في المجلس الوطني للحزب الديمقراطي التقدمي: |
قيادات وشخصيات تونسية تؤكد على الوحدة والحوار من أجل بناء مجتمع ديمقراطي

العدد السابع عشر
السنة الخامسة / أفريل - ماي 2006

تونس- أقلام أون لاين

(محمد فوراتي)

شكلت الجلسة الافتتاحية للمجلس الوطني للحزب الديمقراطي التقدمي التي انعقدت مساء السبت 8 أبريل 2006 فرصة لجميع الطيف السياسي وممثلي منظمات المجتمع المدني، للتأكيد على أهمية العمل المشترك، ونجاح حركة 18 أكتوبر في نحت "الحد الأدنى الديمقراطي"، الذي يحتاجه المجتمع التونسي في هذه المرحلة. وأجمعت المداخلات المطولة على خطورة المرحلة، التي تمر بها تونس، وضرورة الحوار بين كل الأطراف المؤمنة بالتحول الديمقراطي، من اجل الخروج من نفق الاستبداد المظلم. وكانت كلمات السيد احمد نجيب الشابي وضيوف المجلس مناسبة لتجديد التوافق على النقاط الثلاث المتمثلة في العفو التشريعي العام، وإطلاق حرية الإعلام وحرية التنظم لجميع الأحزاب والجمعيات، وهي المطالب التي رفعتها حركة 18 أكتوبر.

مرحلة دقيقة

وفي بداية الجلسة أكد الأستاذ رشيد حشانة رئيس تحرير صحيفة الموقف الناطقة باسم الحزب الديمقراطي أن هذا الاجتماع يعقد في ظرف دقيق تمرّ به البلاد، وهو يتزامن مع حدثين عزيزين على قلوب التونسيين هما خمسينية الاستقلال وذكرى أحداث 9 أبريل.

أما الأستاذ أحمد نجيب الشابي الأمين العام للحزب الديمقراطي التقدمي فتحدث في خطابه باسم الحزب على خطورة المرحلة، التي تمر بها البلاد، قائلا إن الحكومة مازالت تصرّ على ممارسة الانغلاق السياسي، رغم تحرك قطاعات المجتمع التونسي من أجل الإصلاح والديمقراطية. وذكّر باعتصام المحامين تضامنا مع المحامي المعتقل محمد عبو الذي أصبحت قضيته رمزا للديمقراطية في تونس. كما تحرك القضاة، وشن الجامعيون إضرابهم الشهير، وصمدت الرابطة في وجه الاعتداءات المتعددة، ومنع الصحفيون من عقد مؤتمرهم التأسيسي، كما قال.

وأضاف الشابي أن السلطة كانت تعتقد أنها بهذه الممارسات ستلجم الحركة الديمقراطية المطالبة بالحريّة، فتتنازل عن حقها في التعبير، ولكن شخصيات وطنية خاضت تحركا ناجحا من أجل ثلاثة مطالب أساسية هي حرية التنظم وحرية الصحافة والعفو التشريعي العام، مشيرا إلى أن هذا الإضراب عن الطعام كان منطلق حركة تضامنية عالمية أفرزت حركة 18 أكتوبر، التي تميزت بالجرأة ووضوح المطالب، على حد قوله.

وعبر عن اعتزازه وكل أنصار الحركة الديمقراطية بالاستقلال، الذي كان نقطة فاصلة مع الاستعمار، مشيرا إلى أن الاستقلال جاء بعد تضحيات الشعب ودماء شهدائه، كما حقق هذا الاستقلال منجزات مهمة في التعليم والصحة وغيرها من المكتسبات الاجتماعية والاقتصادية، التي تعود إلى طموح الشعب التونسي وتعطشه للعمل والإبداع.

