حمادي الجبالي لأقلام أونلاين

نريد تحصين المجتمع من الاستبداد أيا كانت اللافتة التي يمارس تحتها

العدد السابع عشر
السنة الخامسة / أفريل - ماي 2006

في حوار خاص بمجلة أقلام أون لاين اعتبر الأستاذ حمادي الجبالي السجين السياسي السابق والقيادي البارز في حركة النهضة أن غياب الحرية هو القضية الأساسية في البلاد، مؤكدا أن مؤسسات المجتمع المدني لا يمكن ان تنشط أو تعمل بفاعلية إذا لم تكن حرة، مبينا أن هذه المؤسسات هي التي تدافع عن المجتمع الذي يجب تحصينه من الاستبداد سواء أكان الحاكم إسلاميا أم غير إسلامي.

وفي ما يتعلق بظروف سجنه وزملائه من حركة النهضة اعتبر الجبالي مدير جريدة الفجر التونسية الممنوعة من الصدور منذ أكثر من خمسة عشر سنة أن موضوع العزلة يعد من أبرز المشاكل في تعامل السلطة مع المساجين الإسلاميين وأن الوضع في السجن مازال محكوما بخلفية سياسية تنكر الصفة السياسية للمساجين وتصنفهم ضمن مساجين الحق العام. وأضاف أن السجن قد خلّف عاهات مزمنة لعدد من زملائه  لم يعد يجدي في معالجتها التحسينات الشكلية للخدمات داخل السجون.

وبيّن الرئيس الأسبق لحركة النهضة أن إطلاق سراح المساجين السياسيين وتمكينهم من أبسط حقوقهم في "التنقل والشغل والعيش بأمان مع عائلاتهم وداخل بيوتهم وفي الشارع" هو الحد الأدنى الذي ينبغي أن يتوفر قبل الحديث عن انفراج سياسي.

وردا على حجة السلطة في عدم الاعتراف بحركة النهضة لكونها تتخذ من الدين غطاء أكد الجبالي أن النهضة لم تدّع يوما أنها تمثل الإسلام أو تنطق باسمه وإن اتخذت منه خلفية لتصوراتها السياسية والثقافية مثلها مثل بقية الأحزاب السياسية التي تنطلق في تصوراتها السياسية من أرضيات فكرية مختلفة، وأن مفهوم الحزب الديني مفهوم غامض ظلت السلطة باستمرار تستعمله لتصفية خصم سياسي قوي.

وختم الجبالي حواره الذي خص به مشكورا أقلام أون لاين، بدعوة إلى السلطة وإلى كل من يهمه الأمر للتعاون على تجاوز الأزمة التي تمر بها البلاد مؤكدا أن "تونس تتسع للجميع ولا يمكن أن تكون غير ذلك، فلنتعاون على تجاوز مخلفات الماضي  لفائدة مستقبل أفضل"، كما جاء في الحوار التالي:

 أجرى الحوار أحمد قعلول

v     الأستاذ حمادي الجبالي نهنؤكم أولا على إطلاق سراحكم ونرحب بكم في مجلة أقلام أون لاين.

أشكركم على هذا الاتصال وعلى اهتمامكم بقضية المساجين وبقضية الحريات بصفة عامة وأنا على ذمتكم.

v     لو عدنا إلى مرحلة اعتقالكم هل يمكن أن تعطونا فكرة عن الظروف والحيثيات التي تم فيها اعتقالكم؟

أنا في الحقيقة لم يتم اعتقالي فقد تقدمت إلى المحكمة العسكرية بسبب دعوى ضد نشر مقال في جريدة الفجر وكان عنوانه "المحمكمة العسكرية محكمة غير دستورية فمتى يقع حلها" بقلم الأستاذ محمد النوري. وفي ذلك الوقت رفعت ضدي قضية  في ثلب مؤسسة قضائية وحكم علي بسنة سجنا نافذا. وخلال هذه السنة لحقت بي قضية ما يسمى بالمؤامرة لقلب نظام الحكم وبالتالي لم اعتقل ولم يتم اعتقالي إذ كنت موجودا في السجن في ذلك الوقت.

