الصادق بلعيد يحاضر حول "القرآن والتشريع"
القرآن كتاب للعلاقة بين الإنسان والله لا بين الإنسان وأخيه

العدد السابع عشر
السنة الخامسة / أفريل - ماي 2006

تونس- خاص بأقلام أون لاين

(محمد الحمروني)

استضاف منتدى الجاحظ في إحدى ندواته الدكتور الصادق بلعيد ليحاضر حول موضوع "القرآن والتشريع"، وهو ما أثار جدلا عميقا بين الحضور. والدكتور الصادق بلعيد أستاذ بكلية الحقوق بتونس والعميد السابق لهذه الكلية، ويدرس حاليا القانون العام وفلسفة القانون، وهو أستاذ زائر في العديد من المؤسسات الجامعية في الوطن العربي والبلاد الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية.

وقامت المحاضرة أساسا على الأفكار الواردة في كتاب الدكتور بلعيد "القرآن والتشريع"، الذي يقدمه صاحبه على أنه دراسة شاملة لمؤسسات الفكر التشريعي في الإسلام، وللأحكام التي تضمنتها مدونة الفقه التشريعي. واستغرق الكتاب سبعة أبواب، مهد إليها المؤلف بمقدمات نظرية في الباب الأول، وشملت الأبواب الستة الباقية القاعدة التشريعية في القرآن الكريم، والأحوال الشخصية، والأحكام المدنية والإجرائية والقانون الجنائي، والأحكام القرآنية ومنظومة الحكم السياسي. وختمت بباب في إعادة تأسيس التشريع في الإسلام.

في بداية المحاضرة، المثيرة للكثير من الجدل، أكد الدكتور بلعيد أن الفكر بصفة عامة يمكن أن يتقدم بفضل وسائل ومنهجيات عديدة من بينها المقارنة، فالأسلوب المقارن يمكّن التفكير من التطور. والإسلام دين جاء عن طريق الوحي إلى نبيّ مختار، وفي هذه النقطة يشترك الإسلام مع الدينين السابقين: المسيحية واليهودية، فنحن هنا أمام ثلاثة أديان. إذا ركزنا على الوحي وقمنا بعملية المقارنة في هذا المجال نجد أن الدين اليهودي نشأ حوالي 1500 سنة ق م، واسترسل لمدة طويلة، والشيء المهمّ هو وقوع مؤتمر في بداية القرن الأول من المسيحية، تم الاتفاق فيه بين الأحبار والكهنة اليهود على إيقاف هذا الوحي، وعدم قبول ادعاء أحد أنه نبيّ أو أتى بوحي. وفي نفس هذه المدّة ولد السيد المسيح الذي أتى برسالة ودعا إليها لمدة ثلاث سنوات على أقصى تقدير وهو لم يكتب ولو كلمة. فهنا الوحي لم يأت مباشرة للمسيح، لكن أتى عن طريق تأويل جاء به الحواريون من بعده، فما يسمي الإنجيل هو مجرد مذكّرات كتبها هؤلاء، وأطولها هي مذكرات سان جون التي لا تتجاوز 50 صفحة. فهذا الدين إذا مبني على الوحي، ولكنه وحي منسوب ومستعار

أما بالنسبة للإسلام فيرى الدكتور بلعيد أننا أمام وضعية أخرى، فهذه الرسالة جاءت على قاعدة تراث قديم ومعروف في المجتمع، الذي نزل فيه الوحي، حيث قاله الرسول، وفي آن واحد وقع نشره وحفظه. فهناك إذا فوارق بين تجربة الوحي الإسلامية والتجربتين اليهودية والمسيحية.

 تعتبر الديانة اليهودية أن هناك تسلسلا بين الأنبياء، وأن كلا منهم جاء بشيء معين، إضافة للقول بأنه إلى جانب الأنبياء هناك بين العلماء من وقع اختيارهم، نظرا لفهمهم المعمق، وهم يعتبرون شبه أنبياء، فهؤلاء الذين كتبوا ودونوا ما نسب للأنبياء، فالتوراة ليس كتاب موسى، وليس الوحي هو التوراة، بل هو خليط من كل هذا، مما هو منسوب إلى الوحي، ومما قاله الأنبياء، وبالأخص مما كتبه تعليقا وتوضيحا الرهبان والكهنة. الفرق في الرسالة المحمدية أن القرآن كتب بإملاء الرسول، وحفظ الكثير منه كتابة، ومن هنا يأتي السؤال الكبير بماذا يختص الوحي الإسلامي عن الديانتين اليهودية والمسيحية من ناحية المفهوم؟

إذا نظرنا إلى الديانة اليهودية وقرأنا التوراة فإننا نجده قد شٌُرع في ميدانين كبيرين: الدين والدنيا، وفيه تشريعات مدققة في المسائل العملية ـ اليومية: كيف تأكل، وكيف تتعامل مع زوجتك.... في حين أن الديانة المسيحية ليس فيها تشريعا بتاتا، هي مجرد رسالة نشرها المسيح يطالب فيها إخوانه من اليهود، بأن يرجعوا إلى القيم والأخلاق التي أسسها الدين اليهودي.. ربما أعطى المسيح أهمية كبرى للبعض من هذه القيم، لكنه لم يشرع. وقال بصريح العبارة: "أنا أتيت لا لأشرّع ولكن لأصحح ما كان شُرّع من قبل". إذا ما هو موجود في المسيحية هو من صنع الفقهاء، ومن صنع الإنسان، فما هي الحال إذا بالنسبة للإسلام والقرآن؟.

يجيب الدكتور الصادق بلعيد بالقول، عند قراءة كامل القرآن دفعة واحدة، نجده بالأساس كتاب دعاية إلى دين وعقيدة، فهو من البداية إلى النهاية يركز أساسا على الرجوع إلى دين الحق، الذي يقوم على التوحيد. ونجد إلى جانب ذلك ما هو تابع الماورائيات أو الكونيات، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن القرآن يحتوى على شيء ما، يشبه ما هو موجود في اليهودية، وغير موجود في المسيحية، أولا وهو التشريع.

