|
عبد
المنعم حمدوني
(*)
إن حركة
18 أكتوبر لا يمكن اعتبارها إلا فاصلا بين فترتين
متباينتين: فترة
اتسمت فيها أفعال المعارضة في تونس بردود الفعل، وفترة
انتقلت فيها أفعال المعارضة إلى الفعل، إلى المبادرة... وما كان يمكن
لهذه الخطوة أن تحدث لولا انتقال عمل المعارضة من المستوى الفردي إلى
المستوى الجماعي، حيث
التنسيق والتشاور حلّ محل التنافر والتخاصم والتباين.. أي
الانتقال
من العمل العشوائي الغالب عليه تحقيق مكاسب جزئية زائلة إلى العمل
المنسق والمخطط الغالب عليه المصلحة الوطنية.
إن
التخطيط بالغ الأهمية بالنسبة للفرد والمجموعة على السواء، فما بالك
إذا تعلّق الأمر بأحزاب وشخصيات مدنية حاملة لهموم أوطانها، وواعية
بما يحصل لها من نهب خارجي وداخلي.. نهب نتج
عن استئثار فئة قليلة بهذه الأوطان، تتصرف
فيها باعتبارها ملكية خاصة، لا يمكن
لأحد أن يشاركها فيها أو في بنائها إلا مشاركة التابع الذي لا حول له
ولا قوة..
إن
التخطيط هام جدا في بناء الأوطان، وفي درء
المخاطر عنها، لذلك فمن
لا يخطط يكون ضمن خطط الآخرين. وهنا
تكمن القفزة النوعية في حياة المعارضة في تونس من خلال حركة 18
أكتوبر، حيث
انتقلت المعارضة بفعل التنسيق والتخطيط فيما بينها من إطار"ضمن خطط
الآخرين"، حيث
السلطة تخطط للتفريق والتشتيت، إلى
مرحلة التخطيط الذاتي، حيث
الاتفاق على حد أدنى مشترك، تتمحور
كل الجهود وتنصب جملة واحدة من أجل تحقيقه، لأن وجود
المعارضة ومصداقيتها متوقفة عليه، بل إن
وجود الوطن أصلا وعدم ضياعه متوقف عليه.. هذا الحد الأدنى المشترك إذن
هو الحريات: حرية
التنظم،
وحرية
الإعلام،
وحرية
المساجين السياسيين..
كما أكد
عليها المضربون عن الطعام.
فبدون هذه
الحريات لا يمكن أن تتوفر شروط المشاركة في بناء الوطن، إذ لا
يمكن بناء الوطن إلا بجهود كل أبنائه، دون
إقصاء، لأن
إقصاء جزء من الوطن هو إقصاء لكل الوطن. وعلى السلطة الحاكمة أن تعي
هذا كل الوعي، وعليها الإقلاع عن هذا الأسلوب المتخلف، القائم
على الإقصاء لكل مخالف لها،
والاتجاه
إلى أسلوب حضاري، يقوم
أولا على التنازل وتبني هذه المطالب، التي أكد
عليها أصحابها بأسلوب حضاري..
ولتعلم
أن
"التنازل"
لقبول هذه المطالب هو تنازل للوطن، ومن
يتنازل للوطن لا يتنازل لأحد، بل
يتنازل من أجل انتصار الوطن. إذ
إننا لسنا
في حلبة ملاكمة، يسعى كل
طرف للنيل من
الطرف الآخر بأقوى اللكمات، كي يطرحه
أرضا بالضربة القاضية.. أو لتسجيل أكثر ما يمكن من النقاط. إن الأمر في
هذا الخصوص يختلف كل الاختلاف، لأن كل
طرف لا يجب أن يسعى إلى إقصاء الطرف الآخر أو التغلب عليه، بل يجب
أن يسعى إلى تسجيل أكثر نقاط ممكنة لفائدة الوطن، أو من
أجل تسديد ضربة قاضية لا للخصم السياسي، بل لخصم
مشترك،
خصم
الجميع، مثل
التخلف أو الظلم أو القهر.... أي بمعنى آخر تسديد الضربة القاضية إلى
أعداء الوطن، وليس
لجزء من الوطن، مهما كان
خلافنا معه في وجهات النظر.
