وحدة المعارضة التونسية شرط لتحقيق أهدافها

حركة 18 أكتوبر خطوة تحتاج المزيد من الخطوات

العدد السادس عشر
السنة الرابعة/ نوفمبر - ديسمبر 2005


نور الدين العويديدي

نجحت المعارضة التونسية، مع ما بات يعرف بحركة 18 أكتوبر، التي سبقت قمة مجتمع المعلومات ورافقتها، وجمعت سائر مكونات المشهد السياسي والمدني التونسي حولها، في لفت نظر الرأي العام العربي والدولي، وشدت اهتمام العديد من المؤسسات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، إلى حقيقة الواقع التونسي المزري في ميدان الحريات وحقوق الإنسان.

وسجلت المعارضة التونسية بذلك نجاحا محمودا، وخاصة في المجال الإعلامي، وصلت إليه، بفضل جدية العمل، الذي أقدمت عليه، متمثلا في إضراب 8 شخصيات سياسية وحقوقية بارزة عن الطعام، لأكثر من شهر، وبفضل التفاف سائر مكونات المشهد المعارض حول هذا التحرك، في داخل البلاد وخارجها، حتى باتت الجهات المختلفة تتنافس على إبداع أشكال عديدة من التضامن والتأييد، وهو ما شد كثيرا من أزر المضربين، وزاد من الاهتمام الإعلامي والسياسي بإضرابهم، وسلط الأضواء على الوضع التونسي المتردي.

فشل استراتيجية التيئيس

لقد راهن النظام التونسي على استراتيجية تحطيم معنويات معارضيه، وتيئيسهم من تحقيق أي مكسب، إذ حاول إقناعهم بأن السعي للضغط عليه، واستغلال الاهتمام بتونس لانتزاع تنازلات سياسية وحقوقية منه، أمر غير ذي جدوى، وأن استضافته لقمة المعلومات لن تغل يديه عن شن حملة واسعة على المعارضة ومؤسسات المجتمع المدني. وبالفعل تمت السيطرة على جمعية القضاة، وجرى إحداث انشقاق مفتعل داخل الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، وتم منع نقابة الصحافيين بالقوة من عقد مؤتمرها التأسيسي، واستمر انتهاك حقوق الإنسان على أوسع نطاق.

لقد كان النظام التونسي، وهو يشن حملته على مؤسسات المجتمع المدني وقوى المعارضة، على يقين بأن الضغوط الغربية عامة، والأمريكية خاصة، من أجل الإصلاح والديمقراطية قد تبخرت، أو تراجعت بشكل كبير، مع تزايد الورطة الأمريكية في العراق، مع يقينه مسبقا بأن تلك الضغوط لم تكن تتوفر على ما يكفي من الجدية لإجبار نظام مثل النظام التونسي، موال للغرب، ومندرج في الحرب الأمريكية على "الإرهاب"، ومستجيب لكل ما يطلب منه في الجوانب الأمنية والاستراتيجية، على الدخول في إصلاح حقيقي، فهي ضغوط موسمية وانتقائية، تستهدف تطويع أنظمة محددة، لضمان اندراجها في المشروع الأمريكي، وليس النظام التونسي من الأنظمة المعنية بها.

كما كان نظام الرئيس بن علي على يقين بأن الدول المشاركة في قمة المعلومات، وخاصة الغربية منها، لن تتغيب عن القمة، ولن تخفض كثيرا تمثيلها فيها، لمجرد احتجاج منظمات حقوقية على ما يجري في تونس. فالسلطة تعلم حقيقة القواعد التي تتصرف بمقتضاها الدول الغربية، فطالما كان النظام مرضيا عنه، ومتجاوبا في الأمور الاستراتيجية، فإن الأمور "الصغرى" المتعلقة بحقوق الإنسان والحريات والديمقراطية لا تؤخذ بما يكفي من الجدية، ولا تكون مبررا كافيا للضغط على النظام، بما قد يهدد تجاوبه في القضايا الكبرى.

ويعلم النظام التونسي أيضا أن العلاقات الخاصة والمميزة بينه وبين الكيان الصهيوني، الذي حل وزير خارجيته ضيفا مبجلا في القمة على نظام ابن علي، عامل حماية مهم له، فأقرب الطرق لإرضاء العواصم الغربية، وخاصة واشنطن، عن أي نظام في العالم، وخاصة من الدول العربية والإسلامية، يمر عبر إرضاء تل أبيب. ومن ثم لا حرج من أي ضوضاء أو غبار قد تثيره منظمات المجتمع المدني، فهو غبار سرعان ما ينقشع.

