بعد تأسيس شبكة الديمقراطيين العرب
الجورشي والعكرمي: هدفنا دفع الحوار بين الإسلاميين المعتدلين والعلمانيين

العدد السابع عشر
السنة الخامسة / أفريل - ماي 2006

  تونس - خاص أقلام أون لاين

(محمد الحمروني)

ما إن تم الإعلان نهاية شهر ديسمبر الماضي بالعاصمة المغربية الرباط عن تأسيس شبكة الديمقراطيين العرب، حتى تتالت الأسئلة حول من يقف وراء هذه الشبكة، والأهداف التي ترمي إليها، وعلاقتها بخدمة أجندات غريبة عن المنطقة. كما طرحت مسألة وجود أطراف من تيارات فكرية وسياسية مختلفة، جنبا إلى جنب مع الإسلاميين، التساؤل حول الدور الذي يمكن أن تلعبه الشبكة في إعادة هؤلاء إلى ساحة الفعل السياسي السلمي، وإعادة توزيع أوراق اللعبة السياسية بالمنطقة، وفقا للرؤية الأمريكية للمنطقة.

ولتطارح مجمل هذه التساؤلات والاستفسارات اتصلنا بعضوين من تونس شاركا في تأسيس الشبكة وجلستها الأولى بالرباط، وهما الصحافي والكاتب صلاح الدين الجورشي والمحامية والناشطة الحقوقية سعيدة العكرمي. وفي ما يلي نص الحوار معهما:

الجورشي: تقاطع المصالح مع أمريكا لا يعني التخلي عن مطالبنا بالإصلاح والتغيير

* كيف بدأت فكرة تأسيس شبكة للديمقراطيين العرب؟

- الفكرة انطلقت من محاولة تأسيس نواة لهذه الشبكة في عدد من الدول العربية. وتم التركيز في المرحلة الأولى على المغرب ومصر والأردن والجزائر. ولكن الفكرة تطورت ووقع التفكير في تطعيم هذه النواتات بعدد من النشطاء من عدد من البلدان العربية الأخرى مثل السودان واليمن والسعودية ولبنان وليبيا، وستتجه الخطوات القادمة نحو ضم ممثلين عن كل الدول العربية تقريبا.

* ما هي الأهداف الرئيسية التي تركّز عليها المبادرة؟

- الأهداف الرئيسية هي توفير فرصة لمجموعة من الشخصيات والتيارات التي يجمع بينها الإيمان بضرورة إحداث تحول ديمقراطي في بلدانها، وتفرق بينها التصورات الثقافية والمراجع الأيديولوجية والسياسية. وبشكل أدق دفع الحوار والتعاون بين التيارات الإسلامية ذات التوجه الديمقراطي التي تؤمن بالتحول السلمي، وتعلن التزامها بأدوات العمل القانوني، وتحتكم إلى صناديق الاقتراع، وجماعات أخرى تنطلق من منطلقات مغايرة عادة ما تعرف في الأدب السياسي بالعلمانيين.

* هناك من يتهم الشبكة بأنها ستكون في خدمة أجندة غربية وأمريكية بالتحديد، بدليل أن من يقف وراءها، ويقوم بعملية تمويلها هي مؤسسات أمريكية، ومرتبطة بشكل أو بآخر بمراكز صنع القرار بأمريكا؟

- فعلا المبادرة جاءت من مركز الإسلام والديمقراطية... هذا المركز هو أمريكي وله علاقات جيّدة بالمؤسسات الأمريكية، بما في ذلك مراكز صنع القرار. لكن المشاركين اتفقوا على أن تكون العلاقة مع هذه المؤسسات علاقة مؤقتة، إلى أن تتوفر الشبكة على الأدوات الهيكلية والإدارية والمالية، التي تسمح لها بأن تعتمد على نفسها.

لهذا قرّر المشاركون في المؤتمر التأسيسي بلورة اتفاق مرحلي يتولى فيه المركز تنفيذ الجوانب الإدارية والمالية المتعلقة بتنفيذ رزنامة اللقاءات القادمة، حتى الانتهاء من بلورة القانون الأساسي، على أن تتولى هيئة التنسيق الحالية تحديد الاختيارات، وأن تكون هي الناطقة باسم الشبكة لرفع أي التباس.

