حركة 18 أكتوبر ما بعد إنهاء الإضراب: الآمال والتحديات

العدد السادس عشر
السنة الرابعة/ نوفمبر - ديسمبر 2005


أحمد السميعي (*)

تعرضت سلطة "العهد الجديد" ولأول مرة منذ انتصابها سنة 1987 إلى رجة عنيفة عندما سلطت عليها الأضواء بمناسبة القمة العالمية لمجتمع المعلومات التي انعقدت في تونس أيام 16 و17 و18 نوفمبر 2005 . فبهذه ا لمناسبة انكشف أمام العالم الطابع الاستبدادي لهذه السلطة وتعرت سياستها القمعية من خلال البعثات الإعلامية التي جاءت إلى بلادنا من كل بلدان العالم لتغطية الحدث. لقد نقلت هذه البعثات إلى العالم كل التفاصيل عما تقوم به السلطة التونسية من  مضايقات وحصار للأحزاب السياسية المعارضة ولجمعيات المجتمع المدني المستقلة كما تحدثت تقاريرها عن القمع المسلط على مناضلي هذه الأحزاب وهذه الجمعيات والذي طال كل القطاعات تقريبا بما فيها القطاعات الحساسة مثل القضاء والمحاماة والصحافة.

وقد زاد في كشف الوجه الحقيقي للنظام التونسي أمام العالم ما تعرض له بعض الصحافيين الأجانب من اعتداء صارخ في شوارع العاصمة من طرف ميليشيات يسمونها "فرق أمنية" تدربت على أساليب القمع والإهانة للتونسيين الأحرار والاعتداء عليهم بالعنف وحرمانهم من حقوقهم الأساسية مثل السير في الطريق العام أو التزاور أو حتى مجرد الجلوس في المقاهي.

أما أهم الأسباب التي جعلت كل الأضواء تسلط على الوضع المأساوي للحريات في بلادنا فيتمثل بدون جدال في الإضراب المفتوح عن الطعام الذي أقدمت على القيام به منذ يوم 18 أكتوبر 2005 ثلة من الشخصيات الوطنية المناضلة للمطالبة بالحريات بعد أن أحكم الحصار حولهم وضيق عليهم الخناق وانسدت أمامهم كل آفاق العمل السياسي نتيجة السياسية القمعية البوليسية التي ينتهجها النظام.

وقد حدد المضربون مطالب ثلاث كحد أدنى متفق عليه وهي:

- حرية التنظم الحزبي والجمعياتي
 حرية التعبير والصحافة
- إطلاق سراح المساجين السياسيين وسن قانون العفو التشريعي العام

بعثت هذه المبادرة بعض الأمل في نفوس الكثيرين من أبناء تونس الأحرار في الداخل وفي الخارج حيث رأوا فيها بداية وعي لدى حركات المعارضة التونسية بضرورة الخروج من وضعية التشرذم والحزبية الضيقة والقطع مع عقلية الإقصاء والسعي إلى توحيد الجهود والعمل المشترك. وتحرك المناضلون المخلصون لهذا الشعب تلقائيا في كل مكان للوقوف بصدق إلى جانب المضربين ومساندتهم. وتكونت لجان للمساندة والدعم في كل الجهات تقريبا داخل البلاد وفي ديار الغربة.

لكن هذه المبادرة رغم أهميتها البالغة ورغم التأييد الكبير الذي حظيت به- في الظاهر- من كل الأطراف يجب أن لا تحجب عنا حقيقة الأمور وأن لا تنسينا واقع الرداءة والنفاق الذي ما زالت تتخبط فيه بعض "النخب الديمقراطية" في بلادنا.

لقد كان من الواضح أن الشخصيات الثمانية المضربين عن الطعام وإن كانوا يمثلون أهم مكونات الطيف السياسي والجمعياتي في البلاد فانهم لا يمثلون كل الأحزاب السياسية "المعارضة" ولا كل جمعيات المجتمع المدني "المستقلة".

