حمادي الجبالي لأقلام أونلاين

نريد تحصين المجتمع من الاستبداد أيا كانت اللافتة التي يمارس تحتها

العدد السابع عشر
السنة الخامسة / أفريل - ماي 2006

في حوار خاص بمجلة أقلام أون لاين اعتبر الأستاذ حمادي الجبالي السجين السياسي السابق والقيادي البارز في حركة النهضة أن غياب الحرية هو القضية الأساسية في البلاد، مؤكدا أن مؤسسات المجتمع المدني لا يمكن ان تنشط أو تعمل بفاعلية إذا لم تكن حرة، مبينا أن هذه المؤسسات هي التي تدافع عن المجتمع الذي يجب تحصينه من الاستبداد سواء أكان الحاكم إسلاميا أم غير إسلامي.

وفي ما يتعلق بظروف سجنه وزملائه من حركة النهضة اعتبر الجبالي مدير جريدة الفجر التونسية الممنوعة من الصدور منذ أكثر من خمسة عشر سنة أن موضوع العزلة يعد من أبرز المشاكل في تعامل السلطة مع المساجين الإسلاميين وأن الوضع في السجن مازال محكوما بخلفية سياسية تنكر الصفة السياسية للمساجين وتصنفهم ضمن مساجين الحق العام. وأضاف أن السجن قد خلّف عاهات مزمنة لعدد من زملائه  لم يعد يجدي في معالجتها التحسينات الشكلية للخدمات داخل السجون.

وبيّن الرئيس الأسبق لحركة النهضة أن إطلاق سراح المساجين السياسيين وتمكينهم من أبسط حقوقهم في "التنقل والشغل والعيش بأمان مع عائلاتهم وداخل بيوتهم وفي الشارع" هو الحد الأدنى الذي ينبغي أن يتوفر قبل الحديث عن انفراج سياسي.

وردا على حجة السلطة في عدم الاعتراف بحركة النهضة لكونها تتخذ من الدين غطاء أكد الجبالي أن النهضة لم تدّع يوما أنها تمثل الإسلام أو تنطق باسمه وإن اتخذت منه خلفية لتصوراتها السياسية والثقافية مثلها مثل بقية الأحزاب السياسية التي تنطلق في تصوراتها السياسية من أرضيات فكرية مختلفة، وأن مفهوم الحزب الديني مفهوم غامض ظلت السلطة باستمرار تستعمله لتصفية خصم سياسي قوي.

وختم الجبالي حواره الذي خص به مشكورا أقلام أون لاين، بدعوة إلى السلطة وإلى كل من يهمه الأمر للتعاون على تجاوز الأزمة التي تمر بها البلاد مؤكدا أن "تونس تتسع للجميع ولا يمكن أن تكون غير ذلك، فلنتعاون على تجاوز مخلفات الماضي  لفائدة مستقبل أفضل"، كما جاء في الحوار التالي:

 أجرى الحوار أحمد قعلول

v     الأستاذ حمادي الجبالي نهنؤكم أولا على إطلاق سراحكم ونرحب بكم في مجلة أقلام أون لاين.

أشكركم على هذا الاتصال وعلى اهتمامكم بقضية المساجين وبقضية الحريات بصفة عامة وأنا على ذمتكم.

v     لو عدنا إلى مرحلة اعتقالكم هل يمكن أن تعطونا فكرة عن الظروف والحيثيات التي تم فيها اعتقالكم؟

أنا في الحقيقة لم يتم اعتقالي فقد تقدمت إلى المحكمة العسكرية بسبب دعوى ضد نشر مقال في جريدة الفجر وكان عنوانه "المحمكمة العسكرية محكمة غير دستورية فمتى يقع حلها" بقلم الأستاذ محمد النوري. وفي ذلك الوقت رفعت ضدي قضية  في ثلب مؤسسة قضائية وحكم علي بسنة سجنا نافذا. وخلال هذه السنة لحقت بي قضية ما يسمى بالمؤامرة لقلب نظام الحكم وبالتالي لم اعتقل ولم يتم اعتقالي إذ كنت موجودا في السجن في ذلك الوقت.

v     إذا مواصلة سجنكم كانت على خلفية المحاكمة التي تمت لأعضاء حركة النهضة وفي نفس إطار المحكمة التي سجنتكم بسبب المقال الذي أشرتم إليه؟

لا ليس نفس الإطار لأن تلك كانت محاكمة في حد ذاتها مستقلة عن القضية الكبرى التي تمت بعد ذلك والتي اعتقل فيها تقريبا كل أفراد الحركة فلحقت بي التهم الأخرى وأنا في السجن أقضي ذلك العام. حكم علي بخمسة عشر سنة إضافية وسنة لما يسمى بالانتماء، يعني ستة عشر سنة ولي سنة ونصف بتهمة الثلب بوصفي مسؤولا عن جريدة الفجر.

v     وكم قضيتم من هذه السنوات؟

حُكم علي في الجملة بسبعة عشر سنة ونصف قضيت منها خمسة عشر سنة وأربعة أشهر تقريبا.

v     خضتم في سجنتكم عددا من إضرابات الجوع، ما كان هدفكم من تلك الإضرابات؟

كانت لأسباب مختلفة، بعضها يتعلق بالإقامة في السجن وظروفها وأساسا العزلة الانفرادية وكانت قاسية الى حد كبير في البداية، وكذلك مسألة الفسحة ومسألة الطعام ومسألة الظروف الصحية ومسألة الجرائد والإعلام فكانت هناك بعض التحركات لتحسين وضعيتنا وقد تحسنت.

v     هل يمكن أن تفصل لنا بعض الشيء في ما يخص الأوضاع التي اضطرتكم لتلك الإضرابات؟

