المغرب: مخاوف من انزلاق أمني برعاية أمريكية يهدد المكاسب السياسية

العدد السابع عشر
السنة الخامسة / أفريل - ماي 2006

مريم التيجي (*)

يكاد المتتبع للشأن المغربي يسقط في حيرة شديدة في بعض الأحيان، بسبب التعارض، الذي يصل حد التناقض في التعاطي مع القضايا الداخلية التي ترسم ملامح وجه البلد. ففي مغرب اليوم أكثر من جهة تتخذ القرار، وأكثر من سلطة، وأكثر من توجه يحكم البلاد. ويعكس هذا الواقع الذي لا يزال مليئا بالغموض التصريحات الرسمية والسياسات المتبعة.

فالملك يعلن عن خطاب أكثر ميلا للتسامح، ولتأسيس مرحلة جديدة، لكن على أكثر من مستوى تبدو الخطابات الملكية في بعض الأحيان، مجرد أمنيات لا يتقاسمها جميع الممسكين بزمام الأمور.

كما إن الترسانة القانونية، وعدد من الإجراءات، التي تحاول وضع المغرب في طليعة الدول، التي تخوض معركة شجاعة في اتجاه الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، لا تجاريها في المقابل ممارسات رجال السلطة المكلفين بالملفات الأمنية، مما يجعل البلاد تدخل في مآزق أمنية محرجة، تدينها التنظيمات الحقوقية، وتثير قلق رجل الشارع، لكنها في المقابل تحظى بدعم أمريكي، وإعلان الرضا من قبل القوة الأولى في العالم؛ مما يشجعها على المزيد من الاستمرار في توريط البلاد في المزيد من الانتهاكات الماسة بحقوق الإنسان المتعارف عليها دوليا.

ففي الوقت، الذي أصدر فيه المغرب مزيدا من القوانين، التي يعتبرها المراقبون جريئة، وكان آخرها؛ تجريم التعذيب من قبل موظفي الدولة، مما يضع الجلادين وكل من يتورط في انتهاك حقوق الإنسان، ممن ينتسبون إلى سلك القضاء أو إلى السلك الأمني، في خانة الاتهام الذي قد يقود إلى السجن مدى الحياة، إذا ثبت إيذاؤهم لقاصر أو لامرأة حامل.

في هذا الوقت سجلت التقارير الحقوقية وجود انقلاب شامل على ما بشر به العهد الجديد، مثلما جاء في آخر تقرير سنوي للمركز المغربي لحقوق الإنسان، والذي أشار إلى استمرار الانتهاكات المرعبة لحقوق الإنسان، واستمرار الاعتقال التعسفي، والاعتداءات على الأشخاص في مخافر الشرطة، والتعذيب في المعتقلات السرية.

كما سجل التقرير استمرار انتهاك حرمة المنازل، وتعرض الآلاف ممن فبركت لهم الملفات وعرضوا على المحاكم، أو أطلق سراحهم، للعنف والإجبار على التوقيع على محاضر الشرطة القضائية، واستمرار الممارسة الممنهجة لكل أشكال وأنواع التعذيب، في انتهاك واضح لكل القوانين المغربية.

ولم يفت التقرير إبداء قلق المركز المغربي لحقوق الإنسان من التضخم المتزايد في سلطات أجهزة المخابرات، التي لا تخضع لأوامر الضابطة القضائية، خصوصا وأن الإدارة لا تلزم هذه الأجهزة باحترام القانون.

وفي الوقت الذي يقدم مغرب العهد الجديد اعتذارا، في شكل تعويضات سخية، لضحايا الاختطاف والتعذيب، خلال العقود الماضية، تستمر الاختطافات وتستمر نفس وسائل الماضي، كأن الأجهزة التي تقوم بذلك غير تابعة للدولة، التي أسست هيئة الإنصاف والمصالحة، والمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان.

وفي أحد التقارير للجمعية المغربية لحقوق الإنسان تم الكشف عن سلسلة من الذين تم اختطافهم خلال الصيف الماضي، والذين وصل عددهم إلى ثلاثة وعشرين شخصا، من بينهم تلاميذ قاصرون، وكلهم تم اختطافهم وتعذيبهم بشكل وحشي وسط غابة، صرح المختطفون أن مختطفيهم هددوهم بذبحهم ودفنهم تحت أشجارها، أثناء الاعتداء عليهم. ولم يكن المختطفون غير عناصر من المخابرات المغربية، وتاريخ الاختطاف لا يعود إلى السبعينيات من القرن الماضي وإنما إلى الصيف الماضي، والتهمة المعلنة هي الانتماء لخلية إرهابية، لم تكن في الحقيقة إلا أمنيات بالانتقال إلى العراق "للجهاد ضد الاحتلال الأمريكي ، كما يصرح المعنيون بالأمر.

وفي الوقت الذي تعتبر آخر مشاريع القوانين المغربية أنه إذا تسبب موظف تابع للدولة في إيذاء شخص ما، وسبب ألما أو عذابا جسديا أو نفسيا له، أو حرض على ذلك، أو وافق عليه، أو سكت عنه، فهو مذنب يستحق العقاب السجني والغرامة المالية، يسجل المتتبعون أن الموت في ضيافة الأجهزة الأمنية يكاد يصبح عادة ترافق التحقيقات، مهما كانت التهم.

وتحتفظ ذاكرة المغاربة بعدد من الذين لقوا حتفهم في ضيافة المحققين، كما تحتفظ بالتصريحات الرسمية، التي كانت تتسابق لتعلن أن هذا الشخص مات بسبب سكتة قلبية، والآخر كان مريضا بتضخم في الكبد، أدى إلى موته المفاجئ، وثالث انتحر وهو يحاول الهروب، ورابع كان به تشوه خلقي نتج عنه فقدان إحدى كليتيه.. وهكذا.

