|
بنعيسى
الدّمني (*)
إن
حجم التدخل
الأجنبي في
السودان
المستقل لم
يعد خافيا
على أحد.فقد
ظهرت
بوادره
إبان أزمة
الجنوب
المزمنة،
ثم سرعان ما
تفاقم أمره
خلال أزمة
دارفور
الراهنة.حيث
بدت في
الأفق
إرهاصات
تدويلٍ
لهذه
الأزمة،
زاد من
احتماله
إخفاق
الأطراف
المتنازعة
في التوصل
إلى اتفاق
سلام،
واشتعالُ
جبهة الشرق
أخيرا.
ولا
يخفى على
أحد أن
مساعي
التدويل
تنذر بأوخم
العواقب،
وتشكل - في
حال نجاحها -
خطرا لا
يتهدد مصير
السودان
ووحدته
فحسب، بل
يتهدد
مستقبل
الوطن
العربي
والبلدان
الإفريقية
أيضا. ورغم
أن للأزمات
السودانية
عواملها
الداخلية
التي
تراكمت
تاريخيا في
ظل عقود
طويلة من
الحكم
العسكري،
وضمن واقع
عربي قُطري
مفكّك؛ فإن
معطيات
الظرف
الدولي
الجديد قد
هوّنت من
أهمية تلك
العوامل في
أذهان
الكثيرين،
وجعلت
جمهرة من
المحللين
يردّون كل
أزمات
السودان
المتناسلة
إلى مردّ
واحد هو: "التآمر
الأجنبي".
ولا
أحسب أن
تفسيرا
تبسيطيا من
هذا القبيل
يفي
بالحاجة
إلى فهم
حقيقة
الأزمة
وأبعادها،
ولا هو يحفز
أصحاب
المصلحة
الأولى في
تجاوزها،
أعني
السودانيين
وعموم
العرب
والمسلمين،
على تحمّل
مسؤولياتهم
التاريخية،
والقيام
بما يلزم من
النقد
الذاتي
لتدارك
الأمر. لذلك
فقد يكون من
المفيد
إعادة
التساؤل،
بين يدي هذا
التحليل،
عن حقيقة
المعطى
الدولي،
وعن رهانات
أطرافه،
وعن مدى
أهميته
بالقياس
إلى معطيات
الوضع
الداخلي
سودانيا
وعربيا،
عسى أن
يتجلى حجم
التحديات
التي
يطرحها كل
ذلك على
أولي الأمر
وأولي
الرأي في
هذا البلد
المكلوم،
الذي لا
يستحق شعبه
المعروف
بالوداعة
وطيب
المعشر،
هذا المآل
المحزن.
لماذا
السودان
بالذات؟
ما من شك في
أن السودان
ليس البلد
الوحيد،
الذي يشكو
من أزمات
داخلية أو
حروب أهلية
في العالم..
لكن يبدو أن
انتماءه
العربي
الإسلامي
قد جعله
ضحية
معاملة
مخصوصة من
قبل القوى
الغربية
العظمى،
تمثلت في
الضغط عليه
وابتزازه
والتحفز
لممارسة ما
يسمى "حق
التدخل" في
شؤونه.
ويندرج هذا
المسلك
الدولي ضمن
مخطط سياسي
بعيد المدى،
يرمي إلى
إحكام
السيطرة
على جميع
بلدان
العالم
الإسلامي
وعرقلة
نهضتها
والتحكم في
وتيرة
نموها. ومن
هذا
المنظور،
ينبغي
اعتبار أن
ما يجري
الإعداد له
فيما يخص
السودان لا
يخرج عن
سياق ما جرى
وما يجري
حاليا في كل
من فلسطين
وأفغانستان
والعراق..
