|
تونس-
خاص بأقلام
أون لاين
(محمد
الحمروني)
استضاف
منتدى
الجاحظ في
إحدى
ندواته
الدكتور
الصادق
بلعيد
ليحاضر حول
موضوع "القرآن
والتشريع"،
وهو ما أثار
جدلا عميقا
بين الحضور.
والدكتور
الصادق
بلعيد
أستاذ
بكلية
الحقوق
بتونس
والعميد
السابق
لهذه
الكلية،
ويدرس
حاليا
القانون
العام
وفلسفة
القانون،
وهو أستاذ
زائر في
العديد من
المؤسسات
الجامعية
في الوطن
العربي
والبلاد
الأوروبية
والولايات
المتحدة
الأمريكية.
وقامت
المحاضرة
أساسا على
الأفكار
الواردة في
كتاب
الدكتور
بلعيد "القرآن
والتشريع"،
الذي يقدمه
صاحبه على
أنه دراسة
شاملة
لمؤسسات
الفكر
التشريعي
في الإسلام،
وللأحكام
التي
تضمنتها
مدونة
الفقه
التشريعي.
واستغرق
الكتاب
سبعة أبواب،
مهد إليها
المؤلف
بمقدمات
نظرية في
الباب
الأول،
وشملت
الأبواب
الستة
الباقية
القاعدة
التشريعية
في القرآن
الكريم،
والأحوال
الشخصية،
والأحكام
المدنية
والإجرائية
والقانون
الجنائي،
والأحكام
القرآنية
ومنظومة
الحكم
السياسي.
وختمت بباب
في إعادة
تأسيس
التشريع في
الإسلام.
في
بداية
المحاضرة،
المثيرة
للكثير من
الجدل، أكد
الدكتور
بلعيد أن
الفكر بصفة
عامة يمكن
أن يتقدم
بفضل وسائل
ومنهجيات
عديدة من
بينها
المقارنة،
فالأسلوب
المقارن
يمكّن
التفكير من
التطور.
والإسلام
دين جاء عن
طريق الوحي
إلى نبيّ
مختار، وفي
هذه النقطة
يشترك
الإسلام مع
الدينين
السابقين:
المسيحية
واليهودية،
فنحن هنا
أمام ثلاثة
أديان. إذا
ركزنا على
الوحي
وقمنا
بعملية
المقارنة
في هذا
المجال نجد
أن الدين
اليهودي
نشأ حوالي 1500
سنة ق م،
واسترسل
لمدة طويلة،
والشيء
المهمّ هو
وقوع مؤتمر
في بداية
القرن
الأول من
المسيحية،
تم الاتفاق
فيه بين
الأحبار
والكهنة
اليهود على
إيقاف هذا
الوحي،
وعدم قبول
ادعاء أحد
أنه نبيّ أو
أتى بوحي.
وفي نفس هذه
المدّة ولد
السيد
المسيح
الذي أتى
برسالة
ودعا إليها
لمدة ثلاث
سنوات على
أقصى تقدير
وهو لم يكتب
ولو كلمة.
فهنا الوحي
لم يأت
مباشرة
للمسيح،
لكن أتى عن
طريق تأويل
جاء به
الحواريون
من بعده،
فما يسمي
الإنجيل هو
مجرد
مذكّرات
كتبها
هؤلاء،
وأطولها هي
مذكرات سان
جون التي لا
تتجاوز 50
صفحة. فهذا
الدين إذا
مبني على
الوحي،
ولكنه وحي
منسوب
ومستعار
أما
بالنسبة
للإسلام
فيرى
الدكتور
بلعيد أننا
أمام وضعية
أخرى، فهذه
الرسالة
جاءت على
قاعدة تراث
قديم
ومعروف في
المجتمع،
الذي نزل
فيه الوحي،
حيث قاله
الرسول،
وفي آن واحد
وقع نشره
وحفظه.
فهناك إذا
فوارق بين
تجربة
الوحي
الإسلامية
والتجربتين
اليهودية
والمسيحية.
