|
علي
كردي
إن المتتبع للمسار
التاريخي للديمقراطية الغربية يتبين ان الكيفية التي نشأت بها
الديمقراطية في الغرب لا يمكن ربطها بفكر أو فلسفات سابقة فحسب وإنما
هي نظام تشكل عبر عملية تاريخية شهدت صراعات ومساومات بين مصالح
الطبقات المختلفة في سياق تنازعها على الحكم والسلطة وحدث هذا بشكل أو
آخر في اغلب الدول الأوروبية القديمة كما يتجلي ذلك في سياق التطورات
السياسية في التاريخ البريطاني والفرنسي والأميركي.
ان الطريق إلى
الديمقراطية لم يكن نتاج تنظير أو مجرد كتابة عقد اجتماعي بل ان
الديمقراطية ظلت تخضع ولم تزل لقانون التدافع الذي عبر عن نفسه من خلال
عدَة حروب أهلية انتهت بحربين كونيتين دمرت أوروبا في أقل من نصف قرن.
كل هذه الصراعات والحروب وما أّّدت إليه من دمار وخراب شلّ قدرات
أوروبا وعاد بها عقودا إلى الوراء الأمر الذي اضطرّ حكماء الغرب في
نهاية المطاف إلى أن يتواضعوا على جملة من المبادئ و القيم من أجل ضمان
سير الحياة السياسية والاجتماعية بطريقة سلمية.
وقد ساعد في تحقيق
ذلك ما تحقق للغرب من هيمنة عالمية سمحت له بتثبيت قيم الديمقراطية دون
التأثر بعوامل خارجية معيقة. وفي المقابل وكنتاج لتطور النظام
الاستعماري انقطعت مسارات التطور لشعوب المستعمرات إلا ما سمح به
الاستعمار من خلال منظوره في طريقة بناء الدولة التابعة بكل ما يشمل
ذلك من أنماط التعليم والأنشطة الاقتصادية والسياسية.
وقد أدى كل ذلك إلى
ظهور حركات التحرر التي أخذت في البداية طابعا سياسيا سلميا ولكن سرعان
ما تحولت إلى مقاومة مسلحة تصدت لها القوى الاستعمارية بكل ما أوتيت من
قوة واصفة إياها بالإرهاب والرجعية وبكونها تقف حائلا دون لحاق شعوبها
بركب التطور والمدنية. وقد جندت في حربها تلك كل الإمكانات المتاحة
محليا ودوليا متجاوزة كل القيم الأخلاقية والحقوقية فمارست الإنقلابات
السياسية والدسائس كما قامت بانتهاكات واسعة لحقوق الأفراد والجماعات
من مصادرة الأملاك ونفي الأفراد عن أوطانهم إلى الإغتيالات، مستعينة في
ذلك بنظم عسكرية جائرة.
إلا أن ذلك كله لم
يفلح في إخماد روح المقاومة لدى الشعوب المستعمرة فأدت حالة التدافع
إلى ارتفاع الخسائر البشرية والإقتصادية في صفوف القوى المستعمرة التي
اضطرت للإعتراف بحركات التحرر والجلوس للتفاوض معها على شروط الإنسحاب
وذلك بحسب ما أملته حالة التدافع من موازين للقوى بحسب كل
قطر.
وقد حاول المستعمر
أن يفرغ عملية التحرر من مضمونها من خلال تسليم السلطة إلى حكومات
تابعة وقابلة للوصاية الخارجية. تكرر هذا المشهد في أقطار عدّة وبأشكال
متفاوتة. ففي الجزائر عملت قوات الاحتلال على ترقية الضباط الجزائريين
من منتسبي الجيش الفرنسي وإلحاقهم بالجيش الجزائري ليستلموا بعد ذلك
القيادة الفعلية للدولة في الجزائر ما بعد الاستقلال.