العزلة الانفرادية هي في حد ذاتها مشكلة إذ ليس من الممكن أن يقيم الإنسان في غرفة سعتها نحو متر مربع لمدة سنوات طويلة وقد قضيت في هذه العزلة حوالي أحد عشر سنة كانت في البداية قاسية من حيث الظروف ومن حيث وقت الفسحة الذي لا يتجاوز نصف ساعة ومن حيث نوعية الأكلة ومن حيث الزيارة وحتى من حيث نوعية الحراسة اذ كانت مغلظة وكانوا يحرسوننا حتى من فوق السطح وكنت لا أرى أحدا ولا يقابلني أحد ولا يمكن أن أخرج مع السجناء الآخرين. فالعزلة الانفرادية ضرب من التضييق الشديد المنافي لأبسط حقوق السجين وحتى القانون لا ينص على العزلة الانفرادية لأن القانون يقول إن الانفرادي يأتي بعد حكم قضائي ويكون في أغلب الوقت وأنت في حالة إيقاف وليس في حالة حكم نهائي وربما تحتفظ بك المحكمة لأسباب مختلفة في التحقيق لكن بعد ذلك لا بد أن تمر إلى وضعية عادية في السجن تعيش مع أناس آخرين وتجتمع بهم ولا تستمر هذه الوضعية لأكثر من ستة أشهر في الانفرادي.

v     بالنسبة لكم هل استمرت لأحد عشر سنة متواصلة؟

شبه متواصلة لم تقطعها إلا فترة استمرت لبعض الأشهر فقط.

v     بعض الحجج التي قدمتها السلطة تقول إنها كانت تضع بعض المساجين السياسيين في الانفرادي، ولعلكم أحد المقصودين، بناء على طلبهم بأن يعزلوا عن بقية المساجين وخاصة مساجين الحق العام، فهل تقدمتهم في سجنكم بهذه المطالب؟

لا يمكن أن يطلب أحد عزلة انفرادية كهذه. اللهمّ شخص أو شخصان ولأسباب لا بد من التأكد منها. فإذا وضع السجين السياسي في غرفة للحق العام والمعلوم أن الوضعية سيئة جدا مع الحق العام في كل شيء، فان ذلك قد يدفعه لأن يختار العزلة. وقد كان المطلوب أن يوضع أصحاب نفس القضية في غرف مشتركة بعزلة عن أصحاب الحق العام لأسباب يعرفها الجميع. الاختلاط بمساجين الحق العام يمكن أن يحدث ولكن في ظروف مختلفة فالمطلب هو أن يجتمع أصحاب نفس القضية في جناح مخصص لهم، خاصة وأن السجن مقسم. فهناك الأحداث ومساجين الشيك ومساجين الجرائم الكبرى إلى آخره فنحن طلبنا أن يكون التقسيم على أساس نفس القضية وقوبل مطلبنا ذاك بالرفض. أنا دائما أطالب أن أجتمع بإخواني، أذكر أنه في عيد الفطر في سجن صفاقس طلبنا أن نرى بعضنا البعض ولو لدقيقة من أجل المعايدة فكان الرفض هو الجواب.

v     تصر السلطة على نفي اعتباركم مساجين سياسيين وأخيرا عبرت السلطة عن أسفها للموقف الذي اتخذته الخارجية الأمريكية إذ اعتبرت أن هناك مساجين سياسيين فالسلطة مصرة على اعتباركم مساجين حق عام وأنه ليس لديها مساجين سياسيين كيف تنظرون إلى هذا الموضوع؟

بلى، السلطة إلى حد الآن وللأسف تعتبر أن ليس هناك مساجين سياسيين وكلما طلبنا من إدارة السجن توضيحا بسيطا وأن يصنفونا فإما أن يعتبرونا ضمن الحق العام فيعطوننا حقوق سجين الحق العام وإما أن يعتبرونا مساجين رأي! وعندما تأتي الإجابة يقولون إننا مساجين "الانتماء" وأحيانا مساجين "صبغة خاصة"، قلت لهم فسروا لنا هذه الصبغة الخاصة ماذا ينجر عنها هل تعني حرماننا من كل الحقوق فالصبغة الخاصة لها تفسيرات كثيرة.

v     أنتم الآن خرجتم من السجن والحمد لله كيف تركتم زملاءكم هناك كيف تصفون وضعهم هل ما زال سيئا أم تحسن كما ذكرتم من قبل؟

لا أقول إنه كما كان من قبل فقد تحسن ولكنه تحسّن شكلي. فمثلا، كنا في غرف انعزال فردي وأصبحنا في غرف انعزال جماعي ولكن دائما عزلة. أعطيك مثالا، في سجن المهدية لا يمكن أن نلتقي بأي شخص آخر خارج تلك المجموعة ومكان الزيارة معزول عن بقية الناس كما أن هناك مجموعة خاصة بنا من الأعوان دون غيرها وحتى الخدمات العادية تتم من خلال هذه المجموعة، وإذا ما خرجت للزيارة يتم إخلاء كل الطريق الذي أمر به حتى لا يراني أحد ولا أرى أحدا. هذه النوعية من المعاملة مازالت ولكن للحقيقة وعلى المستوى الشكلي فقد صار في الغرفة أسرّة مثلا وبيت خلاء أفضل من قبل وصار في الغرفة مرآة وأرضية الغرفة مبلطة والفسحة وقتها أطول ولم يكن عندنا جهاز تلفاز فتحصلنا على واحد سنة 2004 أو 2003 وكذلك الصحافة طالبنا بتوسيعها ولكن تم توسيعها شكليا أيضا "الصباح" كانت تدخل ولكنها تمنع إذا كان فيها بعض الأخبار والآن سمحوا لنا بـ"الصريح" و"أخبار الجمهورية" التي لم يكن مسموحا بها في السابق ولكنها تقطع بعض الأحيان كذلك. الأكلة تحسنت تدريجيا خاصة بعد زيارة الصليب الأحمر، الحقيقة هناك تحسن ولكن العقلية والخلفية السياسية للقضية واضحة يعني ظلت سياسة العزلة قائمة فالناس لا يجتمعون ولا يلتقون بأحد إطلاقا ولكن كي نكون صادقين فإن الظروف المادية تحسنت.

v     فقط للتوضيح، لقد تم في الفترة الأخيرة جمعكم مع عدد من زملائكم من نفس القضية، من كان معكم وما دلالة ذلك؟