 ما يقارب90% مما هو مكتوب في القرآن يعود إلى الماورائيات أو الكونيات، وإلى ما يتعلق بالصلة بين الله وعبده. بينما ما يقرب 10% يهمّ صلة الإنسان بالإنسان. لكن المشكلة ليست في حصر هذه النسب، بل في النظر إلى فحواها. فعلى سبيل المثال كيف يمكن أن نعرف أن 10% المتعلقة بصلة الإنسان بالإنسان هي تشريع أم لا. وحتى إذا قلنا إن هذا تشريعا، فكيف نتعامل معه؟ هذان السؤالان شغلا مؤلف "القرآن والتشريع" فحاول سبر أغوارهما... يقول «إن نسبة 10% هي ما سماها الفقهاء القدامى بآيات الأحكام، وأكثرها عددا في ذلك فعلا ما قاله ابن عربي هو ما يقارب 600 أو 620 آية، يعني 10% تقريبا من محتوى القرآن بأكمله. لكن ما وقع التنبيه إليه، وأريد أن ألح على هذه النقطة هو أنه إذا أخذنا كتاب ابن عربي: "آيات الأحكام"، وهو أول كتاب نشر بهذا العنوان، فعندما تفتح الصفحة الأولى تجد مباشرة آية الأحكام الأولى دون تمهيد ولا تعريف بما تعنيه آيات الأحكام في القرآن، فهو لم يخصص في هذا الكتاب المتكون من أربعة أجزاء وفيه 2000 صفحة أو أكثر تمهيدا ولو بصفحة يحدد فيه تعريفه لآيات الأحكام.

وما يمكن للقارئ أن يستخلصه من قراءة الكتاب هو أن ابن عربي يرى أن آيات الأحكام هي الآيات التي تأتي بصفة مباشرة بأمر، فهذا الأمر هو ما سماه ابن عربي بالحكم، بحيث أن 600 أية إذا اعتبرت آيات أحكام فإنها كذلك من الناحية النحوية فقط، وليست آيات أحكام من الناحية التشريعية. فالتشريع هو النصّ الذي يأتي بتحديد موقف وبتحديد جزاء كأن يقال: لا تقتل جارك: هذا حكم تشريعي ويردف بذلك إذا قتلت جارك فإنك سوف تعاقب بكذا وكذا.

ثم يواصل قائلا «في آيات الأحكام التي جمعها ابن عربي نجد آيات لا تعنى هذا المعنى تماما، ففيها ما هو تابع للماورائيات، وفيها ما هو تابع للعلوم الكونية كأن يقول حكم الله أن تتداول الشمس والقمر، فهذا حكم إلهي وليس حكما تشريعيا. فإذا قُمنا بعكس ما فعله ابن عربي ومن تبعه في هذا المجال مثل الطاهر بن عاشور ـ الشاطبي... وأخذنا الستمائة آية هذه وصنفناها ووضعنا على جهة ما هو تابع للماورائيات، وما هو تابع للكونيات، وحصرنا هذه الأحكام أو الأوامر فيما يهمّ صلة الإنسان بالإنسان، فمن الستمائة آية لا يبقى إلا ما يقارب المائتين أو مائتين وخمسين آية.

لكن لن نقف عند هذا الحدّ، بل يجب أن نقوم بعملية تصنيفية أخرى ابتداء مما جاء به الفقهاء على طول القرون في هذا الميدان. فمن بين العلوم التي استعملوها لهذا الغرض نجد أسباب النزول وما يسمونه إلى جانب ذلك علم الناسخ والمنسوخ. هذه العلوم فيها أقوال كثيرة. لكن مهما كان الاختلاف عما هو ناسخ وعما هو منسوخ، وما هي أسباب النزول الحقيقية وغيرها، فإننا إذا حصرنا لبّ هذين العلمين فيما هو متفق عليه في صورة من الإجماع بين هؤلاء العلماء نجد أن من بين المائتين أو المائتين والخمسين آية إذا طبقنا علم الناسخ والمنسوخ ما يمكن اعتباره آيات منسوخة، وذلك حسب اعتراف الفقهاء أنفسهم. فإذا طرحنا هذه الآيات فإننا ننزل من المائتين أو المائتين وخمسين إلى ما بين مائة أو مائة وخمسين آية أحكام بالمعنى المشتبه فيه.

وإذا طبقنا علم أسباب النزول في المائة والخمسين آية هذه فإننا نجد أن أكثر من نصفها نزل بسبب تاريخي مضبوط. وهنا يمكن أن أقدم مثالا: الأحكام الجنائية في القرآن وهي ليست كثيرة نذكر منها عقاب الزنا، السرقة، الحرابة.... نأخذ مثال الحرابة وهي السرقة المنظمة، فإذا قرأت الحكم فيها تجد الآية الكريمة التي تسنّ حكما في ذلك تبدأ بكلمة "إنما": "إنما جزاء اللذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتّلوا أو يصلّبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض، ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب أليم" المائدة 33.

لنقف عند كلمة إنما، من الناحية اللغوية تعني، رفض الشيء ومعارضته بشيء آخر، واعتمادا على علم أسباب النزول يمكن أن نطرح سؤالا: لماذا أتت هذه الآية لكي تقول « إنما جزاء...»؟ السبب حسب المؤرخين المختصين في أسباب النزول هو وقوع حكاية ترجعنا إلى ما قلنا عن التاريخية في تأويل القرآن وتتمثل في الأتي: هناك بعض الأشخاص تقدموا إلى الرسول وقالوا له نريد السفر مرورا بمكان فيه قطيع غنم وراعي وسنحتاج الأكل والشرب، فهل يمكن أن تعطنا كلمة سر يعرفنا بها الراعي عندما نمر به، قبل الرسول طلبهم ولما وصلوا إلى المكان المحدد استقبلهم الراعي عندها قالوا له كلمة السرّ فأكرمهم لكنهم خانوا العهد وقاموا بقتل الراعي وسرقة كل ذلك القطيع ولاذوا بالفرار.

