما سواهما من مدن العالم، لكي يستريح من عناء مسؤولياته السياسية. وفي المقابل سجل توكوا أن معظم السياسيين في المغرب حاصلين على جنسية فرنسية، وأغلبهم يفضلون التقاعد في الديار الفرنسية، كما فعل الزعيم اليساري الشهير عبد الرحمن اليوسفي، وأقوى رجل في عهد الحسن الثاني إدريس البصري واللائحة تطول.

واختار صحفي /لوموند/ أن يكون عنوان كتابه جزء من تصريح للرئيس الفرنسي، عقب وفاة العاهل المغربي السابق الحسن الثاني، فقبل أن يوارى جثمان الملك الراحل الثرى قال شيراك للملك الجديد محمد السادس، حسب ما جاء في الكتاب: "جلالة الملك، أنا مدين لوالدك بالكثير، وإذا رغبتم فإن كل ما منحني إياه سأبذل كل جهدي لكي أرده لك..". ويتساءل الكاتب عن هذا الذي منحه الحسن الثاني لجاك شيراك وجعله مدينا له حتى بعد وفاته.

وتأتي الإجابات من خلال عدد من التصريحات، التي يوردها في الصفحات التالية، لكنه قبل ذلك يذكر بأن الملك الحسن الثاني قابل جاك شيراك أحد عشر يوما فقط قبل وفاته، بعد أن شعر بتدهور حالته الصحية، وأوصاه بـ"أن يراعي بناته وأبنائه، وأن يكون لهم بمثابة الأب، وأن يساعد الملك المقبل محمد السادس في مهمته كملك، حينما يغادر هو إلى دار البقاء"، بحسب ما جاء في الصفحة 18 من الكتاب.

وهنا يطرح السؤال المحير مجددا، لماذا أوصى الحسن الثاني جاك شيراك وليس شخصا آخر؟. كما إن الوصية تؤكد الطابع العائلي الغامض، الذي يجمع قادة الأليزيه بالأسرة العلوية، مما جعل واحدة من أعرق الصحف الإسبانية، ويتعلق الأمر هنا بصحيفة /الباييس/، تصف جاك شيراك بـ"شيراك العلوي". ويؤكد الكاتب هذه العلاقة، من خلال تأكيده أن شيراك يتدخل في أمور عائلية للأسرة الحاكمة في المغرب، ويعتبر كبرى بنات الحسن الثاني الأميرة للا مريم الأقرب إليه، إذ يحملها رسائل وتوجيهات تقوم بتبليغها لأخيها الملك محمد السادس.

ويكشف بيير توكوا عن جزء من دين الحسن الثاني في عنق شيراك، عندما يقول إن حقائب مملوءة بالأموال كانت تتوجه بانتظام من الرباط إلى باريس لدعم جاك شيراك في حملته الانتخابية، لكن دون أن تترك أي دليل يؤكد هذه الحقيقة.

وفي سياق التساؤل عمن أثر في الآخر، الحسن الثاني أم جاك شيراك، استشهد الكتاب بتصريح للرئيس الفرنسي جاء فيه قوله: "أدين للحسن الثاني بنوع من الإلمام بتعقد العالم العربي والإسلامي وقيمه، كما أدين له بتحليلاته الثاقبة للمآسي، وكذلك لحظوظ السلام في الشرق الأوسط. كما أدين له بالإدراك الواضح للرهانات الدولية، ولدور أوربا في حوض البحر الأبيض المتوسط، وكذلك بما ينتظره العالم من فرنسا"، مما جعل بيير توكوا يصف الحسن الثاني بالمرشد بالنسبة لجاك شيراك، مضيفا أنه لم يسبق للحسن الثاني أن تحدث لشخص آخر عن ما يدين به للرئيس الفرنسي.

ورغم تركيز الكتاب على علاقة الرئيس الفرنسي الحالي بالأسرة الملكية المغربية، إلا أنه لا ينفي كون هذه العلاقات الغامضة قديمة تاريخيا، تسبق وصول شيراك إلى السلطة، ويورد حكاية غريبة تبين التقارب الذي حصل في فترات تاريخية طويلة بين القادة في كل من المغرب وفرنسا.