فبعد
التحول أخطأت كل الأطراف السياسية لأن جل حساباتها كانت حسابات حزبية
ضيقة ولم تكن حسابات وطنية، فقد كان
الجميع يخطط لإقصاء الخصوم لا لبناء الوطن، في حين
أن التعدد شرط ضروري وجوهري لبناء مجتمع ديمقراطي، يفسح فيه
المجال للنقد والنقد المضاد، إذ بذلك
يمكن لكل طرف أن يبصر الطرف الآخر بأخطائه، ويمنعه
من التمادي فيها، وبالتالي
إنقاذ المجتمع من المفاسد التي ستنجر عن هذه الأخطاء
المتراكمة،
ومن أهمها
توفر المناخ الذي ينبت سلطة مطلقة، لا علاقة
لها بالحكم الصالح.
ويمكن أن
أسوق مثال في هذا
الخصوص عن
حادثة عايشتها بنفسي، ولكنها
ذات دلالة كبيرة، توضح كيف
أن مآل السلطة المطلقة عمت الكثير ممن يعتقد أنه محسوب عليها: ففي يوم
الثلاثاء الموافق لـ20
جويلية
(تموز)
،
2004على
الساعة التاسعة والربع صباحا، فوجئ جمع
من المواطنين الوافدين على معهدي الهادي الرايس وصالح عزيز ومستشفى
الأطفال بتونس، بتعطل
حركة المرور على الطريق الموازي لشارع 9 أفريل بتونس
العاصمة. وعند
التثبت وجدوا أن سيارة آتية في الاتجاه الممنوع امتنعت صاحبتها
عن الرجوع إلى الوراء كي تفسح المجال لمرور السيارات المتجهة نحو
المراكز الصحية المذكورة أعلاه.
وعندما
استنجد الجمع بالشرطي فوجئ مرة أخرى باستهتار هذه المرأة واستخفافها
بالجميع. وحاول البعض إقناعها بأنها هي المخطئة، وأنها
مخالفة لقانون حركة المرور، الذي
يمنع السيارات من المرور في هذا الاتجاه.. وحاولوا إقناعها أن رجوعها
إلى الوراء أسهل وأيسر من رجوع السيارات المواجهة لها، خاصة
أنها المخطئة
والآخرين غير مخطئين، والطريق
وراءها شاغر،
ووراء
الآخرين مكتظ بطابور من السيارات.
وفي
غمرة هذا "الحوار" تقوم هذه المرأة- بكل غطرسة- بالنزول من سيارتها
وغلق أبوابها، وترك
المكان نهائيا.. لقد صدم الجميع بهذا السلوك الشاذ، الذي كان
يتم أمام أعين وأنظار الشرطي، الذي لم
يتجرأ حتى على سحب أوراقها، واكتفى
بإعلام منطقة الأمن. وقد جن جنون الحضور بهذا السلوك
المتعجرف، خاصة
وأن الكثير
منهم من الأطباء والفنيين والممرضين المتجهين إلى مراكز
عملهم، بالإضافة
إلى المرضى وأقاربهم المصاحبين لهم.
وقد
استمرت هذه السيارة ساعة كاملة معطلة لحركة المرور، التي
انسدت بشكل كامل..
كم كان
مؤلما عندما تبين أن صاحبة هذه السيارة هي فنانة، وأن
سلوكها الشاذ هذا نابع، حسب
ملاحظة بعض الحضور، من
اعتقادها أنها فوق القانون، لأنها
فنانة لها علاقات تستطيع "حمايتها" من كل سلوك مخالف
للقانون.