لمّا علم الرسول بما فعلوا أمر بالبحث عنهم والإتيان بهم فتم القبض عليهم بعد مدّة ومثلوا أمام الرسول وقد كان غاضبا لما فعلوه فحكم بقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وأن تثقب أعينهم وأن يبقوا دون طعام ولا شراب حتى الموت. وفعلا طبقت هذه الأحكام القاسية على هذه العصابة، لذلك نزلت هذه الآية «إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتّلوا أو يصلّبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلف أو ينفوا من الأرض، ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب أليم" المائدة33. فهي بمثابة اللوم الذي وجهه الله إلى الرسول.

هنا يأتي سؤال هام: هل إن هذه الإشارات الموجهة إلى الرسول خاصة هي حكم دائم وسرمدي وإجباري على كل المسلمين؟ فهل جزاء الحرابة ما نصت عليه هذه الآية، أم هي مجرد إعداد لوضع ظرفي؟ لنأخذ مثالا آخر للدلالة على حرج المفسر أو المؤمن بصفة عامة أمام هذه المسألة وهو آية الإفك، هي آية ظرفية بالضرورة لأنها تهمّ عائشة، فحسب أسباب النزول وما ذكره الفقهاء أن هذه الآية نزلت لأنه أشتبه في السيدة عائشة، فهل ما وقع الحكم به في هذه الحالة الخاصة يهمّ السيدة عائشة فحسب أم نعتبره حكما أبديا في لوح محفوظ ومفروض على جميع المسلمين إلى يوم يبعثون؟.

إذا جمعنا حصيلة ما نطبق فيه مقولة الناسخ والمنسوخ، ونطبّق ما يأتي به علم أسباب النزول نجد أنه لم يبق في القرآن إلا القليل، القليل مما يمكن أن يوضع تحت غطاء الأحكام النحوية: (الأمر). هذا الاستنساخ يجعلنا أمام مسألة هامة وهي إذا وضعنا القرآن في سلسلة أديان الوحي فمن أي صنف هو؟ هل هو من الصنف المقترب من التقنين اليهودي الذي وضع تشريعا مقننا، أم يقترب أكثر مما جاءت به الرسالة المسيحية التي تنحصر في بعض معالم حضارية، فلسفية كبرى تتجاوز العرضيات؟

يقال إن من خصائص الحضارة العربية ـ الإسلامية أنها حضارة تدوين وتشريع، على العكس من حضارات أخرى، فالحضارة الفرعونية مثلا كانت حضارة سيطرة الإنسان على المحيط الذي يعيش فيه. وإذا نظرنا إلى الحضارة الغربية المعاصرة نجد أنها حضارة التكنولوجيا واستهلاك ثروات الطبيعة، فكل حضارة لها مغزى ولها معنى، لذلك يمكن أن نسأل ما هو هدف الحضارة الإسلامية؟. يرى الكثير من الفقهاء أن خاصية هذه الحضارة هو التدوين والتشريع. سأترك باب التدوين لأنه ليس من اختصاصي وآخذ باب التشريع، فهل حقيقة أن الحضارة العربية الإسلامية هي حضارة تشريع؟ ومن أين لنا أن نقول ذلك؟.

 يجيب الصادق بلعيد على هذه الإشكالية بالقول إن الكثير من الفقهاء يقولون بأن الإسلام هو دين التشريع، ومعروف بأن الحضارة العربية الإسلامية أتت بتشريعات كبيرة ومتطورة ومقننة، لكن المشكل ليس في أن نسدي المشروعية على هذه التشاريع لكثرتها أو لزخم مدوناتها، بل أن نفهم من أين أتت رخصة التشريع والتدوين؟ هنا أرجع إلى فكرة التاريخية لفهم ذلك. فإذا أتبعنا كلام الفقهاء نجد أنهم يركزون نظريتهم على مقولة مفروغ منها كقول الشافعي: "كلما نزلت كارثة بمؤمن إلا وجد في القرآن سبيلا لحلّها".

هذا التعبير يبدأ بـ"كل ما نزل"، أي إن ذلك مسلمة "postulat ، لم يأت الشافعي ولا أي فقيه ببرهان عقلاني يثبت أنه كلما نزلت بمؤمن كارثة إلا وجد في القرآن حلاّ لها، فلم تكن هناك أي برهنة على ذلك بدليل قاطع. وقد ترقبنا ما يقارب السبعة أو الثمانية قرون لنجد نوعا من الحيرة عند بعض الفقهاء عبر عنها الشاطبي، وهو أحد فقهاء القرن الرابع عشر، وهو ذو فكر متحرر نسبيا. يقول الشاطبي يجب أن نفهم بصفة موضوعية المسلّمة التي وضعها الشافعي فهو لم يقل إن القرآن مدونة تشريعية بل ما أراد قوله هو أننا نجد في القرآن الأصول الكافية لنستنبط التشريع.

حسب الشاطبي فإن أصول التشريع هي: القرآن والسنة والإجماع والقياس. فليس هناك إذا بين الشافعي الذي كان كلامه غامضا وما قاله الشاطبي وفيه نوع من التراجع، تشريع كلي وجاهز ودائم مع دوام الزمن وتطوره. إذا لم نجد في القرآن الأصول لاستنباط التشريعات فإننا نتجه إلى السنة، وإن لم نجد فيها ما يكفي نتجه نحو الإجماع وإلا نحو القياس. فهناك فرق بين أن نقول عندنا مدونة تجارية وجنائية ومالية وغيرها في القرآن وهذا كلام مغلوط، وأن نقول بتعدّد المصادر مثل القرآن والسنة وغيرها. لكن إذا قرأنا القرآن من أوله إلى آخره لن نجد آية تقول للمؤمن إذا عجز أمام مشكلة أن يقرأ سورة من القرآن فيجد فيها حلا، وليس فيه أيضا تعريفا للسنة بأنها المصدر الثاني أو ربما المصدر الأول بالتساوي مع القرآن كما قال بعض الفقهاء، وكذلك لا نجد آية توجّه المؤمن إذا حصل له شيئا للنظر في السنة.