بالإضافة
إلى هذا
السبب
المتعلق
بانتماء
البلد
والمتصل
باعتبارات
حضارية
وتاريخية
ليس هذا
مجال بحثها،
يوجد سبب
آخر جعل
القوى
العظمى
تضاعف من
اهتمامها
بهذا البلد
المترامي
الأطراف:
يتمثل في أن
السودان
يمتلك
رصيدا
جغراستراتيجيا
لا يستهان
به إقليميا،
بالنظر إلى
موارده
المائية
والزراعية
الضخمة،
وإلى
مخزّناته
البترولية
والمنجمية
الواعدة
والمثيرة
للأطماع،
علاوة على
ما يمكن أن
يضطلع به من
دور حيوي
يتجاوز
حدوده، على
اعتبار أنه
سلّة
الغذاء
العربي،
وأنه في ذات
الوقت
البوابة
الجنوبية
للوطن
العربي،
المفتوحة
على
إفريقيا
السمراء،
وعلى
مواردها
البشرية
وثرواتها
الطبيعية
الخام.
وهذا
ما يؤهله
نظريا لأن
يكون ذا وزن
استراتيجي
خطير في
المنطقة،
وأن يشكل
سندا
أساسيا
للأمن
العربي
ببعديه
الغذائي
والجغراسياسي،
وجسرا
ثقافيا
يربط بين
العرب
والأفارقة.
ولا نحسب
الدول
الغربية
العظمى
تتساهل في
تحقيق ذلك
عمليا، وفق
معايير
التقسيم
الدولي
للعمل وفي
ظل واقع
العولمة
الجديد
ونظام
القطب
الكوني
الواحد.
رهانات
القوى
الدولية
العظمى
وإذا عنّ
لبعض رافعي
ألوية
الليبرالية
في ربوعنا،
أن يثقوا في
حسن نوايا
الدول
الغربية،
وبخاصة في
أمريكا
التي تبدي
تعاطفا مع
الشعب
السوداني،
وتعلن
رعاية
الحلول
التفاوضية
بين أطرافه
المتنازعة،
فإنه لا
يعزب عن ذهن
كل متابع
حصيف
لمجريات
الأمور أنّ
تعامل
الولايات
المتحدة مع
أزمة
السودان
ومع كل
أزمات
العالم
الإسلامي،
لا يمكن أن
يخرج عن
مقتضيات
خطط
سياستها
الخارجية:
فمنذ الحرب
الباردة،
دأبت
الدبلوماسية
الأمريكية،
كما بيّن
ذلك رئيسها
الأسبق
هنري
كيسنجر،
على
الاستفادة
من
النزاعات
الداخلية
والإقليمية،
التي نشبت
في كل بقاع
العالم. وما
كانت تحرص
أبدا على فض
تلك
النزاعات،
بقدر ما
كانت تميل
إلى إطالة
أمدها،
والتخفيف
من حدتها،
حتى يتسنى
لها المسك
بخيوطها،
فتتخذها
ذرائع
لتدخلها
وتوسيع
مجال
نفوذها
الدولي. ولو
تسنّى
للمرء أن
يراجع
أسلوب
تعامل
أمريكا مع
كل الأزمات
والنزاعات (وبخاصة
في المشرق
العربي وفي
جنوب شرقي
آسيا)،
لألفى آثار
تلك
السياسة
بادية
للعيان.
وقد
حافظ
الأمريكان
على ذلك
التوجه
العام
لسياستهم
الخارجية
في فترة ما
يعد الحرب
الباردة،
واستفادوا
من الظروف
الدولية
الجديدة،
فطوروا
أهدافهم
ووسائلهم،
وسعوا إلى
تغيير
خارطة
العالم
السياسية
في اتجاه
توسيع مجال
نفوذهم
الدولي
وانفرادهم
بالهيمنة.
ومن الواضح
أن العالم
الإسلامي
بات يحتل
موقع صدارة
الاهتمام
في هذه
الاستراتيجية،
خصوصا بعد
هجمات
الحادي عشر
من سبتمبر 2001.