وقد ظهرت في البداية تعاليق مناوئة لهذا الإضراب في بعض أوساط "المعارضة الديمقراطية" واعتراضات على مشاركة "إسلاميين" فيه وهمسات ساخرة في الكواليس...  

لكن التفاف قطاعات واسعة من الشعب التونسي حول هذه المبادرة والصدى الإعلامي الواسع الذي أحدثته في كل أنحاء العالم وكذلك إقدام العديد من الدبلوماسيين الغربيين المعتمدين في بلادنا على زيارة المضربين والتعاطف معهم دفع كل أطراف "المعارضة الديمقراطية" إلى إرسال وفود بدورها إلى مقر الإضراب والتعبير للمضربين عن تضامنها معهم وتأييدها لمطالبهم. بل وسعت بعض هذه الأطراف إلى الركوب على الحدث وتوظيفه لصالحها فأوعزت لأتباعها في مختلف الولايات بتكوين "لجان مساندة" تقصى منها كل العناصر التي لا تدين لها بالولاء. وقد وصل الأمر في بعض الجهات إلى عدم السماح للأشخاص الغير مرغوب فيهم بالمشاركة في إضراب عن الطعام تضامني دعت له "اللجنة الوطنية للمساندة" ووقع تسجيل أسماء المضربين والتحضير للإضراب وتحديد مكانه في سرية تامة!!!

وهذه التصرفات الصبيانية في مظهرها كانت تهدف في حقيقة الأمر إلى إفراغ المبادرة من محتواها الحقيقي المتمثل في توحيد أهم مكونات الطيف السياسي والجمعياتي في بلادنا حول المطالب الأساسية المشتركة المذكورة آنفا ووضع حد لعقلية الإقصاء التي كانت السبب المباشر لمأساة الإسلاميين وعائلاتهم وللمأزق الخطير التي آلت إليه الحريات في بلادنا. إن هؤلاء "الديمقراطيين" أرادوا الركوب على الحدث بعقلية انتهازية صرفة وطعن المضربين من الخلف. وهذا ما يخدم السلطة بطبيعة الحال.

ونحن إذ نذكر بهذه الأمور فليس في نيتنا إثارة الأحقاد والفتن أو السعي إلى إقصاء أي طرف من المساهمة في إثراء ساحة النضال بالفكر وبالممارسة وإنما قصدنا هو قول الحق كما نراه بدون مجاملة وبدون حسابات يحذونا الأمل في أن يعمد المخلصون من أبناء هذا الشعب إلى مراجعة مواقفهم في الاتجاه الصحيح الذي يسمح بتجاوز سلبيات الماضي والتخلص من الممارسات الخاطئة ونسيان الأحقاد. هكذا يمكن أن تسود عقلية التسامح في بلادنا وتتحقق الحرية للجميع ويقع التأسيس لقيام نظام ديمقراطي حقيقي. وقد سجلنا بالفعل أن بعض المناضلين الصادقين اقتنعوا بهذا الأمر وتبنوا مواقف إيجابية قطعت مع عقلية الإقصاء والوصاية على الشعب وعبروا عن استعدادهم لتقبل كل الآراء بدون تعصب والاعتراف بحق التعبير والتنظم للجميع.

ولكننا الآن وبعد إنهاء الإضراب لاحظنا أن عقلية الإقصاء والوصاية على الشعب والغرور والتعالي المزيف على الآخرين ما زالت قائمة بل وازدادت وضوحا وشراسة. ولا يسعنا إلا أن نأسف لهذا الأمر الذي يهدد مصير بلادنا ومستقبل أبنائنا ويفرض علينا جميعا أن نتصدي لهذه العقلية ونقاومها في أنفسنا وفي الآخرين.