من جهة أخرى لم يعد خافيا أن هناك أطرافا أمريكية وغربية أصبحت مقتنعة بأن مصلحتها تكمن في ابتعاد الإسلاميين، تحديدا، عن أساليب العنف، وأن ينخرطوا في عملية الإصلاح السياسي، والسّؤال هو: هل هناك ضرر ما قد يترتب عن هذه القناعة أو هذه السياسة التي تنتهجها الحكومات الغربية في المرحلة الأخيرة؟ والجواب هو أني شخصيّا، وهذا يلزمني ولا يلزم أحدا، لا أرى في ذلك أي خطر على الإسلام ولا على المصالح الحوية للأمة، لأنه تحول في الموقف الغربي نحو مبدأ طالما آمنت به قوى الإصلاح ودعت إليه كل الأطراف التي تميزت بالرشد الفكري والسياسي.

* ولكنّ هذا لا ينفي وجود شكوك كبيرة حول من يقف وراء المبادرة وأهدافها؟

- الشّكوك موجودة وهي مشروعة، وهناك العديد من المؤشرات التي تدعم هذه الشكوك، لكنّ ذلك لا يمنع من تأكيد أن التحوّل المعلن عنه يعتبر في حد ذاته بداية لتبني سياسة عاقلة من قبل الأطراف الغربية. كما أنّ هذا التحول الأوّلي سيجعل هذه الأطراف محجوجة أمام الجميع، إذا ما حاولت العودة إلى أسلوبها القديم القائم على المناورة والكيل بمكيالين.

إذن من الناحية المبدئية من مصلحتنا أن ندفع الغرب لتصحيح سياساته، ولا يحق لنا بعد ذلك أن ننتقده إذا ما التزم ببعض ما نطالب به. وفي كل الحالات أنا مؤمن بأهمية التقاطع في المصالح، سواء مع الغرب أو مع غيره. واعتقد أنه من الغباء السياسي أن نتجنب التقاطع حتى لو كان ذلك في صالحنا، خوفا من الوقوع في فرضية التبعية.

إنّ المهم في كل ذلك هو الدفاع عن استقلالية قرارنا، والتمسك بتحقيق الأهداف المشروعة، وهي: تسريع التحول الديمقراطي، وتوفير مناخات أفضل للمشاركة السياسية، وتغيير موازين القوى السائدة مع الشفافية في الممارسة، والتصدي لكل أشكال الهيمنة والوصاية والاستعمار.

* يقول بعض المنتقدين للشبكة إنها ستكون منبرا لمن يتمتعون برضا أمريكا، أو على الأقل الذين لا يعارضون سياساتها في المنطقة، وأنها لن تكون مفتوحة للجميع؟

- الشبكة مفتوحة على كل الأطياف والشخصيات، التي تقر بميثاقها وأدوات عملها، وهي لا يمكن أن تقبل من يختار العنف كوسيلة للتغيير السياسي. أما القول إنها ستكون مفتوحة لبعض الأطراف أو التوجهات دون غيرها، فهذا غير صحيح، بدليل أن هناك أطرافا قريبة من المقاومة العراقية، وتحديدا من منطقة "الفلوجة"، حضرت أعمال الشبكة، وتحدثت عن مشروعية المقاومة وضرورة دعمها.

إن الشبكة تريد أن ترسّخ جذورها في البلاد العربية، وليس هدفها ترضية السياسة الأمريكية أو تبييضها، بقدر ما هي إطار للتنسيق وبناء القدرات في العمل الديمقراطي. وسيتم التركيز على تطوير وتوسيع برامج التدريب، حيث تبين لنا بوضوح أن من بين أهم الثغرات للحركة الديمقراطية في العالم العربي غياب الخبرة، وضعف "الكادر" المناضل، والجهل بالتقنيات الأساسية في بناء التحالفات وإدارة المفاوضات.. خاصة وأننا نشكو جميعا من ثقافة الإقصاء، ومن أزمة الفعل السياسي في مجتمعاتنا، التي انهارت فيها القيم الأساسية مما أحدث ضرار كبيرا عل مختلف الأصعدة، سواء ما تعلق منها بتدهور نظم الحكم، أو بتفكك حركات وقوى الرفض والمعارضة.