v     إذا مواصلة سجنكم كانت على خلفية المحاكمة التي تمت لأعضاء حركة النهضة وفي نفس إطار المحكمة التي سجنتكم بسبب المقال الذي أشرتم إليه؟

لا ليس نفس الإطار لأن تلك كانت محاكمة في حد ذاتها مستقلة عن القضية الكبرى التي تمت بعد ذلك والتي اعتقل فيها تقريبا كل أفراد الحركة فلحقت بي التهم الأخرى وأنا في السجن أقضي ذلك العام. حكم علي بخمسة عشر سنة إضافية وسنة لما يسمى بالانتماء، يعني ستة عشر سنة ولي سنة ونصف بتهمة الثلب بوصفي مسؤولا عن جريدة الفجر.

v     وكم قضيتم من هذه السنوات؟

حُكم علي في الجملة بسبعة عشر سنة ونصف قضيت منها خمسة عشر سنة وأربعة أشهر تقريبا.

v     خضتم في سجنتكم عددا من إضرابات الجوع، ما كان هدفكم من تلك الإضرابات؟

كانت لأسباب مختلفة، بعضها يتعلق بالإقامة في السجن وظروفها وأساسا العزلة الانفرادية وكانت قاسية الى حد كبير في البداية، وكذلك مسألة الفسحة ومسألة الطعام ومسألة الظروف الصحية ومسألة الجرائد والإعلام فكانت هناك بعض التحركات لتحسين وضعيتنا وقد تحسنت.

v     هل يمكن أن تفصل لنا بعض الشيء في ما يخص الأوضاع التي اضطرتكم لتلك الإضرابات؟

العزلة الانفرادية هي في حد ذاتها مشكلة إذ ليس من الممكن أن يقيم الإنسان في غرفة سعتها نحو متر مربع لمدة سنوات طويلة وقد قضيت في هذه العزلة حوالي أحد عشر سنة كانت في البداية قاسية من حيث الظروف ومن حيث وقت الفسحة الذي لا يتجاوز نصف ساعة ومن حيث نوعية الأكلة ومن حيث الزيارة وحتى من حيث نوعية الحراسة اذ كانت مغلظة وكانوا يحرسوننا حتى من فوق السطح وكنت لا أرى أحدا ولا يقابلني أحد ولا يمكن أن أخرج مع السجناء الآخرين. فالعزلة الانفرادية ضرب من التضييق الشديد المنافي لأبسط حقوق السجين وحتى القانون لا ينص على العزلة الانفرادية لأن القانون يقول إن الانفرادي يأتي بعد حكم قضائي ويكون في أغلب الوقت وأنت في حالة إيقاف وليس في حالة حكم نهائي وربما تحتفظ بك المحكمة لأسباب مختلفة في التحقيق لكن بعد ذلك لا بد أن تمر إلى وضعية عادية في السجن تعيش مع أناس آخرين وتجتمع بهم ولا تستمر هذه الوضعية لأكثر من ستة أشهر في الانفرادي.

v     بالنسبة لكم هل استمرت لأحد عشر سنة متواصلة؟

شبه متواصلة لم تقطعها إلا فترة استمرت لبعض الأشهر فقط.

v     بعض الحجج التي قدمتها السلطة تقول إنها كانت تضع بعض المساجين السياسيين في الانفرادي، ولعلكم أحد المقصودين، بناء على طلبهم بأن يعزلوا عن بقية المساجين وخاصة مساجين الحق العام، فهل تقدمتهم في سجنكم بهذه المطالب؟