كان ذلك منذ عام تقريبا. المجوعة التي كانت معي قبل إطلاق سراحي تتألف من الإخوة بوراوي مخلوف، والهادي الغالي، وعبد الحميد الجلاصي، ومحمد صالح قسومة.

v     وكيف تركتهم من حيث وضعهم الصحي مثلا؟

الجانب الصحي جيد فقد تحسنت الخدمات الصحية. فإذا طلبنا مقابلة الطبيب مثلا يأتي بسرعة وأحيانا نخرج حتى إلى المستشفى ونلتقي بأطباء مختصين كما أن الدواء متوفر أكثر من قبل لكن ومع الأسف وبسبب طول المدة بعض الإخوة أصيبوا بأمراض مزمنة مثل الأخ محمد صالح قسومة أصيب بمرض المفاصل بحيث أصبح غير قادر على الوقوف طويلا ولا الجلوس طويلا  حتى الصلاة تتعبه وكذلك بوراوي مخلوف عنده عرق الأسى بظهره أما عبد الحميد الجلاصي فقد فقد تسعة أو عشرة من أضراسه وكذلك الهادي الغالي، أغلب الإخوة أصيبوا بعاهات صحية ورغم أن المداواة صارت متوفرة إلا أن هذه الأمراض أصبحت مزمنة. ومع ذلك من المهم التنبيه أن التعاطي الحالي مع الملف الصحي أفضل مما كان عليه الأمر سابقا.

v     بالنسبة لوضعك الشخصي هل ترك فيك السجن بعض الآثار؟

لا، الحمد لله ليس هناك آثار واضحة صحيا وعلى كل المستويات فقد كنت أقوم بفحوص طبية دورية تقريبا، من هذه الناحية يمكن أن أقول إني محظوظ من الناحية الصحية بالمقارنة مع بقية الإخوة الآخرين.

v     الآن وقد خرجتم من السجن كيف تنظرون لعملية الإفراج عنكم هل هي تعامل مع حالة فردية أم هي كما تصفه السلطة تعامل مع  بعض الوضعيات الإنسانية أم يمكن أن نفهم ذلك باعتباره خطوة سياسية في سياق حل هذا الملف؟

السلطة تصر على أن الملف ليس سياسيا وهذا واضح وبالتالي فإن الإفراج لم يكن في إطار معالجة سياسية وإنما  كان لأسباب إنسانية أو تعامل مع وضعيات من الحق العام. ولكن الحقيقة يعرفها كل الناس هذه قضية سياسية بالأساس سمّها ما شئت إرهابا، تطرفا، ولكنها قضية سياسية وحتى الذي يطلق هذه الألقاب والتصنيفات يعلم في قرارة نفسه أنها قضية ذات خلفية سياسية. وحتى وزير العدل قبل سنة أو أقل وخلال ندوة صحفية تحدث عن مجموعة ذات خلفية فكرية أو سياسية. أنا أفهم، ولا أقول أتفهم، لماذا تقول السلطة إنه ليس هناك مساجين سياسيون إذ الإقرار بوجود مساجين سياسيين يقتضي تعاطيا سياسيا مع هذه القضية وهذا هو الذي يرفضونه. إذا فالأسباب المتعلقة بعملية الإفراج معروفة ومتعددة ومنها أن هذا الملف طال وأثقل كاهل الجميع، أثقل كاهل العائلات والمساجين اجتماعيا وماديا وأثقل كاهل البلاد على مستوى صورتها في الداخل والخارج وصار هذا الملف يتناول في كل المؤتمرات وفي كل اللقاءات إلى آخره وأتصور أن الوقت حان لطي هذا الملف.

v     كيف تتصورون أن يتم طي هذا الملف. ما هي الإجراءات التي يمكن أن تتخذها السلطة في هذا الإطار؟

بطبيعة الحال، طي هذا الملف يبدأ بإخراج كل المساجين السياسيين دون استثناء وفي أقرب وقت. وهذا مطلب من مطالب كل القوى السياسية المحلية والدولية وهم لا يختلفون حول هذه المسألة وأن هناك ملف مساجين سياسيين لا بد من الإفراج عنهم أولا وتمكينهم من أبسط حقوقهم، ليس فقط الإفراج ولكن الإفراج بأتم معنى الكلمة يعني حريات بأتم معنى الكلمة وأن يكونوا قادرين على التنقل والشغل وأن يعيشوا ويتمتعوا بالشعور بالأمان داخل عائلاتهم وداخل بيوتهم وفي الشارع إلى آخره.

v     هل يعني أنكم وبعد خروجكم من السجن مازلتم محرومين من بعض هذه الحقوق في تنقلكم واتصالاتكم؟

لا الحقيقة لم أشعر بمضايقة إلى هذه الساعة، هناك بعض الحراسة البعيدة نسبيا عن البيت، على بعد عشرين مترا أو ثلاثين تقريبا، سيارة أو سيارتان أو شخص يتبعني في تنقلاتي حتى في ذهابي إلى بعض شؤوني الخاصة العائلية إلى آخره ولكني لم أشعر بالتضييق بنفس الحدة التي كان عليها الحال سنة 1988 و89 عندما كانت سيارة تتابعني باستمرار ويطلبون بطاقات التعريف لمن يدخل بيتي، الآن أخف نسبيا، أقصد إلى حد هذه الساعة التي أكلمك فيها، ولكن هناك مراقبة هم يعتبرونها عادية ربما ولكنها مراقبة، ولكن ليس هناك مضايقة على مستوى بيتي أو ضيوفي أو من يتردد على بيتي.

v     باستثناء إطلاق سراح المساجين، ما هو تصوركم لإمكانية تحقيق انفراج سياسي وإن كان جزئيا؟