تعتبر
الديانة
اليهودية
أن هناك
تسلسلا بين
الأنبياء،
وأن كلا
منهم جاء
بشيء معين،
إضافة
للقول بأنه
إلى جانب
الأنبياء
هناك بين
العلماء من
وقع
اختيارهم،
نظرا
لفهمهم
المعمق،
وهم
يعتبرون
شبه أنبياء،
فهؤلاء
الذين
كتبوا
ودونوا ما
نسب
للأنبياء،
فالتوراة
ليس كتاب
موسى، وليس
الوحي هو
التوراة،
بل هو خليط
من كل هذا،
مما هو
منسوب إلى
الوحي،
ومما قاله
الأنبياء،
وبالأخص
مما كتبه
تعليقا
وتوضيحا
الرهبان
والكهنة.
الفرق في
الرسالة
المحمدية
أن القرآن
كتب بإملاء
الرسول،
وحفظ
الكثير منه
كتابة، ومن
هنا يأتي
السؤال
الكبير
بماذا يختص
الوحي
الإسلامي
عن
الديانتين
اليهودية
والمسيحية
من ناحية
المفهوم؟
إذا
نظرنا إلى
الديانة
اليهودية
وقرأنا
التوراة
فإننا نجده
قد شٌُرع في
ميدانين
كبيرين:
الدين
والدنيا،
وفيه
تشريعات
مدققة في
المسائل
العملية ـ
اليومية:
كيف تأكل،
وكيف
تتعامل مع
زوجتك.... في
حين أن
الديانة
المسيحية
ليس فيها
تشريعا
بتاتا، هي
مجرد رسالة
نشرها
المسيح
يطالب فيها
إخوانه من
اليهود،
بأن يرجعوا
إلى القيم
والأخلاق
التي أسسها
الدين
اليهودي..
ربما أعطى
المسيح
أهمية كبرى
للبعض من
هذه القيم،
لكنه لم
يشرع. وقال
بصريح
العبارة: "أنا
أتيت لا
لأشرّع
ولكن لأصحح
ما كان
شُرّع من
قبل". إذا ما
هو موجود في
المسيحية
هو من صنع
الفقهاء،
ومن صنع
الإنسان،
فما هي
الحال إذا
بالنسبة
للإسلام
والقرآن؟.
يجيب
الدكتور
الصادق
بلعيد
بالقول،
عند قراءة
كامل
القرآن
دفعة واحدة،
نجده
بالأساس
كتاب دعاية
إلى دين
وعقيدة،
فهو من
البداية
إلى
النهاية
يركز أساسا
على الرجوع
إلى دين
الحق، الذي
يقوم على
التوحيد.
ونجد إلى
جانب ذلك ما
هو تابع
الماورائيات
أو
الكونيات،
هذا من
ناحية ومن
ناحية أخرى
فإن القرآن
يحتوى على
شيء ما،
يشبه ما هو
موجود في
اليهودية،
وغير موجود
في
المسيحية،
أولا وهو
التشريع.
ما يقارب90%
مما هو
مكتوب في
القرآن
يعود إلى
الماورائيات
أو
الكونيات،
وإلى ما
يتعلق
بالصلة بين
الله وعبده.
بينما ما
يقرب 10% يهمّ
صلة
الإنسان
بالإنسان.
لكن
المشكلة
ليست في حصر
هذه النسب،
بل في النظر
إلى فحواها.
فعلى سبيل
المثال كيف
يمكن أن
نعرف أن 10%
المتعلقة
بصلة
الإنسان
بالإنسان
هي تشريع أم
لا. وحتى إذا
قلنا إن هذا
تشريعا،
فكيف
نتعامل معه؟
هذان
السؤالان
شغلا مؤلف "القرآن
والتشريع"
فحاول سبر
أغوارهما...
يقول «إن
نسبة 10% هي ما
سماها
الفقهاء
القدامى
بآيات
الأحكام،
وأكثرها
عددا في ذلك
فعلا ما
قاله ابن
عربي هو ما
يقارب 600 أو 620
آية، يعني 10%
تقريبا من
محتوى
القرآن
بأكمله. لكن
ما وقع
التنبيه
إليه،
وأريد أن
ألح على هذه
النقطة هو
أنه إذا
أخذنا كتاب
ابن عربي: "آيات
الأحكام"،
وهو أول
كتاب نشر
بهذا
العنوان،
فعندما
تفتح
الصفحة
الأولى تجد
مباشرة آية
الأحكام
الأولى دون
تمهيد ولا
تعريف بما
تعنيه آيات
الأحكام في
القرآن،
فهو لم يخصص
في هذا
الكتاب
المتكون من
أربعة
أجزاء وفيه
2000 صفحة أو
أكثر
تمهيدا ولو
بصفحة يحدد
فيه تعريفه
لآيات
الأحكام.