لقد أعلن المضربون في بيانهم الختامي أنهم قرروا إيقاف الإضراب وتكوين "هيئة وطنية للمتابعة" ستوكل إليها مهمتين أساسيتين:

الأولى هي "الحفاظ على وحدة العمل لتحقيق المطالب الثلاث التي تجمع حولها المضربون وكافة القوى التي عبرت عن مساندتها لهم"  والثانية هي " فتح حوار وطني حول القضايا الأساسية التي تقتضيها بلورة مشروع بديل ديمقراطي يكفل لجميع التونسيين التعايش فيما بينهم آمنين على حقوقهم وحرياتهم الأساسية" لقد تم اتخاذ هذا القرار وهذه الإجراءات بناء على عدة اعتبارات من بينها "نقاشات داخلية أجراها المضربون فيما بينهم ومع اللجنة الوطنية للمساندة"  هذا قرار اتخذه رواد حركة 18 أكتوبر وأعضاء اللجنة الوطنية التي تكونت لمساندتهم. ومن حقهم اتخاذ مثل هذا القرار لمواصلة نضالهم كما هو من حق أي مناضل من أجل الحرية في بلادنا أن يناقش هذا القرار وينقده. لكن الأمر الذي يجب الانتباه إليه والتأكيد عليه هو أنه يتوجب علينا أن لا نخلط بين نقد القرار وثرائه باقتراحات محددة لمواصلة السير في الطريق الذي رسمته المبادرة وبين الانتقاد الذي يريد الالتفاف على هذه المبادرة برمتها وإفراغها من محتواها النضالي والعودة بالبلاد إلى نقطة الصفر.

إن خطورة هذا الموقف الثاني لا تتمثل فقط في ضياع فترة زمنية في تاريخ النضال من أجل الحرية في تونس وانما تتمثل في القضاء على مصداقية رواد حركة 18 أكتوبر ومسانديهم في الداخل وفي الخارج وإحباط كل العزائم الصادقة التي تجندت لدعم  هذه الحركة والنضال من أجل تحقيق المطالب التي طرحتها كما أن هذا الموقف الحاقد على الحركة الإسلامية وعلى المتعاملين معها يسعى إلى قبر كل الآمال التي خلقتها حركة 18 أكتوبر لدى فئات كثيرة من الشعب التونسي. وهذا يعتبر انتصارا للنظام بالضربة القاضية على المعارضة الجدية برمتها في بلادنا!!!

وهذه هي الأهداف الحقيقية التي يسعى إلى تحقيقها الاستئصاليون المتحالفون مع هذا النظام القمعي البوليسي عندما ابتعدوا عنه- في الظاهر- والتحقوا بصف المعارضة لينحرفوا بها أو يفتتوها من الداخل. فليس هناك فرق في واقع الأمر بين هؤلاء "المعارضين الديمقراطيين" الاستئصاليين وبين أصحاب السلطة. فالطرفان يتفقان على الجوهر وهو الإصرار على إقصاء الحركة الإسلامية من الحياة السياسية والإدعاء المجاني بأنهما يعبران عن إرادة الشعب. بل أزعم أن هؤلاء الديمقراطيين المزيفين أخطر على البلاد والعباد من أصحاب السلطة لأنهم يعيشون في عزلة تامة عن الجماهير الشعبية بل وفي عداء معها مما يجعلهم أكثر عرضة للارتماء في أحضان الدوائر الغربية المعادية لحضارتنا وثقافتنا وعقيدتنا. 

انه من المحزن المبكي أن نرى الآن أحد الأشخاص من بين هؤلاء "المعارضين الديمقراطيين التقدميين" يعترض بكل قوة على " تشريك ممثلي النهضة في مثل هذه العملية السياسية" ويحمل المضربين "مسؤولية سياسية جسيمة تتمثل في إدماج حركة الغنوشي في العمل السياسي المشترك مع أحزاب وحساسيات ديمقراطية". أليس هذا هو خطاب السلطة؟ بل هو خطاب أشد أعوانها تطرفا في العداء للإسلام والتبعية للغرب.