فقد
بينت
الأحداث
التي تلت
تلك
الهجمات أن
الهدف
الجوهري
للسياسة
الأمريكية
أضحى هو
إعادة
ترتيب هذه
المنطقة من
العالم،
عبر تفكيك
بناها
القائمة،
وإشاعة ما
يسمى "الفوضى
البنّاءة"
فيها، تحت
شعارات "الإصلاح"
و"الديموقراطية".
ولم يعد
قادة البيت
الأبيض
يخفون
مراهنتهم
من وراء ذلك
على إقامة "شرق
أوسط كبير"
يمتد من
أفغانستان
إلى المغرب؛
تحكمه
أنظمة
طيّعة
وموالية،
توكل إليها
مهام حماية
المصالح
الأمريكية،
وضمان أمن
إسرائيل،
وديمومة
تفوقها
إقليميا.
وغنيّ
عن القول
إنه لن يعود
للعرب
والمسلمين
إذاك حاجة
إلى
الإبقاء
على عبارات
من قبيل: "الوطن
العربي" و"الأمّة
الإسلامية"
و"الحق في
المقاومة"
و"الحق في
تقرير
المصير"
ضمن
قاموسهم
السياسي..
ولن تتاح
لهم فرص
النهضة
بمقدرات
بلدانهم،
وتحقيق
وحدتهم،
وبناء
كيانهم
الحضاري
المنيع، من
باب أولى.
إن
ذلك لم يعد
من الأسرار
التي يتسنى
للإدارة
الأمريكية
إخفاؤها،
خصوصا بعد
أن نجح
المحافظون
الجدد في
اختراق
مراكز
القرار
فيها،
وتمكنوا من
تهميش
وظيفة
الأحزاب
السياسية
لفائدة ما
صار يعرف "بدبابات
الفكر"،
أعني مراكز
البحوث
والدراسات
التي بات
أولئك
المحافظون
الجدد
يشرفون على
كثير منها،
ويرسمون
بواسطتها
استراتيجيات
السياسة
الداخلية
والخارجية،
ويحددون
بالتالي
ملامح
العالم
بأسره،
مستندين
إلى خلفيات
إيديولوجية
ودينية
هيمنية،
تقول بتفوق
الحضارة
اليهودية
المسيحية (Judéo Chrétienne)،
وتحاول
المزاوجة
بين
البروتستانتية
والصهيونية.
وقد
توافرت
جملة من
الظروف
الداخلية
والخارجية،
التي دفعت
القيادة
الأمريكية
إلى تبني
تلك
الاستراتيجيات،
والمضي في
تنفيذها
عمليا بكل
الوسائل
المتاحة،
بما في ذلك
القوة،
وتسخير
الهيئات
الأممية
لإضفاء
الشرعية
الدولية
عليها؛ رغم
أنها
استراتيجيات
تعبق
بروائح
العنصرية،
ولا تؤمن
بوحدة
المصير
البشري،
وتفتقر في
الغالب
لأدنى
مقومات
الحق.. اللهم
إلا إذا
كانت القوة
هي التي
تنشئ حقا،
وهذا محال.
التفريط
في
مستلزمات
الصراع
وقابلية
الاستضعاف
إن
استحضار
هذه
الحقائق لا
ينبغي أن
يكون مبررا
للعزف على
قيثارة "التآمر
الأجنبي"،
كما يفعل
كثيرون،
ولا ينبغي
بالتالي أن
يقلل من
أهمية
العوامل
الداخلية
في تفسير ما
يجري في
السودان
تحديدا،
وفي العالم
الإسلامي
بشكل عام.
ذلك أن
التاريخ
إنما يُصنع
بسنة
التدافع،
أعني بصراع
الإرادات
والمصالح
والقوى (ولا
يخلطنّ أحد
بين هذه
الحقيقة
التاريخية
الثابتة
وبين ما
ادعاه
صامويل
هنتنكتن من
صدام مزعوم
بين
الحضارات).
وإن ما يسمى
"تآمرا
أجنبيا"،
إنما هو سعيُ
الآخرين
الطبيعي
إلى الأخذ
بأسباب
تفوقهم
وانتصارهم
في هذا
الصراع
المفتوح،
من أجل بسط
سيطرتهم
على من
سواهم.