وما
يمكن
للقارئ أن
يستخلصه من
قراءة
الكتاب هو
أن ابن عربي
يرى أن آيات
الأحكام هي
الآيات
التي تأتي
بصفة
مباشرة
بأمر، فهذا
الأمر هو ما
سماه ابن
عربي
بالحكم،
بحيث أن 600
أية إذا
اعتبرت
آيات أحكام
فإنها كذلك
من الناحية
النحوية
فقط، وليست
آيات أحكام
من الناحية
التشريعية.
فالتشريع
هو النصّ
الذي يأتي
بتحديد
موقف
وبتحديد
جزاء كأن
يقال: لا
تقتل جارك:
هذا حكم
تشريعي
ويردف بذلك
إذا قتلت
جارك فإنك
سوف تعاقب
بكذا وكذا.
ثم
يواصل
قائلا «في
آيات
الأحكام
التي جمعها
ابن عربي
نجد آيات لا
تعنى هذا
المعنى
تماما،
ففيها ما هو
تابع
للماورائيات،
وفيها ما هو
تابع
للعلوم
الكونية
كأن يقول
حكم الله أن
تتداول
الشمس
والقمر،
فهذا حكم
إلهي وليس
حكما
تشريعيا.
فإذا قُمنا
بعكس ما
فعله ابن
عربي ومن
تبعه في هذا
المجال مثل
الطاهر بن
عاشور ـ
الشاطبي...
وأخذنا
الستمائة
آية هذه
وصنفناها
ووضعنا على
جهة ما هو
تابع
للماورائيات،
وما هو تابع
للكونيات،
وحصرنا هذه
الأحكام أو
الأوامر
فيما يهمّ
صلة
الإنسان
بالإنسان،
فمن
الستمائة
آية لا يبقى
إلا ما
يقارب
المائتين
أو مائتين
وخمسين آية.
لكن لن
نقف عند هذا
الحدّ، بل
يجب أن نقوم
بعملية
تصنيفية
أخرى
ابتداء مما
جاء به
الفقهاء
على طول
القرون في
هذا
الميدان.
فمن بين
العلوم
التي
استعملوها
لهذا الغرض
نجد أسباب
النزول وما
يسمونه إلى
جانب ذلك
علم الناسخ
والمنسوخ.
هذه العلوم
فيها أقوال
كثيرة. لكن
مهما كان
الاختلاف
عما هو ناسخ
وعما هو
منسوخ، وما
هي أسباب
النزول
الحقيقية
وغيرها،
فإننا إذا
حصرنا لبّ
هذين
العلمين
فيما هو
متفق عليه
في صورة من
الإجماع
بين هؤلاء
العلماء
نجد أن من
بين
المائتين
أو
المائتين
والخمسين
آية إذا
طبقنا علم
الناسخ
والمنسوخ
ما يمكن
اعتباره
آيات
منسوخة،
وذلك حسب
اعتراف
الفقهاء
أنفسهم.
فإذا طرحنا
هذه الآيات
فإننا ننزل
من
المائتين
أو
المائتين
وخمسين إلى
ما بين مائة
أو مائة
وخمسين آية
أحكام
بالمعنى
المشتبه
فيه.
وإذا
طبقنا علم
أسباب
النزول في
المائة
والخمسين
آية هذه
فإننا نجد
أن أكثر من
نصفها نزل
بسبب
تاريخي
مضبوط. وهنا
يمكن أن
أقدم مثالا:
الأحكام
الجنائية
في القرآن
وهي ليست
كثيرة نذكر
منها عقاب
الزنا،
السرقة،
الحرابة....
نأخذ
مثال
الحرابة
وهي السرقة
المنظمة،
فإذا قرأت
الحكم فيها
تجد الآية
الكريمة
التي تسنّ
حكما في ذلك
تبدأ بكلمة
"إنما": "إنما
جزاء
اللذين
يحاربون
الله
ورسوله
ويسعون في
الأرض
فسادا أن
يقتّلوا أو
يصلّبوا أو
تقطع
أيديهم
وأرجلهم من
خلاف أو
ينفوا من
الأرض، ذلك
لهم خزي في
الدنيا
ولهم في
الآخرة
عذاب أليم"
المائدة 33.