سعيدة العكرمي :إرجاع الفضل للضغوط الأمريكية بخس لتضحيات الأجيال

* نودّ أن نعرف بداية بأيّ صفة تمت دعوتك لحضور أعمال شبكة الديمقراطيين العرب، التي انعقدت مؤخرا بالرباط، هل بصفتك الشخصية، أم باعتبارك ناشطة حقوقية، أم لأنك تحملين خلفية إسلامية؟

- أولا أرحب بكم في مكتبي فأهلا وسهلا. وأما عن سؤالك فيمكنني القول إني دعيت لحضور أعمال الشبكة بصفتي الشخصية، باعتباري ناشطة حقوقية، ولم أكن أمثل لا الجمعية التي انشط بها، ولا أي تيار سياسي.

* ولكن يبدو أن الخلفية الإسلامية التي تحملينها كانت وراء دعوتك لحضور أعمال هذه الشبكة، وإلا كيف يمكن أن نفسر اختيارك أنت دون غيرك من الناشطات الحقوقيات؟

- للإجابة على هذا السؤال أرى أنه لا بد من توضيح بعض المسائل:  أولا أجدد التأكيد على أني لم أكن أمثل أي تيار سياسي أو فكري وهذا واضح. ثانيا قد تكون وقعت دعوتي لكوني أحمل خلفية إسلامية، تماما كما وقعت دعوة الآخرين لخلفياتهم اليسارية أو العلمانية، وهناك من تحدث انطلاقا من خلفية قومية.

* وقوف مركز "الإسلام والديمقراطية" وراء أشغال الشبكة وتمويله لها، بالاشتراك مع مؤسسة "شركاء من أجل التغيير الديمقراطي" قد ألقى بالكثير من الشكوك حول الأهداف والنوايا الحقيقية لهذا المشروع ما رأيك؟

- لا أخفي عليك أني عندما تحولت إلى المغرب كنت مسكونة بهذه الهواجس، وكانت تطرح بداخلي العديد من التساؤلات وكنت متخوفة مما تقول. ولكن وبالنظر إلى ما وقع إقراره من برامج، وما تم تحديده من أهداف، وما تناولته المناقشات، فإن هذه الشكوك قد تبددت. ولعلمك فقد وقع تغيير أغلب ما جاء في ورقات العمل الأولية، التي وقع إعدادها في عمان في سبتمبر الماضي خلال المرحلة التحضيرية لهذه الشبكة.

إضافة إلى ذلك فإن النقاش الذي دار خلال أعمال المؤتمر تناول كل القضايا، بما فيها المخاوف التي تتحدث عنها. فقد تناولت النقاشات مسألة التمويل، والخوف من أن تكون الشبكة في خدمة أجندة غريبة عن المنطقة. كما تناولت النقاشات مسألة التغيير في البلاد العربية، ليصل الجميع إلى اتفاق، دون استثناء أو تحفظ من أي من الحاضرين، على أن التغيير مسألة داخلية، وأنها يجب أن تكون من الداخل. ثم إن حضور مثقفين وسياسيين وحقوقيين معروفون باستقلاليتهم ووطنيتهم وغيرتهم على بلدانهم، قد بدّد كل ما تبقى من شكوك.. فأنا لا أستطيع أن أشكّك في أشخاص مثل الصادق المهدي من السودان ومصطفى المعتصم من المغرب وعصام العريان من مصر.

* ولكن هذا لا ينفي وجود أجندة أمريكية أصبحت معلنة، من خلال مشروع الشرق الأوسط الكبير، أو من خلال التصريحات التي يطلقها ساسة البيت الأبيض، والتي تدعو إلى تطوير الحياة السياسية في البلاد العربية، وإضافة "مزيد من جرعات الانفتاح" بتشريك الإسلاميين فيها؟

- لا أتصور أن الذين حضروا أعمال الشبكة جاؤوا ليضعوا أنفسهم في خدمة أجندة أيّ كان، وأتصور أننا نعمل وفق برنامج وطني، تتلخص عناوينه الكبرى في: الديمقراطية والمشاركة السياسية الفاعلة والعدالة الاجتماعية. أما التقاطع مع أجندات أخرى فهذا لا يجعلنا في موقع اتهام، أو يدعونا إلى أن نتخلى عن مطالبنا، بحجة أنها تتوافق مع رغبة هذا أو ذاك. ولعلمك فان الأجندات التي تستهدف المنطقة كثيرة: هناك الأجندة الأمريكية وهي جزء من الأجندة الغربية عموما وإن كانت تختلف معها في بعض التفاصيل.