وفعلا
فإن قدرة فرد
على أن يستهتر بكل الضوابط القانونية والأخلاقية
والإنسانية، بهذا
الشكل، أي
أن
يترك
سيارة وسط الطريق العام طيلة ساعة كاملة، معطلا
بذلك حركة المرور ومصالح المواطنين،
لا ينم إلا عن خلل كبير
في قيمنا الاجتماعية السائدة، والتي
يمكن أن تؤدي إلى مثل هذه الغطرسة.
وبالمناسبة
فإن "فنانة"
صاحبة هذا
السلوك الأعوج لا أعتقد أن بنيتها النفسية والروحية لها علاقة ما بقيم
الفن والجمال.. إن
الفنان الحق هو الذي يسعى إلى نشر هذه القيم لا أن يدوسها. لذلك فإنه
إذا كان صحيحا قولنا إن السلطة
المطلقة مفسدة مطلقة، فصحيح
أيضا قولنا إن السلطة
الجزئية المستندة على سلطة مطلقة هي الأخرى مفسدة
مطلقة.
طبعا هذا
المثال هو مظهر من المظاهر المنتشرة الآن بكثافة، لا في
الطريق العام فقط، بل أساسا
وبأشكال وطرق مختلفة في كل الميادين، وفي كل
المؤسسات، حيث لا
سلطة للقانون، بل للجاه
والمحسوبية التي تخول لصاحبها الدوس على كل الضوابط، التي
تنظم المجتمع، وتحمي
حقوق المواطن والوطن من كل اعتداء.
ولمثل
هذه الأسباب أفرز المجتمع التونسي
حركة 18
أكتوبر، التي لا
يمكن لأي ملاحظ غيور عن وطنه إلا أن يعتبرها حركة معبرة عن ضمير
المجتمع، وعن
حرقته ورغبته
في التخلص
من هذا الداء، الذي
أنهكه، وأوشك
على قتله، وعن طوقه
لبناء
مجتمع حر مستقل، يخطط
للتنمية المستديمة وليس للإقصاء
والظلم والقهر.
ولهذا فإن
هذه الحركة يجب أن تستمر استمرارا يبدع أشكالا أخرى في
النضال، محافظة
على الخيار السلمي، الذي من
شأنه أن يفوت الفرصة على كل من يحاول تغيير وجهتها إلى عنف، لا يؤدي
إلا إلى خسارة الجميع حاكم ومحكوم..
وأعتقد أن
من الشروط التي يمكن أن تؤدي إلى التفاف متصاعد من الجماهير حول هذه
الحركة هو قيام كل الأطراف المشاركة بنشر دراسات نقدية، باعتبار
أن هذه الأطراف، حسب
رأيي، جميعها
قد أخطأ طوال السنوات السابقة منذ التحول... لأن من شأن هذا النقد
الذاتي أن يفسح المجال لبناء مناخ من الثقة لكل الأطراف، التي
تتأكد أن الجميع يعمل من أجل مصلحة الوطن، فالكشف عن
الأخطاء هام جدا،
لا للوقوف
عنده، بل
للاعتبار واستخلاص الدروس، فكيفية تعاطي المعارضة القانونية وغير
القانونية مع تحول 7 نوفمبر من الأسباب التي ساهمت بنسب متفاوتة في
تردي الأوضاع.. وكم يكون الأمر ينم عن شجاعة بالغة إذا ساهم الحزب
الحاكم بنشر نقد ذاتي صريح.. وأقول ساهم لأن الجميع مطالب بالمساهمة في
بناء الوطن، ولا يمكن
لهذه المساهمة أن تكون مثمرة إذا أصر طرف على أنه يتمتع بنقاء وبطهر
سلوكي، نابع من
عصمة لا تجوز لغير الأنبياء في التبليغ عن ربهم..
