|
علي كردي
عرفت الدولة
التونسية
الحديثة،
طيلة مرحلة
الحكم
البورقيبي،
حالة من
الاستبداد
سيطر
خلالها حزب
الدستور
على مؤسسات
الدولة
ومقدراتها.
ورغم أن
الحكم
البورقيبي
قد اضطر
ابتداء من
سنة 1981، تحت
ضغط
الأعطاب
الداخلية
التي أصابت
نظامه
السياسي،
إلى جانب
حالة
التصدع
داخل الحزب
الحاكم،
إلى
الإقرار
بالتعددية
السياسية،
والاعتراف
ببعض
الأحزاب
السياسية
مثل حركة
الديمقراطيين
الاشتراكيين،
والحزب
الشيوعي،
وحركة
الوحدة
الشعبية،
إلا أن هذا
الاعتراف
كان شكليا،
إذ بقي
الحزب
الاشتراكي
الدستوري
وزعيمه
بورقيبة
ماسكين
بخيوط
اللعبة
السياسية،
ومستأثران
بالدولة
وشؤون
المجتمع.
وقد ظل الأمر
على هذه
الحالة إلى
غاية رحيل
بورقيبة
بانقلاب
أبيض قاده
الجنرال
زين
العابدين
بن علي
صبيحة 7
نوفمبر من
سنة 1987. لقد
كان
بورقيبة
حاكما
انفراديا
ومتسلطا
بكل
المقاييس،
ولكن بحكم
ما كان
يتمتع به من
شرعية
تاريخية،
فإنه كان
كثيرا ما
يستعيض عن
العنف
المغلظ
بسلطته
الأبوية
الدائمة
الحضور.
مع غياب
الحضور
الكاريزمي
للزعيم
المؤسس ظهر
نمط جديد من
الحكم
يتمثل في
الدولة
الفردانية،
بقيادة
الجنرال
زين
العابدين
بن علي،
الذي أصبح
يسيطر
بذاته على
مفاتيح
السلطة،
وصارت آلة
الحكم
وأجهزته
كلها تحت
إمرته، ولا
يقيده إلا
الإمكانات
المادية
للدولة
وأجهزتها
في الحركة
والنفوذ.
كما ضاقت
دائرة
الأفراد
الممسكين
بزمام
الدولة،
فزاد
التضييق
على خصومهم
السياسيين،
وزاد ميلهم
لاستخدام
العنف.
وبذلك أصبحت
أبسط
المسائل
السياسية
والإجرائية
خاضعة
لسلطة
البوليس
والأجهزة
الاستخبارية.
وهكذا أصبح
النسيج
السياسي
والجمعياتي
في تونس
خاضعا
برمته
للعبة
الضبط
الرقابي
للمؤسسة
الأمنية،
التي يشرف
عليها رأس
الدولة. أما
الحزب
الحاكم فقد
تلاشى دوره
كحزب سياسي،
وتحول دوره
إلى مجرد
لجان عسس
ويقظة
أمنية، أي
مجرد ذراع
رافد
للأجهزة
الأمنية
وليس أكثر.
كما تحولت
الدولة من
كونها
تعبيرا عن
جماعة،
وأداة
للحكم بين
الناس، إلى
التمركز
حول شخص
الحاكم،
والتعبير
عن مصالح
نخبة ضيقة
من بطانته،
دونما
اعتبار
لمصالح
المواطنين،
فلم يبق
وجود لقوى
سياسية
اجتماعية
تتجاوز
إرادة
الدولة
وهيمنتها.
قانون
التدافع:
نهوض
المجتمع
المدني
وتشكل حالة
العصيان
يقول
المستشار طارق
البشري "حين
نجد دولة
تجعل
المواطنين
في شتات
داخل
أوطانهم
وفي عقر
بلادهم،
فلابد من
تلمس بوادر
الخروج من
هذا الشتات،
ولا مخرج من
حالة
الشتات إلا
بتجاوز
أوامر
قيادة
الدولة
المشخصنة،
دولة الفرد
الواحد.
وهذا
التجاوز لا
يتأتى
بالمطالبات
وبالتوجه
لهذه
القيادة
المشخصنة
بما يطالب
به الناس من
تجمع، إنما
يرد
بالممارسة"(1).
وهكذا
قامت حركة 18
أكتوبر
كتعبير عن
حالة
الانسداد
الذي انتهت
إليه أوضاع
البلاد،
عندما أعلنت
أحزاب
تونسية
معارضة،
وممثلون عن
جمعيات
ومنظمات
مستقلة، عن
تكوين هيئة
سياسية
موحدة،
للمطالبة
بالحريات
والإصلاح
السياسي. وقد
اعتبرت هذه
المبادرة،
التي تمثل
حدثا
سياسيا
بارزا في
تونس، ضم
أغلب فصائل
المعارضة
التونسية
الفاعلة،
تتويجا
للإضراب عن
الطعام،
الذي خاضته
خلال شهر
تشرين أول (أكتوبر)
شخصيات
سياسية
وحقوقية،
ممثلة
لمختلف
أطياف المجتمع
المدني.