وأشار الشابي إلى أن هذه المنجزات لم تواكبها مكاسب سياسية، بسبب هيمنة الحزب الحاكم على الحياة السياسية، التي انتهت إلى إرساء الحكم المطلق. وقال "إننا لنعجب أن يواجه شعبنا ذي التاريخ العريق بحجج واهية، لإرجاء ممارسة حقوقه وتطبيق الديمقراطية وإطلاق الحريات". وحول الإبعاد الاقتصادية في سياسة الدولة قال إن الاستثمار لا يمكن أن يتطور إلا في مناخ من حرية المبادرة، وحرية الصحافة، واستقلال القضاء، وتشريك الأكاديميين ورجال الأعمال والنقابات والأحزاب السياسية في بلورة الاختيارات، وإنجاز التنمية.

مطالب الإصلاح

وقال الشابي إن الحزب الديمقراطي التقدمي إلى جانب تمسكه بالمطالب، التي رفعتها حركة 18 أكتوبر فإن له مطالب أخرى ملحة لإصلاح الحياة السياسية، هي تعديل الدستور تعديلا جوهريا ينهي نظام الحكم الفردي المطلق، وتجمع السلطات بيد واحدة، ويرسي استقلال القضاء، ويقيم محكمة دستورية، وإصلاح تشريعي يقتضي مراجعة كلّ القوانين المنظمة للحياة العامة، كقانون الجمعيات والأحزاب ومجلة الصحافة، ثم العودة إلى الشعب من خلال انتخابات حرة ونزيهة ،حتى يتولى اختيار من ينوبه في الحكم.

وبخصوص مطلب الإصلاح قال إنه ليس اختلاقا أمريكيا، بل هو مطلب أصيل منذ خير الدين باشا ومحمد عبده وجمال الدين الأفغاني وعبد العزيز الثعالبي. وأكد الشابي أن الحزب الديمقراطي التقدمي سيعرف تداولا ديمقراطيا على منصب الأمين العام خلال مؤتمره الوطني في الخريف القادم.

أما الدكتور مصطفى بن جعفر الأمين العام للتكتل الديمقراطي من اجل العمل والحريات فأكد في كلمته على ضرورة العمل المشترك بين الأحزاب الديمقراطية، من اجل فرض الحريات والتعددية التي تعتبر مطالب ملحة للشعب التونسي. كما قال إن حركة 18 أكتوبر أصبحت واقعا ملموسا، والمطلوب من الجميع توفير عوامل النجاح لها. ولكنه وضع لهذا النجاح شرطين هما الوضوح وعدم القفز على نقاط الخلاف بين مكونات الحركة، وكذلك عنصر الثقة بين جميع الأطراف. وأكد أن مشاركة حركة النهضة في الحراك السياسي أمر خلافي بين بعض الأطراف ولا يقع حله إلا بالحوار، ولكن الحوار مع النهضة ليس تحالفا بل هو وحدة عمل حول أهداف معينة.

وحدة عمل وأهداف مشتركة

أما السيد حمة الهمامي الناطق الرسمي باسم حزب العمال الشيوعي التونسي فأشار إلى خطورة المرحلة التي تمر بها البلاد. وقال إن الهجوم غير المسبوق على المجتمع المدني وأعضاء حركة 18 أكتوبر يدل على أننا نسير في الطريق الصحيح. وأشار إلى أن الحركة نجحت في كسر الاستقطاب الثنائي، الذي أرادته السلطة، وأن الالتقاء بين اليساريين والإسلاميين فرضته طبيعة السلطة الاستبدادية، وهو نتيجة طبيعية لهيمنة الحزب الحاكم على مختلف مناحي الحياة.

وقال ساخرا إن السلطة أصبحت تتحدث في منابرها عن تحالف المؤمنين والكفار، وكأنها تريد رسم خريطة سياسية على هواها. كما تحدث بعض رموزها بشكل مضحك عن ظرفية هذا التحالف الذي قام على أسس صحيحة من الدفاع عن نقط مشتركة بين جميع الطيف السياسي.

وأضاف أن المطلوب اليوم من حركة 18 أكتوبر هو الالتحام بأوسع فئات الشعب. وبخصوص ما يوصف بحملة التخوين والاستقواء بالأجنبي، التي تروج لها الأقلام المسمومة قال الهمامي إن المعارضة الوطنية هي الأحرص على استقلال البلاد، وهي التي تناضل ضدّ التطبيع وتغلغل المصالح الأجنبية في البلاد. وختم بالتأكيد على أن الحرية يحققها الشعب التونسي بنفسه ولنفسه.