لنقف
عند كلمة
إنما، من
الناحية
اللغوية
تعني، رفض
الشيء
ومعارضته
بشيء آخر،
واعتمادا
على علم
أسباب
النزول
يمكن أن
نطرح سؤالا:
لماذا أتت
هذه الآية
لكي تقول «
إنما جزاء...»؟
السبب حسب
المؤرخين
المختصين
في أسباب
النزول هو
وقوع حكاية
ترجعنا إلى
ما قلنا عن
التاريخية
في تأويل
القرآن
وتتمثل في
الأتي: هناك
بعض
الأشخاص
تقدموا إلى
الرسول
وقالوا له
نريد السفر
مرورا
بمكان فيه
قطيع غنم
وراعي
وسنحتاج
الأكل
والشرب،
فهل يمكن أن
تعطنا كلمة
سر يعرفنا
بها الراعي
عندما نمر
به، قبل
الرسول
طلبهم ولما
وصلوا إلى
المكان
المحدد
استقبلهم
الراعي
عندها
قالوا له
كلمة السرّ
فأكرمهم
لكنهم
خانوا
العهد
وقاموا
بقتل
الراعي
وسرقة كل
ذلك القطيع
ولاذوا
بالفرار.
لمّا
علم الرسول
بما فعلوا
أمر بالبحث
عنهم
والإتيان
بهم فتم
القبض
عليهم بعد
مدّة
ومثلوا
أمام
الرسول وقد
كان غاضبا
لما فعلوه
فحكم بقطع
أيديهم
وأرجلهم من
خلاف، وأن
تثقب
أعينهم وأن
يبقوا دون
طعام ولا
شراب حتى
الموت.
وفعلا طبقت
هذه
الأحكام
القاسية
على هذه
العصابة،
لذلك نزلت
هذه الآية «إنما
جزاء الذين
يحاربون
الله
ورسوله
ويسعون في
الأرض
فسادا أن
يقتّلوا أو
يصلّبوا أو
تقطع
أيديهم
وأرجلهم من
خلف أو
ينفوا من
الأرض، ذلك
لهم خزي في
الدنيا
ولهم في
الآخرة
عذاب أليم"
المائدة33.
فهي بمثابة
اللوم الذي
وجهه الله
إلى الرسول.
هنا
يأتي سؤال
هام: هل إن
هذه
الإشارات
الموجهة
إلى الرسول
خاصة هي حكم
دائم
وسرمدي
وإجباري
على كل
المسلمين؟
فهل جزاء
الحرابة ما
نصت عليه
هذه الآية،
أم هي مجرد
إعداد لوضع
ظرفي؟
لنأخذ
مثالا آخر
للدلالة
على حرج
المفسر أو
المؤمن
بصفة عامة
أمام هذه
المسألة
وهو آية
الإفك، هي
آية ظرفية
بالضرورة
لأنها تهمّ
عائشة،
فحسب أسباب
النزول وما
ذكره
الفقهاء أن
هذه الآية
نزلت لأنه
أشتبه في
السيدة
عائشة، فهل
ما وقع
الحكم به في
هذه الحالة
الخاصة يهمّ
السيدة
عائشة فحسب
أم نعتبره
حكما أبديا
في لوح
محفوظ
ومفروض على
جميع
المسلمين
إلى يوم
يبعثون؟.
إذا
جمعنا
حصيلة ما
نطبق فيه
مقولة
الناسخ
والمنسوخ،
ونطبّق ما
يأتي به علم
أسباب
النزول نجد
أنه لم يبق
في القرآن
إلا القليل،
القليل مما
يمكن أن
يوضع تحت
غطاء
الأحكام
النحوية: (الأمر).