وهل هناك من يقدم خدمة أعظم للنظام من أولئك "المعارضين" الذين يتابعون حركات وسكنات القادة الإسلاميين في كل مكان للتشهير بهم وينكرون عليهم أي حركة يقومون بها أو كلمة ينطقون بها دفاعا عن أنفسهم وعن شعبهم وعن عقيدتهم؟؟؟  وماذا يعني هذا التخبط الذي وقع فيه أولئك الذين جمعوا في أشخاصهم بين متناقضين( الشيوعية والديمقراطية) وانطلقوا يطلقون الشعارات المتناقضة يغالطون بها شباب الجامعات ليجروهم وراءهم ويستخدموهم كرصيد في حسابهم للمساومة مع باقي الأطراف المتكالبة على السلطة ويستنزفوا طاقاتهم النضالية في غير مكانها. انهم ينتقدون- ظاهريا- التعويل على "الدعم الديمقراطي الخارجي" من جهة ومن جهة أخرى يركزون خطابهم على محاربة الإسلاميين بل ويستفزون الشعب التونسي بشعاراتهم المعادية صراحة للإسلام.  فعما يعتمدون إذا للوصول إلى السلطة؟؟؟

ألا يكونوا هم وأمثالهم رأس الحربة في الحرب على الإسلام التي تقوم بها هذه السلطة بدعم قوي من الغرب؟؟؟
فإلى متى سيبقى النفاق والاستخفاف بعقول الناس والضحك على ذقونهم والمغالطات هي العملة المتداولة في بلادنا؟؟؟
ما آن الأوان لفضح كل هذه الممارسات بعد أن قطعت حركة 18 أكتوبر شوطا مهما على الطريق الصحيح، فتواصل المشوار الذي بدأته بكل تصميم وثقة في النفس وتترك وراءها كل المتآمرين والمتخاذلين والعملاء؟؟؟

هل من المعقول أن يبقى مصير بلادنا رهينة بين يدي أشخاص قلائل يعيشون في برجهم العاجي في عزلة تامة عن الشعب يطلقون الشعارات بين الجدران وقد دأبوا على الركوب على نضالات كل فئات الشعب التونسي واستخدامها لصالحهم ثم إفراغها من محتواها بدعم غربي استعماري مفضوح؟؟؟

إني أريد أن أجدد هنا ما قلته سابقا عديد المرات: إن محاولة إقصاء الحركات الإسلامية من الحياة السياسية هي عملية تعسفية قمعية ليس لها أي مبرر سوى الخوف من تعلق الشعب بهذه الحركات أو نزولا عند رغبة القوى العظمى المعادية للإسلام. ولهذا السبب لا يمكن أن يمثل هذا الإقصاء قاعدة لإرساء نظام ديمقراطي كما يدعي هؤلاء "الديمقراطيون" المزيفون. ولن تؤدي هذه السياسة إلا إلى قيام أنظمة عميلة تقمع الشعب وتفرط في كرامة المواطن وفي استقلال البلاد.  إن الديمقراطية الحقيقية ترفض الإقصاء بطبيعتها. وهي تعتمد على شعب يتمتع بحريته التامة وبحقوقه الكاملة وباستقلاله الفعلي عن كل الدوائر الاستعمارية.

ولقد برهنت الانتخابات المصرية الأخيرة بأن حرمان الإخوان المسلمين من العمل القانوني لم يضعفهم سياسيا بل على العكس تماما زادهم قوة وعزز ثقة الشعب فيهم. ولا أظن أن الأمر سيختلف عندنا عما هو عليه في مصر. فكلا الشعبان المسلمان التونسي والمصري متعلقان بعقيدتهما. وستكون الأحزاب الإسلامية محببة لهما بقدر ما تتعرض له من قمع من طرف السلطة. وإن الأحزاب "العلمانية" التي تساند السلطة في قمعها للإسلاميين يجابهها الشعب بنفس المشاعر التي يجابه بها السلطة المستبدة بل وبنقمة أكبر.