وإذا
علمنا أن
نجاح أي
استراتيجية
لا يتوقف
على شروط
تماسكها
الداخلي
وفاعليتها
الذاتية
فحسب،
وإنما
يتوقف أيضا
على الشروط
الموضوعية،
التي تطبق
فيها، بما
في ذلك مدى
قوة أو ضعف
الاستراتيجيات
المقابلة
والمنافسة؛
صار من
اللازم
الإقرار
بأن
التفريط في
إعداد
مستلزمات
القوة
والتقدم،
كما هو حال
أغلب
المسلمين
اليوم، من
شأنه أن
بجعل
صراعهم غير
متكافئ
بالمرة،
وأن يوفر
رصيدا
إضافيا
لفائدة
الاستراتيجيات
المقابلة،
فيشكل ذلك
أرضية
ملائمة
لنجاحها،
على
عِلاتها.
وإذن
فإن الركون
إلى تفسير
مشاكل
المسلمين
بعامل
التآمر
الأجنبي هو
أمر غير ذي
معنى على
الإطلاق. إذ
لا مراء قط
في أن تخلف
الأمّة،
وهدر
ثرواتها،
واستحكام
الاستبداد
بشعوبها،
ونشوب
النزاعات
المسلحة
بين
مكوناتها،
واستقواء
بعض تلك
المكونات
بالخارج؛
كل ذلك
وغيره يمثل
قابلية
لاستضعافها،
ويفتح
الباب أمام
تدويل
قضاياها،
وتدخّل
القوى
المتربصة
في شؤونها؛
لا بل هو
يسوّغ
احتلال
أراضيها،
ويخوّل سلب
دولها
مقومات
السيادة.
ألم
يشهد
التاريخ
المعاصر،
فعلا، ردّة
خاسئة إلى
الوراء
بعودة
ظاهرة
الاستعمار
من جديد،
وبوجه أقبح
مما كانت
عليه في
الماضي،
إلى كل من
أفغانستان
والعراق؛
وها هو
اليوم
يتربص بدول
أخرى،
أغلبها
عربية
وإسلامية؟
وهل كان
لذلك أن يتم
لولا
قابلية
ذينك
البلدين
للاحتلال،
بسبب ما ساد
فيهما قبله
من أوضاع
داخلية هشة،
ومن هدر
للطاقات،
ومن سياسات
لم تكن
لتكفل لهما
المناعة
والمهابة؟
مع وجود
الفارق
بينهما
طبعا.
ألم
يعزّ
النصير في
صفوف العرب
والمسلمين،
للذود عن
حمى ذينك
البلدين
المحتلين،
كما عزّ من
قبلُ
لتحرير
فلسطين من
الاحتلال
الصهيوني؟
فترك كل بلد
يواجه
مصيره
بمفرده.
وباتت
الأمة
منكوبة في
ثلاث من أعز
دولها، بعد
أن كانت
تكافح لرفع
النكبة عن
واحدة.
لقد
حصل كل ذلك
لأن قابلية
الاستضعاف
قد استشرت
في عموم
الأمة،
وعششت بشكل
خاص داخل
أنظمتها
الرسمية،
التي يبدو
أنها فقدت
الإحساس
بالانتماء،
ولم تعد
تهتم بأكثر
من البقاء
في سدة
الحكم أطول
مدة ممكنة.
ضريبة
الغيبوبة
العربية
إن
السودان
اليوم ينشد
المساندة
من أمته - ولا
أحسب أنه
يتطلع إلى
أكثر من
الدعم
الدبلوماسي
- للحيلولة
دون تقسيمه
واستباحة
أرضه
وإخضاع
شعبه؛ لكنه
لا يكاد
يظفر بمجيب.
لطالما
أكد خطاب
الأنظمة
الرسمي على
مبدأ "التضامن
العربي".