الواضح من الخطاب الرسمي الآن في ما يخص المساجين أن السلطة مازالت تعتبرهم سجناء حق عام تم الافراج عنهم ضمن عدد كبير من مساجين الحق العام وبالتالي ليس مطروحا إلى الساعة التطرق اليه من جانب سياسي او تعاطي سياسي مع القضية. هم مواطنون عاديون خرجوا من السجن ويعيشون كمواطنين عاديين ولكن ماذا يعني مواطنين عاديين؟ هل لهم حقوق سياسية هل يستطيعون ممارسة العمل السياسي كما يكفله الدستور، هذا غير واضح. إلى حد هذه الساعة فإن التعاطي السياسي مع هذا الملف غير واضح، هناك تعاطي أمني سابق مازال مستمرا في تقديري بدرجات متفاوتة ربما ولكن إلى حد الآن وربما لضيق الوقت الذي يفصلني عن السجن فأنا ربما لم أفهم الوضع بعد ولكن أشعر بذلك جيدا. القضية بالنسبة إلى السلطة هي قضية حق عام.

v     في ردها على البيان الذي أصدرته حركة النهضة بمناسبة الذكرى الرابعة والعشرين للإعلان عن تأسيس حركة الاتجاه الاسلامي خلال الصائفة الماضية قالت السلطة إنها ترفض التعامل مع أحزاب تتخذ الدين غطاء لها. والحركة التي سجنتم بسبب انتمائكم إليها توصف بأنها حركة دينية أو هي حزب ديني وهذا لا يتسع له الدستور في البلاد، ألا يجب على حركة النهضة أن تطبّع وضعها مع القانون قبل أن تطالب بحقها في النشاط كحزب سياسي؟

الغريب في الأمر أننا في عام تسعة وثمانين عندما شاركنا في الحوار حول الميثاق الوطني وكيفية تعاطي هذه الحركة مع الأطراف السياسية كان أحد مطالب السلطة آنذاك أنكم الآن حركة الاتجاه الإسلامي ولا بد أن تغيروا إسمكم بحيث تزال منه الصفة الإسلامية، وقد دار نقاش واسع داخل الحركة، وفي نهاية الأمر اقتنع الجميع أنه ليس في الأمر إشكال في ما يخص التسمية وليس ذلك راجع للجانب السياسي فقط ولكن حتى على المستوى الفكري ذلك أننا لا نعتبر أنفسنا ناطقين باسم الإسلام  كما أننا لسنا أوصياء على الإسلام فالإسلام معروف من الجميع ولا يحتاج إلى وصي ولا من يتكلم باسمه ونحن طرف سياسي لنا وعلينا ما على كل الأطراف السياسية من الحقوق والواجبات التي ينص عليها الدستور وقوانين البلاد التي تتلاءم مع هذا الدستور ونحن نخضع لنفس هذه القوانين ولنص الدستور كبقية الأطراف وتقدمنا بملف في ذلك لوزارة الداخلية ورفضوا حتى استلامه بينما قبلوا منا ملف الصحيفة التي كنا تقدمنا به بينما رفضوا مجرد استلام ملف الحزب السياسي الذي كان في قانونه الأساسي أن الحركة لا تنفرد بالحديث باسم الإسلام وأنها لا تكفر أحدا ولا تقدم صكوكا للغفران بل هي طرف سياسي ذو أبعاد حضارية إسلامية تستمد مشروعها الفكري والسياسي من التراث الإسلامي ولها نظرة للإسلام وليست هي النظرة الوحيدة كما لها موقف من القضايا الفكرية والإسلامية وليست هي صاحبة الموقف الوحيد. كما أننا لا ندعي العصمة ولا اكتساب الحقيقة المطلقة بل نؤمن بأن الأمور في عالم البشر نسبية وهناك معلوم من الدين بالضرور كما هناك اجتهادارت ونحن ننتمي إلى مدرسة اجتهادات معينة وهذا حق من حقوقنا. ولنا أيضا نظرة تتطور مع أوضاع المجتمع وهذا أيضا معروف عن حركة النهضة، فمن قال إن هذه حركة دينية! وما معنى حركة دينية بالضبط! ماهو تعريف الحركة الدينية حتى نقول إن هذه حركة دينية! وإن هذه حركة غير دينية! فإذا كان هناك من ينتمي إلى الديمقراطية ويعطي رأيه فيها فنحن كذلك نعطي رأينا بصفتنا حركة ذات أبعاد إسلامية، وقد صارت الحركات الإسلامية الآن موجودة على امتداد البلاد العربية والإسلامية. أما كون الدستور ينص على أنه لا يجوز أن تكون هناك حركات دينية أو أحزاب تتكلم باسم الدين، فمن قال إننا نتكلم باسم الإسلام وماذا عن الأبعاد الدينية فهل يعني ذلك أنه إذا كان عناصر من هذه الحركة يقيمون شعائرهم الدينية ويصلون ويتعبدون فإنه ممنوع عليهم أن يشكلوا حزبا سياسيا فما هو المطلوب من هؤلاء الأفراد؟ أن يتخلوا عن ممارسة شعائرهم الدينية، عن عباداتهم، وحتى  الجهر بأنهم ينتمون إلى الإسلام؟ هذا أمر غير مفهوم. أنا أقول إن على الطرف المقابل أن يوضح أكثر ما معنى أن تكون حركة دينية أو لا دينية. أنا أضرب مثالا بحركة الديمقراطيين الاشتراكيين التي لها أبعاد عربية إسلامية وهي حزب معترف به ولكن هل من جهتنا قلنا غير هذا؟ هل قلنا إننا نتكلم باسم الإسلام أو حتى مع غيرنا أو أننا نمثل الإسلام وأن غيرنا لا يمثله من قال مثل هذا الكلام! أعطونا نصا واحدا في أدبياتنا أو تصريحا واحدا قلنا فيه مثل ذلك، متى كفّرنا جزء من المجتمع أو المجتمع أو فرقة أو حزبا. لقد كنا نجلس مع الحزب الشيوعي ومع كل الناس ونعمل معهم، هذا جدلا اذا كان الحزب الشيوعي لا ينتمي إلى الإسلام بل هو يقول إن له نظرة للإسلام فلم لا، بل إن الحزب الحاكم نفسه أي التجمع الدستوري الديمقراطي يقيم محاضرات دينية ويجتمع بالأئمة وله أنشطة دينية في المساجد وغيرها. فهذا غير مفهوم. هناك خلط واضح. أما أن يكون هذا شعار لتصفية خصم سياسي أو طرف سياسي منافس فهذا كلام آخر. المقصود أننا لم ندّع يوما من الأيام أننا نمثل الإسلام أو نتكلم باسم الإسلام أو ننفرد بهذه الصفة بحيث نكفر غيرنا أو نمنع غيرنا من النشاط أو نرفع لافتة أن ينتمي الجميع إلى الفكر الإسلامي. بل لنا رأي كبقية الآراء ولنا موقف كبقية المواقف نحترم  هذه المواقف ونتعامل معها ببراغماتية وبالحوار ولا يمكن أن ننعت بأننا حزب ديني فهذا أمر غير مفهوم.

