|
محمد الحمروني
(*)
حدثان هامان
سيظلان يؤثران على العالم لفترة غير قصيرة: الأزمة الاقتصادية العالمية
الخانقة، ودخول اتفاقية منظمة التجارة العالمية حيز التنفيذ، وما نتج
عنها من أزمة خاصة في قطاع النسيج. وإذا كانت آثار هذه الأزمة قد طالت
الجميع، فإن آثارها كانت أشد على الدول المسماة بالنامية. فما مدى عمق
الآثار الممكنة لهذه الأزمة؟ وكيف تعاملت معها تونس التي يمثل قطاع
النسيج أحد أهم الانشطة الاقتصادية فيها؟
منظمة التجارة العالمية
وإغراق السوق
إذا كانت الأزمة
الاقتصادية العالمية وحالة الركود التي تعيشها بعض اقتصاديات الدول
الكبرى، يمكن أن تكون ظرفية، فإنّ إيجاد حل للازمة الناتجة عن انضمام
بعض البلدان، التي تتمتع منتجاتها بالوفرة، وبقدرة كبيرة على المنافسة
إلى منظمة التجارة العالمية، أمر لن يكون استيعاب نتائجه السلبية سهلا
على الامدين المتوسط والبعيد، إلا إذا قررت البلدان الصناعية الكبرى
العودة إلى نظام السوق المحمية، وهو ما يتعارض مع الأساس، الذي بنيت
عليه منظمة التجارة العالمية، وفكرة العولمة، وهذا على كل حال ما لن
تسمح به الشركات متعددة الجنسيات، التي أصبحت مهيمنة بالكامل تقريبا
على مصادر صنع القرار عبر العالم.
وفي حال إصرار
المجتمع الدولي على عولمة قائمة على لبرالية متوحشة، فلن يكون ذلك دون
ضحايا. وفي هذه الحرب الاقتصادية الطاحنة، شأنها في ذلك شأن كل الحروب،
أكثر ضحاياها من الضعفاء، وهي البلدان ذات الاقتصاديات الضعيفة، التي
يحلو للمتفائلين أن يطلقوا عليها لقب البلدان السائرة في طريق النمو.
ولا أحد يعلم كيف يمكن لهذه البلدان أن تواصل سيرها في طريق النمو، إن
كانت سائرة أصلا في هذا الاتجاه، ما دامت البلدان ذات الاقتصاديات
الكبيرة، مثل الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية، لا تنفك
تحذر من انهيار اقتصادها، أو على الأقل، بعض قطاعاته المنتجة، بسبب
المنافسة الشرسة، التي تتعرض لها منتجاتها، وخاصة النسيجية منها، من
قبل المنسوجات الصينية.
فإذا كان هذا حال
الدول العظمى، والاقتصاديات العملاقة، فماذا عن الدول النامية؟ ثم ماذا
عن الدول، التي يمثل قطاع النسيج أحد أهم الأركان، التي تقوم عليها
اقتصادياتها؟.
للملاحظة فقط نشير
في البداية إلى أن البلدان الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية،
التي أقامت الدنيا لما غزت المنتجات الصينية أسواقها، لا يعتمد
اقتصادها على قطاع النسيج فقط، بل هي تعتمد أساسا على قطاعات أخرى مثل
الطاقة والصناعات الميكانيكية وصناعة الأدوية والصناعات الفضائية
وصناعة التكنولوجيات المتطورة، ولا يشكل قطاع النسيج إلا جزء بسيطا،
على أهميته، من نشاطها الاقتصادي.
وما تعكسه ردة فعل
تلك الدول على غزو المنتجات الصينية لأسواقها، هو حرصها الكبير على
مصالحها، وإصرارها على حمايتها، حتى وإن كان ذلك يتناقض مع ما ظلت تبشر
به طوال عقود، بالدعوة إلى الليبرالية والسوق الحرة والسماح بتنقل
الأشخاص والبضائع، فالعولمة الاقتصادية في جميع الأحوال ليست ابتكارا
صادرا عن العالم الثالث، أو الدول النامية، إنما هي نتيجة لتطور في
النظام الرأسمالي، وتضخم الشركات متعددة الجنسيات.