فاستبشر
لذلك كثير
من
المتفائلين،
وعقدوا
الأمل على
ما يمكن أن
تثمره
ترجمة
التضامن
على أرض
الواقع؛
على اعتبار
أنه يمثل
أضعف درجات
الإيمان
بالأخوة
وبالمصير
العربي
المشترك،
ويمكن أن
يتجسد في
أشكال من
الممانعة
في وجه
مشاريع
الهيمنة
الدولية.
لكن أين هذا
التضامن
العربي في
واقع الحال
السوداني؟
أم تراه
التحق، هو
الآخر،
بسلسلة
الأوهام
العربية
الطويلة؟
وإذا
كانت الدول
العربية
قاصرة عن
الاضطلاع
بدورها
التضامني
منفردة -
وهذا مفهوم
في ظل حدّة
الضغوط
الخارجية
الممارَسة
عليها، وفي
ظل عجز أي
واحدة من
هذه الدول
عن التأثير
في ميزان
القوى
العالمي -
فأين دور
الجامعة
العربية في
النهوض
بهموم أحد
أعضائها،
وفي تطويق
أزماته،
والمبادرة
إلى حلها؛
حتى لا يظل
هذا البلد
العربي
عرضة
لابتزازات
دولية لها
أول وليس
لها آخر؟ أم
ترى
الجامعة
تنتظر
الضوء
الأخضر من
القوى
العظمى،
كما سبق أن
فعلت في
أزمة
العراق؟
إنه
لمن المحزن
حقا أن يبدو
العرب – وهم
أصحاب
المصلحة
الأولى
والأكيدة –
كأنهم غير
معنيين بأي
وساطة بين
الفرقاء
السودانيين،
وغير
حريصين على
توفير
رعاية جدية
لحل أزمتهم.
فلقد لاحظ
الجميع
مثلا
غيابهم
النسبي حتى
عن مراسم
الاحتفال
بتوقيع
اتفاق
السلام
الذي أبرم،
منذ أكثر من
عام، بين
الحكومة
السودانية
وبين
الحركة
الشعبية
لتحرير
السودان،
برعاية
أجنبية.
وبصرف
النظر عن
تقييمنا
لمضمون ذلك
الاتفاق،
فلا مندوحة
عن الإقرار
بأن غياب
الدور
العربي في
رعايته
والتوصل
إليه هو ليس
مجرد غياب
تشريفاتي
عرضي، بل هو
يعكس
غيبوبة
عربية
عميقة،
وفقدانا
عربيا
للوعي
بالذات
وبالمصلحة
وبالمسؤولية.
وما
من شك في أن
هذه
الغيبوبة
تمثل أحد
وجوه حالة
التدهور
العربي
الشامل،
الذي تحاول
الأنظمة
القائمة
إخفاءه
وتضليل
الناس عنه
بشتى
الوسائل،
لكن أجهزة
إعلامها
ودعايتها
الرسمية لم
تفلح حتى في
التلطيف من
فداحتها،
فضلا عن أن
تمحو
معالمها
بالكلية.
وأنّى لتلك
الأجهزة،
وللأنظمة
التي تقف
وراءها، أن
تنكر أن سقف
الأمل
العربي في
الزمن
الراهن قد
بلغ أكثر
مستوياته
تدنيا؟:
فبعد أن ظل "مبدأ
الوحدة
العربية"
يملأ
الدنيا
ويلهب
مشاعر
الناس،
خصوصا زمن
الطفرة
القومية،
في أواسط
القرن
العشرين،،
وبعد أن
قصُرت
الهمم عن
تحقيق
الأحلام
التي شيدت
على أساس
ذلك المبدأ،
تمّ النزول
عنه إلى ما
هو أدنى،
فتنادى
القوم إلى "العمل
العربي
المشترك"،
على أمل أن
يفضي تواضع
الأمل إلى
تحقيق
المبتغى.