v     الأطراف السياسية في الساحة التونسية تنقسم في علاقتها وموقفها من الحركة الإسلامية إلى طرفين على الأقل، طرف بدأ يعبر عن استعداده للتحاور والعمل مع الحركة الإسلامية وطرف لا يزال يعتبرها مشروعا دكتاتوريا بسبب خلفيتها الدينية التي تصنف الناس إلى مؤمنين وغير مؤمنين بما يؤدي إلى إقصاء فئة واسعة من المجتمع. فالإسلاميون بحسب هذا الطرف مشروع استبدادي ينذر باستبداد أشد من الاستبداد القائم، ولذلك فأولية هؤلاء تكمن في العمل على تجنب هذا الاستبداد القادم  ومحاولة التعايش مع الواقع الذي يوفر نوعا من الحرية الاجتماعية على الأقل.

إن الذي ذكرته صحيح في ما يخص هذا الرأي ولكن على أي أساس يستند هؤلاء في تعاملهم مع أي طرف وليس فقط النهضة؟ هل على أساس أدبياته أم على أساس ممارساته أم على أساس ممارسة حركات أخرى تنتمي إلى نفس الخلفية الفكرية؟ أنا أقول إن كل الأطراف السياسية تعرفنا جيدا وقد كنا نجتمع معهم ونلتقي ونصدر بيانات وبعد الاعتقالات كان هناك شقان شق رفضها وشق ساندها فعلى ماذا يستند الشق الذي يرفض وجود الحركة؟ هو يعتبر ان هذه حركة دينية كليانية لا تعترف بالديمقراطية ولكن هل لهم حجج في ذلك أم أنهم يقولون إننا سنكون مثل الطالبان أو غيرهم في بلدان أخرى وبالتالي وبما انكم ستكونون مثل هؤلاء فلا بد أن نمنعكم! انظر إلى هذا المنطق: لأنكم تعتبرون أعداء للديمقراطية فلا بد أن نقضي عليكم قبل أن تقضوا علينا، لا بد أن نمنعكم من الوصول. وبما أننا صنفناكم أعداء للديمقراطية فإنه لا يجب أن تشملكم العملية الديمقراطية، يعني حكم غيابي، وحكم على النوايا نطبقه عليك يعني كي لا تكون على الحال الموصوفة فانه يجب ان نمنعك الآن! فأي منطق هذا ومن أنت حتى تمنعني؟! على أي أساس يتم الاستناد في السماح لطرف أو منع آخر أليس على أساس الدستور؟ طيب، فلنطبق الدستور الذي يعطي لكل طرف ومجموعة حق الاجتماع والنشاط وبعد ذلك اذا تجاوز هذا الطرف الدستور والقانون فهناك عدالة وهناك قضاء كما هو معمول به في بقية بلدان العالم. ولكن أن تنطلق من مقدمة مفادها بما أنك عدو للديمقراطية فلا بد أن أقتلك فهذا منطق لا يستوي. جوابي للأطراف السياسية التي ترفع لافتة أعداء الديمقراطية أقول لهم لماذا تنصبون أنفسكم حكاما باسم المجتمع؟ لا يمكن لكم أن تنصبوا أنفسكم قضاة تحكمون على هذا وتمنعون ذاك لأنكم بهذه الطريقة تصبحون الخصم والحكم. فإذا قلنا إن هناك دولة مؤسسات وقانون فهذا يعني أن القانون يسري على الجميع في الحقوق والواجبات وأن القانون فوق الجميع فاذا تجاوز طرف القانون فليحاسب على ذلك والكل يجب أن يستوي في هذا. والحركة قالت إنها مع الاقتراع الحر المباشر ومع الانتخاب ومع التداول على السلطة ومع احترام قوانين البلاد ومع احترام مكتسبات البلاد ايضا. الآن من الحجج أو التعلات أن هؤلاء إذا جاؤوا فإنهم سيقننون تعدد الزوجات ويلغون مجلة الأحوال الشخصية ولكن من قال هذا؟ ولماذا نرفض مجلة الأحوال الشخصية ومنبعها في الأصل فكر إسلامي مستمد من الشريعة؟ فهذه اجتهادات وآراء مختلفة لكن هذه التصنيفات ورشق التهم الاعتباطي هو الذي يضر بالعملية السياسية.

v     هذا بالنسبة إلى الأطراف السياسية التي لا تقبل بوجود حركة إسلامية، لسبب أو لآخر، أما بالنسبة للأطراف الأخرى التي لا تمانع في العمل مع الإسلاميين فان بعضهم يرى أن المشروع الإسلامي يمثل تهديدا لمجموعة من الحريات، كما أن هناك خشية من أن هذا الطرف وبسبب شعبيته كما نرى في عدد من الدول العربية والإسلامية سيكتسح الساحة وربما لن يترك المجال لغيره. كيف تردون على مثل هذه التخوفات؟