هناك من رأى عكس ذلك واستدلّ بالآية التي تقول: "يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" النساء (59). هذه الآية أين نزلت وفي أي وقت؟ وما هو معناها؟: في هذه الواقعة حصل خلاف بين المقاتلين في توزيع الغنائم بين من هو فارس ومن هو مترجل ومن لم يأت في الوقت المناسب وما إلى ذلك... فأتى الرسول وقال أنا الذي سأوزع بينكم هذه الغنائم فما أعطيكم خذوه وما لم أعطيكم لا تأخذوه.

فإذا رجعنا إلى تاريخ الواقعة هذه كيف يمكنك أن تجعل من الأمر الظرفي أمرا عاما؟ وحتى في صورة إذا ما جعلت منه أمرا عاما فهذا باستنباطك أنت ليس من أمر الرسول أو من أمر الله، هذا هو تأويلك أنت أن تقول أنا أفهم هذه الآية بأنها تشريع دائم على مدى الزمن، لكن هذا يعني أنك وضعت نفسك في موقع المشرّع. والمرجع هنا هو أن ترجع إلى تاريخ النص الذي تريد فهمه وتضعه في إطاره حتى نفهمه الفهم الصحيح هذه القاعدة المنهجية الأولى. أما القاعدة الثانية فهي عندما نريد أن نفهم شيئا كتب فيه غيرنا أن نعود إلى ما قاله، فلا نبدأ بفهمنا بل نبدأ بفهمه هو. والفهم هذا وضّحه الشافعي في نفس الكتاب "الرسالة" فقال إن الواقعة التاريخية التي أتت بالآية "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم...". تتمثل في أنّ العرب يأبون الطاعة والانصياع وكانوا لا يقبلون أن يؤمّر عليهم وإن قبلوا فبأمر الرسول أي إنهم لا يرضون بأي شخص أميرا عليهم إلا إذا عيّنه الرسول بنفسه، ولكن صادف أن أمّر عليهم شخصا (يبدوا أنه خالد بن الوليد) كان صعبا جدا وجنديا شديد البأس وقوي الشخصية فلم يرتاحوا إليه ووقع الخصام بينه وبين الجنود وقرّروا عدم الاعتراف به، وكان في بداية معركة فذهبوا إلى الرسول للاحتكام إليه، وقد أراد أن يهدأ الموقف فكانت الآية: "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم..." النساء 59.

ويفسر الشافعي كلمة أولي الأمر منكم بمن وقعت توليتهم عليكم وعلى كل فإن هذه الآية خاصة بما وقع في هذه المعركة وفي يوم معين وظروف محددة فهل من الصواب أن نعمم ذلك؟ ولربما هذا التعميم كان سببا بأن تسلط علينا كل من ادعى بأنه يحكم فينا باسم الله وفعل فينا منذ الأمويين إلى حدّ اليوم أكثر مما يفعله العدو بعدوه. ربما نقول إن الفكر العربي لم يعرف فقط تخاذلا بل انغمس في جوّ شبه خيالي وعاش فيه لحسم كثير من الإشكاليات فجعل من مساءلة الحاكم أمرا إلهيا، وبفضل هذا التفكير وهذا التأويل سلّمنا أمرنا لكلّ من جاء وقال أنا أميركم مهما كان، لذلك انقطع الفكر العربي عن الإشكاليات السياسية وسلّم المسلمون أمرهم لمن حكمهم وقد قبلوا ذلك بتحريض من الفقهاء الذين دعوا إلى طاعة الطغاة.

هناك تساؤل كبير يجب أن نطرحه على أنفسنا وهو كيف نقارب هذا الكتاب الكريم؟ هل نقاربه من خلال ما جاء به وبما نفهمه منه أم نقاربه بما راكمه عليه العشرات من الأجيال من الفقهاء الذين استعملوا القرآن والسنة وغيرها لصنع منظومة سياسية وفكرية وحضارية وقع من خلالها "تأسير" الشعب العربي؟

 وابي على هذا أقول: أوّل شيء يجب أن نقوم به هو أن نبتعد عمّا أوعز به إلينا اليهود، فمن الثوابت عندهم الدعوة إلى عدم قراءة التوراة بل استشارة أهل التلمود لأنّ الشخص ليس بعالم لكي يفهم ماورائيات التوراة، وكانوا في ذلك الوقت يأمرون بقتل كل من يدّعي قراءته وفهمه، فالتوراة عند اليهود لا يفهم إلا من خلال التلمود وأهله الذين هم الأحبار والكهنة.

أرى أنه من الواجب أن نقوم بوثبة تتجاوز ابن عربي والشاطبي والطاهر بن عاشور وضرورة أخذ الكتاب بقوة وقراءته واستخلاص ما هو تاريخي وظرفي منه، فأصنفه في هذا الباب، وآخذ منه ما هو عام وسرمدي وما أعترف به وأقبله واستنير به. وفي القرآن نجد من هذه الأحكام التي فيها سر الحضارة والانفتاح الفكري، فإذا قمت بتلك العملية البسيطة وقرأت القرآن بعين مجردة فإنك تجد فيه من المفاهيم ومن القيم ومن المبادئ العامة التي ستنيرك وتدلك على ما أنت في حاجة إليه لإدارة شؤونك وفي علاقاتك مع المسلم، ولست في حاجة بأن تستنجد أو تقتصر على ما قاله الفقهاء.

اجتهادات

هناك مشكل أول عند التعرض لموضوع التشريع الإسلامي وهو العلاقة بين الدين والقانون، هذا الموضوع إشكالي للغاية والحسم فيه تترتب عنه نتائج بالغة الأهمية، وهو الأمر الذي دفع بأول المتدخلين للقول بأن هذه الإشكالية توجد لدى الكثير من الحداثيين، واتجه أمر حسمها في اتجاه أن هذه العلاقة غير ممكنة، بينما يميل المتدخل إلى الرأي القائل بأن الموضوع ليس موضوع مكان وجود علاقة بين الدين والقانون بقدر ما هو أمر اختيار. أي هل إننا اليوم بهذا التاريخ وفي هذه الرقعة من الأرض المنتمية لحضارة معينة، وبهذا التعداد من السكان، وبهذا المستوى من التمدرس ومن المعيشة، يمكن أن نجعل لنا مرجعية في انتقاء وفي استمداد الأحكام الوضعية من مصادر مادية ذات مرجعية إسلامية، أم لا؟