وتعود الحكاية إلى سنوات حكم جيسكار ديستان، حين توصل جون برتراند رايموند، الذي كان يشغل منصب سفير فرنسا في الرباط، إلى الاقتناع، خلال لقاء جمعه بالملك الحسن الثاني، بأن هذا الأخير على علم بالبرقيات السرية، التي كانت تبعث بها السفارة الفرنسية إلى العاصمة باريس، وفتح تحقيق لمعرفة الجهة المسؤولة عن هذا التسريب، لكن دون أن يتوصل إلى أية نتيجة، لأن العنصر المزعج ببساطة كان يوجد في أعلى مستوى في الجمهورية، إنه رئيس الدولة شخصيا الرئيس جيسكار ديستان، الذي كان يبلغ صديقه الحسن الثاني بالأخبار التي تنقلها سفارة دولته بالرباط.

ويسترسل الكاتب في سرد عدد كبير من الأمثلة عن المحطات السياسية، التي ساهمت فرنسا في صنعها داخل المغرب وخارجه، ومن الأمثلة المثيرة التي ساقها تأكيده أن الرئيس الفرنسي هو من كان وراء القرار الأكثر رمزية، الذي اتخذه محمد السادس منذ وصوله إلى السلطة، ويتعلق الأمر بتعديل قانون الأسرة.. لقد فاجأ العاهل المغربي الجميع وهو يعلن عن الخطوط العريضة لهذا الإصلاح، في الوقت الذي كان فيه جاك شيراك يقوم بزيارة رسمية للمغرب، وهذا ما أكده السفير الإسباني بالرباط فرناندو أرياس عندما صرح بعد إعلان التعديل ".. تعديل قانون الأسرة لم يكن ليحصل لولا فرنسا..".

وتوحي مجموعة من المعطيات، التي أوردها الكاتب الفرنسي أن فرنسا لم ترحل عن المغرب بعد إعلان استقلاله، وربما هذا ما أراد أن يشير إليه من خلال نشر الكتاب في الذكرى الخمسين لخروج الاستعمار الفرنسي من البلاد، والتي صادفت الثاني من شهر آذار / مارس من العام الجاري.

ففرنسا هي أول بلد مصدر للسياح إلى المغرب، وهي أول شريك تجاري، وأول مستثمر أجنبي، وأول مقترض وأول مانح.. وكبريات البنوك الفرنسية، تحتل فروعها أركانا من الشوارع الكبرى في عدد من المدن المغربية، وشركة "فيفاندي" الفرنسية هي التي فازت بأكبر صفقة في تاريخ الاتصالات بالمغرب، من خلال فوزها بنسبة من أسهم /اتصالات المغرب/.

وكذلك فإن شركة "أكور" الفرنسية تعتبر إمبراطورية سياحية داخل المملكة، و"بويغ" هي الأولى في مجال البناء، بعد أن فازت بصفقة بناء مسجد الحسن الثاني، وصفقة بناء ميناء طنجة المتوسطي، ومن المتوقع أن تفوز بصفقة ميترو الدار البيضاء. كما إن شركة "دانون" لإنتاج اليغورت ظلت بلا منافس في السوق المغربية لعدة عقود.

ولا يجد الكاتب أبلغ من شهادة وزير الداخلية الأسبق إدريس البصري على هذه الوضعية، إذ يقول: "اشترى الفرنسيون كل شيء وليس هناك من فلت من قبضتهم". والغريب في هذه العلاقة أن الفرنسيين عادة لا يجلبون أموالا ضخمة لاستثمارها في المغرب، بل يجلبون فقط جنسيتهم الفرنسية وخبرتهم للاستثمار والربح داخل سوق تحولت إلى منجم للذهب بالنسبة للفرنسيين، مما يفسر جزء من العلاقة الفرنسية المغربية، التي تدعم فيها العلاقات العائلية الغامضة، المصالح التجارية والمالية، وخصوصا للفرنسيين في المغرب.


(*) كاتبة وصحافية مغربية - الرباط

© aqlamonline 2006