لا يمكن أن يطلب أحد عزلة انفرادية كهذه. اللهمّ شخص أو شخصان ولأسباب لا بد من التأكد منها. فإذا وضع السجين السياسي في غرفة للحق العام والمعلوم أن الوضعية سيئة جدا مع الحق العام في كل شيء، فان ذلك قد يدفعه لأن يختار العزلة. وقد كان المطلوب أن يوضع أصحاب نفس القضية في غرف مشتركة بعزلة عن أصحاب الحق العام لأسباب يعرفها الجميع. الاختلاط بمساجين الحق العام يمكن أن يحدث ولكن في ظروف مختلفة فالمطلب هو أن يجتمع أصحاب نفس القضية في جناح مخصص لهم، خاصة وأن السجن مقسم. فهناك الأحداث ومساجين الشيك ومساجين الجرائم الكبرى إلى آخره فنحن طلبنا أن يكون التقسيم على أساس نفس القضية وقوبل مطلبنا ذاك بالرفض. أنا دائما أطالب أن أجتمع بإخواني، أذكر أنه في عيد الفطر في سجن صفاقس طلبنا أن نرى بعضنا البعض ولو لدقيقة من أجل المعايدة فكان الرفض هو الجواب.

v     تصر السلطة على نفي اعتباركم مساجين سياسيين وأخيرا عبرت السلطة عن أسفها للموقف الذي اتخذته الخارجية الأمريكية إذ اعتبرت أن هناك مساجين سياسيين فالسلطة مصرة على اعتباركم مساجين حق عام وأنه ليس لديها مساجين سياسيين كيف تنظرون إلى هذا الموضوع؟

بلى، السلطة إلى حد الآن وللأسف تعتبر أن ليس هناك مساجين سياسيين وكلما طلبنا من إدارة السجن توضيحا بسيطا وأن يصنفونا فإما أن يعتبرونا ضمن الحق العام فيعطوننا حقوق سجين الحق العام وإما أن يعتبرونا مساجين رأي! وعندما تأتي الإجابة يقولون إننا مساجين "الانتماء" وأحيانا مساجين "صبغة خاصة"، قلت لهم فسروا لنا هذه الصبغة الخاصة ماذا ينجر عنها هل تعني حرماننا من كل الحقوق فالصبغة الخاصة لها تفسيرات كثيرة.

v     أنتم الآن خرجتم من السجن والحمد لله كيف تركتم زملاءكم هناك كيف تصفون وضعهم هل ما زال سيئا أم تحسن كما ذكرتم من قبل؟

لا أقول إنه كما كان من قبل فقد تحسن ولكنه تحسّن شكلي. فمثلا، كنا في غرف انعزال فردي وأصبحنا في غرف انعزال جماعي ولكن دائما عزلة. أعطيك مثالا، في سجن المهدية لا يمكن أن نلتقي بأي شخص آخر خارج تلك المجموعة ومكان الزيارة معزول عن بقية الناس كما أن هناك مجموعة خاصة بنا من الأعوان دون غيرها وحتى الخدمات العادية تتم من خلال هذه المجموعة، وإذا ما خرجت للزيارة يتم إخلاء كل الطريق الذي أمر به حتى لا يراني أحد ولا أرى أحدا. هذه النوعية من المعاملة مازالت ولكن للحقيقة وعلى المستوى الشكلي فقد صار في الغرفة أسرّة مثلا وبيت خلاء أفضل من قبل وصار في الغرفة مرآة وأرضية الغرفة مبلطة والفسحة وقتها أطول ولم يكن عندنا جهاز تلفاز فتحصلنا على واحد سنة 2004 أو 2003 وكذلك الصحافة طالبنا بتوسيعها ولكن تم توسيعها شكليا أيضا "الصباح" كانت تدخل ولكنها تمنع إذا كان فيها بعض الأخبار والآن سمحوا لنا بـ"الصريح" و"أخبار الجمهورية" التي لم يكن مسموحا بها في السابق ولكنها تقطع بعض الأحيان كذلك. الأكلة تحسنت تدريجيا خاصة بعد زيارة الصليب الأحمر، الحقيقة هناك تحسن ولكن العقلية والخلفية السياسية للقضية واضحة يعني ظلت سياسة العزلة قائمة فالناس لا يجتمعون ولا يلتقون بأحد إطلاقا ولكن كي نكون صادقين فإن الظروف المادية تحسنت.

v     فقط للتوضيح، لقد تم في الفترة الأخيرة جمعكم مع عدد من زملائكم من نفس القضية، من كان معكم وما دلالة ذلك؟