أما الأستاذ عبد الرؤوف العيادي نائب رئيس المؤتمر من أجل الجمهورية فأكد في كلمته أن الحزب الواحد، الذي هيمن على الحياة السياسية طيلة خمسين سنة، كان يهدف إلى تجريم العمل السياسي، والاستفراد بكل شيء، وهو ما تسبب في استشراء ظاهرة العنف والفساد والانحدار القيمي والأخلاقي.

وقال العيادي إن المرحلة التي تمر بها البلاد الآن مرحلة مفصلية، إذ إن الحكومة قامت بتدجين كل المؤسسات والجمعيات، وتحاول كسر جميع قلاع المقاومة لدى المحامين والقضاة والنقابين والسياسيين والصحافيين، وهو ما يفسر الحملة المنظمة، التي تقودها على المستوى الأمني والسياسي، وما يتعرض له المحامون يكشف عن هذه النية في ابتلاع المجتمع بأكمله.

وأضاف "الوضع خطير جدا، وهو ما يفرض على نخبة المجتمع التونسي التوحّد على معايير واضحة، وضرورة تنفيذ مهام إعادة البناء المعنوي، وهو الأمر الكفيل بإخراج الحياة السياسية من هذه الرداءة التي تردت فيها".

خيار استراتيجي

وأكد الدكتور زياد الدولاتلي في كلمته على أهمية العمل السياسي المشترك في هذه المرحلة التي تمر بها البلاد، مؤكدا أن حركة النهضة تعتبر العمل مع مكونات حركة 18 أكتوبر خيارا استراتيجيا وليس تكتيكيا. وقال "أؤكد للجميع بان حركة النهضة باختيارها الانضمام إلى حركة 18 أكتوبر قد اختارت تحالفا استراتيجيا وليس تكتيكيا كما يعتقد البعض". وأضاف "لأننا نؤمن أن الحل المنشود لا يمكن أن يكون إلا في مجتمع تعددي وديمقراطي يحتكم إلى إرادة الشعب، وليطمئن الجميع إلى أننا لن نعقد أي تحالفات ضد مصالح هذا الشعب".

وأضاف "أطمئن الجميع بأن خيارنا هو خيار الدفاع عن الحرية والديمقراطية، وأن تونس تتسع لجميع التونسيين، مهما كانت انتماءاتهم، فلا مستقبل للديمقراطية في تونس في ظل إقصاء القوميين أو العلمانيين واليساريين أو الإسلاميين، فالإقصاء هو الذي يمهّد للفساد والاستبداد". وقال أيضا إنّ المرحلة التي نعيشها خطيرة جدا، ويدنا ممدودة لكل وطني غيور على بلاده، يؤمن بالديمقراطية وحقوق الإنسان من اجل رفعة هذا الوطن، ونحن مستعدون لكل التضحيات من اجل هذه الأهداف، ولا بديل لنا إلا التوحد والثقة المتبادلة، والحوار في داخلنا هو الذي سيوضح ويغلّب القواسم المشتركة..

يد ممدودة للجميع

من جهته شدد السيد خميس الشماري على نجاح تجربة العمل المشترك في حركة 18 أكتوبر، مؤكدا ضرورة بقاء اليد ممدودة لجميع الأطراف والحساسيات، حتى تتسع هذه التجربة لتشمل الجميع. وقال إن الحزب الديمقراطي التقدمي أصبح من القوى السياسية الأساسية في المعارضة، بعد عمل دام عشرين سنة. وأضاف الشماري "أنا متأسف جدا لأن المعارضة لم تستطع أن تتوحد بالكامل، ووجد انقسام في الحركة الديمقراطية، رغم نجاح حركة 18 أكتوبر"، مشددا على أن "هذا الانقسام مفتعل وهذا الكلام لا يعني أن هناك خلافات ولكنها بسيطة وتحل بالحوار".