ويرى المتدخل أنه من ضمن الأفكار الواردة في الكتاب أنه لا يمكن الحديث عن تشريع إسلامي، وأن هناك فقط اجتهادات لفقهاء تحوم حول القرآن وحول السنة النبوية. وهو يرى أن هذا الحكم غير دقيق لأن هناك تشريعا يمكن أن يوصف بأنه إسلامي لكن مرد الإشكال هو انه إسلامي بمرجعيته التي يتزعمها لنفسه حقيقة أو باطلا، والمشكل في وسمه بأنه تشريع إلهي أو غير إلهي. لم يقل أي من هؤلاء الفقهاء بأن هذا التشريع هو قول الله في المسألة، فهو ليس تشريعا إلهيا وإن كان يستحق عن جدارة تسميته بأنه إسلامي، لأن مرجعيته النصوص المؤسسة لديانة ولحضارة توصف بأنها الإسلام أو إسلامية.

فكما هناك تشريع ديني هناك تشريع غير ديني، تشريع لبيرالي، تشريع اشتراكي، تشريع استعماري. فنعت الإسلامي لا يعني أنه إلهي. في دراسات القانون المقارن وفي تاريخ القانون نجد من غير المسلمين ومن غير العرب من يقول بأن أكبر المنظومات التي عرفتها البشرية هي: العائلة القانونية الإسلامية، والعائلة القانونية اللاتينية- الجرمانية، والعائلة القانونية الاشتراكية التي اندثرت، والعائلة الانقلوسكسونية. ويثير المتدخل سؤالا آخر فإلى أي مدى يعتبر من المستساغ القول أو التركيز في موضوع التشريع الإسلامي على القرآن لوحده دون باقي المصادر لترتيب نتائج عامة؟ فهل يمكن القول إن نظام القانون التونسي لا يعرف تنظيما للملكية العقارية؟ لأننا بالرجوع إلى الدستور لا نجد تنظيما لهذا الأمر إنما نجد في الفصل 17 حماية لحق الملكية الفردية لا غير.

فهل أن وجود هذا الفصل يمنحنا الحق في القول بأن نظام القانون التونسي خال من تنظيم الملكية العقارية؟ لا لأن محل الدستور هو إعلان مبادئ وليس إعلان التفصيلات والجزئيات. ويمضي المتدخل إلى القول: أشار الأستاذ إلى صعوبات كبيرة في تحديد مضمون ومجال التشريع الإسلامي، من هذه الصعوبات التأرجح بين العام والخاص، بين الناسخ والمنسوخ، بين الدائم والظرفي، لكن ألا تشاطرني الرأي بأن هذا ليس خاصية التشريع الإسلامي وحده، ولكنها خاصية ملازمة لكل الأنظمة القانونية، وأن عمل الفقهاء هو فرز الخاص من العام وبيان الظرفي من الدائم.

التشريع والقانون

وذهب متدخل ثاني إلى أن قضية التشريع هي اليوم في تونس مجال تجاذب سياسي داخل الساحة السياسية والثقافية. وأضاف أن مقاربات الصادق بلعيد مهمة جدا لأنها مقاربة أولي الأمر وأهل الاختصاص، باعتباره من المختصين في الحقوق، لكن ما يمكن ملاحظته أنه ركب فيما طرحه مركبا زلوقا، فمقاربته هذه توظفها بعض النزعات العدمية التي تريد أن تقيم نوعا من الفصل والحد النهائي بين التشريع وبين القانون.

ويرى المتدخل أن هناك نزعتان قويتان داخل المجتمع العربي ـ الإسلامي اليوم، نزعة إحيائية تمثلها الأصولية ـ السلفية، ونزعة عدمية تمثلها كذلك النزعة الأصولية ـ السلفية العلمانية. فهناك أصوليتان أصولية إحيائية وأصولية عدمية، واستعمل مفهوم العدمية هنا بالمفهوم النيتشوي الذي اعتبر أن الحداثة قامت على الفصل الحاد بين المتعالي والأرضي. وهذه المقاربة تعتبر انه لا يمكن أن تقوم نهضة أو تحديث إلا بالفصل النهائي لا بين الدين والدولة فحسب ولا بين الدين والسياسة بل كذلك بين الدين والتشريع.

ويضيف المتدخل قائلا: أريد أن أحاوركم في مسألة المقاربة التاريخية التي توظف مفهوم الناسخ والمنسوخ ومفهوم أسباب النزول، واختلاف المقاربة اللغوية عن المقاربة التشريعية. يمكن أن يوظف مفهوم التاريخية لبناء الأحكام بناءا جديدا كما يمكن أن يوظف لنفي الأحكام. والغريب في هذا السياق أن أصحاب النزعة العدمية يدعون إلى نفي الأحكام باعتبار تاريخيتها، ولكن مع ذلك تقبل الأحكام الوضعية في المجالات القانونية الأجنبية رغم أنها صيغت في ظرف تاريخي خاص، فليس هناك قانون لا يقوم على ملابسات تاريخية، فجميع القوانين سنت في سياق خاص، ولكنها تعمم على سنوات لاحقة، باختيار أهل القانون والتشريع. إذا المقاربة التاريخية يمكن أن تكون مقاربة بناءة في فهم الأحكام وفي فهم نسبيتها.

هناك نزعتان في فهم وتمثل الحكم الشرعي: النزعة الأولى تقوم على التماهي بين الخطاب وبين الحكم، فالحكم الشرعي هو خطاب الله المتعلق بأفعال العباد، الخطاب هو الحكم وهذه النزعة تمثلها الأشعرية وغيرها. النزعة الثانية يمثلها الأحناف والمعتزلة، وهي تعتبر أن الحكم ليس هو الخطاب بل هو أثر الخطاب، ويفهم من الخطاب. فآية السارق والسارقة ليست حكما. هي أمر إلهي لا يتخذ صفة الحكم الشرعي إلا بعد أن يمرّ عبر مرحلة من البحث والدرس في عمومه وخصوصه وناسخه ومنسوخه.