وفي تونس عملت
القوات الفرنسية على ترجيح كفّة الزعيم بورقيبة المتإثر بالنموذج
الغربي على حساب صالح بن يوسف ذي الميولات القومية في حين خرجت إسبانيا
من المغرب بعد أن تركت خلفها مشكل الصحراء الغربية بما خلفته من مآسي
داخل المجتمع الواحد وبما تركته من توترات دائمة بين بلدين شقيقين. أما
في الشرق الأوسط فقد قامت بريطانيا بزرع الكيان الصهيوني في قلب الوطن
العربي ليكون بمثابة الوكيل للمصالح الغربية والذي أدخل المنطقة
كلها في حالة حرب استنزاف مستمرة منذ أكثر من نصف قرن.
وهكذا إذا تأملنا
المسلكية الغربية خارج حدودها ندرك بوضوح أن الديمقراطية عندهم ليست
نتاج قناعات فكرية بقدر ما هي مواضعات إستوجبتها تناقضات الواقع
المحكوم بمنطق التدافع الذي اضطر الغرب ألأورروبي للإستعانة بنظرية
التعاقد الإجتماعي لجون جاك روسو بعد أن عصفت به نظرية "هوبز" التي
تقوم على اعتبار الإنسان ذئبا لأخيه الإنسان. إلا أن هذا التحول لم
يمتد خارج الحدود الغربية بإعتباره تحولا أملته الضرورة والمصلحة، ولا
غرابة في ذلك فإن لهذه الإزدواجية جذورها الممتدة في التاريخ اليوناني
القديم فقد جسدتها دولة الفلاسفة التي كان ينعم فيها مجتمع الحكماء
بالديمقراطية دون مجتمع العبيد. فكل سلطة إلا وتنزع إلى الإستبداد ما
لم تجد رادعا يردعها. وهكذا رأينا الولايات المتحدة تنزع إلى الهينة
بمجرد إنهيار الاتحاد السوفياتي الذي كان يمثل القوة
الرادعة.
أما المتغير الجديد
في المعادلة فهو ظهور رادع جديد يتمثل في تبني خيار العنف من قبل
جماعات إسلامية رادكالية وعلى رأسها تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن
لادن. الذي نقل المعركة إلى أرض "العدو" بعد أن حمل الولايات المتحدة
وحلفاءها مسؤولية مساندة أنظمة دكتاتورية فاسدة واحتلال جزء من البلاد
الإسلامية بالإضافة إلى الإنحياز المطلق للكيان الصهيوني. فمنذ هجمات
نيويورك وواشنطن بث أسامة بن لادن وأيمن الظواهري أكثر من ثلاثين رسالة
صوتية وشريطا مصورا تطالب بشكل واضح بوضع حد لوجود الولايات المتحدة في
الشرق الأوسط ووقف دعمها المطلق للاحتلال الإسرائيلي للأراضي
الفلسطينية وللأنظمة الفاسدة والقمعية في العالم العربي
والإسلامي.
وقد ردت أمريكا
وحلفاؤها على هذه الظاهرة بإعلان الحرب الشاملة وبطريقة أشبه ما
تكون بتلك الطريقة التي تصدت بها قوى الإستعمار لحركات التحرر في بداية
القرن الماضي، مع اعتبار فارق الإمكانات المادية والتقنية.
إلا أن الطرف
الثاني (الحركات الجهادية) وبعيدا عن التقييمات الأخلاقية يمكننا القول
بأنها استطاعت حتى الآن أن تدير المعركة بكفاءة شهد بها خصومها حيث
نجحت هذه الجماعات في إحداث حالة من توازن الرعب عبر عنها "آلن زركين"
من مركز الاستعداد للكوارث في جامعة نيويورك بقوله إنه "إذا كان من
الأكيد أن لا يتمكن الإرهابيون من كسب الحرب فإننا أيضا لا يمكننا
ذلك". وقد بدأت أصوات عدد من الخبراء والباحثين بينهم العديد من
الأميركيين تنادي بضرورة إعادة النظر في التعاطي مع مشكلة ما يعرف
بالإرهاب من خلال معرفة طبيعة الظاهرة والأخذ بالاعتبار التعامل مع
المطالب السياسية للقاعدة. معتبرين أن أسامة بن لادن وأنصاره يعبرون من
خلال الهجمات عن مطالب معينة وقد حان الوقت للنظر فيها لمعرفة طبيعتها
وأسبابها. وقد استشهد آلن زركين بسابقتي بريطانيا مع الجيش الجمهوري
الإيرلندي وفرنسا مع جبهة التحرير الوطني الجزائرية مستنتجا أنه "قد لا
يعود أمامنا من خيار عاجلا أم آجلا سوى التوصل إلى هدنة مع القاعدة،
ولو أننا نمقت ذلك". وأضاف أن انتظار سقوط المزيد من الأميركيين
والأوروبيين وغيرهم من شأنه أن يظهر جليا أن الخطة العسكرية البوليسية
فشلت.