وأضاف أن "حملة السلطة على الحركة الديمقراطية قامت مجددا على التخويف من الإسلاميين والتحالف معهم، ولكنني أقول ليست كل الحركات الإسلامية في سلة واحدة ونحن نتعامل مع حركة سياسية قبلت العمل مع بقية الطيف، وقبلت اللعبة الديمقراطية، كما عبر عن ذلك الأخ زياد الدولاتلي".

أما السيد حبيب مرسيط المناضل في منظمة العفو الدولية والشخصية اليسارية المعروفة، والذي تكلم باسم حركة 18 أكتوبر فقال إنها أصبحت تمثل رسالة أمل للجميع، وهي خطوة لتحقيق وحدة كل القوى من أجل الخير والحرية. ودعا مرسيط إلى إبقاء اليد ممدودة لجميع الطيف السياسي الديمقراطي، حتى تحقق هذه الحركة حلم الشعب التونسي في الحرية.

وانتقد الأستاذ بشير الصيد المتحدث باسم الوحدويين الناصريين هيمنة الحكومة على الحياة السياسية، قائلا إنها لا تريد الإصلاح، وإنها لا تريد إلا تخريب المجتمع المدني بكل رموزه وأطيافه، وهو ما يستوجب توحد الجميع تحت راية واحدة. وأضاف أنه يتبرأ من كل من يتحدث باسم الوحدويين ويتقرب من السلطة للاستقواء بها على المعارضة الحقيقية، في إشارة إلى بعض أحزاب الموالاة، التي تتحدث من منطلق قومي وحدوي.

أما الأستاذ لطفي حجي رئيس نقابة الصحفيين التونسيين، الذي ذكّر بالمظلمة التي يتعرض لها الزميل سليم بوخذير، الذي وقع طرده من جريدة /الشروق/، فتحدث مطولا على وضع الصحافة التونسية، وقال إنها أصبحت في أسوأ مرحلة في تاريخها، منذ صدور أول صحيفة تونسية، خاصة بعد أن التحقت أغلب الصحف بخيار الثلب والتجريح وحملات التشويه.

وأضاف قائلا "إننا نريد أن نكون في مستوى الصحافة العربية والإفريقية والعالمية، التي تجاوزتنا بأشواط كبيرة". وقال حجي للأسف الشديد فإن الصحافي التونسي أصبح مخيرا بين أن يكون تابعا متنكرا للمبادئ، فتفتح له جميع المنابر، أو يكون مهنيا وموضوعيا فتغلق أمامه جميع الأبواب، ويقع تجويعه أو يلجا إلى الهجرة.

وتحدث الأستاذ صلاح الدين الجورشي، نائب رئيس الرابطة عن المحنة، التي تمرّ بها الرابطة، والتي قال إنها مدرسة تربى فيها الكثيرون. وذكر الجورشي بالحصار المضروب على المنظمة ومنعها من عقد مؤتمرها السادس، والقيام بحملات قضائية (أكثر من 22 قضية)، وأخرى إعلامية تستهدف تركيعها. وأكد أنه منذ تأسيسها وهي في اشتباك متواصل مع السلطة، وقد عجزت كل الهيئات المديرة المتعاقبة عن إقناع الحكومات التونسية بأنها منظمة حقوقية يجب أن تُحترم استقلاليتها.

أما الأستاذ محمد النوري رئيس الجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين فذكر في كلمته بأن حوالي ثمانين سجينا سياسيا في مختلف السجون يشنون إضرابا عن الطعام منذ خمسين يوما بالنسبة لبعضهم، بالإضافة إلى الدكتور منصف بن سالم وأفراد عائلته، الذي تعرض لحملة متواصلة منذ 19 سنة.

وقال النوري إنه رغم كل ما يحدث فإن ما تحققه حركة 18 أكتوبر يجعل الأمل قريبا في الخلاص. وأضاف "أريد أن أطمئن الجميع بأن الخلافات التي يعتقد البعض أنها كبيرة ليست إلا أمورا بسيطة، يمكن تجاوزها بالحوار. وهذا الحوار الذي بينت التجربة أنه ممكن بين فصائل المعارضة والمجتمع المدني التونسي، وأنه من الممكن أن يؤدي إلى بناء مجتمع ديمقراطي.


© aqlamonline 2006