كان ذلك منذ عام تقريبا. المجوعة التي كانت معي قبل إطلاق سراحي تتألف من الإخوة بوراوي مخلوف، والهادي الغالي، وعبد الحميد الجلاصي، ومحمد صالح قسومة.

v     وكيف تركتهم من حيث وضعهم الصحي مثلا؟

الجانب الصحي جيد فقد تحسنت الخدمات الصحية. فإذا طلبنا مقابلة الطبيب مثلا يأتي بسرعة وأحيانا نخرج حتى إلى المستشفى ونلتقي بأطباء مختصين كما أن الدواء متوفر أكثر من قبل لكن ومع الأسف وبسبب طول المدة بعض الإخوة أصيبوا بأمراض مزمنة مثل الأخ محمد صالح قسومة أصيب بمرض المفاصل بحيث أصبح غير قادر على الوقوف طويلا ولا الجلوس طويلا  حتى الصلاة تتعبه وكذلك بوراوي مخلوف عنده عرق الأسى بظهره أما عبد الحميد الجلاصي فقد فقد تسعة أو عشرة من أضراسه وكذلك الهادي الغالي، أغلب الإخوة أصيبوا بعاهات صحية ورغم أن المداواة صارت متوفرة إلا أن هذه الأمراض أصبحت مزمنة. ومع ذلك من المهم التنبيه أن التعاطي الحالي مع الملف الصحي أفضل مما كان عليه الأمر سابقا.

v     بالنسبة لوضعك الشخصي هل ترك فيك السجن بعض الآثار؟

لا، الحمد لله ليس هناك آثار واضحة صحيا وعلى كل المستويات فقد كنت أقوم بفحوص طبية دورية تقريبا، من هذه الناحية يمكن أن أقول إني محظوظ من الناحية الصحية بالمقارنة مع بقية الإخوة الآخرين.

v     الآن وقد خرجتم من السجن كيف تنظرون لعملية الإفراج عنكم هل هي تعامل مع حالة فردية أم هي كما تصفه السلطة تعامل مع  بعض الوضعيات الإنسانية أم يمكن أن نفهم ذلك باعتباره خطوة سياسية في سياق حل هذا الملف؟

السلطة تصر على أن الملف ليس سياسيا وهذا واضح وبالتالي فإن الإفراج لم يكن في إطار معالجة سياسية وإنما  كان لأسباب إنسانية أو تعامل مع وضعيات من الحق العام. ولكن الحقيقة يعرفها كل الناس هذه قضية سياسية بالأساس سمّها ما شئت إرهابا، تطرفا، ولكنها قضية سياسية وحتى الذي يطلق هذه الألقاب والتصنيفات يعلم في قرارة نفسه أنها قضية ذات خلفية سياسية. وحتى وزير العدل قبل سنة أو أقل وخلال ندوة صحفية تحدث عن مجموعة ذات خلفية فكرية أو سياسية. أنا أفهم، ولا أقول أتفهم، لماذا تقول السلطة إنه ليس هناك مساجين سياسيون إذ الإقرار بوجود مساجين سياسيين يقتضي تعاطيا سياسيا مع هذه القضية وهذا هو الذي يرفضونه. إذا فالأسباب المتعلقة بعملية الإفراج معروفة ومتعددة ومنها أن هذا الملف طال وأثقل كاهل الجميع، أثقل كاهل العائلات والمساجين اجتماعيا وماديا وأثقل كاهل البلاد على مستوى صورتها في الداخل والخارج وصار هذا الملف يتناول في كل المؤتمرات وفي كل اللقاءات إلى آخره وأتصور أن الوقت حان لطي هذا الملف.

v     كيف تتصورون أن يتم طي هذا الملف. ما هي الإجراءات التي يمكن أن تتخذها السلطة في هذا الإطار؟

بطبيعة الحال، طي هذا الملف يبدأ بإخراج كل المساجين السياسيين دون استثناء وفي أقرب وقت. وهذا مطلب من مطالب كل القوى السياسية المحلية والدولية وهم لا يختلفون حول هذه المسألة وأن هناك ملف مساجين سياسيين لا بد من الإفراج عنهم أولا وتمكينهم من أبسط حقوقهم، ليس فقط الإفراج ولكن الإفراج بأتم معنى الكلمة يعني حريات بأتم معنى الكلمة وأن يكونوا قادرين على التنقل والشغل وأن يعيشوا ويتمتعوا بالشعور بالأمان داخل عائلاتهم وداخل بيوتهم وفي الشارع إلى آخره.