إن استمرار حالة
التدافع في هذا الإتجاه سيضطر الولايات المتحدة وحلفاءها إلى إعادة
النظر في سياساتها الخارجية والتي تقوم على التحالف مع الأنظمة القائمة
رغم معاداتها للديمقراطية وفقدانها للشرعية. فهذا التحالف لم يعد قادرا
على ضمان المصالح الحيوية للأطراف الغربية في المنطقة. فكما أن حالة
التدافع داخل المجتمع الغربي هي التي دفعت حكماء الغرب في القرن الماضي
إلى التواضع حول قواعد الحياة الديمقراطية وأسس المجتمع المدني فإن
التدافع بين الغرب والشعوب الإسلامية ستؤدي بالضرورة إلى فك الإرتباط
بين المؤسسات الغربية وأنظمة الإستبداد في العالم الغربي والإسلامي
وستدفع بحكماء الغرب مرة أخرى إلى الصدارة بعد أن بدأت أصواتهم تتعالى
من أجل رسم ملامح المرحلة القادمة.
أما المستفيد
الأساسي من هذه المعادلة الجديدة فهو ما اصطح على تسميته بـ"الإسلام
السياسي" والذي يمارس نشاطه ضمن تنظيمات حركية وحزبية ويمثله بشكل
رئيسي حركة الإخوان المسلمين في مصر وفي غيرها من البلدان على اختلاف
التسميات. وهذا الاتجاه يعمل من داخل منظومة الدولة الوطنية ويتحرك ضمن
إطارها الدستوري. وهو اتجاه يرفض العنف عدا في أوضاع استثنائية مثل
الاحتلال الأجنبي، ويقبل بالقيم الديمقراطية وبالإصلاح بدل الثورة. ذلك
أن أي إنفتاح سياسي في البلاد العربية والإسلامية سيمكن هذا التيار من
الصعود السياسي وذلك لإمتلاكه القاعدة الجماهيرية الواسعة وكذلك
بحكم توفره على بنية تنظيمية قوية. وقد مثلت نتائج الإنتخابات
البرلمانية في مصر خير دليل على ذلك على الرغم من كل التجاوزات و
محاولات التزوير و"البلطجة" التي مارسها الحزب الحاكم في مصر. ولكن هذا
لا يعني أن هذا التيار سيجد طريقه ممهدا بل على العكس من ذلك فإن القوى
الغربية ستحاول قدر المستطاع أن تفرغ أي عملية تحوّل من مضمونها
الإيجابي أو على الأقل إعاقتها أو تشويهها. وفي هذا الإطار يمكن أن
تتنزل حالة ألاستنفار التي أعلنتها الطائفة القبطية على إثر التقدم
الذي حققته جماعة الإخوان المسلمين في الانتخابات التشريعية المصرية
الأخيرة على الرغم من استمرار هيمنة الحزب الوطني الحاكم. إن مستقبل
المنطقة يتوقف على مدى قدرة الأطراف السياسية وعلى رأسها التيار
الإسلامي على حسن استثمار نتائج حالة التدافع ومدى قدرتها على تجاوز
الأخطاء التي ارتكبتها حركات التحرر في القرن الماضي. |