|
جلال عبد
الرحمان (*)
مثلت قمّة
المعلومات، التي انعقدت في تونس أيام
16-18 نوفمبر 2005 فرصة لفضح النظام التونسي، وكشف العلاقة التي تربطه
بالكيان الصهيوني المحتل لفلسطين. ولم تكن هذه العلاقة وليدة
اللحظة، فهي تعود لمطلع عهد السابع
من نوفمبر، تاريخ تولي الرئيس ابن علي
السلطة، فالمعطيات تذكر بروز هذه
العلاقة مع مطلع التسعينات وتطورها لتأخذ شكلا دبلوماسيا سنة 1994 (فتح
مكاتب لرعاية المصالح)، وهي علاقة متواصلة إلى يومنا
هذا، بالرغم من تجميدها من قبل
تونس في سبتمبر 2001، مع اندلاع الانتفاضة
الثانية. لكن المفارقة العجيبة أن هذا النظام الذي ما انفك
يردد، دون هوادة، أنه ضمير الشعب
والمعبر عن إرادته، كان يوطد هذه العلاقة بسرية
غير مكترث بمشاعر الملايين من التونسيين
وإرادتهم.
مظاهر التطبيع مع الكيان
الصهيوني
بدأ التطبيع مع
الكيان الصهيوني في مطلع التسعينات، وتواصلت هذه السياسة
اليوم، وهذا ما نتبينه من خلال
الأحداث التالية:
- زيارة الحاخام
الأكبر ليهود فرنسا "جوزيف ستريك" سنة 1992 بدعوة رسمية من
ابن علي شخصيا، تحت غطاء أن هذا
الحبر تونسي الأصل، ومن حقه العودة لزيارة موطنه
الأصلي، الذي غادره في أكتوبر 1958
لما هاجرت عائلته إلى فرنسا. ولكن الجميع يعلم أن "جوزيف ستريك" من
كبار المساندين لإسرائيل ولسياسة الليكود ولشارون بالذات. وقد تعددت
زيارات "ستريك" بعدها لتبلغ ثلاث زيارات رسمية، يستقبله فيها بن علي شخصيا،
كان آخرها يوم 7-12-2004 حينما كان الحاخام "ستريك" مصحوبا بستين شخصية
يهودية أوروبية على أعلى مستوى يتقدمهم
"بيير بنسيونو" نائب رئيس المؤتمر اليهودي الأوربي.
- زيارة وفد من
الخارجية الإسرائيلية لتونس يترأسه "شلومو جور" في 20-8-1993 مباشرة
بعد توقيع اتفاقيات أوسلو الإسرائيلية الفلسطينية. وقد لحقه وفد ترأسه
وزير الخارجية حينها يوسي بيلين في 12-9-1993. وأفضت هذه الزيارات إلى
جملة من الاتفاقيات، التي تنص على فتح مكاتب
اتصالات في كل من تل أبيب وتونس، وكذلك فتح خط مباشر
للمكالمات الهاتفية. إضافة إلى السماح للإسرائيليين بالدخول إلى
تونس، وخاصة إلى جربة، حيث تقطن أقلية
يهودية، وحيث الاحتفال السنوي
اليهودي المعروف "باحتفال الغريبة".
- قيام علاقات
اقتصادية بين تونس وإسرائيل، على صعيد التبادل التجاري،
حتى إن الإحصاءات الرسمية التونسية
ذكرت في سنة 1992، أنه تمت عملية استيراد من
إسرائيل بمقدار 46 مليون دولار (المصدر: د.فضل النقيب/ مؤسسة الدراسات
الفلسطينية).
- اجتماع الوزير بن
يحيى مع نظيره الإسرائيلي "ايهود باراك" سنة 1995 في
برشلونة، ووقعا اتفاقاً لإقامة علاقات
ديبلوماسية، وافتتاح مكتبين تمثيليين في
تونس وتل أبيب. وقد كان ذلك مع خروج القيادة
الفلسطينية من تونس، في أعقاب التوقيع على
اتفاقات أوسلو، وانطلاق عملية التطبيع مع
الكيان الصهيوني.
- تبادل المكاتب
التجارية بين تونس وتل أبيب، وتبادل الزيارات الرسمية
الفنية والإعلامية والاقتصادية والسياحية، (وذلك منذ منتصف
التسعينات).
- اجتماع وزير
الخارجية الإسرائيلي شالوم مع وزير الخارجية السابق مستشار الرئيس
الحالي الحبيب بن يحيى، مرتين خلال سنة 2004. وللتوضيح تربط الرجلين
علاقات حميمية، فهما ينحدران من مدينة قابس
في الجنوب التونسي، وتربط بين الرجلين علاقات
وثيقة شخصية، نسجاها لما كان " الحبيب بن
يحيى" سفيرا لتونس في الجمعية العامة للأمم المتحدة في
نيويورك..