إن الذين يصرون اليوم على إقصاء الإسلاميين من المشاركة في الحياة السياسية لبلادهم باسم "العلمانية" سيدفعون ثمنا باهظا لهذا الموقف الخاطئ عندما يتحرر الشعب من الاستبداد والدكتاتورية كما دفع بعض الشيوعيين سابقا ثمنا باهظا عندما وقفوا مع الاستعمار ضد استقلال شعوبهم باسم الأممية. وإن سياسة الإقصاء ليست لصالحهم لأنهم في حقيقة الأمر لا يمثلون سوى أقلية قليلة في المجتمع  وعندما يهب الشعب للمطالبة بالحرية فلن ينفعهم الإستقواء بالغرب أو الوقوف إلى جانب السلطة القمعية.

إننا اليوم أمام لحظة تاريخية فريدة تتميز بتراكم تجارب نضالية هامة امتدت على ما يقارب نصف قرن من "الاستقلال" قامت بها أجيال متعاقبة وذات مشارب مختلفة. وقد شملت هذه التجارب النضالية في الآونة الأخيرة قطاعات حساسة بالنسبة للدولة مثل سلك القضاء والمحاماة وقطاع الصحافة والإعلام زيادة عن الجامعيين ورجال الفكر. وإن كل الذين يحاولون تمييع أو تفتيت هذا التراكم النضالي أو السطو عليه والانحراف به في الاتجاه الخطأ وكل الذين يتقاعسون في استغلال هذه اللحظة لدفع البلاد على طريق الحرية والإنعتاق من كل القيود الداخلية الخارجية إنما يتحملون مسؤولية تاريخية أمام الله وأمام الأجيال اللاحقة.

فعلى كل الوطنيين الصادقين وكل المخلصين لهذا الشعب وكل المؤمنين بالحرية وبحقوق الإنسان أن يعملوا على بناء جبهة وطنية عريضة تتكفل بتقديم بديل سياسي شامل (وليس مشروع مجتمعي كما يتحدث البعض) للوضع الراهن يقع طرحه أمام الشعب وأمام العالم ويتم حوله الإجماع ثم تحشد كل الطاقات والقدرات الوطنية لإنجازه. أما الذين يتحدثون عن "مشروع مجتمعي" فإننا نقول مرة أخرى إن هذه العبارة تحمل في طياتها معني الاستخفاف  بالشعب لأن المجتمع واقع حي يتوجب علينا التعامل معه بما يتماشى مع طموحاته وليس عجينا نفصله كما نشاء.

وإن المناضلين من أجل الحريات والديمقراطية الذين استطاعوا لفت أنظار العالم إلى الطبيعة الاستبدادية القمعية للنظام التونسي يرتكبون خطأ قاتلا إذا اعتقدوا أن الإصلاح الديمقراطي سيتم عن طريق الضغوط الدولية أو بقرار من السلطة ذاتها بعد أن تقتنع بأن لها مصلحة في القيام بهذا الإصلاح. فالدول الغربية لا تسعى إلى تحرير شعوب العالم بل تسعى إلى استعبادها. والنظام الذي يساعدها على هذا الاستعباد هو صديقها الذي سيلقى منها كل الدعم والحماية. وهذا ما فهمه جيدا كل الحكام العرب الذين أصبحوا يتخاطبون مع أسيادهم بواسطة رسائل مشفرة وهم يضحكون على ذقون شعوبهم عندما يتكلمون عن الوطنية التي ترفض التدخل الأجنبي في شؤوننا الداخلية وعن الهوية العربية الإسلامية التي تحمينا من الضياع  وتساعدنا على مقاومة المشاريع الاستعمارية وعن العقيدة الإسلامية السمحاء التي ترفض الظلم والفساد.