فلنتفق على شيء أولا، في هذا العصر لا يمكن أن نتكلم عن حزب واحد يدير البلاد سواء تونس أو غيرها فقد مضى ذلك الزمن الذي يكون هناك طرف واحد يحكم البلاد سواء أكان إسلاميا أم اشتراكيا أم يساريا أم يمينيا ولم يعد هناك مكان لحكم أي مجتمع من طرف واحد. فالمجتمعات الآن تعددية بطبيعتها وبجبلتها هناك اختلاف وحتى المدرسة الإسلامية هناك اختلاف بين مكوناتها، فما بالك مع غيرها. فإذا كان الإسلاميون الآن يرون أنهم بمقدورهم حكم أي بلد من العالم بمفردهم فهذا خطأ فادح جدا ومأساة محدقة فالمجتمع الآن تعددي ولا بد أن يكون تعدديا وذلك من أجل إثراء الساحة الفكرية والسياسية والاجتماعية وكذلك من أجل أن لا يكون هناك انفراد بالسلطة ذلك أن القاعدة التي تقول بالحاجة إلى سلطة وسلطة موازنة تمثل حاجة ضرورة ملحة جدا وحياتية بالنسبة للمجتمعات. وليس بالضرورة أن تكون العلاقة بين السلطة السياسية والسلطات الأخرى التي تحدها علاقة عنف وتوتر. فالسلطة بموازاة السلطة من مصلحة المجتمع ذاته حتى لا يكون هناك تفرد فالتفرد إفساد وإضاعة للطاقات وإهدار لها وعندما يكون حكم وحكم مضاد يكون الذي في الحكم ساعيا لإنجاز ما وعد به ويعرف إنه إذا أخلف الوعد فان هناك من سيأتي مكانه ويقوم بهذه العملية وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. يجب أن تكون هناك منافسة وكما هو الشأن بالنسبة للمنافسة الاقتصادية فان هناك منافسة سياسية والمنافسة أنواع ففي المجتمعات المتخلفة تكون هذه المنافسة عنيفة وفي المجتمعات المتحضرة تكون سلمية عن طريق صناديق الاقتراع الى آخره. إذا لم يعد هناك مجال اليوم وغدا لأن تنفرد مجموعة واحدة أو حزب واحد بالحكم. وهذا هو الذي لم يفهمه النظام العربي أو ما يسمى بالأنظمة العربية مع الأسف. إن مجتمعاتنا تتطور وهي تعرف مخاضا ففيها آراء مختلفة وتعددية وإن كانت غير مقننة فانها كامنة ولكن أغلب الأنظمة العربية ما زالت مصرة على حكم الحزب الواحد بتفاوت بطبيعة الحال وبمعارضة ربما تكون شكلية ولكن في الحقيقة ليس هناك عملية سياسية عميقة تستتند الى معارضة منظمة مستقلة مسؤولة أيضا في حواراتها وبرامجها متدرجة بشكل سلمي وعلني ونحن نرى ذلك في فلسطين وتركيا لكنها مازالت إرهاصات على الطريق ومازال هذا الطريق طويلا لأنه متعلق بوعي المجتمعات، وليس فقط الأنظمة، ودورها في هذه العملية وهذا ما نصبو إليه.

v     هذا على مستوى المبادئ أما في الواقع وفي الممارسة العملية فمعروف أن الجهة التي تنتصر وتصل  البلمان بأغلبية معتبرة تصبح قادرة على سن قوانين في اتجاه يناسب الآراء التي تحملها، ومن هنا مخاوف بعض الأطراف الوطنية في تونس التي تخشى من إمكانية تهديد بعض الحريات الفردية نظرا لأن الإسلاميين يحملون تصورا معينا للمرأة وللعلاقات بين الجنسين أو للعلاقات الاجتماعية عموما.