ولما
أخفق
النظام
الرسمي
العربي،
ليس في
إقامة عمل
مشترك فحسب،
يل حتى في
تحقيق الحد
الأدنى من
التنسيق
العربي،
خصوصا في
سياق
الهرولة
نحو
التسويات
الصلحية
المنفردة
مع الكيان
الصهيوني
المحتل
لأرض
فلسطين،
منذ
السبعينات؛
اكتفى
القوم برفع
شعار "التضامن
العربي".
والظاهر
أنهم قد
اكتفوا بما
قد يثمره
هذا الشعار
من تبادل
بيانات
التهنئة في
الأفراح،
والمواساة
في ساعات
العسرة:
ولمن رام
شواهد على
ذلك، أن
يتأمل في
موقفهم
السلبي من
الحصار
العقابي
الذي ضرب
على ليبيا،
وفي موقفهم
المتخاذل
إزاء
العزلة
الدنيئة
التي فرضها
الصهاينة
وحلفاؤهم
على الرئيس
الفلسطيني
المغدور به:
ياسر عرفات،
حتى الموت.
ولقد
دفع جميع
العرب
ضريبة
تواضع
الأمل وما
انجر عنه من
تخاذل: فظل
الأعداء
يتربصون
بهم
الدوائر،
ويعرقلون
كل
مشاريعهم
النهضوية،
ويُوغرون
صدور بعضهم
ضد بعض، ثم
ينفردون
بالواحد
منهم تلو
الآخر،
فيسلطون
عليهم
العقوبات،
ويعقدون
ضدهم
الأحلاف،
ويشنون
عليهم
الحروب،
ويخلعون
حكاما
وينصّبون
آخرين،
ويعيثون في
أوطانهم
فتنة
وتقسيما
وإذلالا؛
تحت رايات "التحرير
من الغزو" و"نشر
الديمقراطية"
و"مكافحة
الإرهاب" و"حماية
الأقليات"....
ولأنّ
القوى
الدولية
النافذة قد
أدركت تمام
الإدراك ما
آل إليه وضع
العرب من
تدهور
وغيبوبة.
واطمأنت
إلى أنه لن
تصدر عنهم
أي مبادرات
مساندة
لأشقائهم
السودانيين،
فقد عملت
بقول
القائل: "خلا
لكِ الجو
فبيضي
وفرّخي"،
وراحت
تكيّف
الأزمة
السودانية
قانونيا
وسياسيا
على
طريقتها،
وتستغلها
عمليا لدعم
حضورها في
المنطقة:
فمن حيث
التكييف،
ظلت تلك
القوى ترفض
التسليم
بأن ما يجري
في دارفور
هو نزاع
قبلي على
الأراضي
وموارد
المياه
والمراعي،
وتصر تعسفا
على
اعتباره
حرب إبادة
عرقية
يشنها
السودانيون
العرب (الجنجاويد)
بمساندة
السلطة، ضد
أولئك
الذين
ينحدرون من
أصول
إفريقية.
وذلك في
محاولة من
تلك القوى
لتغليظ
جُرم
النظام
السوداني،
وجعله عرضة
للمحاسبة.
وقد
تولى
اللوبي
الصهيوني
في
الكونغرس
الأمريكي
الدفع،
عمليا، نحو
ذلك. فبدأ
بتوجيه لوم
إلى إدارة
البيت
الأبيض
بسبب "مهادنتها"
حكومة
الخرطوم و"تساهلها"
معها بشأن
ما يجري في
دار فور،
مطالبا
بفرض
عقوبات. ثم
سرعان ما
أردف ذلك
بصياغة "قانون
محاسبة
السودان"
الذي صادق
عليه
الكونغرس
على الفور،
والذي تضمن
فرض حظر على
البترول
السوداني،
وإلزام
حكومة
الخرطوم
بنزع سلاح
الجنجاويد،
وتعليق
عضوية
السودان في
منظمة
الأمم
المتحدة،
مما يُعدّ
إشارة
عكسية من
قِبل
الولايات
المتحدة
إلى حركات
التمرد.