كما يمكن الحديث عن أجندة آسيوية بدأت تتبلور ملامحها من خلال بعض "الأطماع الاقتصادية" للمارد الصيني، وتستهدف بالأساس الثروة النفطية. وهذه الأجندة لم تصبح واضحة بعد، ولكنها موجودة وقد تتبلور أكثر في المستقل، ويمكن أن تتقاطع هذه الأجندة مع المصالح الروسية وأحلام استعادة أمجاد الدب الروسي، عبر البوابة الإيرانية أو السورية.

أريد القول إن وجود أجندات تعمل على تغيير معالم المنطقة بما يخدم مصالحها ليس بالأمر الغريب أو الجديد، لكن الغريب هو عدم قدرتنا على بناء تصور لأجندة خاصة بنا نحن المعنيين بالأمر، فالعالم كله يفكر في كيفية السيطرة علينا، وسلبنا مقدراتنا، ونحن لا نريد أن نفكر في أنفسنا ومستقبل أجيالنا.

* ولكن هناك مؤشرات على أن الضغوط الأمريكية باتجاه مزيد تشريك الإسلاميين في العملية السياسية بدأت تعطي نتائج إيجابية، مثلما وقع في المغرب ومصر وحتى في تونس. فالدعم الذي لقيته حركة 18 أكتوبر(إضراب الجوع وما ترافق معه من تحركات مساندة في الداخل والخارج) يعود في جزء منه إلى مشاركة الإسلاميين فيها جنبا إلى جنب مع مختلف القوى السياسية الأخرى.. أليس الأمر كذلك؟

- يجب التأكيد على أنه لا يمكن اعتبار حركة 18 أكتوبر مقياسا، فهي تجربة تعتبر إلى حد الآن في بداياتها، على الرغم من أهمية النتائج التي حققتها. وأما عن مصر والمغرب وما حققه الإسلاميون هناك فهو أقل بكثير من حجمهم الطبيعي. ولو عرفت الانتخابات في مصر مثلا سيرا طبيعيا، ولم يرافقها كل ذلك العنف وتلك "البلطجة" والتزوير، كما اعترف بذلك القضاة، الذين أشرفوا على الانتخابات، لكانت النتائج التي حققها الإسلاميون أفضل.

ما تحقق في مصر وغيرها من البلاد العربية لا يعود إلى "بركات" الضغط الأمريكي بل إلى التضحيات التي قدمتها ولا تزال أجيال من الإسلاميين، إلى جانب قوى الديمقراطية والتحرر في بلادنا العربية.. ولا يجب اعتبار أن ما تحقق مكسبا للإسلاميين فقط، إنه مكسب لكل الديمقراطيين في مصر والعالم العربي.

وأما عن الادعاءات التي تحاول أن تشوه هذه الإنجازات العظيمة لقوى التحرر في مصر بجعلها نتيجة للضغوط الأمريكية، فهذا فيه تحريف كبير للوقائع، وافتراء على ما قدمته مختلف قوى التغيير والإصلاح في مصر. وما لا يمكن أن ينكره أحد هو السكوت الأمريكي الرهيب، خلال مختلف مراحل تلك الانتخابات على أعمال العنف و"البلطجة"، التي رافقتها، والتي أدت في أحيان كثيرة إلى حالات وفاة.

وفي الوقت الذي تعرب فيه الإدارة الأمريكية كل يوم عن "انشغالها العميق" لسجن هذا أو ذاك، لم نرها تحرك ساكنا عندما كان عشرات بل مئات وآلاف المساجين السياسيين من الإسلاميين في السجون في مصر وغيرها. إن أقصى ما يمكن أن تحققه الضغوط الأمريكية بهذا الاتجاه هو إعادة بعض الأمور إلى نصابها، وإصلاح بعض الخلل الذي سببته عقود من محاولات إقصاء الإسلاميين والديمقراطيين واستئصالهم.


© aqlamonline 2006