على أساس من تلك القناعات قامت استراتيجية النظام التونسي على تنفيذ هجمة استباقية على المعارضة، حتى لا تفكر في المبادرة للتحرك والضغط. وكان الغرض من ذلك تيئيس المعارضة وقوى المجتمع المدني المختلفة من التغيير، وإقناعها بأنه ليس بوسعها "لي" ذراع النظام، مستفيدة من الاهتمام الدولي بتونس، قبيل استضافة قمة المعلومات.. ولذلك جاءت قرارات الحكومة بالهجمة على مؤسسات المجتمع المدني في وقت متقارب، وبشكل مباغت. وكان الهدف من هذه الاستراتيجية الحكومية إقناع الجميع بأن سائر الأبواب موصدة، وأن التغيير متعذر، وأنه بعد إقفال الأبواب على السند الداخلي، فإن أبواب السند الخارجي، ولو كان معنويا، مقفلة أيضا.

وانقلب السحر على الساحر

لكن هذه الاستراتيجية انقلبت على واضعيها تماما، حين اختارت مجموعة من الشخصيات التونسية من قادة الأحزاب وقوى المجتمع المدني الجادة، الانتقال باحتجاجها على النظام إلى "أشكال قصوى" من الاحتجاج، عبر الدخول في إضراب مفتوح عن الطعام، سلط الكثير من الضوء على الوضع التونسي، الذي يعاني من الكثير من الخور، على الرغم من حفاظ النظام على صورة مقبولة خارجيا، هي صورة النظام الناجح اقتصاديا، والمحافظ على الأمن في محيط مضطرب.

لقد اعتاد الكثير من الإسلاميين، وخاصة المساجين منهم، الإضراب عن الطعام، خلال السنوات الأخيرة، حتى لا يكاد إضراب بعضهم يتوقف إلا ليبدأ إضراب بعضهم الآخر، من دون أن يثير ذلك اهتماما سياسيا وإعلاميا كثيرا، في الداخل والخارج، فكأن الجميع باتوا يسلمون بأن وجود الإسلاميين في السجون أمر طبيعي، ومن ثم فإضراباتهم عن الطعام لا تعني للكثيرين شيئا غير معتاد، يكون جديرا بالاهتمام.

أما أن يقدم بعض قادة المعارضة "العلمانية"، مثل السيدين أحمد نجيب الشابي، الأمين العام للحزب الديمقراطي التقدمي، وحمة الهمامي الناطق باسم حزب العمال الشيوعي التونسي، مع آخرين من اتجاهات مختلفة، علمانية وإسلامية، هم من قادة مؤسسات المجتمع المدني على الإضراب عن الطعام، والاحتجاج على الانغلاق السياسي الذي طبع الوضع التونسي بقوة خلال السنين الماضية، فقد لفت إضرابهم الأنظار إلى أن الأمر جد.

فالمضربون ليسوا معارضين "جذريين"، يريدون تشويه سمعة النظام، وليسوا شبابا "طائشين" مندفعين، لا يبالون بأوضاعهم الصحية، وإنما هم سياسيون "براغماتيون"، "متقدمون" في السن نسبيا، الأمر الذي يعني أنهم ما أضربوا عن الطعام إلا ليقولوا للعالم أجمع إنه لم يبق أمامهم من سبيل آخر للاحتجاج على الاستبداد السياسي والقمع الأمني في بلادهم، إلا التضحية بأجسادهم. ولذلك لاحظنا الاهتمام الواسع بإضرابهم، حتى وصل الأمر لتدخل الرئيس السويسري، والأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة، فضلا عن ضغوط وتصريحات أخرى، وأكثر من ذلك الاهتمام الإعلامي بالوضع التونسي، الذي كشف حقيقة اتخاذ نظام الرئيس ابن علي لتونس باعتبارها حديقة سرية للقمع والرعب والتعذيب.

نجاح يحتاج للمراكمة

أمضى النظام التونسي نحو عقد ونصف العقد من الزمن، غارقا حتى أذنيه في انتهاكات حقوق الإنسان، لكنه ظل متمتعا بسمعة النظام الحداثي، المنفتح على الغرب، المستقر سياسيا، والناجح اقتصاديا، والمدافع على حقوق النساء، والمطور للتعليم، بما يتلاءم مع الثقافة العلمانية الحديثة، حتى إنه كان يقدم نفسه باعتباره النموذج والغاية، التي يتوجب على باقي الأنظمة العربية والإسلامية السير على منوالها، والحذو حذوها. ومكنه ذلك من اكتساب دعم الكثير من النخب الثقافية والسياسية والإعلامية، عربيا وغربيا، وحافظ بذلك على صورة جيدة له، ربما تفوق طموحه، رغم انتهاكاته الواسعة لحقوق الإنسان.. وظل الأمر كذلك، في عيون قطاعات واسعة من الرأي العام العربي والدولي، حتى جاء إضراب الثمانية عن الطعام، ليكشف زيف الواقع التونسي، وانسداد سبل التغيير السلمي والمدني فيه، وسيطرة دكتاتورية فجة عليه.