هذا
الاستنساخ
يجعلنا
أمام مسألة
هامة وهي
إذا وضعنا
القرآن في
سلسلة
أديان
الوحي فمن
أي صنف هو؟
هل هو من
الصنف
المقترب من
التقنين
اليهودي
الذي وضع
تشريعا
مقننا، أم
يقترب أكثر
مما جاءت به
الرسالة
المسيحية
التي تنحصر
في بعض
معالم
حضارية،
فلسفية
كبرى
تتجاوز
العرضيات؟
يقال إن
من خصائص
الحضارة
العربية ـ
الإسلامية
أنها حضارة
تدوين
وتشريع،
على العكس
من حضارات
أخرى،
فالحضارة
الفرعونية
مثلا كانت
حضارة
سيطرة
الإنسان
على المحيط
الذي يعيش
فيه. وإذا
نظرنا إلى
الحضارة
الغربية
المعاصرة
نجد أنها
حضارة
التكنولوجيا
واستهلاك
ثروات
الطبيعة،
فكل حضارة
لها مغزى
ولها معنى،
لذلك يمكن
أن نسأل ما
هو هدف
الحضارة
الإسلامية؟.
يرى الكثير
من الفقهاء
أن خاصية
هذه
الحضارة هو
التدوين
والتشريع.
سأترك باب
التدوين
لأنه ليس من
اختصاصي
وآخذ باب
التشريع،
فهل حقيقة
أن الحضارة
العربية
الإسلامية
هي حضارة
تشريع؟ ومن
أين لنا أن
نقول ذلك؟.
يجيب الصادق
بلعيد على
هذه
الإشكالية
بالقول إن
الكثير من
الفقهاء
يقولون بأن
الإسلام هو
دين
التشريع،
ومعروف بأن
الحضارة
العربية
الإسلامية
أتت
بتشريعات
كبيرة
ومتطورة
ومقننة،
لكن المشكل
ليس في أن
نسدي
المشروعية
على هذه
التشاريع
لكثرتها أو
لزخم
مدوناتها،
بل أن نفهم
من أين أتت
رخصة
التشريع
والتدوين؟
هنا أرجع
إلى فكرة
التاريخية
لفهم ذلك.
فإذا
أتبعنا
كلام
الفقهاء
نجد أنهم
يركزون
نظريتهم
على مقولة
مفروغ منها
كقول
الشافعي: "كلما
نزلت كارثة
بمؤمن إلا
وجد في
القرآن
سبيلا
لحلّها".
هذا
التعبير
يبدأ بـ"كل
ما نزل"، أي
إن ذلك
مسلمة "postulat ، لم
يأت
الشافعي
ولا أي فقيه
ببرهان
عقلاني
يثبت أنه
كلما نزلت
بمؤمن
كارثة إلا
وجد في
القرآن حلاّ
لها، فلم
تكن هناك أي
برهنة على
ذلك بدليل
قاطع. وقد
ترقبنا ما
يقارب
السبعة أو
الثمانية
قرون لنجد
نوعا من
الحيرة عند
بعض
الفقهاء
عبر عنها
الشاطبي،
وهو أحد
فقهاء
القرن
الرابع عشر،
وهو ذو فكر
متحرر
نسبيا. يقول
الشاطبي
يجب أن نفهم
بصفة
موضوعية
المسلّمة
التي وضعها
الشافعي
فهو لم يقل
إن القرآن
مدونة
تشريعية بل
ما أراد
قوله هو
أننا نجد في
القرآن
الأصول
الكافية
لنستنبط
التشريع.
حسب
الشاطبي
فإن أصول
التشريع هي:
القرآن
والسنة
والإجماع
والقياس.
فليس هناك
إذا بين
الشافعي
الذي كان
كلامه
غامضا وما
قاله
الشاطبي
وفيه نوع من
التراجع،
تشريع كلي
وجاهز
ودائم مع
دوام الزمن
وتطوره. إذا
لم نجد في
القرآن
الأصول
لاستنباط
التشريعات
فإننا نتجه
إلى السنة،
وإن لم نجد
فيها ما
يكفي نتجه
نحو
الإجماع
وإلا نحو
القياس.
فهناك فرق
بين أن نقول
عندنا
مدونة
تجارية
وجنائية
ومالية
وغيرها في
القرآن
وهذا كلام
مغلوط، وأن
نقول
بتعدّد
المصادر
مثل القرآن
والسنة
وغيرها. لكن
إذا قرأنا
القرآن من
أوله إلى
آخره لن نجد
آية تقول
للمؤمن إذا
عجز أمام
مشكلة أن
يقرأ سورة
من القرآن
فيجد فيها
حلا، وليس
فيه أيضا
تعريفا
للسنة
بأنها
المصدر
الثاني أو
ربما
المصدر
الأول
بالتساوي
مع القرآن
كما قال بعض
الفقهاء،
وكذلك لا
نجد آية
توجّه
المؤمن إذا
حصل له شيئا
للنظر في
السنة.