لقد تناقلت وسائل الإعلام المحلية والدولية في الآونة الأخيرة قبيل وأثناء وبعد انعقاد القمة العالمية لمجتمع المعلومات وقائع وتعاليق كثيرة تدخل ضمن الأعمال المسرحية المعدة لمغالطة الشعوب. فتحدثت بعض وكالات الأنباء وبعض وسائل الإعلام عن أزمات دبلوماسية نشبت بين تونس وبعض البلدان الغربية ومنها فرنسا وسويسرا وحتى الولايات المتحدة الأميركية ومنظمة الأمم المتحدة.  فنقلت "سويس أنفو" خبرا مفاده أن السفير التونسي في برن سلم وزارة الخارجية السويسرية "احتجاجا رسميا" من الحكومة التونسية  بعد نشر صحيفة سويسرية تصريحا لوزير البيئة والنقل والطاقة والاتصالات السويسري ينتقد فيه بشدة أوضاع الحريات في تونس.  وتحدثت صحيفة الحياة عن الضغوط التي قام بها الأوروبيون لدفع النظام التونسي إلى"تكريس حرية الرأي والتعبير". وذكرت الصحيفة أن الرئيس التونسي رفض استقبال مفوضة العلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي التي جاءت إلى تونس "لمناقشة أوضاع الجمعيات الأهلية" وذلك احتجاجا على التصريحات التي أدلت بها في ندوة صحفية عقدتها في تونس واعتبرتها السلطة "دعما غير مباشر" لطلبات نشطاء هذه الجمعيات الذين "يشوهون صورة البلد في الخارج" حسب المسؤولين في الحكومة التونسية. كما لاحظت الصحيفة أن الرئيس بن علي لم يستقبل وزير الخارجية الفرنسي الذي زار تونس في بداية شهر أكتوبر احتجاجا على تصريحات أدلى بها وعبر فيها عن" ضرورة تحسين سجل البلد في مجال حقوق الإنسان". كما تحدثت وكالة رويترز للأنباء عن رفض تونس لتصريحات مقرر الأمم المتحدة الخاص لحرية الرأي التي انتقد فيها وضع الحريات في تونس وحث فيها السلطات التونسية على"الإفراج بدون شرط عن كل سجناء الرأي وسجناء الصحافة والسماح بالممارسة الكاملة لحرية الرأي والتعبير في البلاد" ونقلت وسائل الإعلام تصريح وزيرة الخارجية الأميركية المنتقد لوضع حرية التعبير في تونس كما نقلت تصريحا في نفس المعنى أدلى به الوفد الأميركي المشارك في قمة المعلومات. وسمعنا تعاليق كثيرة تستنكر تصرف السلطة التونسية التي منعت بث خطاب الرئيس السويسري في وسائل الإعلام التونسية وأغلقت كل المواقع التي تحدثت عنه في شبكة الإنترنت...

ورغم كل هذا الكلام فإن النظام التونسي ما زال يحظى بالدعم الكامل من طرف الدوائر الغربية الرسمية لأنه ملتزم تماما بتنفيذ كل ما يطلب منه أكان الأمر يتعلق بالسياسة الداخلية المفروضة على الشعب التونسي أو يتعلق بالسياسة الخارجية المفروضة على العالم بأسره أو يتعلق بحراسة البر والبحر وملاحقة الجياع والعاطلين عن العمل والمبحرين في المواقع الخطيرة على شبكة الإنترنت التي تشجع على "التطرف والإرهاب"...

وحتى لا تنعكس الحملة الإعلامية سلبا على النظام التونسي سارع أصدقاء هذا النظام إلى إمضاء البيانات والعرائض لتمجيده وتلميع صورته وتقديم شهادات الولاء لرئيسه. فلقد أصدر خمسة أعضاء من الجمعية الوطنية الفرنسية من ضمنهم نائب رئيس الجمعية السيد "ايريك راوولت" ورئيس جمعية الصداقة الفرنسية-التونسية السيد "فيليپ بريان" بيانا تحت عنوان:" تونس لها أصدقاء، بن علي ليس عدونا" وصفوا فيه موقف كل الذين "يحاولون تشويه صورة تونس لأسباب غير معلنة" بأنه موقف "غير عادل وغير ودي". وقد طالبوا في بيانهم بضرورة الاعتراف بأن تونس "قامت بمجهودات" وأنه "بخصوص وضعية المرأة وتربية أبنائها وخلق طبقة متوسطة عريضة من المالكين الصغار واحترام اللائكية ومقاومة التطرف والإرهاب فان تونس تسير في الاتجاه الصحيح".