كما يتذكر المغاربة جيدا تاجرا كان متهما بشراء مسروقات من القصر الملكي بمدينة مراكش، كانت تكفي خمسة وأربعون دقيقة في أحد مخافر الشرطة ليدخل في عداد الأموات، مرفقا بتقارير طبية تؤكد تعرضه للتعذيب، وتصريحات رسمية تجزم بأن الهالك كان مريضا قتله مرضه بمجرد وصوله إلى الطابق الرابع في الدائرة الأمنية للمشور بمراكش.

وفي الوقت الذي يتحدث فيه المغرب ويدافع عن الحل السياسي لقضية الصحراء الغربية، ويستقبل قيادات سابقة في جبهة الوليساريو، التي تطالب بانفصال الصحراء عن المغرب، ويقلدهم مناصب مهمة، ويناضل في الأروقة الأممية من أجل حقوق الصحراويين اللاجئين في تندوف بالجزائر، الذين يعيشون أوضاعا تنتهك حقوق الإنسان حسب التصريحات الرسمية المغربية.. تستقبل سجون المغرب صحراويين متهمين بالتعاطف مع جبهة البوليساريو، وتعرضهم لانتهاكات شديدة، تجعل الرأي العام المحلي يستنكر استمرار المعالجات الأمنية، التي جعلت المغرب يخسر الكثير، في قضية كان يمكن أن يكون هو الطرف الرابح فيها، لولا المسار الأمني، الذي يكاد يهوي بكل البلاد إلى مصير مجهول.

وفي الوقت الذي تتفاوض فيه أجهزة الدولة مع الأطر المغربية العاطلة عن العمل، والتي تطالب بتوفير فرص للشغل، تشهد العاصمة الرباط "مجازر" شبه مستمرة في حق هؤلاء الأطر، الذين حصل بعضهم ليس على مناصب شغل، ولكن على عاهات مستديمة. مما دفع المحامي خالد السفياني إلى توجيه رسالة إلى النيابة العامة المغربية للمطالبة بـ"محاكمة المعتدين على المعطلين"، وكأن الدولة التي تحاورهم وتعدهم بحل مشكلتهم، ليست هي نفسها التي توجه أوامرها لأجهزتها الأمنية بتكسير عظامهم، أمام قبة البرلمان المغربي.

وفي الوقت الذي تسمح فيه الرقابة بمرور أعداد من بعض الصحف المشاغبة، التي تتصدر صفحاتها قذائف من العيار الثقيل في اتجاه أعلى سلطة في البلاد، وتسمح بانتقاد الصحافيين لأداء الملك ولزياراته الطويلة للخارج، مما يسبب فراغا قانونيا داخليا، أثناء غياب الملك محمد السادس، حسب هؤلاء الصحافيين، فإن نفس الرقابة تتصرف بشكل مفاجئ، عندما تحجز أعدادا أقل جرأة، أو تحول صحافيين على المحاكم بتهمة الإخلال بالاحترام الواجب للملك، وما شابه ذلك، مما جعل منظمة "مراسلون بلا حدود" تصنف المغرب في الصف 126 عالميا من حيث احترام حرية الصحافة.

ولا يعكس هذا التضارب في السياسات المتبعة غير التضارب في التصريحات وفي البيانات الرسمية.

ففي الوقت الذي صرح فيه وزير العدل محمد بوزوبع قبل شهور بأنه "طبقا لمعلوماتنا فإن جميع المجموعات المتطرفة تم تفكيكها"، وأكد ذلك وزير الداخلية مصطفى الساهل في حديث تلفزيوني، حين قال إن "الاستخبارات لم تضبط مؤخرا أي تهديد موجه لأي هدف"، مما يسقط أي مبررات لاستمرار السياسات الأمنية المتشددة، أو لاستمرار انفلات الأجهزة الاستخباراتية من الرقابة القانونية بدعوى التصدي لمواجهة الإرهاب.

في نفس ذلك الوقت يأتي تقرير المخابرات المغربية أمام المؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب في الرياض ما بين 5 و8 من شهر فبراير عام 2005 ناسفا هذه التصريحات الرسمية إذ يقول "التهديد الإرهابي ما زال قائما... الإرهابيون ركنوا للسرية، ويمكنهم الضرب بقوة وفي كل الأوقات.." مما يسمح بتبرير المزيد من المداهمات والانتهاكات.

وفي الوقت الذي تعلن فيه كل التقارير المحلية والدولية الحقوقية والمدنية عن عدم رضاها عن المنزلق الأمني الخطير، الذي تتجه البلاد نحوه، وفي الوقت الذي وجه فيه واحد من أشهر الصحافيين في المغرب رسالة إلى العاهل المغربي محمد السادس تكاد تتحدث باسم أغلب زملائه، جعل لها عنوانا معبرا "لقد منحتمونا أسباب التمني مثلما خيبتم آمالنا في بعض المناسبات". في المقابل صدر أكثر من تقرير أمريكي يمتدح الاختيارات المغربية. وبحسب "يو.إس.نيوز" الصادرة في شهر مايو من السنة الماضية فإن "إدارة بوش تعتبر المغرب وملكه الشاب مثالا في مجال الإصلاحات، التي تدعمها في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا". ونقلت الصحيفة تصريح مسؤول أمريكي رفيع المستوى "لقد جعلنا الرباط مثالا".


(*) كاتبة وصحافية مغربية - الرباط

© aqlamonline 2006