فهناك بحث كامل لابد أن يمر به حتى يكتسب صفة الحكم.. هذا التمييز يغيب في تمثل أصحاب النزعة التحديثية، الذين يريدون تحديث المنظومة التشريعية، ولا يستحضرون هذه المسائل، لكنهم يقفزون على القضايا، ويذهبون مباشرة إلى المقاربة التاريخية، التي هي في نهاية الأمر تصوغ المقاربة الأيديولوجية، التي تريد أن تقيم ذلك الحدّ النهائي الكلي بين التشريع وبين الدين. والإشكال أن هذه المقاربة ليست محلّ إجماع حتى داخل المنظومة القانونية الوضعية إلى حدّ اليوم. ففي أمريكا وأوروبا لا تزال العديد من القضايا تثير جدلا بين الذين ينطلقون من مرجعية دينية مسيحية، وبين الذين ينطلقون من مرجعية غير دينية، من ذلك قضايا الإجهاض- قضايا الاستنساخ- قضايا الموت الرحيم - قضايا المثلية الجنسية، وهي قضايا ملتهبة داخل الرأي العام التشريعي وحتى السياسي والاجتماعي في هذه المجتمعات.

منظومة بشرية

متدخل ثالث بدأ مما انتهى إليه المحاضر، عندما دعا إلى مواجهة القرآن مباشرة، دون هذا الركام التاريخي الكبير، الذي وضعه المفسرون والفقهاء والمؤرخون وغيرهم. وقال "هذه دعوة كريمة ومهمّة جدّا، لكن المشكلة أن هذه الدعوة سطع بها الكثير من المصلحين والمفكرين منذ أكثر من قرن ولم تحل. فتقريبا محمد عبده دعا مباشرة إلى العودة إلى المنابع: القرآن والسنة بدون وساطة. ودعا في العروة الوثقى وفي محاضرات كثيرة إلى أن نقرأ القرآن وكأنه يتنزل علينا، ولا نستعمل من الوسائل إلا المعاجم إذا أشكل علينا اللفظ.. مع ذلك يظل هذا الركام الكبير ملقيا بثقله على الثقافة العربية الإسلامية عبر الأجيال، لأن هؤلاء الفقهاء والعلماء والمفسرين من القدماء أخذوا هذا الدرب.

هذا الموضوع لا يرتبط فقط بالتشريع، ولكن بمنظومة كاملة في فهم تراثنا، ونوع القداسة الدينية، التي أصبغت على هذه الأجيال القديمة، ونوع من التصور بأن الأجيال الأقرب إلى الرسول هي الأولى والأجدى (خير القرون قرني...)، وإلى ما شابه من هذا التراث الكبير الذي أعطى لهؤلاء العلماء مكانة ليس من السهل التخلص منها، فصار فهمهم للدين في الحقيقة هو ذات الدين.

عندما نقول إنه لا يوجد تشريع إسلامي فهذا يحتاج إلى تدقيق، لأن هؤلاء العلماء والفقهاء وضعوا منظومة تشريعية تقريبا لكل ما هبّ ودبّ ولكل الجزئيات وقننوها انطلاقا من السنة وانطلاقا من القرآن وانطلاقا من منظومات أخرى استوردوها، المهمّ أن نتفق على أن هذه المنظومة المسماة التشريع الإسلامي هي منظومة بشرية، وضعها فقهاء انطلاقا من أوضاعهم واجتهاداتهم، ولو تحقق هذا الأمر لتنسبت كثير من الأمور بين المتحمسين للتشريع بجهل وبين الخصوم. وهنا تحل المقولة المشهورة: الإسلام صالح لكل زمان ومكان. هناك من يتخذ منظومة تاريخية معينة ليجعلها صالحة لكل زمان ومكان، وهناك أيضا من يخاصم الدين ويستعديه ويريد إزاحته من المجتمع، بناء على نفس التفكير، وهو التفكير التقليدي، يعني هو يتخذ منظومة إسلامية تقليدية ويتخذ موقعا محاربا لها. ففي الحقيقة نحن بين المؤمنين والملحدين وبين الإسلاميين والعلمانيين، الذين يفكرون في الإسلام أو في الدين بنفس الطريقة.

الإطار الثقافي والاجتماعي للتشريع

وقال أحد الحضور إن الدكتور بلعيد حاول أن يثير مسألة التشريع من خلال تاريخ الأديان وهو مدخل هام، لأنه لا يمكن أن نفهم العديد من المسائل والإشكاليات الإسلامية دون الرجوع إلى مقارنة مع الديانات التوحيدية الأخرى، خاصة إذا تعرضنا إلى الجانب التشريعي لسبب بسيط وهو أن الإسلام والمسيحية واليهودية تتحرك داخل أفق معرفي مختلف، ولكن هناك تقاطع يحصل بينها. وهذا التقاطع يساعد على حل العديد أو فهم العديد من المسائل، وهنا أتحدث عن جانب التشريع. وفي اعتقادي أن المشكلة ليست في اعتبار أن القرآن فيه تشريع أم لا. ربما أطرح سؤالا آخر وهو لماذا أثيرت هذه المسألة؟ لماذا نتحاور في هذه القضية الآن؟

ويجيب بالقول: أرى أن إثارة هذه المشكلة اليوم هو في إطار المأزق الذي يعيشه الفكر الإسلامي عموما، وهو مدى استجابة التشريع الإسلامي أولا لتحديات الوقت والحال، وثانيا مدى تصالح الجانب التشريعي مع جملة من المسائل ربما تصطدم مع بعض القضايا المعاصرة، خاصة أن هناك مسائل صريحة في النص القرآني بمنطوقها وبدلالاتها نجد أنفسنا أمامها وأمام جملة من المسائل التي تعتبرها حقيقة تمسّ حقوق الإنسان، مثل مسألة القتل ـ والرجم ـ وقطع اليد... كلها قضايا حقيقية تجعلنا كمسلمين نطرح إما ضرورة إعادة النظر أو التحرر منها، وهل يمكن ذلك؟ لا يمكن أن نفهم صور الأحكام التشريعية إلا من خلال المناخ الثقافي. فالنص القرآني نزل في مجتمع بدوي وهو ليس مستقلا وخارجا عن الزمان والمكان، وإنما مرتبط بجغرافية محددة وبنظام تشريعي.