لقد أسس هذا
الحدث
لأرضية
تلاق بين
الحركة
الحقوقية
المستقلة
والحركة
السياسية
بمختلف
توجهاتها
والحركة
النقابية،
لبلورة
فضاء
وحركية
وصوت
للمجتمع
المدني
التونسي،
في مواجهة
الدولة
الفردانية،
من خلال
الالتقاء
حول ثلاث
مطالب
أساسية:
- حرية
التنظيم
والاجتماع
- حرية
الصحافة
والإعلام
- إطلاق سراح
السجناء
السياسيين
فوراً
وإصدار
قانون عفو
عام.
توقعات
العنف
المضاد من
قبل الدولة
الفردانية
كلما ازدادت
حركة المجتمع
المدني
تماسكا
وإصرارا من
أجل تحقيق
مطالبها
المشروعة،
كلما زاد
احتمال
استخدام
آلة الدولة
الأمنية،
في محاولة
لقمع أي
حركة
مخالفة في
مهدها. إن
استخدام
عنف الدولة
هنا هو الحل
الجاهز
دائما
والسريع
لمواجهة أي
تحرك أو أي
تجمع ولو في
مهده،
لإجهاض ما
يتكون،
ولردع ما هو
في طريق
التكوين. إذ
إنه ليس
مسموحا
بوجود
مشروع خارج
إرادة
الدولة
الفردانية،
ولا تُقبل
حركة ذاتية
لأي من
التكوينات
الأهلية،
أو تُعطى
أية
مشروعية
إذا كانت
بعيدة عن
هذا الفلك
المركزي،
أو معارضة
لمشيئة
الدولة
الفردانية.
وينتج عن ذلك
ببساطة أن
أي جهد يبذل
لإيجاد
تكوين أهلي
ذي إرادة
ذاتية
فاعلة، وأن
أي تحريك
ذاتي شعبي
سيقف
بأصحابه في
دائرة
العمل غير
المشروع من
وجهة نظر
الدولة
الفردانية،
وأن أي سعي
في هذا
الشأن يكون
سعيا في
مجال
العصيان.
وهذا ما
يفسر
الهجمة
الشرسة من
قبل السلطة،
واستمرار
انتهاج
سياسة لا
عقلانية
عمياء.
كيف
نواجه عنف
الدولة
الفردانية؟
يقول
غاندي: "إن
الحاكم
عندما
يواجه
الحركة
الشعبية
السلمية
بالعنف
يكون كمن
يضرب الماء
بسيفه
ليقطعه،
فالعنف لا
يهزم
الحركة
السلمية
مهما آذى
رجالها".
ويعني هذا
أنه يتعين
أن يكون في
حساب قادة
حركة 18
أكتوبر
توقع عنف
الدولة،
والإعداد
للقدرة على
مواجهة هذا
العنف
بإستراتيجية
تتبنى عدم
العنف، أي
بتلقي ذلك
العنف الذي
تمارسه
الدولة
وأجهزتها
باعتبارها
أجهزة ليست
سياسية،
ولا تصدر عن
تقويم
سياسي تقوم
به أو يقوم
به قادتها،
وإنما تصدر
عن إرادة
سياسية
وقرار
سياسي
تملكه
أجهزة
التقرير في
قمة الدولة
الفردانية،
وليس ثمة
خصومة تقوم
مع أجهزة
الدولة،
ولا مع
العاملين
فيها،
والأمر
يقتضي من
قادة
الحركة
ونشطائها
قدرا كبيرا
من ضبط
النفس ومن
الاحتمال،
ومن
الاستعداد
لتقبل
العنف، دون
رد عليه إلا
بالتصميم
على الحركة
وعلى
استبقائها
مستمرة
ومتنامية،
وعلى
استبقائها
غير عنيفة،
وأن يكون
تحمل عنف
الدولة دون
رد عليه، مع
الاستمرار
في الحركة
السلمية،
أن يكون ذلك
هو التكلفة
والنفقة،
التي تؤدى
إلى الخروج
من الطريق
المسدود،
الذي يظهر
أنه لا خروج
منه إلا
بتلك
الحركة.
ولغاندي
كلمة ذكية
في هذا
الشأن، فهو
يقول: "سوف
نتوقف عن
لعب دور
المحكوم،
وإن
الإنجليز
مهما
أعملوا
العنف فنحن
نعرف أنهم
لن
يستطيعوا
أن يتحركوا
خطوة واحدة
للأمام".
وإذا كان
هذا ما قاله
غاندي
بوصفه
محكوما،
فهو عينه
تقريبا ما
قاله هتلر
بوصفه
حاكما
وطاغية،
فهو يقول في
كتاب "كفاحي":
إنه لا يمكن
الاحتفاظ
بأجهزة
الحكومة عن
طريق القوة
وحدها.
وميكافيللي
يؤكد
الظاهرة
ذاتها في
كتابه "الأمير"،
على اعتبار
أن القسوة
كلما زادت
ازداد نظام
الحكم ضعفا،
وأنه إذا لم
يكن من سبيل
أمام
الحاكم
لانتزاع
الطاعة إلا
بالعنف،
فإن النظام
يكون آخذا
في الزوال،
وعلينا أن
نعي جيدا
درسا في
السياسة
يتفق على
إدراك
ظواهره
وعلى
استخلاص
عبرته،
يتفق على
ذلك غاندي
في أقصى
الحركة
الشعبية
السلمية
الأخلاقية،
وهتلر في
قمة سلطة
العدوان
المسلح
العنيف غير
الأخلاقي،
وميكافيللي
في قلب
العمل
السياسي
الذي لا
يعرف من
المبادئ
إلا مصلحة
الحاكم
والدولة(2).
|