v     هل يعني أنكم وبعد خروجكم من السجن مازلتم محرومين من بعض هذه الحقوق في تنقلكم واتصالاتكم؟

لا الحقيقة لم أشعر بمضايقة إلى هذه الساعة، هناك بعض الحراسة البعيدة نسبيا عن البيت، على بعد عشرين مترا أو ثلاثين تقريبا، سيارة أو سيارتان أو شخص يتبعني في تنقلاتي حتى في ذهابي إلى بعض شؤوني الخاصة العائلية إلى آخره ولكني لم أشعر بالتضييق بنفس الحدة التي كان عليها الحال سنة 1988 و89 عندما كانت سيارة تتابعني باستمرار ويطلبون بطاقات التعريف لمن يدخل بيتي، الآن أخف نسبيا، أقصد إلى حد هذه الساعة التي أكلمك فيها، ولكن هناك مراقبة هم يعتبرونها عادية ربما ولكنها مراقبة، ولكن ليس هناك مضايقة على مستوى بيتي أو ضيوفي أو من يتردد على بيتي.

v     باستثناء إطلاق سراح المساجين، ما هو تصوركم لإمكانية تحقيق انفراج سياسي وإن كان جزئيا؟

الواضح من الخطاب الرسمي الآن في ما يخص المساجين أن السلطة مازالت تعتبرهم سجناء حق عام تم الافراج عنهم ضمن عدد كبير من مساجين الحق العام وبالتالي ليس مطروحا إلى الساعة التطرق اليه من جانب سياسي او تعاطي سياسي مع القضية. هم مواطنون عاديون خرجوا من السجن ويعيشون كمواطنين عاديين ولكن ماذا يعني مواطنين عاديين؟ هل لهم حقوق سياسية هل يستطيعون ممارسة العمل السياسي كما يكفله الدستور، هذا غير واضح. إلى حد هذه الساعة فإن التعاطي السياسي مع هذا الملف غير واضح، هناك تعاطي أمني سابق مازال مستمرا في تقديري بدرجات متفاوتة ربما ولكن إلى حد الآن وربما لضيق الوقت الذي يفصلني عن السجن فأنا ربما لم أفهم الوضع بعد ولكن أشعر بذلك جيدا. القضية بالنسبة إلى السلطة هي قضية حق عام.

v     في ردها على البيان الذي أصدرته حركة النهضة بمناسبة الذكرى الرابعة والعشرين للإعلان عن تأسيس حركة الاتجاه الاسلامي خلال الصائفة الماضية قالت السلطة إنها ترفض التعامل مع أحزاب تتخذ الدين غطاء لها. والحركة التي سجنتم بسبب انتمائكم إليها توصف بأنها حركة دينية أو هي حزب ديني وهذا لا يتسع له الدستور في البلاد، ألا يجب على حركة النهضة أن تطبّع وضعها مع القانون قبل أن تطالب بحقها في النشاط كحزب سياسي؟