لكن هذا النجاح على أهميته ليس سوى خطوة على الطريق. فالمعركة مع الدكتاتورية لا يمكن أن تحسم بإضراب عن الطعام، مهما كانت أهميته. وتمسك الرئيس ابن علي و"شلته" ولوبيات الفساد من حوله، بالسلطة لن يغيره إضراب عن الطعام، ولا "تشويه" صورة الحكم في الخارج، ولا تغطيات إعلامية، مهما كانت أهميتها. فالأنظمة السلطوية، مع الثقافة الحديثة، لا تهتم بحب محكوميها لها، ولا تبالي كثيرا بشهادات الاستحسان الخارجية، إن كان وجودها ذاته مهددا. إن غريزة "حب البقاء في الكرسي" تتغلب لدى الحاكم الدكتاتوري على أي غريزة أخرى، وقت اشتداد الأزمات، فيفتقد حساسيته لـ"حسن" الصورة، ويهتم بشروط البقاء دون سواها، وأدوات القمع وأجهزة الأمن الأساس فيها.

معركة طويلة وصعبة

وهذا يعني أن على المعارضين التونسيين أن يوطنوا أنفسهم على أن المعركة طويلة وصعبة ومعقدة، وأنهم كلما اقتربوا أكثر من إحراج النظام، وتهديد استمراره في الحكم، أن يروا مزيدا من الاضطهاد وانتهاك حقوق الإنسان، وأن يطال ذلك الجميع، فما تعرض له الإسلاميون منذ مطلع التسعينيات من اضطهاد وقمع وتعذيب، سيتوسع مداه ليطال الجميع، كلما أحس النظام بالخطر على بقائه. ومعركة من هذا القبيل تحتاج إلى شروط أساسية لضمان الفوز فيها على الدكتاتورية:

- أولا: أن تأخذها المعارضة بما يلزم من جدية. فالجدية شرط أساس لربح أي معركة، وخاصة إذا كانت معركة مع سلطة استبدادية. وقد صار المضربون الثمانية عن الطعام يدركون اليوم أن ما لفت الاهتمام إلى إضرابهم، وزاد من الالتفاف حولهم، إنما هو شعور الناس في الداخل والخارج بجديتهم في مقارعة الدكتاتورية، إلى حد تعريض أجسادهم للخطر.

- ثانيا: أن تكون المعركة مع الدكتاتورية معركة مستمرة، لا تتوقف على مناسبات محددة، وأن تبدع المعارضة فيها باستمرار، أفكارا خلاقة متجددة وعملية، وأن تكون قابلة للتعبئة من حولها، وأن تتوجه بها إلى العمق الشعبي، لا أن تظل محصورة بين بعض النخب، وأن تستفيد من طاقات الشباب وقدرته على التضحية، من خلال تحريك الجامعات والمعاهد الثانوية والعاطلين عن العمل والنقابات، وأن يتم التنسيق بين الداخل والخارج، بشكل جيد، بحيث يكون الوجود المعارض في الخارج غطاء إعلاميا وسياسيا وعلى صعيد العلاقات العامة لعمل الداخل، يوفر له الدعاية، ويضمن له التأمين السياسي والإعلامي لنشاطاته، ويكسر احتكار السلطة للإعلام، أو تعتيمها على حركة الداخل.

- ثالثا: لا يمكن لذلك أن يتحقق إذا استمر تحرك المعارضة تحركا فئويا محدودا، يقوم عليه الإسلاميون دون غيرهم، أو العلمانيون مع إقصاء الإسلاميين، وأن المطلوب أن تشارك جميع القوى مجتمعة في مقارعة الدكتاتورية، من دون إقصاء لأي طرف، إلا من يختار الاصطفاف خلف الدكتاتورية. فقد استفاد نظام الرئيس ابن علي طيلة الفترة الماضية من التباعد والتنابذ الحاصل بين العلمانيين والإسلاميين، فحاول أن يقنع العلمانيين بأن الخطر الإسلامي يشملهم مثلما يشمل النظام، ويحاول اليوم أن يقنع الإسلاميين بأن الاقتراب من العلمانيين سيعني استمرار وضعهم البائس، في وقت لا يشكو فيه العلمانيون من حالة اضطهاد مماثلة لما يتعرض له الإسلاميون.. وهكذا تستمر لعبة فرق تسد في جنايتها على الحياة السياسية التونسية، ويستمر النظام مهيمنا على الجميع.

إن المطلوب عملا جادا دؤوبا متجددا يشمل الجميع، يبدع فيه العقل المعارض أفكارا جديدة، وأشكالا وأساليب واقعية، تتغلغل في عمق المجتمع، وتتكامل فيها الأدوار بين معارضي الداخل ومعارضي الخارج. أما العودة لمنطق الاستئصال واستبعاد طرف سياسي، بحجة عمق الاختلاف العقائدي والفكري معه، فليس أكثر من خدمة جليلة تسدى للدكتاتورية، هي في أمس الحاجة إليها.

وليس بوسع أي أحد أن يقنع، بعد اليوم، أي تونسي بأن الاختلافات، مهما كانت درجتها، يمكن أن يسمح لها بأن تكون الحبل السري الذي يتغذى منه الاستبداد ويعشش إلى أمد بعيد في ربوع تونس، مهما كانت الحجج التي تسندها، فالطريق إلى الجحيم كثيرا ما يكون ممهدا بالحجج والشعارات الجميلة.

© aqlamonline 2005