إن أي طرف يصل إلى الحكم، بصرف النظر عما إذا كان حركة إسلامية أو غيرها، فإنه سيصل ببرامجه وأفكاره ومقترحاته التي يعرضها ويكون التصويت عليه على هذا الأساس يعني أنه إذا ما انقلب على وعوده وبرامجه يكون قد انقلب على الأغلبية التي أتت به إلى السلطة، فيكون قد ضرب نفسه بنفسه في نهاية الأمر لكونه خان الثقة التي أسندت إليه. تقول إنه ربما يشرع قوانين وهنا أقول إن هناك أحد أمرين فإما أن نعتبر أن هذه المجتمعات واعية وتستطيع أن تميز بين البرامج وتختار على وعي أو أنها تكون منساقة كقطيع من الغنم لا قدر الله. أنا اعتبر أن المجتمعات لها من الوعي ما يجعلها تدرك الحقيقة وتعرفها وتميز جدا وهي إذا أعطيت لها الفرصة لممارسة هذا الحق فانها ستختار ما تريده وهي إذا رأت أن تلك المجموعة أو ذلك الحزب انقلب على وعوده فستنقلب عليه. بالإضافة إلى ذلك فان هناك قوانين ومؤسسات ودستور وهذه تحصينات المجتمعات، ومقابل ذلك فانه لا يمكن أن يتم تحصينها بالأمن مثلا ولا بالممارسة الأمنية، وهناك صحافة وعدالة ورأي عام ومجتمع مدني وجمعيات إلى آخره. هذه المؤسسات هي التي تحصن المجتمعات وليست الشرطة ولا الحلول الأمنية ولا المحاكمات السياسية. فمن يصل إلى الحكم بطريقة ديمقراطية وينقلب على هذه الديمقراطية فسوف ينقلب عليه الناس طال الزمن أم قصر وإذا كان لهذا الطرف الأغلبية من الأصوات ويريد أن يغير القوانين بشكل يتناقض مع مصلحة المجتمع فإن الأمر سينقلب عليه. ومن جهة أخرى فإن القضية ليست في الخشية من أن يصل طرف إلى السلطة فينقلب علينا؟ السؤال من أنت حتى يقع عليك الانقلاب هل أنت طرف سياسي أم أنت المجتمع؟ فإن كنت طرفا سياسيا فأنت كغيرك من الأطراف وإن كنت تتكلم عن المجتمع فذلك الذي وصل الى الحكم قد جاء به المجتمع ومن مصلحة ذلك الطرف أن لا ينقلب على المجتمع وعلى قوانينه وتقاليده. وإذا أخذنا المثال الذي ضربته بأن هذا الطرف سيسن قوانين لتعدد الزوجات فهل هذا مطروح في حركة النهضة؟ أو أنهم سيحدون من الحريات الأساسية فهل ننقلب على هذه الحريات ونحن أكبر ضحية لغيابها؟ خذ مثلا ظاهرة الحجاب كيف انتشرت في تونس؟  بعد أن خرجت من السجن وصرت أجول في الشوارع لاحظت أن هذه الظاهرة اتسعت وقد كان الأمر قبل دخولي للسجن أقل بكثير بحيث كنت ترى واحدة من ألف تلبس الحجاب. الآن صارت الأغلبية إن لم يكن اكثر من ذلك، متى حصل هذا؟ لقد حصل عندما دخلت الحركة للسجن. فكيف اقنعت الحركة هؤلاء باللباس الشرعي أو بالحجاب وهي في السجن؟! هذه ظاهرة اجتماعية نسبوها للحركة! وأقول لهم شكرا فقد خدمتمونا! قالوا إن هذا الزي طائفي ويمثل طرفا سياسيا وهذا يعني أن كل من ترتدي الحجاب محسوبة على حركة النهضة وأن كل من يصلي محسوب على حركة النهضة، طيب هذا جيد فنحن لا نطلب أكثر من ذلك! في الحقيقة كان من الأفضل أن يميزوا بين هذا وذاك. العملية تتمثل في حراك اجتماعي وحراك ثقافي اقتنع به الناس فلبسوا الحجاب أو صلوا فالمفروض أن لا يقع الخلط. فهل  نحن فرضنا على الفتيات والنساء لبس الحجاب ومن قال اننا نفعل ذلك في اي مكان فهذه تعلات واهية ولا تقوم على أساس من الواقع لا في أقوالنا ولا أفعالنا ولا داخل بيوتنا ولا أقاربنا ولا في مجتمعاتنا لم نفرض على الناس ذلك. وأنا مثلا لم أفرض على زوجتي ولا على بناتي لبس الحجاب وعندما كنت في السجن لم أتكلم معهن يوما على الحجاب ولم أطلب منهن ذلك أو احتججت على مجيئهن إلي بدونه وهن لبسنه بحرية مطلقة وحتى والدتهن لم تطلب من بناتي لبس الحجاب هذا أؤكده لك. فبناتي لبسن بمحضن إرادتهن فواحدة لبست وهي في السنة الأولى من الجامعة والثانية بعدها بسنة والثالثة بعدهما بسنتين أو ثلاث ولم أطلب منهن ذلك، هذا عن الحجاب. ولكن السؤال هو من الذي يفرض الآن اللباس؟ من الذي يقيد حرية اللباس هل هي حركة النهضة! وهذا الذي ينتقد حركة النهضة بادعائه أنها تفرض على النساء لبس الحجاب فلماذا تفرض عليهن لباسا فتسمح بلباس وتمنع آخر.

هذا على المستوى المحلي وأما على المستوى الدولي فهل تظن أن ما يسمى بالنظام العالمي ما زال يسمح بهذه الأشكال من الأنظمة الكليانية، هناك مسار عالمي الآن ليس فقط على مستوى الدول وإنما كذلك على مستوى المجتمعات، هناك انفتاح وهناك حوار كبير وتبادل للمعلومات هناك منظمات عالمية عتيدة الآن للدفاع عن حقوق الانسان بحيث أن أي نظام لا يريد أن ينخرط  ضمن هذا المسار العالمي من فسح المجال للحريات الجماعية والفردية من حقوق الانسان وحقوق الطفل وحقوق المرأة فإنه ينعزل وسوف يسقط عاجلا أم آجلا. فالعالم يتطور ويتبدل ونحن نسير نحو عصر يكون فيه الانسان محور أي نشاط وأي عمل ولا يمكن للحركة الإسلامية أن تتناقض مع هذا المسار. وهذا المسار لا أقول فقط إنه عالمي بل هو مسار رباني يدعو إليه الإسلام وقد جاء الإسلام ليحرر الإنسان من الإنسان ويجعله حرا طليقا له رب سبحانه  وتعالى أعطاه هذا العقل  ليفكر به وجعله حرا منذ اللحظة الأولى  وأراد أن ينزع عنه هذه القيود فلا يمكن لأي حركة إسلامية أن تعمل ضد  سنن الله سبحانه وتعالى وضد تطور التاريخ وأن تفرض على مجتمعاتها قوانين زجرية وقوانين استبدادية بدعوى الإسلام فهذا غير مقبول وغير معقول أيضا.

v     ذكرتم في حديثكم أن من الروادع التي تمنع استبداد أي طرف وجود صحافة حرة وإعلام مستقل ومؤسسات مجتمع مدني، إلا أن الوضع في تونس يتمثل في أن مكونات المجتمع المدني ضعيفة وليس لها سلطة معتبرة في البلاد ما يجعل أي طرف يرث السلطة على ما هي عليه من قوة قادرا في النهاية على الاستبداد، فموازين القوى مختلة اختلالا واضحا لصالح الدولة على حساب المجتمع. فهل يكمن المطلب السياسي المناسب للمرحلة الراهنة في استبدال حاكم بحاكم وحزب سياسي بحزب سياسي آخر،  بمعنى آخر هل الإشكال في من يمسك الدولة أم في طبيعة العلاقة التي تربط بين الدولة والمجتمع بحيث تكون الأولوية السياسية الآن متجهة لتقوية المجتمع وتعزيز دفاعاته قبل التفكير في السلطة؟