هناك من
رأى عكس ذلك
واستدلّ
بالآية
التي تقول: "يا
أيها الذين
أمنوا
أطيعوا
الله
وأطيعوا
الرسول
وأولي
الأمر منكم"
النساء (59).
هذه الآية
أين نزلت
وفي أي وقت؟
وما هو
معناها؟: في
هذه
الواقعة
حصل خلاف
بين
المقاتلين
في توزيع
الغنائم
بين من هو
فارس ومن هو
مترجل ومن
لم يأت في
الوقت
المناسب
وما إلى ذلك...
فأتى
الرسول
وقال أنا
الذي سأوزع
بينكم هذه
الغنائم
فما أعطيكم
خذوه وما لم
أعطيكم لا
تأخذوه.
فإذا
رجعنا إلى
تاريخ
الواقعة
هذه كيف
يمكنك أن
تجعل من
الأمر
الظرفي
أمرا عاما؟
وحتى في
صورة إذا ما
جعلت منه
أمرا عاما
فهذا
باستنباطك
أنت ليس من
أمر الرسول
أو من أمر
الله، هذا
هو تأويلك
أنت أن تقول
أنا أفهم
هذه الآية
بأنها
تشريع دائم
على مدى
الزمن، لكن
هذا يعني
أنك وضعت
نفسك في
موقع
المشرّع.
والمرجع
هنا هو أن
ترجع إلى
تاريخ النص
الذي تريد
فهمه وتضعه
في إطاره
حتى نفهمه
الفهم
الصحيح هذه
القاعدة
المنهجية
الأولى. أما
القاعدة
الثانية
فهي عندما
نريد أن
نفهم شيئا
كتب فيه
غيرنا أن
نعود إلى ما
قاله، فلا
نبدأ
بفهمنا بل
نبدأ بفهمه
هو. والفهم
هذا وضّحه
الشافعي في
نفس الكتاب
"الرسالة"
فقال إن
الواقعة
التاريخية
التي أتت
بالآية "يا
أيها الذين
آمنوا
أطيعوا
الله
وأطيعوا
الرسول
وأولي
الأمر منكم...".
تتمثل في أنّ
العرب
يأبون
الطاعة
والانصياع
وكانوا لا
يقبلون أن
يؤمّر
عليهم وإن
قبلوا
فبأمر
الرسول أي
إنهم لا
يرضون بأي
شخص أميرا
عليهم إلا
إذا عيّنه
الرسول
بنفسه،
ولكن صادف
أن أمّر
عليهم شخصا (يبدوا
أنه خالد بن
الوليد) كان
صعبا جدا
وجنديا
شديد البأس
وقوي
الشخصية
فلم
يرتاحوا
إليه ووقع
الخصام
بينه وبين
الجنود
وقرّروا
عدم
الاعتراف
به، وكان في
بداية
معركة
فذهبوا إلى
الرسول
للاحتكام
إليه، وقد
أراد أن
يهدأ
الموقف
فكانت
الآية: "يا
أيها الذين
آمنوا
أطيعوا
الله
وأطيعوا
الرسول
وأولي
الأمر منكم..."
النساء 59.
ويفسر
الشافعي
كلمة أولي
الأمر منكم
بمن وقعت
توليتهم
عليكم وعلى
كل فإن هذه
الآية خاصة
بما وقع في
هذه
المعركة
وفي يوم
معين وظروف
محددة فهل
من الصواب
أن نعمم ذلك؟
ولربما هذا
التعميم
كان سببا
بأن تسلط
علينا كل من
ادعى بأنه
يحكم فينا
باسم الله
وفعل فينا
منذ
الأمويين
إلى حدّ
اليوم أكثر
مما يفعله
العدو
بعدوه. ربما
نقول إن
الفكر
العربي لم
يعرف فقط
تخاذلا بل
انغمس في جوّ
شبه خيالي
وعاش فيه
لحسم كثير
من
الإشكاليات
فجعل من
مساءلة
الحاكم
أمرا إلهيا،
وبفضل هذا
التفكير
وهذا
التأويل
سلّمنا
أمرنا لكلّ
من جاء وقال
أنا أميركم
مهما كان،
لذلك انقطع
الفكر
العربي عن
الإشكاليات
السياسية
وسلّم
المسلمون
أمرهم لمن
حكمهم وقد
قبلوا ذلك
بتحريض من
الفقهاء
الذين دعوا
إلى طاعة
الطغاة.