- الزيارة السنوية
لآلاف اليهود الإسرائيليين إلى كنيس "الغريبة" في جزيرة جربة (وهو
يعتبر أقدم معلم يهودي خارج فلسطين المحتلة)، وهي زيارة يحضرها
عادة رجال دين إسرائيليون ونواب في الكنيست ووزراء سابقون ووفود
إعلامية، ويرعاها من الجانب التونسي
وزير السياحة.
- زيارة وفد تونسي
إلى إسرائيل في يناير 2005 ترأسه وزير السياحة "عبد الرحيم الزواري"
لحضور حفل لطائفة يهودية من أصل تونسي. (كانت هذه الزيارة شبه
سرية، نظرا لأجواء
الانتفاضة).
- أخيرا قيام
"سيلفان شالوم" وزير خارجية الكيان الصهيوني بزيارة رسمية إلى تونس في
ندوة المعلومات. (نوفمبر 2005) علما بأن شالوم يعد من الصهاينة
المتطرفين، وهو أكثر تطرفا حتى مقارنة مع
شارون. فهو مثلا يعارض خطة الفصل (الخروج من غزّة) ويشارك في معظم
المؤتمرات ضد تطبيقها، وحاول قيادة
المعركة من أجل طرحها على الاستفتاء الشعبي العام، بهدف تأجيل تطبيق
الخطة لوأدها في مهدها.
وقد بدت هذه
الزيارة مرحلة مهمة في مسار سياسة التطبيع
المعطلة ظاهريا، وهو ما تعكسه لنا
المظاهر، التي رافقت زيارة الوفد
الصهيوني للبلاد، فقد حطت الطائرة التي تقل
شالوم يعلوها العلمان التونسي والإسرائيلي، كما استقبل شالوم بحفاوة لم
يلقها بقية الوافدون إلى الندوة، فتم تكريمه بزيارة سياحية هو
والوفد الكبير المرافق له إلى قابس وجربة، كما تم توفير إجراءات أمنية
مشددة لم تعرفها البلاد من قبل، حتى لا يعبر الشعب التونسي
عن عدم رغبته في استقبالهم بالبلاد.
نظام لا يعبّر عن إرادة
شعبه
لا يبقى مجالا
للشك من خلال هذه العلاقة الحميمية بين الكيان الصهيوني والنظام
التونسي للقول بأن القضية الفلسطينية لا تحتل مكانة في سياسة الدولة
منذ مطلع التسعينات، وبأن النظام التونسي قد وصل
إلى قناعة بضرورة قبول هذا الجسم الغريب المزروع في وطننا العربي
الإسلامي والمغتصب للمقدسات الإسلامية.
والنظام التونسي
يعكس بذلك عدم اكتراثه بخيارات شعبه القومية والإسلامية. فقد كان الشعب
التونسي، مثله مثل بقية الشعوب
العربية والمسلمة، من الرافضين للكيان
الصهيوني، ومن المساندين للشعب
الفلسطيني في نضاله لاسترجاع أرضه المغتصبة من قبل الصهاينة منذ 1948.
وقد عبّر التونسيون عن مساندتهم للقضية الفلسطينية في عديد
المحطات، بل إن قضية فلسطين كانت
هي القضية المركزية لدى الإسلاميين
والقوميين واليساريين والنقابيين، وعند كل قطاعات المجتمع من
عمال وتلاميذ وطلبة، واليوم مازالت هذه القضية
تسيطر على وجدان كل التونسيين وكل أحرار العالم.
ولعل التحركات
الشعبية الأخيرة الرافضة لدعوة الوفد الإسرائيلي لحضور قمة المعلومات
في تونس أكبر دليل على هذا الرفض الشعبي للتطبيع مع
الصهاينة، وعلى أن القضية الفلسطينية تحتل
مكانة مركزية في حياة الناس، بالرغم من الأزمات العديدة
التي يعيشونها، والمرتبطة بغلاء المعيشة
والبطالة. وما تعطيل الدروس في المؤسسات التعليمية في أنحاء البلاد
المختلفة، وإعطاء عطل
إدارية، وعسكرة البلاد في فترة
القمّة، إلا أكبر دليل على مخاوف
النظام التونسي من تحركات شعبية، قد تكشف التعارض الصارخ بين
توجهاته التطبيعية مع إسرائيل وبين رغبة الشعب وإرادته الرافضة
للمحتل.
وهذا ما يجعلنا
نتساءل حقا عن مدى تمثيلية هذا النظام لإرادة شعبه، وكذلك عن الأهداف
الكامنة وراء توطيد العلاقات مع الصهاينة، وعن المستفيدين من ذلك. هل
هم الأقلية اليهودية التي لا تتجاوز الألفين؟ هل هم أصحاب المال
الراغبين في الاستفادة من الرأسمال الصهيوني؟ أم هي الفئة الحاكمة الراغبة
في استرضاء الغرب، وكسب دعمه، في وقت
أصبحت تواجه فيه رفضا شعبيا تحول دون
بروزه سياسة دكتاتورية ناعمة، تسهر عليها وزارة الداخلية
بأجهزتها القمعية المختلفة.
(*) باحث وكاتب من
تونس |