وقد
سار وزير
الخارجية
البريطاني
في نهج لا
يبتعد
كثيرا عن
ذاك، عندما
طالب في
مؤتمر
أبوجا
للسلام،
الذي كان
يُفترض أن
تسود فيه
لغة الحوار
لا لغة
التهديد،
بتشديد
العقوبات
على
السودان؛
مستعملا
سياسة
العصا
والجزرة.
في
هذه
الأجواء
المشحونة
بالابتزاز
المفضوح
وبازدواجية
الخطاب
الغربي،
وبالتلويح
بالعصا
الغليظة،
لا يجد
المرء بدا
من التساؤل
عن مدى جدوى
مفاوضات
تدور
جولاتها في
مدينة
أبوجا
النيجيرية،
وفي غيرها
من الأماكن،
بغرض تحقيق
السلام بين
السودانيين؟
وعن مدى
جدية القوى
الغربية،
ونزاهة
الولايات
المتحدة
الأمريكية
تحديدا،
عندما تعلن
رعايتها
لتلك
المفاوضات؟
ألا يبدو
ذلك أقرب
إلى حملة
علاقات
عامة يراد
منها تلميع
الصورة،
وتسويق
السياسات،
والضحك في
النهاية
على ذقون
الخلق؟
ميراث
العقل
السلطوي
يكبّل
الجميع
على
أنه كان
يمكن
للسودان أن
يقاوم كل
تلك الضغوط
الخارجية،
وأن يُحبط
كل تلك
المناورات
المفضوحة،
دونما حاجة
إلى مساندة
عربية أو
غيرها، لو
كانت جبهته
الداخلية
موحدة
ومتينة. لكن
يبدو أن
النظام في
هذا البلد،
شأنه في ذلك
كشأن أغلب
الأنظمة
العربية،
لم يهتد بعدُ
إلى السبيل
التي تؤهله
لأن يكون
محل إجماع
وطني. فهو في
الوقت الذي
كان يواجه
فيه أخطر
التهديدات
الدولية
بسبب
نزاعاته
الداخلية
المسلحة،
راح يخوض
مواجهات مع
جل
التيارات
السياسية
السلمية
الموجودة
في الداخل
وفي الخارج،
ويفتح
الجبهات
الجديدة،
حتى مع
أولئك
الذين
كانوا
متحالفين
معه في
الماضي
القريب.
فوجد نفسه
بذلك شبه
وحيد في
مواجهة
الأزمات
الداخلية،
وفي
التعامل مع
الضغوط
الخارجية.
إنه
لا جدال في
أن أزمات
السودان
الراهنة
ليست من صنع
نظامه
السياسي
الحالي، بل
هي من تركات
نظام
النميري
العسكري
الأسبق. فقد
أخفق ذلك
النظام في
توزيع
السلطة
والثروة
بعدالة
وتوازن بين
مكونات
شعبه
العرقية
والجهوية:
فباستثناء
الشمال،
الذي كان
ينحدر منه
أغلب قادة
الدولة
تقريبا،
ظلت أقاليم
شاسعة من
السودان
تشكو من
انعدام
البنى
الأساسية
الحيوية،
ولا يكاد
يُرى فيها
أثر لنهضة
أو تنمية.
وظل أهالي
تلك
الأقاليم
يعيشون في
ظروف شبه
بدائية،
يعانون
الحرمان،
وتملأ
قلوبهم
مشاعرُ
الغبن، على
امتداد
عقود من
الزمن. ومن
الطبيعي أن
تكون بذور
التمرد قد
انزرعت في
نفوسهم،
منذ ذلك
الوقت، ضد
سلطة
مركزية لم
يكن يشدهم
إليها إلا
خيط رفيع،
ولم تكن هي
ذاتها
قادرة على
بسط نفوذها
على كل
أطراف
البلاد.
في
تلك الظروف
الكالحة من
سبعينات
القرن
العشرين
وثمانينياته،
تعددت
المحاولات
الانقلابية
للإطاحة
بنظام
النميري،
|