فالنظام
الحاكم أخطأ عندما جنح للخيار الأمني، وهو
اختيار كارثي أدى إلى إقصاء طاقات كبرى،
مما فوت
الفرصة على البلاد من الاستفادة من أبنائها المبدعين في مختلف
الميادين، لذلك فإن
من مصلحة السلطة أن تستمع إلى من يبصرها بأخطائها، لأن
هؤلاء هم المخلصون حقا، وهم
الذين يسوقونها إلى شاطئ الأمان.
أما الذين
يتعامون عن أخطائها، ويكثرون
من المديح، ويزينون
الباطل، ويطمسون
الحقيقة، فهؤلاء
هم الأعداء الحقيقيون للسلطة، لأن الذي
يحركهم ويدفعهم إلى كل هذا هو
فقط
مصلحتهم الشخصية، وروحهم
الانتهازية،
فعلى
السلطة أن تفرق بين من يريد ثم يفكر، وبين من
يفكر ثم يريد.. إن المحيطين بالسلطة هم الذين جعلوا تفكيرهم وراء
إرادتهم، فقد
أرادوا أن يحققوا مكاسب مادية ومنافع اجتماعية وسياسية، فصوبوا
تفكيرهم نحو هذا الهدف، وجعلوه
وراء إرادتهم، يزينون
الباطل، ويزيفون
الحقيقة، يأمرون
بالمنكر وينهون عن المعروف.
والفرق
شاسع وجلي بينهم وبين من جعلوا إرادتهم وراء تفكيرهم.. يفكر ثم يختار
ثم يريد.. إن حركة 18 أكتوبر لا يمكن تصنيف أفرادها إلا ضمن هذه
الفئة، التي
تفكر ثم تريد، وبالتالي
فإن الخير كل الخير في المواطن الذي يكون هذا شأنه، وليس في
ذلك الذي يقصي ذاته وإرادته، فيقصي
إنسانيته وبالتالي وطنه؟
فمثل تونس
كمثل حافلة يقودها سائق وحوله مجموعتان تحاول الأولى تصويب مسار
الحافلة، حتى لا
تنحرف عن الطريق، وتنبه
السائق إلى كل انحراف ناتج عن سوء استعمال المقود، بينما المجموعة
الثانية تحاول تأكيد هذا الانحراف، مشددة
على محاسنه وصوابه، متجاهلة
المخاطر التي يمكن أن تنجر عن هذا الانحراف، فقط لأن
مصالحها الشخصية مرتبطة بهذا الانحراف كل الارتباط؟
ولهذا
السبب بالذات فإن على عقلاء الحزب الحاكم ومخلصيه أن يتحرروا من
سلبيتهم، وأن
يبذلوا كل الجهد لإخراج حزبهم من سيطرة الانتهازيين
والأصوليين. وفي نفس
الوقت على الأحزاب المعارضة وكل من يهمه الشأن الوطني، وخاصة
أبطال حركة 18 أكتوبر أن ينجزوا، في أقرب
وقت ممكن، الشرط
الهام والضروري، حسب
رأيي، والذي
تتوقف عليه كل الخطوات اللاحقة، المؤدية
إلى التغيير الجذري القائم على التعدد، والمرتكز
على الحرية والتحرر.
إن هذا
الشرط المطلوب من الجميع إنجازه هو النقد الذاتي لكل طرف، حتى
يطمئن الجميع إلى
أن هؤلاء
الذين يعيبون على السلطة الاستبداد بالرأي، متحررون
من هذا الاستبداد، وقابلون
وقادرون على الاعتراف بالخطأ، لأن الذي
لا يعترف بالخطأ لا يعترف بأنه في حاجة إلى الآخرين المخالفين له في
الرأي، ومن لا
يعترف بالآخرين يقصيهم عن المشاركة في بناء الوطن، رغم أنهم
جزء فاعل من الوطن.. ومن أقصى
جزء من الوطن فقد أقصى كل الوطن.
(*) كاتب
وباحث تونسي |