آثار أزمة قطاع النسيج على
الدول النامية
كان حريا بالدول
النامية ودول العالم الثالث، ومن ضمنها الدول العربية، أن تكون أكثر
حرصا على ضمان مصالحها، وعلى ما كان يفترض أن يوفره الانضمام إلى منظمة
التجارة العالمية من فرص، سواء في مرحلة مفاوضات الدخول إلى المنظمة،
أو حتى بعد ذلك، من خلال القيام بإجراءات حمائية، كما تحاول الولايات
المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي أن تفعل الآن مع الصين وقبلها مع
اليابان، وحتى مع الاتحاد الأوروبي، مثل ما وقع في قضايا الصلب أو
الموز، حيث تعمل هذه البلدان على عقد اتفاقات ثنائية، تسمح بالتخفيف من
عجز الميزان التجاري، لصالح الطرف المقابل.
فالدول النامية
وبحكم عدم قدرتها على امتلاك التكنولوجيا المتطورة من جهة، وعدم
امتلاكها أسواقا كافية، وبحكم ارتهان سياساتها الاقتصادية للغرب أيضا،
فإنها لم تستطع إنشاء صناعات متطورة مثل الصناعات الميكانيكية
والكهربائية وصناعة الإلكترونيات، أو الصناعات الثقيلة، وفضلت في
المقابل التوجه إلى الصناعات التحويلية، وبعض الصناعات المعملية، مثل
النسيج، إلى جانب السياحة، وبعض الصناعات التقليدية.
ففي تونس مثلا فإن
أغلب الاستثمارات الأجنبية والمحلية توجهت إلى جانب السياحة وبعض
الصناعات التحويلية إلى جانب قطاع النسيج، وذلك منذ صدور قانون 1972،
الذي فتح الباب لانتصاب رؤوس الأموال الأجنبية، ومنحها إعفاءات ضريبية
وجمركية هامة. ولئن نجحت السلطة، بعد مجيء الرئيس الحالي زين العابدين
بن علي في التنويع شيئا ما في مجال الاستثمار، من خلال مزيد الحوافز،
والتشجيعات الضريبية، وإنشاء المناطق الحرة، إلا أن الاستثمار في قطاع
النسيج ظل يحتل المراتب الأولى.
هذه المقدمات جعلت
قطاع النسيج يلعب أدوارا هامة في اقتصاد البلاد، فهو يشغل ما يقارب من
نصف النشطين المباشرين في قطاع الصناعات المعملية، أي ما يعادل 10% من
مجموع الناشطين على مستوى الوطن. كما إن النساء يمثلن ثلاث أرباع اليد
العاملة فيه، أي ما يعادل ربع التشغيل النسائي على مستوى البلاد. بل إن
الأنشطة الاقتصادية في بعض الجهات من البلاد أصبحت قائمة على ما يوفره
هذا القطاع من مواطن شغل، كما هو الحال بالنسبة لمنطقة الساحل، حيث
يشغل هذا القطاع ما يقارب من 100 ألف عامل وعاملة. وهذا سيجعل لأي
انهيار لهذا القطاع، وهو ما بدأت مؤشراته تظهر في تونس العاصمة وصفاقس،
وخاصة بجهة الساحل، نتائج كارثية على عصب الاقتصاد بتلك الجهات، إلى
جانب ما سينجر عن ذلك من آثار اجتماعية ستمتد لفترة
طويلة.
ولمواجهة الصعوبات
التي بدأت تشهدها هذه المؤسسات، بدأ أرباب العمل عمليات تسريح واسعة
للعمال، الذين تتكون أغلبيتهم من النسوة من الطبقات الضعيفة، التي عادة
ما تكون أوضاعها المادية حساسة لأي تغيير، ولو كان بسيطا، بسبب مواردها
المحدودة أصلا. وتتم عملية التسريح هذه عادة تحت شعار المحافظة على
المؤسسة، ومجابهة الأوضاع المتردية، والظرف الاقتصادي الصعب. وفي نظام
تتحكم فيه ليبرالية شرسة لا ترحم، فإن رفع هذا الشعار عادة ما يكون
مبررا كافيا لكي تفعل المؤسسات مع منظوريها ما تشاء. وهو ما رأيناه
يتكرر في عدد من كبار الشركات العالمية ومتعددة الجنسيات، تحت مسميات
عدة، مثل إعادة الهيكلة، وتحسين القدرة على المنافسة، والتقليل من
الأعباء والإصلاح.