هذا هو المشكل السياسي فعلا، هذا هو لب الموضوع وهذا هو المشكل الذي نعاني منه الآن. نحن نريد كما يقول البعض أن نحصن مجتمعنا من الاستبداد سواء عندما يحكم الإسلاميون أو غيرهم. هذا هو الهدف، أي أن يكون المجتمع متوفرا على مؤسسات وعلى رأي عام وصحافة حرة وعدالة مستقلة ومؤسسات دستورية يحتكم إليها الجميع تحصنه من أي انفراد ومن أي استبداد أيا كانت الجهة الحاكمة، إسلامية أم غير اسلامية. إذا القضية هي أن نتدرج بمجتمعنا من أجل بناء ما يسمى بالمؤسسات المدنية فكيف السبيل لذلك؟ أول شيء يتمثل في كون القضية الآن هي قضية حريات فمؤسسات المجتمع المدني لا يمكن أن تنشط ولا يمكن أن تعمل بدون حريات، حرية التنظم وحرية الرأي وحرية القضاء واستقلاليته... هذه هي المطالب الأساسية التي يجب أن تنصب عليها كل الجهود وليس جهود المعارضة فقط بل كذلك حتى جهود الحزب الحاكم فذلك ضمان له. فعندما تكون هذه المؤسسات تعمل باستقلالية وبحرية فإنها تحسن من أدائه بالنقد البناء وبالنصح وبأن يكون قوة فاعلة في المجتمع. لأنه بدون هذه المؤسات يصبح هناك حكم يحكم بالأمن وهناك استقالة جماعية للمجتمع وهذا ما نلاحظه ونشهده في المجتمعات العربية الإسلامية مع الأسف. استقالة جماعية في البلاد وهذه الاستقالة ليست سياسية فقط بل هي استقالة اجتماعية وثقافية. إنها استقالة جماعية حتى على مستوى الشغل والمبادرة إذ يصبح الإنسان ميالا لقضاء يومه كاملا في المقهى ولا يشتغل، لماذا لانه لا يشعر بأن هناك حوافز. وليس المقصود بالحوافز الاقتتصادية منها لا، بل أن يشعر الإنسان أنه فعلا يعيش بحرية وأنه يتنفس بحرية وأنه قادر على المبادرة وأنه لا يخشى على نفسه وأن يتعلم أن تكون له قيم اجتماعية في حب العمل والنشاط ونبذ البطالة والكسل وهذه قيم نفتقدها. نحن نضرب مثال الصينيين واليابانيين ونتساءل لماذا يتقدمون؟ لأنهم يقدسون العمل ولأن الواحد منهم إن أصبح عاطلا فإنه يبحث عن شغل كي يقتات بينما لدينا فإن الشاب يكتفي بأن يحصل على دينار من أهله كي يجلس في المقهى ويدخن بها النرجيلة "الشيشة" هذه كلها مرتبطة ببعضها. ماذا نلقن شعوبنا، بماذا نربيهم، هذه قضية متداخلة ومتكاملة فالعمل السياسي ليس مقصودا لذاته فهو عمل وظيفي من أجل أن نرتقي بمستوى الناس اجتماعيا وثقافيا وماديا واقتصاديا وأن نتحرر من هذه العقلية الاستهلاكية للبضاعة ولكل شيء. إن عمق الموضوع ليس قضية تنافس سياسي على منصب فقط ليس ذلك هو الهدف فالهدف أن نتطور بمجتمعنا بحيث يصبح مجتمعا راقيا يأكل من كد يده ومن صنعه يتنافس مع غيره وهذا لا يتم إلا عندما يكون هناك مناخ من الحرية حتى تنطلق كل هذه الفعاليات والتي يجب أن تتحرر. وتحرير الفاعلية في كل المستويات تبدأ بمبادرات أولها إطلاق الحريات. فهل نحن الآن في غنى عن صحافة تنتقد وتنقد وتقول الكلمة ولا تخشى على نفسها؟ نحن في حاجة إلى ذلك والنظام في حاجة إلى ذلك ولكن ما نشاهده هو "بني وي وي" في كل مكان والتزكيات وغير ذلك. والغريب أن الحال هو على  مثل ذلك الشعار الذي كان يرفع  يوم السادس من نوفمبر إذ كانت جريدة "لابراس" تمجد بورقيبة بينما أصبحت تتهجم عليه يوم السابع من نوفمبر! هذا نمط من الصحافة الموجودة ومثال آخر، كان الجميع في وقت من الأوقات مع "الكبّال" الذي يوضع للسيارات وعندما صدر أمر بتنحية "الكبال" أصبح الكل يصفق ويتهم هذا الكبال! هذه هي وضعيتنا. ليس المطلوب أن يكون التهجم على السلطة في كل شيء لكن أيضا لا يمكن أن تتم عملية الإصلاح بإعلام ينافق نفسه وينافق المجتمع فلا بد أن يتوفر حد أدنى من المصداقية. لماذا مجتمعاتنا هكذا، لأنها فقدت القدوة. أعطيك مثالا آخر انفلونزا الطيور، كنت أتابع "القناة سبعة" وقد استدعو كل الأطباء وكل الخبراء وأقاموا موائد الإفطار المكونة من لحم الدجاج وأنا متأكد أنها معافاة، وأنا شخصيا أتناول هذه اللحوم، لكن السؤال لماذا لا يصدقهم أغلب الناس؟ لأن هناك أزمة ثقة في هذا الخطاب. فهم يستمعون للإعلام الخارجي ولا يصدقون الإعلام الداخلي ولذلك فحتى وإن استقدموا ألف طبيب وألف خبير لأجل إقناع الناس بأن هذه الطيور سليمة فلن يصدقوهم. إن القضية مرتبطة بأزمة ثقة ومصداقية، عندما نرفع شعار الديمقراطية لابد من مصداقية وعندما نرفع شعار الحرية لابد من مصداقية وعندما نرفع شعار حقوق الإنسان لابد من مصداقية، ودون ذلك تبقى الشعارات والخطب وتتعمق الأزمة مع الأسف.

v     أستاذ حمادي الجبالي، في النهاية،هل من كلمة أخيرة لقراء هذا الحوار؟

والله هذه الكلمة الأخيرة لا أقصد بها طرفا بعينه، وإن كان الأقرب هو طرف السلطة، الخطاب موجه لمن يهمه الأمر. أعينونا على تجاوز هذه المرحلة لمصلحة الجميع. تونس تتسع للجميع ولا يمكن أن تكون غير ذلك. هي للجميع وتتسع للجميع لهذا فلنتعاون على تجاوز مخلفات الماضي  لفائدة مستقبل أفضل إن شاء الله.


© aqlamonline 2006