فمثلا قضية قطع اليد أقرت لأن المجتمع البدوي لا وجود فيه للسجن، لان السجن مرتبط بالدولة، وبالتالي كان لابد أن يأخذ العقاب هذا الشكل. ولسنا ملزمين بأن نتمثل هذا العقاب لأنه مرتبط بذلك المناخ، ولذلك يمكننا تجاوزه. وتبقى فكرة العقاب ولكن بتغيير الصورة مع ظهور الدولة، إذا المشكلة لكي أفهم التشريع يجب أن أفهمه من خلال الإطار الثقافي والمناخ المعرفي الذي وجد فيه لأستطيع أن أتحرر منه وأحافظ على مقصده وأطوره.

دين في خدمة نهضة حقيقية

الإسلام كدين وعلاقته بالتشريع كانت أحد المحاور التي شغلت المتحاورين فقال أحدهم "من الأشياء التي شدتني إلى الكتاب ولصاحب الكتاب أن الدراسة التي حاولنا أن نقترب من جوهرها في هذه الأمسية تنطلق من داخل الفضاء الإسلامي وليس من خارجه، ومن هنا تأتي أهمية الدراسة والمقاربة لأن هناك العديد من المثقفين في تونس وخارج تونس يقولون ببساطة إن هذا الموضوع: الإسلام وعلاقته بالتشريع مسألة يمكن حسمها في لحظات، فنقول بأنه سواء كان في الإسلام تشريع أو لم يكن هناك تشريع، نحن نريد أن ندعو للفصل بين الدين والتشريع ونبدأ في عملية التقنين، وهو رأي له منهجية وله منطق. ولكنه باستمرار يؤدي إلى إحداث التعارض بين ما نريد أن نشرعه لكي ننهض وبين معتقدات الناس، فالكتاب عند قراءته يبدأ بأية قرآنية: "لا تغلوا في دينكم غير الحق"، بمعنى أن صاحب الكتاب يريد أن يدفع باتجاه التفكير من أجل أن يكون الإسلام كدين في خدمة نهضة حقيقية، وأنا في اعتقادي أن هذه المقاربة في تناول القضايا، التي تتعلق بالإسلام هي التي يمكن أن تحدث ثورة فكرية في مجتمعنا. أما الدعوات التي تقوم على القطيعة ومحاولة إصدار أحكام عن الإسلام من أجل عزله، فهي مع مشروعيتها أعتقد أن تأثيرها في المجتمع وفي الثقافة وفي الحضارة يبقى محدود جدا.

الأمر الثاني وهو الحبل السري بين التشريع القائم وبين الشريعة الإسلامية هو استعمال هذه العبارة لكي يبين إذا كان هناك تواصل في بعض جوانب التشريع، أنا سآخذ هذه الكلمة لأعطيها أبعادا أخرى، فلماذا لا أريد أن اعتبر أن جزءا هاما من القانون التونسي هو قانون إسلامي، بمعنى ما هو الذي يضفي على القانون صبغته الإسلامية أو عدم الإسلامية؟ هل المصلحة التي تترتب عنه؟ أم يكفي ليقع التذكير أو الإشارة أو التنصيص في أسباب وضع التشريع بأن له علاقة بذلك الباب من الفقه أم لا؟ وكيف نخلق عملية التواصل بين مفهومنا للإسلام الذي هو ذو بعد حضاري وبين عملية التشريع؟

فمثلا منظومة حقوق الإنسان التي نعتبرها ملزمة هل هذه المنظومة بفلسفتها وبالكثير من أحكامها وتفاصيلها هل سأعتبرها إسلامية أم لا؟ بمعنى هل سأعتبر أن هناك تناقض بين هذه المنظومة ومعتقداتي أنا كمسلم؟. هنا يطرح إشكال يؤدي بنا إلى السؤال التالي: لماذا ـ منذ 50 سنة تقريبا ـ هناك تركيز وتضخيم لمسألة الشريعة والتشريع حتى أن حركات ما يسمى بالإسلام السياسي جعلت جوهر رسالتها هو تأكيد حاكميه الله من خلال حاكميه الشريعة؟

تعقيب المحاضر

كل هذه الآراء التي أثرت النقاش وفيها الكثير من التحفظات على ما جاء في محاضرة الدكتور بلعيد وكتابه "القرآن والتشريع" دفعته إلى التعقيب على مجمل ما ورد في المداخلات فقال "أنا مقصدي أن أدخل هذه المعركة من الداخل لا من الخارج. وقد كان لي في ذلك نقاش طويل مع الكثير من الزملاء الذي يقولون بالفصل. وأود أن أقول إن أطروحتي في هذا الكتاب لا تتكلم عن التشريع الإسلامي إنما تتكلم عن التشريع القرآني، وكلامي هنا أن القرآن لم يأت بمقصد التشريع وأسمحوا لي أن أوضح أنه بالنسبة لبعض المسائل التي وقع التشريع فيها من طرف الفقهاء انطلاقا من القرآن فإني أعتبر ذلك تشريعا بمفهومنا المعاصر الذي يرتبط بجديد علاقة الإنسان بالإنسان فقط أي بالعالم المادي الذي نعيشه

 لنأخذ مثلا للبرهنة على ذلك وهو الحدود ومن بينها السرقة ففي القرآن حكمها معروف من خلال الأية "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا.." المائدة (38). عندما نقرأ أو نستمع إلى هذه الآية نقول إن القرآن شرع للسرقة وقال حكمها كذا وكذا، وكأنها أي الآية فصل أو مادة من تشريع قانوني موجود في مجلة القانون المدني أو غيره ولكن ليست هذه الحقيقة. فهل المقصد هنا هو التشريع؟ ذلك أن القرآن عندما جاء بهذه الآية أضاف إليها أية أخرى تأتي بعدها مباشرة وهي "فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم" المائدة (39).