الغريب في الأمر أننا في عام تسعة وثمانين عندما شاركنا في الحوار حول الميثاق الوطني وكيفية تعاطي هذه الحركة مع الأطراف السياسية كان أحد مطالب السلطة آنذاك أنكم الآن حركة الاتجاه الإسلامي ولا بد أن تغيروا إسمكم بحيث تزال منه الصفة الإسلامية، وقد دار نقاش واسع داخل الحركة، وفي نهاية الأمر اقتنع الجميع أنه ليس في الأمر إشكال في ما يخص التسمية وليس ذلك راجع للجانب السياسي فقط ولكن حتى على المستوى الفكري ذلك أننا لا نعتبر أنفسنا ناطقين باسم الإسلام  كما أننا لسنا أوصياء على الإسلام فالإسلام معروف من الجميع ولا يحتاج إلى وصي ولا من يتكلم باسمه ونحن طرف سياسي لنا وعلينا ما على كل الأطراف السياسية من الحقوق والواجبات التي ينص عليها الدستور وقوانين البلاد التي تتلاءم مع هذا الدستور ونحن نخضع لنفس هذه القوانين ولنص الدستور كبقية الأطراف وتقدمنا بملف في ذلك لوزارة الداخلية ورفضوا حتى استلامه بينما قبلوا منا ملف الصحيفة التي كنا تقدمنا به بينما رفضوا مجرد استلام ملف الحزب السياسي الذي كان في قانونه الأساسي أن الحركة لا تنفرد بالحديث باسم الإسلام وأنها لا تكفر أحدا ولا تقدم صكوكا للغفران بل هي طرف سياسي ذو أبعاد حضارية إسلامية تستمد مشروعها الفكري والسياسي من التراث الإسلامي ولها نظرة للإسلام وليست هي النظرة الوحيدة كما لها موقف من القضايا الفكرية والإسلامية وليست هي صاحبة الموقف الوحيد. كما أننا لا ندعي العصمة ولا اكتساب الحقيقة المطلقة بل نؤمن بأن الأمور في عالم البشر نسبية وهناك معلوم من الدين بالضرور كما هناك اجتهادارت ونحن ننتمي إلى مدرسة اجتهادات معينة وهذا حق من حقوقنا. ولنا أيضا نظرة تتطور مع أوضاع المجتمع وهذا أيضا معروف عن حركة النهضة، فمن قال إن هذه حركة دينية! وما معنى حركة دينية بالضبط! ماهو تعريف الحركة الدينية حتى نقول إن هذه حركة دينية! وإن هذه حركة غير دينية! فإذا كان هناك من ينتمي إلى الديمقراطية ويعطي رأيه فيها فنحن كذلك نعطي رأينا بصفتنا حركة ذات أبعاد إسلامية، وقد صارت الحركات الإسلامية الآن موجودة على امتداد البلاد العربية والإسلامية. أما كون الدستور ينص على أنه لا يجوز أن تكون هناك حركات دينية أو أحزاب تتكلم باسم الدين، فمن قال إننا نتكلم باسم الإسلام وماذا عن الأبعاد الدينية فهل يعني ذلك أنه إذا كان عناصر من هذه الحركة يقيمون شعائرهم الدينية ويصلون ويتعبدون فإنه ممنوع عليهم أن يشكلوا حزبا سياسيا فما هو المطلوب من هؤلاء الأفراد؟ أن يتخلوا عن ممارسة شعائرهم الدينية، عن عباداتهم، وحتى  الجهر بأنهم ينتمون إلى الإسلام؟ هذا أمر غير مفهوم. أنا أقول إن على الطرف المقابل أن يوضح أكثر ما معنى أن تكون حركة دينية أو لا دينية. أنا أضرب مثالا بحركة الديمقراطيين الاشتراكيين التي لها أبعاد عربية إسلامية وهي حزب معترف به ولكن هل من جهتنا قلنا غير هذا؟ هل قلنا إننا نتكلم باسم الإسلام أو حتى مع غيرنا أو أننا نمثل الإسلام وأن غيرنا لا يمثله من قال مثل هذا الكلام! أعطونا نصا واحدا في أدبياتنا أو تصريحا واحدا قلنا فيه مثل ذلك، متى كفّرنا جزء من المجتمع أو المجتمع أو فرقة أو حزبا. لقد كنا نجلس مع الحزب الشيوعي ومع كل الناس ونعمل معهم، هذا جدلا اذا كان الحزب الشيوعي لا ينتمي إلى الإسلام بل هو يقول إن له نظرة للإسلام فلم لا، بل إن الحزب الحاكم نفسه أي التجمع الدستوري الديمقراطي يقيم محاضرات دينية ويجتمع بالأئمة وله أنشطة دينية في المساجد وغيرها. فهذا غير مفهوم. هناك خلط واضح. أما أن يكون هذا شعار لتصفية خصم سياسي أو طرف سياسي منافس فهذا كلام آخر. المقصود أننا لم ندّع يوما من ال&