هناك
تساؤل كبير
يجب أن
نطرحه على
أنفسنا وهو
كيف نقارب
هذا الكتاب
الكريم؟ هل
نقاربه من
خلال ما جاء
به وبما
نفهمه منه
أم نقاربه
بما راكمه
عليه
العشرات من
الأجيال من
الفقهاء
الذين
استعملوا
القرآن
والسنة
وغيرها
لصنع
منظومة
سياسية
وفكرية
وحضارية
وقع من
خلالها "تأسير"
الشعب
العربي؟
وابي على هذا
أقول: أوّل
شيء يجب أن
نقوم به هو
أن نبتعد
عمّا أوعز
به إلينا
اليهود،
فمن
الثوابت
عندهم
الدعوة إلى
عدم قراءة
التوراة بل
استشارة
أهل
التلمود
لأنّ الشخص
ليس بعالم
لكي يفهم
ماورائيات
التوراة،
وكانوا في
ذلك الوقت
يأمرون
بقتل كل من
يدّعي
قراءته
وفهمه،
فالتوراة
عند اليهود
لا يفهم إلا
من خلال
التلمود
وأهله
الذين هم
الأحبار
والكهنة.
أرى أنه
من الواجب
أن نقوم
بوثبة
تتجاوز ابن
عربي
والشاطبي
والطاهر بن
عاشور
وضرورة أخذ
الكتاب
بقوة
وقراءته
واستخلاص
ما هو
تاريخي
وظرفي منه،
فأصنفه في
هذا الباب،
وآخذ منه ما
هو عام
وسرمدي وما
أعترف به
وأقبله
واستنير به.
وفي القرآن
نجد من هذه
الأحكام
التي فيها
سر الحضارة
والانفتاح
الفكري،
فإذا قمت
بتلك
العملية
البسيطة
وقرأت
القرآن
بعين مجردة
فإنك تجد
فيه من
المفاهيم
ومن القيم
ومن
المبادئ
العامة
التي
ستنيرك
وتدلك على
ما أنت في
حاجة إليه
لإدارة
شؤونك وفي
علاقاتك مع
المسلم،
ولست في
حاجة بأن
تستنجد أو
تقتصر على
ما قاله
الفقهاء.
اجتهادات
هناك
مشكل أول
عند التعرض
لموضوع
التشريع
الإسلامي
وهو
العلاقة
بين الدين
والقانون،
هذا
الموضوع
إشكالي
للغاية
والحسم فيه
تترتب عنه
نتائج
بالغة
الأهمية،
وهو الأمر
الذي دفع
بأول
المتدخلين
للقول بأن
هذه
الإشكالية
توجد لدى
الكثير من
الحداثيين،
واتجه أمر
حسمها في
اتجاه أن
هذه
العلاقة
غير ممكنة،
بينما يميل
المتدخل
إلى الرأي
القائل بأن
الموضوع
ليس موضوع
مكان وجود
علاقة بين
الدين
والقانون
بقدر ما هو
أمر اختيار.
أي هل إننا
اليوم بهذا
التاريخ
وفي هذه
الرقعة من
الأرض
المنتمية
لحضارة
معينة،
وبهذا
التعداد من
السكان،
وبهذا
المستوى من
التمدرس
ومن
المعيشة،
يمكن أن
نجعل لنا
مرجعية في
انتقاء وفي
استمداد
الأحكام
الوضعية من
مصادر
مادية ذات
مرجعية
إسلامية،
أم لا؟
ويرى
المتدخل
أنه من ضمن
الأفكار
الواردة في
الكتاب أنه
لا يمكن
الحديث عن
تشريع
إسلامي،
وأن هناك
فقط
اجتهادات
لفقهاء
تحوم حول
القرآن
وحول السنة
النبوية.
وهو يرى أن
هذا الحكم
غير دقيق
لأن هناك
تشريعا
يمكن أن
يوصف بأنه
إسلامي لكن
مرد
الإشكال هو
انه إسلامي
بمرجعيته
التي
يت |