البيان في أسس وخصائص دولة العدوان: الدّولة العربيّة المعاصرة نموذجا

الجزء الثاني

 

العدد السابع عشر
السنة الخامسة / أفريل - ماي 2006

حسين بالي

إنّ فيما سبق بيانا لبعض أسس وخصائص دولة العدوان على نحو إجمالي، غير أنّنا فيما يلي سنخصّص حديثنا عن دولة العدوان الواقعة على الأمّة العربيّة (وهي أمّة مكتملة التكوين) وأوّل ما يتعيّن أن نشير إليه، الأساس التّاريخي "القانوني" الرّسمي لنشأة هذه الدّولة.

لقد بدأ تأسيس هذه الدّولة على أرض الوطن العربي، عندما تنبّه الأوروبيون إلى مخاطر قيام كيان سياسي عربي موحّد على أرض الوطن العربي، بعد أن تحركت جيوش محمد علي إلى الشّام والحجاز في النّصف الأوّل من القرن 19. عندها تحرّكت الدّول الأوروبية تحت دعوى حماية سيادة الدّولة العثمانية على الولايات العربيّة،   » فأنذرته بريطانيا سنة 1838 بأن يسحب الجيش المصري من الكويت الذي كان قد وصل إليها في إطار الحرب مع الوهابيين في نجد، وكانت تلك مقدمة للإنذار النهائي التي تجمعت أوروبا فيه لكي تضرب هذا الحالم بتجديد شباب الخلافة والمتطلّع إلى عرشها وتفرض عليه الاستسلام بمعاهدة لندن (الشهيرة) سنة 1840«    (حسنين هيكل: حرب الخليج،أوهام القوّة والنصر ص66: مركز الأهرام للترجمة والنشر)، التي "سوّت" العلاقة بين العثمانيين ومصر، بحيث يتخلى بموجبها محمد علي نهائيا عن سوريا، في مقابل أن يضمن لسلالته حكم مصر... » وقد تفتّق ذهن بالمسترون رئيس وزراء بريطانيا في ذلك الوقت إلى ضرورة إقامة مستوطنات يهودية، تقف حائلا بين الذين سيخلفون محمد علي وبين أن يفكّروا مرّة أخرى في الاستيلاء على أملاك الإمبراطورية العثمانيّة، وقد نشر بالمسترون افكاره تلك على شكل رسالة في صحيفة التايمز البريطانية عام 1840... ومع هذه الرسالة التي تؤرّخ لتأسيس "الدول" الحاليّة على أرض الوطن العربي، كانت الجيوش الأوروبيّة تدقّ أبواب المدن العربيّة على المحيط والخليج، استعدادا وتهيئة للأرض العربيّة لتأسيس الكيانات السياسيّة التي بدأت تتحوّل من مجرّد أحلام في المخيّلة الاستعماريّة إلى خطوط على الخرائط على أرض الواقع« (حبيب عيسى: المرجع السابق: ص 272 و ص 273)... ومما يستدعي التوقّف للتأمل ذلك الاستثناء الذي خصّ به الاستعمار الأوروبي الرأسمالي الأمّة العربيّة ؛ فمن المعروف تاريخيا أنّه حيثما » ذهب الغزاة المستعمرون، فاستولوا على الأرض والشعب، وحدّوا المستعمرات المتجاورة وشعوبها المتنافرة، وأقاموا لها إدارة مركزيّة واحدة لتحقيق أفضل الظروف الاقتصاديّة اللازمة للربح ومزيد من الربح...؛ حيث أن الربح يزداد كل ما اقترب المشروع من الإنتاج الكبير، واتسع السوق وتوحّد... وهكذا، احتلّت انكلترا مثلا القارة الهنديّة، ولم تكن موحّدة لا سياسيا ولا إداريا ولا شعبيّا ولا لغويّا ولا حضاريّا، فوحّدتها تحت إدارة استعماريّة مركزيّة واحدة إلى أن تحرّرت، فانفصلت دولا، واحتلت فرنسا مثلا آخر جنوب شرق آسيا( فيتنام وكمبوديا وتايلاند ولاوس) ولم تكن موحّدة من قبل لا سياسيا ولا إداريّا ولا شعبيّا ولا لغويّا ولا حضاريّا، فوحّدتها تحت اسم الهند الصّينيّة الفرنسيّة تحكمها إدارة استعماريّة واحدة، وبقيت موحّدة إلى أن تحرّرت، فانفصلت دولا ...الخ ، كان كل هذا الاتجاه التوحيدي خضوعا لقوانين النظام الرأسمالي، ولم يرتكب الاستعمار الرأسمالي مخالفة أو جنحة أو جناية خروجا عليها... إلا في الأمة العربية ... لأن الاستعمار الأوروبي الرأسمالي للأمة العربية بدأ استقطاعا جزءا بعد جزء حتى الحرب الأوروبية الأولى (1914 –1918) وكل جزء سقط عزله المستعمرون عن باقي الأمة العربية ثم إن القوى الاستعمارية التي استولت معا على كامل الأمة العربية ، كانت متعددة ومتنافسة... الخ ولكن كل هذا وحده لم يكن ليحول دون أن توحد كل دولة مستعمراتها المتجاورة خضوعا لقوانين النظام الرأسمالي فهو