والحقيقة هي أن
القصد من تقديم كل هذه المبررات هو أن يتنصل رأس المال من الالتزامات
الأخلاقية والإنسانية ﴿الاجتماعية﴾، التي تفرضها عليه العلاقة
التعاقدية مع عمال ضحوا بجزء كبير من حياتهم، وضحوا براحتهم، وراحة
عائلاتهم، من اجل أن يصنعوا لهذه المؤسسة أو تلك مجدها، ويراكموا
الأرباح في خزائنها. حتى إذا تغيرت الظروف، وأصبحت تلك المؤسسات،
ولأسباب عديدة، غير منتجة، يتم التخلص من هؤلاء دون أي اعتبار لما
قدموه، ولما يمكن أن يعانوه من أوضاع اجتماعية وحتى نفسية صعبة، وحتى
التعويضات التي تقدم إلى المسرحين، فإنها عادة تكون غير
منصفة.
إن الطريقة التي
تعامل بها الأعراف مع هذه الأزمة تنطبق عليها القاعدة التي تقول
"داخلين في الربح خارجين من الخسارة"، ولو حاولنا استعارة المصطلح
الفقهي للتعبير عن هذه الوضعية، فلن يكون هناك أفضل من مصطلح " الربا-
ربوية العلاقات الشغلية"، لأن مناط التحريم بالنسبة لبعض المعاملات
المالية قيامها على قاعدة الدخول في الربح والخروج من الخسارة ما يمثل
استغلالا سافرا لحاجة المقترض من جهة، كما انه يشكل لا أخلاقية مقيتة،
نبذها المشرع الإسلامي من جهة ثانية.
فإذا كان إطلاق
هذا الوصف يصح على المعاملات المالية، فانه يصح كذلك على العلاقات
الشغلية، ويمكن بالتالي سحبه عليها أيضا، على أن يظل ذلك في إطار
الاستعمال اللغوي للتعبير عن نوع من العلاقة الشغلية فقط، إذ ليس القصد
هنا البحث عن نص قانوني يجرم، ولا عن فتوى فقهية تحلل أو تحرم، ولكن
المقصود هو محاولة استدعاء أو استحضار الحقل الدلالي للمصطلح، بما فيه
من شحنة تخطئ وتأثم هذا الفعل، بقصد إبراز التأكيد على رفض قيام
العلاقات الشغلية على مبادئ من الليبرالية المتوحشة، التي لا ترحم، ومن
اجل أن تكون هذه العلاقات الشغلية أكثر إنسانية وأخلاقية، وأن لا تبقى
قوانين الربح والخسارة وأحكام السوق، التي لا ترحم، هي المقياس، وهي
المحدد لطبيعة هذه العلاقات.
وإذا كان نظام
التغطية الاجتماعية في البلدان الغربية قادر، إلى حد ما على الأقل، على
امتصاص الآثار الناجمة عن عمليات التسريح الواسعة، سواء من خلال إعادة
الإدماج، أو عبر المنح الاجتماعية، كمنحة العاطلين عن العمل، فإن هذه
العملية ستكون نتائجها كارثية في بلادنا، التي تعاني أصلا من وضع
اقتصادي صعب، حيث سترتفع نسبة البطالة، ما يؤشر على زيادة الركود
الاقتصادي، بحكم انخفاض مستويات الاستهلاك.