فهل هذا تشريع للإنسان بعلاقته بالإنسان؟ أنا أنفي ذلك لأن السارق في القرآن إذا تاب غفر الله له وينحصر حكم القرآن في هذا المعنى، أي أنّ هذا التشريع لعلاقة الإنسان بالله وليس لعلاقة الإنسان بالإنسان. وتصديقا لهذا التأويل يذكرنا التاريخ عن طريق الفقهاء أن سارقا قام بفعلته ثم تاب وذهب ليلا إلى علي وقال له أنا سرقت ولكن تبت، وإني أطلب منك أن تغفر لي لأن هذا ما جاء في الآية القرآنية فاستشار علي فقيها معروفا فقال له لا نقدر عليه شيئا فهو سرق ولكنه تاب وهذا ما قالته الآية. وهذا ما ينطبق أيضا على آيات أخرى مثل الحرابة والإفك فهي تحدد علاقة بين الله وعبده الضعيف وليس حكما اجتماعيا.

بالنسبة لموضوع الشريعة الإسلامية وتطبيقها أنا أسأل هنا هل يمكن أن تجد كتابا مكتوبا يحتوي الشريعة الإسلامية؟ فانا لم أجد إلا تراكما من فتاوى، والفتوى هي إبداء رأي من بشر ولا نجد كتابا موحدا في أي مادة من المواد أجمع عليها المسلمون بأنها نابعة من القرآن بصفة مباشرة أو غير مباشرة وتسمى الشريعة الإسلامية. لنأخذ مادة القانون التجاري: نعلم أن القرآن ذكر كلمة تجارة مرتين "يأيها الذين أمنوا هل أدلكم على تجارة..." هنا كلمة تجارة ليست لها علاقة بالتداول والعمليات التجارية كما أن كلمة البيع وردت فيه مرة واحدة وهذا ما يدل على أننا نثقل القرآن من حيث الجوهر بما لم يأمرنا به. وفي علم الأصول هناك مقولة هامة تعتبر أصول التشريع في الإسلام هي القرآن والسنة والقياس. ونحن نعلم أن هناك تدرجا، لكن نجد أيضا من وازى بين القرآن والسنة، وحتى من قال بأن السنة تنسخ القرآن وما إلى ذلك. فنحن هنا أمام نقيضين التدرج من ناحية والتساوي من ناحية أخرى.

إذا نظرنا إلى الأحاديث واعتمدنا على المجموعة الأكثر قبولا عند المسلمين فإننا نجد أنفسنا أمام ارتباك كبير لأننا نجد في نفس الوقت المجموعة الكثيرة من الأحاديث المنسوبة إلى الرسول. فمثلا حديث "لا تكتبوا عني شيئا"، وكذلك "من كتب عني حديثا فليمحه". وفي المقابل نجد البخاري على سبيل المثال جمع حوالي ثلاث آلاف حديث أو أكثر. لكن المشكل هل يمكن أن نثبت بصفة قطعية أن الرسول قال هذا أو ذاك؟ في علم القانون هناك مبدأ منطقي يقول إنه لا يمكن أن تتخذ أصلا من الأصول إلا إذا كان مشار إليه في مصدر أعلى منه، فلا يمكن أن نقول إن السنة أو غيرها هي أصل من أصول التشريع الإسلامي إلا إذا جاءت قاعدة أعلى مرتبة تقول ذلك، ونحن نعلم أن القرآن لم يشر إلى ذلك.

فتأويل القرآن هو مجهود بشري وهو عمل يساويه أي عمل بشري آخر.. يعني أنه لا يمكن أن نمرّ من قداسة القرآن بالارتكاز على شبه قداسة أعطيت للسنة، أي لا يمكن أن نضفي صفة القداسة على ما نفعله أو ما نستنتجه بالعقل. هذه العروة الوثقى التي أراد الفقهاء وضعها وأنا لست مقتنعا بها، ما يهمني هو هل للقرآن دور في إدارة أمور الإنسان؟ وإلى أي حدّ وكيف يمكن لي أن أفرق بين ما جاء به القرآن وبين ما نسبه الفقهاء إليه؟

المجتمع العربي وقت الدعوة مجتمع بدوي وقليل الثقافة وذو طبيعة قاسية. ففي ذلك الوقت عندما جاء الإسلام لم يكن الناس متعطشين إلى ذلك الحد من التصنيفات والفتاوى، فالقرآن لم يأت إلا لحسم الصلة بين الإنسان وخالقه وأظن انه كلما حاولنا أن نمطط ما جاء به القرآن هو نوع من التحامل عليه.

وربما لاحظتم في صورة هذا الكتاب " القرآن والتشريع " كتابة آيات قرآنية هي تلك التي أتت بمبادئ وقيم تدعو إلى احترام حياة الغير: (الوصايا العشر) وأعتبر أن فحوى القرآن فيما يخص علاقات الإنسان بالإنسان تجسده هذه الآيات المذكورة في سورة الإسراء. يبقى أن نقول إن فعلا تاريخيا وحاضرا استعمل الإسلام بصفة عامة والقرآن بصفة خاصة لمآرب كثيرة ولمن لهم السلطة ابتداء من الملوك وحتى رؤساء الجمهوريات الموجودة عندنا اليوم، فمنهم من أراد اختطاف الشرعية الدينية الإسلامية القرآنية لحاجة في نفس يعقوب. ولا أظن بأنه من الممكن نظرا للمستوى الثقافي الذي بلغه المجتمع العربي بصفة عامة والمجتمع التونسي بصفة خاصة اليوم أن يكون لهذه الأساطير نفس التأثير الذي انزلق إليه المجتمع القديم في القرون الماضية.

أرى من الواجب أن ندخل في معركة مع من يريد أن يستعمل الإسلام أو القرآن أو ما إلى ذلك وأن نصلح من تأويلاتهم خاصة التي فيها فساد ومضرة كبيرة لهذا المجتمع. ونحاول أن نقتبس من القرآن الكريم ومن السنة معا هذه المبادئ الخالدة المطلقة والعالمية التي تسمح لنا أن نشرع لما هو صالح لهذا المجتمع وقد منحنا الله العقل وقال لنا "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا" المائدة (3).


© aqlamonline 2006