وهذا البيان يلخص في واقع الأمر كل ما يهم الغرب بشكل عام في نظرته لبلدان العالم الثالث. فالمطلوب من هذه البلدان هو الاقتداء بالنموذج الغربي فيما يخص وضع المرأة في الأسرة والمجتمع وفيما يخص العلاقة بالدين كما أن المطلوب هو "مقاومة التطرف والإرهاب" بمعنى مقاومة الإسلام الذي يحث على الجهاد في سبيل الله وعلى مقاومة الظلم والفساد. وذكر البيان بأن تونس "قامت بمجهودات" بما يعني أن المطلوب من بلدان العالم الثالث هو القيام بمجهودات لتحقيق الأهداف المذكورة. فمن اجتهد وأصاب فله أجران وأما من اجتهد ولم يصب فله أجر واحد في انتظار تعويضه بمن هو أجدر منه...

كما دفعت الغيرة على النظام التونسي بحوالي مائتين من رجال الإعلام الغربيين ومن العرب والأفارقة والآسيويين المتغربين إلى إمضاء عريضة ينتقدون فيها الحملة الإعلامية التي قامت بها بعض "الأطراف الأجنبية" بمناسبة انعقاد القمة العالمية لمجتمع المعلومات ووصفتها ب"المنحازة" و"المتحاملة بطريقة مجانية على تونس" و"المضرة بمصالح هذا البلد الصاعد". وقد شكروا في بيانهم السلطات التونسية على ما وفرته لهم من "ظروف عمل مريحة وأمن وحرية في الاتصال وفي الوصول إلى مصادر الخبر" كما نوهوا بتنظيمها الرائع لسير أعمال القمة.

وقد عمد النظام من ناحيته إلى إثراء المسرحية من خلال التظاهر بالرضوخ للضغوط الغربية المزعومة والسعي إلى الانفتاح أكثر في اتجاه المعارضة والمجتمع المدني فكان تكليف رئيس اللجنة العليا لحقوق الإنسان بـ"الاتصال بمن يرغب في ذلك من أحزاب المعارضة وهيئات المجتمع المدني للتعرف على انشغالاتهم وطموحاتهم".

وإنه إذا كانت المعارضة بمختلف مكوناتها قد برهنت عن نضجها هذه المرة حين لازمت الحذر ولم تتسرع  في الرد على هذه "المبادرة" أو الارتماء عليها بكل ثقلها كما حصل في السابق وخيرت التشاور فيما بينها لاتخاذ موقف موحد فان استسهال الأمور والاعتقاد بأن الحركة الديمقراطية تلامس النصر وأن الضغوط الغربية جادة وقوية لدفع السلطة على طريق الإصلاح الديمقراطي ليست في الواقع سوى أوهام  في ظل موازين قوى غير متكافئة وفي ظل معارضة مازالت مشتتة ومعزولة عن الشعب تتجاذبها المصالح الشخصية وتقع فريسة للمؤامرات وللأطماع الأجنبية. فالسلطة في هذه الحال لا تزال قوية متجبرة وأكبر دليل على ذلك الاعتداءات الوحشية التي تعرض لها عديد المناضلين بعيد انتهاء القمة مباشرة وحتى أثناء انعقادها مثل الاعتداء الإجرامي الذي تعرض له المناضل الإسلامي الهادي التريكي أو تلك التي تعرض لها القيادي في الحزب الديمقراطي التقدمي السيد الحبيب بوعجيلة وغيرهم...

إن الطريق الوحيد للحرية يمر حتما عبر توحيد الصفوف والالتحام مع الشعب والاستعداد للنضال والتضحية لأن المافيات وأصحاب المصالح لا يسلمون في السلطة أو يتنازلون عن امتيازاتهم بسهولة. وفي هذا المجال فإن المسؤولية  ثقيلة  بالفعل على رواد حركة 18 أكتوبر وعلى من ساندوا هذه الحركة بصدق.


(*)