فكون هذه المؤسسات
تمر بظروف صعبة، وهذا صحيح، ليس مبررا لأن نجعل من عملية تسريح العمال،
أو غلق المؤسسات، هي الحل لهذه الأزمة. خاصة إذا كان إيجاد حلول مقبولة
من الجميع أمر ليس بالمستحيل. فقد طرح الاتحاد العام التونسي للشغل في
تونس في دراسة أعدها بالاشتراك مع مكتب العمل الدولي، جملة من
المقترحات، ومنها إعادة إدماج العمال المسرحين من قطاع النسيج في
قطاعات أخرى، أو مساعدتهم على الانتصاب للحساب الخاص.
استقالة السلطة
هذا من جانب أرباب
الأعمال، أما في ما يتعلق بالسلطة، فان مسؤوليتها تتمثل في كونها هي
التي فتحت مراكز التكوين في قطاع النسيج، ودفعت بكل الوسائل من اجل
إلحاق العدد الأكبر من التلاميذ بتلك المراكز، وهي التي شجعت المؤسسات
على الانتصاب، وشجعت على الاستثمار في هذا القطاع
بالتحديد.
فمن غير المنطقي
اليوم إذن أن تتخلى هذه السلطة عن واجبها في إيجاد حلول لهذه الآلاف
المؤلفة ممن تتهددهم البطالة! وعليها أن تتحمل نتائج سياساتها
الاقتصادية، ولا يمكن بحال الاتكاء على أن هذه مسؤولية الاتحادات
العمالية والنقابات، لتتهرب السلطة من التزاماتها تجاه مواطنيها. فإذا
كانت هذه الأخيرة قد رفعت يدها عن عملية الإنتاج، بتخليها عن القطاعات
العامة، وخاصة المنتجة منها، ونفس الشيء بالنسبة لعملية التشغيل، التي
أصبحت مرتبطة أكثر بالسوق وحاجياته وتقلباته، فليس اقل من أن تحتفظ
الدولة بحقها في أن ترعى حقوق العمال، لا أن تصبح هذه الحقوق هي أيضا
رهينة السوق وتقلباته، وإلا فإن الأمر لم يعد انسحابا للسلطة من عملية
الإنتاج وغيرها فقط، بل تصبح استقالة كاملة من جانبها عن القيام
بمهامها.
كما إن السلطة
تتحمل المسؤولية من جانب آخر، فهي المفروض فيها، بعد تخليها عن كل
أدوارها في الإنتاج والتشغيل، فليس اقل من أن تحسن وضع السياسات، ورسم
المخططات، فهي التي تملك مراكز البحوث والدراسات، وهي القادرة على
تمويلها، كما إن هذا يقع صلب واجباتها.. وماذا يتبقى من دور للسلطة، إن
لم تعمل على رسم السياسات، ووضع البرامج والمخططات.
وقد كان من
المفترض أن تنتبه السلطة منذ التسعينيات إلى المؤشرات، التي كانت تنذر
بحصول هذه الأزمة في قطاع النسيج، حيث كانت كل الدلائل تشير إلى أن هذا
القطاع مقبل على أزمة كبيرة. أكثر من ذلك فإن لجنة دولية كانت قد زارت
تونس أواسط التسعينات (عام 1995) من القرن الماضي، كانت قد نبهت في
تقرير لها، قدمته للسلطات التونسية ولاتحاد الشغل، أن القطاع مقبل على
أزمة كبيرة.
وبدل أن تعمل
السلطة، منذ ذلك التاريخ، على تفادي الوقوع في هذه الأزمة، نراها على
العكس من ذلك غضت الطرف، حتى وجدت نفسها تواجه عمليات تسريح واسعة
للعمال، مع ما سيترتب على ذلك من نتائج، بل هي إلى اليوم تواصل
استقالتها، تاركة معالجة هذه الأمور لما ستؤول إليه المفاوضات الدائرة
بين أصحاب المصانع وممثلي العمال.
لا يكفي أن تكون
للأزمة أبعاد دولية تتجاوز الأطر المحلية، ليتخلى الجميع عن الأدوار،
التي من المفترض أن يلعبوها، لمواجهة هذه الأزمة أو تلك، ولا يكفي
الاتكال على التبريرات، التي تحاول أن تعولم كل شيء، للإعماء على
المسؤوليات، التي يجب أن يتحملها من تصدوا لمهمة إدارة شؤون هذا البلد
أو ذاك. |